تلاعب بالكلمات، حتى في القصص الجادّة

اختر الكلمات التي يتجنبها الكاتب العادي، ولكن القارئ العادي يفهمها.

اختر الكلمات التي يتجنبها الكاتب العادي، ولكن القارئ العادي يفهمها.

روي بيتر كلارك
ترجمة: رؤوف علوان

تمامًا كالنحّات الذي يعمل على الصلصال، يشكّل الكاتب عالمًا من الكلمات. في الحقيقة، لقّبَ شعراء الإنجليزية الأوائل بـ “الصانعين”؛ الفنانين الذين يشكّلون اللغة لخلق قصص، بنفس الطريقة التي قام فيها الرّب – الصانع الأعظم – بخلق السماء والأرض.

يتلاعب الكتّابُ الجيّدون باللغة، حتى لو كان الموضوع عن الموت.

“Do not go gentle into that good night” (لا تستسلم بوداعةٍ إلى تلك الليلة الهانئة)، يكتبُ الشاعر الويلزي ديلان توماس إلى أبيه الذي يُحتضر: “Rage, rage against the dying of the light.” (ثُرْ، ثُرْ! ضدّ موت الضياء).

قد تتعارض فكرة اللعب (بالكلمات) مع فكرة الموت، لكن الكاتب يجد سبلاً ليجمع بينهما. فللتعبير عن حزنه، يعزف الشاعر على اللغة، مفضّلًا كلمة “gentle” على كلمة “gently”، ويختار”night” لتقفّي “light”. ويكررّ من مفردة “Rage”. ولاحقًا سوف يستخدم التوريَةَ:

“Grave men, near death, who see with blinding sight”
“يا من على شفا حفرة الموت، يا من تنظر ببصرٍ معميّ.”

المعنى المزدوج لـ ” grave men” يقود مباشرةً إلى اجتماع اللفظتين المتناقضتين “البصر المعميّ Blinding sight”. تلاعب بالمفردات، حتى تحت ظل الموت.

في الصحف يُعدّ كاتب العناوين الرئيسية شاعرًا بين الصحفيّين، فهو يملأ مساحات صغيرة بمعانٍ عظيمة. خذ هذا العنوان الرئيسي أثناء الحرب في العراق:

Jubilant mob mauls
4 dead Americans

هتافات حشود مبتهجة بتمزيق
4 موتى أمريكان

بشاعة ظروف ملابسات الحادثة أنّ: مدنيّين هاجموا ضباط أمن أمريكان، حرقوهم حتى الموت في مركباتهم، وانهالوا عليهم ضربًا، مثّلوا بجثثهم المتفحمة، وثم جرّوها عبر الشارع، وعلّقوها على ما تبقى من جسر – كل هذا أمام حشود تهتف ابتهاجًا.

حتى تحت وقع مجزرةٍ كهذه، الذي كتَبَ العنوان الرئيسي تلاعب في اللغة. فالكاتب يكرّر الحروف الساكنة (B و R) للتأكيد، ويجعل مفردة “Jubilant هتاف البهجة” تتعارض مع مفردة “dead ” لتعطي تأثير مفاجئ. كلمة Jubilant””، هي من الفعل اللاتيني Jubilare الذي يعني حرفيًا “يرفع صيحات الابتهاج”.

كلمات مثل “حشد / غوغاء”، “موتى/ قتلى”، و “أمريكان” تظهر في تقارير الأخبار طوال الوقت. أما “يمزق” فهو فعل نجِدُهُ في قصة عن كلبٍ يهاجم طفلاً. بينما “هتافات الابتهاج” لفظة مميزة، يفهمها أغلب القرّاء، لكن نادرًا ما تأتي في سياق الأخبار.

كثيرًا ما يحبسُ الكتّابُ مفرداتهم اللغوية في محاولة ضالة لخفض نبرة اللغة كي يفهمها عامّة القرّاء. الكلمات غير الواضحة يجب أن يوضحها فحوى النصّ. فمخزون المفردات اللغوي في قراءة الفرد العادي أكثر من المفردات اللغوية عند المؤلف العادي في الكتابة. ونتيجة لذلك، المؤلفون الذين ينتقون مفرداتهم اللغوية من بحر اللغة العميق يجذبون إليهم اهتمام القرّاء الخاص فيكتسبون لقب “كُتّاب”.

إنّ كتابة المفردات الثريّة لا تتطلب كلمات مبهرجة رنّانة. فأحد أعظم كاتبات المقال في أميركا، وأعني فيشر M. F. K Fisher، عُرفتْ بكتاباتها عن الطعام، لكنها دائمًا تضيف نكهة من التلاعب باللغة إلى جميع أعمالها. خذ ذكرى الطفولة هذه المفعمة بالحياة والتي فيها تصف غرفةً صغيرة مؤثثة إلى جانب المرآب لتأوي أحد العمّال:

الغرفة مهيّئة لتخزين الأدوات، كما أفترض. كانت كبيرة بما يكفي لتأوي سريرًا صغيرًا، الذي كان على الدوام منضدًا، ومقعدًا بمسندِ ظهر متحرك، ومكتب متهالك. كانت الجدران جزءًا من المرآب، مغطّاةً بأوراق صحف لمنع التيارات الهوائية. كان هناك موقد صغير يعمل على الغاز، من النوع الذي يُستخدم في مخيمات لاغونا الصيفية، يتوهج منه ضباب على النافذة برائحة طيبة دافئة. كان هناك ضوء خافت يصدر من مصباح السقف. وهناك رفٌّ من الكتب، لكن ما هي هذه الكتب فهذا ما لن أعرفه أبدًا. تتدلّى بهدوء من عوارض السقف حِزمٌ من أوراق تبغٍ نصف مجففة. كان تشارلز حصل عليها في أحد صفقات بيع غريبة، في ولاية كنتاكي. كان قد جفّفها، وفي كل ليلة كان يحشو أكثر الأوراق هشاشة في غليون بحجم كف يده. كان يمدّ يده للأعلى مشرئبًّا، يقطف وريقة، وثم يجلس مسترخيًا في مقعده القديم ويتحدث إلينا: أنا وأختي آن والجديدة نورا. إلى أن يحين وقت نفث المزيد من الدخان الشهيّ. (من رواية: بين الأصدقاء).

لم تستخدم فيشر استعارات واضحة هنا أو توريات سهلة. إنما جاء تلاعبها باللغة على هيئة مجموعة من الكلمات والصور المحددة بدقة تنقلنا من زماننا ومكاننا إلى الزمن القديم لتلك الغرفة الصغيرة.

إنّ كبحَ فيشر لتلاعبها باللغة يقف على النقيض تمامًا من التلاعب بالكلمات الذي يصل لدرجة الهلوية في Act of the Damned، لـ أنتونيو لوبو أنتونيس:

عند الثامنة صباحًا في ثاني أربعاء من سبتمبر، 1975، انتزعني منبّه الساعة من منامي كما رافعة ميناء ترفع كتلة طحالب لزجة لا تعرف السباحة. طفوتُ على سطح الشراشف، الليل يتقاطر من منامتي وقدماي كأنهما مخالب حديد تحمل مفاصل جثتي على السجاد، بقرب الحذاء المفعم برائحة الأمس. فركتُ بقبضتي عينيّ المتورمتين وشعرتُ بنُدفِ صدأٍ تتساقط من الزوايا. كانت آن متزمّلة، كجثةٍ في مشرحة، ببطانية في أقصى جانب من السرير، لا يظهر منها سوى مقشة شَعر رأسها. هناك قطعة مثيرة للشفقة من الجلد تطلّ من طرف حشية السرير. اتجهتُ إلى الحمّام لأفرّش أسناني والمرآة القاسية تعرض لي العطب الذي زخرفته السنين، كما على كنيسة صغيرة مهجورة.

حتى هؤلاء الذين يفضّلون أسلوبًا أكثر وضوحًا يحتاجون بين الحين والآخر للسباحة في بحر اللغة السريالية – حتى لو للاغتسال من مفرداتنا التي نشعر بالرضا حيالها.

جميعنا يمتلك مفردات بحجم بحيرة اكتسبناها من القراءة لكننا لا ننهل إلا ما هو بحجم بِركةٍ صغيرة. الأمر الجيّد هو أن البحث والجَمْعَ دائمًا ما يُضاعفان عدد المفردات المستخدمة. الكاتب يرى، يسمع، ويدوّن. الرؤية تقودنا إلى اللغة.

“يجب أن يكون بمقدور الكاتب أن يشعر بحميمية تجاه الكلمات، كل واحدة على حدة”، يكتب الشاعر دونالد هول في Writing Well، “يجب أن يكون بمقدوره كذلك التراجع خطوة للوراء، داخل رأسه، للنظر إلى الجُمل المتدفقة. لكن عليه أن يبدأ من كلمة واحدة”.

يحتفي دونالد هول بالكُتّاب الذين هُم من “الأصالة، بما يجعلهم يرون الشيء كمن يراه لأول مرة، مع ذاك يدوّنون رؤاهم في لغةٍ يفهمها جميعنا. إذ فأول صفةٍ يحتاج إليها الكاتب هي الخيال؛ أما الثانية فهو يحتاج إلى الحرفة. خيال دون حرفة لا يصنع إلا فوضى عارمة؛ وحرفة دون خيال، ليس إلا نظام يخلو من حياة”.

تدريبات عملية

1. اقرأ عدة قصص في صحف اليوم، ضع دائرة حول أيّ كلمة مفاجئة، بخاصة الكلمات التي لم تعتد على رؤيتها في الأخبار.

2. اكتب مسودّة بغرض إطلاق العنان لمفرداتك اللغوية. اعرض المسودّة على قرّاءٍ تختارهم واسألهم حول اختياراتك للمفردات وعن مستوى فهمهم لها.

3. اقرأ عملًا لكاتبك المفضل. مُلقيًا اهتمامًا بالغًا على اختياره للكلمات. ضع دائرة على الكلمات التي تلاعبَ فيها الكاتب بخاصة عندما تكون مادة الموضوع جادة.

4. جِدْ كاتبًا، أو شاعرًا، اعتدت قراءة أعماله كمصدر إلهام لكتاباتك، ضع دائرة حول الكلمات التي تثير اهتمامك. حتى لو كنت تعلم معانيها مسبقًا، ابحث عنها في معجم تاريخيا بحث عن جذر وأصل المفردة. حاول تحديد متى كان أول استعمال معروف لها في اللغة المكتوبة.

كُتب في كيف أكتب | إرسال التعليق

سبعة نصائح للكتاب الواعدين من برنار ويربر

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك.

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك.

ترجمة: حسام الدين نوالي- المغرب

1- الإعاقات

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها في الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك. إذا لم يكن لديك ما تقوله للآخرين ولنفسك، فإن الكتابة تغدو مقياسا لشساعة الفراغ الداخلي. آسف، فلا فعل من دون رؤية. ولكي تصير كاتبا محترفا، هيئ نفسك لقضاء خمسة ساعات يوميا مربوطا – ووحيدا  -إلى آلة كاتبة أو مذكّرة. فهل تشعر أن هذا ممكن؟

2- الأصالة

كل كتاب وكل حكاية يجب أن تحمل جديدا. إذا كان ما تفعله هو تمديد لهذا أو ذاك، أو كتابة صدىً له، فتوقف عن العمل، لأن هذا أو ذاك أنجزه من قبل .. يجب أن تكون أكثر أصالة في الشكل والعمق: الحكاية ينبغي أن لا تشبه شيئا سابقا، والأسلوب ينبغي أن يكون جديدا كلّية. فإذا كنا نشغّل المطبعات وندمر أشجارا من أجل عجينة الورق، فلأن مخطوطاتنا يجب أن تحمل جديدا فيما تنقله.

3- موقع “سيد الكتابة”

أن تصير سيدا، يعني ألا تنسخ وألا تسرق. يعني أن تنغمس في روح وحرية وطريقة تطوير قصص هذا أو ذاك، فلا تناقض هنا مع قاعدة الأصالة، إذ بالقراءة يمكنك مثلا تفكيك محرك سيارة Mazeratti وفهم كيف تمّ تركيبه، وهذا بالمقابل سيمكّنك بطريقة مغايرة من بناء محرك لسيارة Lamborgini.

4- موقع صانع التحف

الكتابة صناعة تحف، ينبغي امتلاك ذوق لها، ثم صيانتها بانتظام. فلا وجود لكاتب جيد من دون إيقاع منتظم للعمل، على الأقل أسبوعيا. ثم إننا دائما داخل مدرسة، وكل كتاب من شأنه أن يعلّمنا سرّ مهارة صغير للكيفية التي يعدّ بها الحوار، أو التقطيع، أو إدماج شخصية جديدة، أو خلق مؤثرات التشويق، وتلك حرفة صناعة التحف.

واحذر أن تخدعك شخصيات الكتاب في التلفزيون أو حواراتهم، تلك مواقفهم فقط، إذ لا يمكن صناعة الكاتب الجيد هناك. ولا تنسَ أنه لا يمكن اعتبار الكاتب جيدا لمجرد حضوره على الشاشة بابتسامته الجميلة، إنه مجرّد نموذج مناسب للتلفزيون؛ وعموما فبقدر ما هم جدّيون بقدر ما يكبر تأثيرهم. فيما الطريق الوحيد لمعرفة قيمة كل كاتب هو “القراءة”، والطريق الوحيد لمعرفة مكانتك ضمن تُحفك الفنية هو أن تسأل القراء عما يعتقدونه بشأن كتاباتك.

5- لا تبحث عن الجميل.

الكثير من الروائيين وخاصة في فرنسا، يصنعون “الجميل” من أجل “الجمال”، إنهم ينضدون جملا مركّبة بمفردات معجمية ينبغي البحث عنها في القواميس كما لو ينضدون اللؤلؤ لتشكيل عِقد، وهذا مجرد حفنة من العبارات الجميلة وليس كتابا، والأفضل أن يصيروا شعراء، فهذا على الأقل سيبدو مقبولا. يجب أن يكون المشهد مقنعا وليس زخرفا، فالمتلقي لم يعد يتحمل قراءة صفحات وصفٍ حيث لا شيء يحدث، ولا حوارات طويلة لا تحمل جديدا؛ فالشكل ليس غاية، إنه يدعم المحتوى (العمق). ينبغي في البداية امتلاك حكاية جيدة، ثم في الداخل نستطيع تأثيث دوائر الزينة من غير الإساءة لصبر القارئ.

6- المعاودة

لا تخشَ البدء من جديد أبدا، فعادة ما تكون البدايات منقوصة، ونكون أمام خيارين، إما ترقيعها مثل قارب نعالج الثقوب التي في بدنه بقطع خشب، أو نصنع قاربا أخر من جديد. لا تتردد في اختيار الحل الثاني على الرغم من أن حاسوبك ومعالجة النصوص تسمح بالترقيع. إنها تقريبا مثل الـ “master mind” فأحيانا حين نخطئ في كل شيء نستخلص الطريقة الصائبة. لقد كتبتُ رواية “النمل” 120 مرة، وبصراحة لم تكن النماذج الأولى فظيعة.

7- القراء الاختباريون

جِدْ من يقرأ لك ولا يخشى قول الحقيقة، معظم الناس الذين تمنحكم مسوداتك يشعرون أنهم مضطرون للقول أنها سابع عجائب الدنيا. هذا غير مهم، ولا يلزمك بشيء، في المقابل فالقول للكاتب “البداية مفرطة الطول، والنهاية غير مقنعة” يعني في الغالب مصارحة الكاتب، ومن يمتلك القوة ليقول لك هذا هم من يساعدونك بحق. ولهم ينبغي منح مسوداتك لتتلقى وجهة نظرهم. تستطيع أيضا الاستماع للتهاني بشأن المقاطع الموفقة، لكن لا تكن ساذجا، اترك الأنا جانبا، وابتعد عن المتملقين الذين لا يستطيعون التبرير لماذا أعجبهم هذا العمل.

كُتب في نصائح الكتابة | إرسال التعليق

آن لاموت: الكماليّة سوف تدمّر كتابتك

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

آن لاموت *
ترجمة: أحمد الزبيدي
مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

أعتقد بأن الكمالية تنبعُ من ذلك الهاجس، بأنك إذا ركضتَ بحذرٍ كافٍ، ووطأت على كلّ حجرٍ بالشكل الصحيح، فلن تموت. الحقيقة هي أنك ستموت في جميع الأحوال، وأن كثيرًا من الناس ممن لا ينظرون إلى خطواتهم، سيبلون خيرًا منك، وسيقضون أوقاتًا ممتعة أكثر منك بكثير.

إلى جانب ذلك كله، الكمالية سوف تدمّر كتابتك، سوف تحجبُ عنك الزخم واللعب وطاقة الحياة. الكمالية تعني أنك تحاول باستماتةٍ ألا تترك وراءك أية فوضى أو أشياء زائدة لكي تتخلص منها، ولكن تلك الفوضى ترينا أن الحياة قيد العيش، فهي أرضٌ خصبة بشكل رائع، ويمكنك أن تكتشف كنوزًا بين تلك المخلفات؛ تتخلص من أشياء، وتمحو أخرى، وتثبّت أخرى، وتعثر على غيرها. الصرامة تعني أن النّص هو أفضل ما ستحصل عليه.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

عندما كنتُ في الحادية والعشرين، قمت بإزالة اللوزتين، كنت من أولئك الذين يصابون بالتهاب الحنجرة كل بضعة دقائق، وأخيرا قرّر الطبيب أنني بحاجة لإجراء عملية ازالة للوزتين. بقيت لمدة أسبوع بعد العملية أعاني الألم الشديد عند محاولة بلع أي شيء، حتى أنني كنت بالكاد أفتح فمي. أخذت وصفة طبية تشتمل على مسكنات للألم، ومع ذلك، وبعد أن نفدت الوصفية، لم يتوقف الألم. تحدثت مع الممرضة وقلت لها بأنّ من الضروري جدًا أن تصرف لي وصفة جديدة أقوى، وربما من الأفضل أن تحتوي على مزيج أدوية أكثر فاعلية، لأنني بدأت أشعر بالقلق نوعا ما، ولكنها لم تفعل. طلبت أن اتحدث مع مسئولتها، فأخبرتني بأنها تتناول الغداء، وأن ما أحتاج إليه هو شراء بعض العلكة قبل أي شيء، وأن أقوم بمضغها بقوة.

هذه الفكرة جعلتني أقبض على حلقي بإحكام. فشرحت لي كيف أن جسدنا حينما يصيبه جرح ما، فإن العضلات القريبة من الجرح تحيط به، لحمايته من أي تلوث أو عدوى، لذا فأنا بحاجة لاستعمال تلك العضلات إذا ما أردت أن أشعر بالراحة.
وأخيرًا، ذهبت صديقتي المفضلة بامي واشترت لي بعض العلكة، وبدأت ألوكها وأنا مستاءة ومرتابة. كانت أولى الحركات قد خلفت إحساسا فظيعًا في مؤخرة الحلق، ولكن الألم زال تمامًا خلال دقائق.

أعتقد بأن شيئاً مشابهاً لذلك يحدث لقوانا النفسية، فهي تضيّق الخناق على جروحنا -ذكريات الطفولة المؤلمة وهزائمنا وخيبات أملنا في مرحلة البلوغ والإذلال الذي عانيناه من كليهما، فهي تحمينا من عودة الآلام الى المكان ذاته مرة اخرى، وتلفظ الأشياء الغريبة خارجًا، وعليه فهي لا تسمح لتلك الجروح بأن تلتئم.

الكمالية هي أحد الطرق لتضييق الخناق على جروحنا. في بعض الحالات، نحن لا نعرف حتى أن الجروح والتشنّجات موجودة، إنّها تحدّ من قدراتنا، تجعلنا نواصل المسير ونكتب بأساليب صارمة وقلقة، تجعلنا نتراجع ونتقهقر أمام الحياة، وبطريقةٍ فجة ومباشرة تمنعنا من اختبار الحياة، فكيف يمكن لنا تجاوز كل ذلك والتقدم الى الأمام؟

حسنًا، سيكون ذلك أسهل، إذا ما كنت تؤمن بإله. ولن يكون مستحيلا إن لم تفعل. إذا كنت تؤمنُ بإله، فإن الإله الذي تؤمن به قد يكون قادرًا على تحريرك من الكمالية. رغم ذلك، فإن أحد أكثر الأشياء إزعاجًا أن تعرف بأن إلهك لن يمسّك بعصاه السحرية، مثلما تفعل الجنية الطيبة جليندا، ويعطيك ما ترغب به. ولكنه قد يمدّك بالشجاعة أو قوة التحمّل لكتابة المزيد والمزيد من المسوّدات الرديئة، وعندها ستتعلم أن المسودة الثانية المتقنة ستنبثق من ذلك، وستدرك قيمة تلك الفوضى والركام الرهيب الذي تركته خلفك.

والآن، قد يكون الإله الذي تؤمنُ به صارمًا ومطلق أحكامٍ وكماليّ، من النوع الذي يشبه بوب دول، أو يشبهني أنا. ولكنّ صديقًا قسّيسًا حذرني مرة لأبتعد عن إله المعايير في طفولتي، الذي يحبّك ويرشدك، ثمّ – إذا تصرّفت بسوء- سوف يشويك. إلهٌ مثل ناظر مدرسة ثانوية ببذلة رمادية، لا يتذكر حتى اسمك، ولكنّه دائمًا ما يقلّب أوراق ملفك بضيق. إذا كان هذا هو الإله الذي تؤمن به، فأنت بحاجة لأن تندمج مع شخصٍ يسليك قليلا، أقل وسوسة وتدقيقًا. ديفيد بايرن مثلا، قد يكون جيدًا، وكذلك غريس الين، ومستر روجر.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

إذا لم تكن تؤمنُ بإله، فقد يكون من المجدي أن تتذكّر الكلمات العظيمة لجنين روث:

“إن الوعي والإدراك يعلّمانك أن تصاحبَ نفسك وأن تكون صديقًا أكثر تعاطفًا معها، كما لو كنتَ شخصًا تحبّه وترغب بتشجيعه. أشكّ بأنك ستقرأ المسودة الأولى لصديقٍ مقرّب، بحضوره، وأنت تقلّب عينيك منزعجًا وساخرًا. أشكُّ بأنك سوف تقحمُ إصبعك في حنجرتك، أعتقدُ بأنك ربما ستقول شيئًا يشبهُ؛ أحسنت. يمكننا أن نعالج بعض المشكلات لاحقًا، ولكن حاليًا.. اعمل بكلّ طاقتك”.

وعلى أية حال، فإن الحقيقة هي أنك إذا أردت أن تكتب، فبإمكانك ذلك، ولكن من المحتمل أنّك لن تكون قادرا على التقدم إذا لم تتجاوز عائق الكمالية.

أنت تريد أن تروي قصة من نوع ما، تروي الحقيقة كما تشعر بها، لأن شيئا ما يدعوك لذلك.

إنه يدعوك كما في افلام الكارتون، عندما يرتفع من الفطيرة الساخنة – التي تركوها قرب النافذة لتبرد – إصبعًا من الدخان الرفيع، ينزلق تحت الباب، إلى جحر الفأر، أو أنف الرجل والمرأة النائمين على الكرسيّ المريح، فيلوي الدخان العبقُ إصبعه، ينهضُ الفأر، أو الرجل أو المرأة، ويتبعونه، بأنوفٍ ترتفع في الهواء.

ولكن في بعض الأيام، يكون الدخانُ خفيفًا، وعليك أن تلاحقه بأفضل ما تستطيع، وأن تتشمّمه. وحتى في تلك الأيام، يمكنك أن تحسّ بالمثابرة، وفي اليوم التالي قد تكون الرائحة أقوى، كما لو أنك تنمّي في داخلك غريزة كلبيّة. إنه أمرٌ لا يقدّر بثمن. في حين أن الكمالية، على الجانب الآخر، لن تأخذك إلا إلى الجنون.

إن يوم عملك قد يتحول الى فوضى تامة، ما الضير في ذلك؟ يقول فونيغت:

“عندما أكتب أشعر مثل رجلٍ بلا يدين، ولا ساقين، بقلمِ تلوينٍ شمعيّ في فمه”.

لذا، انطلق وأحدث الكثير من الخربشات والأخطاء. استخدم الكثير من الأوراق، الكمالية هي شكلٌ لئيمٌ وجامدٌ للمثالية، في حين أن الفوضى هي صديق الفنان الحقيقي.

ما ينساه الناس غالبًا، من دون دراية أنا متيقنة، أننا عندما كنا صغارًا، كنا نحتاج أن نخلق الفوضى لنكتشف من نحن، ولماذا نحن هنا، ومن ثمَّ.. ما الذي يفترضُ بنا أن نكتبه.

من كتاب: Bird By Bird

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

فضِّل ما هو بسيط على ما هو تقنيّ

عند مواطن التعقيد، استخدم كلمات وجمل وفقرات أقصر

عند مواطن التعقيد، استخدم كلمات وجمل وفقرات أقصر

 

روي بيتر كلارك
ترجمة: د. سمر طلبة – بثينة العيسى

رغم أننا نمتدح البساطة هنا، إلا أنه يجب التنويه بأن الكاتب الجيّد يستطيع أن يجعل البسيط معقدًا، ويحقّق تأثيرًا جيّدا. يتطلّب هذا تقنية أدبية خاصّة اسمها “التغريب”، وهي كلمة يائسة تصف العملية التي يقوم بها المؤلف بأخذ ما هو مألوف، وجعله غريبًا.

يحقق مخرجو الأفلام تأثيرًا مشابهًا من خلال تقريب الكاميرا جدًّا من الممثلين، أو بتصوير زوايا غريبة أو مشوّهة. صُنعُ هذا التأثير يبدو أكثر صعوبة على الورق، ويمكن له أن يسحر القارئ كما فعل (إي بي وايت) في وصفِ يومٍ شديد الرطوبة في فلوريدا.

“في بعض الأيام تغزو رطوبة الجو كل الحياة، وكل الأحياء. أعواد الثقاب ترفضُ أن تشتعل. المنشفة، إذا ما علقتها لتجف، تزداد بللًا مع كل ساعة. الصحف، بعناوينها التي تتحدث عن الاندماج، تذبلُ في يدك برخاوة وتسقط قصاصاتها في كوب القهوةِ وصحن البيض. الأظرف تلصق نفسها بنفسها، طوابع البريد تضاجع بعضها البعض بلا حياء كما تفعل الجداجد.” (من رواية خاتم الزمن).

ما الذي يمكن أن يكون مألوفًا أكثر من شاربٍ على وجهِ معلم؟ ولكن ليس هذا الشارب، كما يصفه (روالد دال) في مذكرات طفولته.

“رقمُ ثمانية مرعب؛ سياجٌ برتقاليّ كثيف نبت وأزهر بين أنفه وشفته العليا، ثم ركض عبر وجهه منذ منتصف خده وحتى منتصف خدّهِ الآخر. كان يلتفُّ إلى أعلى بطريقةٍ مدهشة، وكأنه يستخدم تمويجة دائمة، أو أنه يوضع صباح كل يوم فوق لهب صغير بواسطة لفافة لتجعيد الشعر.. الطريقة الوحيدة الأخرى للحصول على هذا التأثير الملتفّ، كما قررنا نحن الأولاد، كانت بتمشيطه إلى أعلى بفرشاة أسنان قاسية أمام المرآة كل صباح”.

إن كلًا من وايت ودال يأخذان العادي المألوف (اليوم الرطب والشارب) ويمررانهما من خلال فلتر أسلوبهما النثري، فيجعلانا نراهما بطريقة جديدة.

لكن في أغلب الأحيان، ينبغي على الكاتب أن يجد طريقة لتبسيط النثر للقارئ، ولنطلق على هذه الاستراتيجية اسم “التقريب” (في مقابل “التغريب”)، وتتمثل في أخذ الغريب أو الغامض أو المعقد وجعله مفهومًا، بل بسيطًا، وذلك من خلال الشرح والتفسير.

ما يحدث في الواقع هو أن الكتاب يميلون عادة ً إلى إيصال الأفكار المعقدة من خلال جمل وتراكيب معقدة، كما هو الحال في هذه الجملة التي اقتطفناها من مقالة افتتاحية عن الحكومة:

“ولتجنب تفعيل هذه التشريعات دون مراعاة تكاليفها المحلية وتأثيرها الضريبي، مع ذلك، توصي اللجنة بالاهتمام على مستوى الولاية بأية تفويضات مقترحة، وأن تعوض الولاية الحكومات المحلية جزئيًّا عن بعض التشريعات المفروضة من قِبَلِها وكليًّا عن التفويضات المختصة بتعويضات الموظفين وظروف العمل والمعاشات”.

إن التكثيف الذي تتسم به هذه الفقرة يحتمل أحد تفسيرين: إما إن الكاتب يكتب بهذه الطريقة لأنه يعرف أنه لا يخاطب جمهورًا غير متخصّص بل يوجه حديثه لجماعة المتخصصين في القانون والتشريع، والذين هم- بالتالي- على دراية بالقضية المطروحة، أو أنه يكتب هكذا لأنه يؤمن بأن الشكل ينبغي أن يتبع المضمون، أو- بمعنى آخر- أن الأفكار المقعدة تتطلب تراكيب معقدة.

يبدو أن كاتب هذا المقال بحاجة إلى الإصغاء لنصيحة (دونالد موراي) المتخصص في أصول الكتابة، والذي يؤكد أن القارئ يفيده كثيرًا أن يقرأ كلمات وعبارات قصيرة وجملا بسيطة حين تتعقد الأفكار إلى الحد الذي يهدّد إمكانية الفهم. فتخيل معي أن يستبدل كاتب المقال بالفقرة السابقة هذه الفقرة الشارحة المفسرة:

“تتولى ولاية نيويورك عادةً إصدار قوانين لتنظيم شؤون حكومات الولايات المختلفة، ولهذه القوانين اسم، فهي تسمي “تفويضات الولاية”، وفي كثيرٍ من الأحيان تؤدي هذه القوانين لتحسين ظروف معيشة المواطنين في تلك الولايات، لكن هناك ثمنٌ لذلك. على سبيل المثال، في كثير من الأحيان لا تأخذ حكومة ولاية نيويورك في اعتبارها ما تتكبده حكومات الولايات المختلفة من تكاليف، وما يُفرَض على مواطني تلك الولايات من ضرائب جراء تفعيل هذه القوانين. وبناء عليه نقترح أن تقوم ولاية نيويورك بتعويض حكومات هذه الولايات عن بعض ما تتكبده بسبب هذه القوانين”.

يذكرنا “جورج أورويل” بأهمية تجنب الكلمات الطويلة إذا كانت بدائلها الأقصر كافية. يمكن للغة البسيطة أن تسهّل قراءة الحقائق الصعبة.

انظر الفقرة الأولى من رواية “خطّ الطول”. لـ (دافا سوبيل).

“عندما كنت صغيرة، ذات نزهة يوم أربعاء، اشترى لي والدي كرةً من الأسلاك المطرزة، وقد أحببتها. كان بإمكاني، بلمسة واحدة، أن أجعل اللعبة تتحول إلى لفائف مسطّحة بين راحتيّ، أو أن أجعلها تثبُ منفتحة إلى كرة مجوّفة. بفضل استدارتها، بدت مثل كرة أرضية ضئيلة، لأن أسلاكها المعلّقة كان لها الشكل نفسه للدوائر المتقاطعة التي رأيتها على كرة الأرض في الفصل المدرسيّ، والخطوط السوداء الدقيقة للطول والعرض. كانت بعض الخرزات القليلة الملوّنة تنزلق على الأسلاك جزافًا، مثل السّفنِ في البحارِ العالية”.

البساطة لا تعطى للكاتب. إنها نتاج للمخيّلة والصنعة، إنها تأثيرٌ يُخلق.

تذكّر بأن النثر الواضح لا يتوقّف على طول الجمل واختيار الكلمات وحسب، إنه يعتمد في المقام الأول على وجود هدفٍ محدّد، على الإصرار على القول. ما يأتي لاحقًا هو الجهد الذي يتكبدّه الكاتب في التبليغ، والبحث، والتفكير النقدي. لا يمكن للكاتب أن يجعل الموضوع واضحًا للقارئ ما لم يكن واضحًا في رأسه. بعدها، وبعدها فقط، يمكن للكاتب أن يفتح علبة أدواته، مستعدًا لأن يشرح للقارئ؛ الأمر هو هكذا.

المصدر: Writing Tools 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | إرسال التعليق

ماركيز: كل قصةٍ تحمل معها تقنيّها الخاصة

أكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع.

أكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع.

كتبت: بثينة العيسى 

نظم غابرييل غارسيا ماركيز ورشات عمل لكتابة السيناريو في مكسيكو، كان يقوم فيها بدور المايسترو الذي يضبط إيقاع فريق من الكتّاب؛ يطرح الأفكار، يقترح التعديلات، يقدح نقاط الانطلاق، ويصحح مسار الحكايات التي يفترض تحويلها من فكرة عارية إلى سيناريو فيلم جاهز للتصوير.

في كتابِه “ورشة سيناريو” المكوّن من ثلاثة أجزاء (كيف تُحكى حكاية، نزوة القص المباركة، بائعة الأحلام) ينفذ ماركيز عميقًا في طبيعة العملية الإبداعية، وما تتطلبه كتابة قصة جيّدة. انتخبنا من الكتاب جملة من المقاطع التي نأمل أن تساعد الكاتب المبتدئ، وغير المبتدئ حتى!، في تحسّس طريقه داخل مشروعه الإبداعي بثقة وبصيرة أعلى.

ففيما يتعلق بالعوامل الخاصة بنجاح ورش الكتابة الإبداعية، يقول ماركيز:

” لا بدّ من إبداء الرأي بصراحة مطلقة؛ فعندما نرى شيئًا غير جيّد، يجب أن نقول ذلك؛ يجب أن نتعلم قول الحقيقة لبعضنا البعض وجهًا لوجه، وأن نعمل كما لو أننا نقوم بإجراء علاجٍ جماعيّ”.

وفيما يخصّ العملية الإبداعية، يقول:

“أكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع. أي سرٍ هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوىً يمكن لكائن بشريٍ أن يموت من أجله، أن يموت جوعًا، أو بردًا، أو من أي شيء آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه، وهو شيء في نهاية المطاف، إذا ما أمعنّا النظر، لا ينفع في أي شيء؟ لقد اعتقدت يومًا – أو توهمت بأنني اعتقدتُ – بأنني سأكتشف فجأة سرّ الإبداع.. اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة. ولكن حدوث ذلك راح يبدو لي أصعب فأصعب. فمنذ أن بدأت بإدارة هذه الورش استمعت إلى ما لا حصر له من التسجيلات، وقرأت ما لا يحصى من النتائج محاولاً أن أرى إذا ما كان بمقدوري اكتشاف اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة. ولكن لا شيء. لم أتوصل إلى تحديد ذلك. ولكنني بالمقابل صرتُ مؤيّدًا للعمل في ورشة. وقد تحول ابتداع قصص جماعية إلى نوعٍ من الإدمان..

ويؤكد ماركيز على ضرورة المحافظة على حسٍ عمليّ أثناء الكتابة، فيقول؛

“يجب على أحدنا ألا يقلق كثيرًا؛ فإذا كان هناك مشهد لا ينفع أو يسقط، فماذا يمكننا أن نفعل؟ يجب علينا البحث عن مشهد آخر. والمثير للفضول أن المرء يجد على الدوام تقريبًا مشهدًا آخر أفضل. ولو أن أحدنا أبدى رضاه عن المشهد الأول، لخرج خاسرًا. والمشكلة الجدية تظهر عندما يجد أحدنا المشهد الأفضل منذ البداية. عندئذ لا يكون هناك ما يمكن عمله.

كيفَ تعرف بأنك انتهيت من كتابة نصّك؟ يقول ماركيز:

“كيف نعرف ذلك؟ مثلما نعرف متى يكون الحساء جاهزًا. فليس هناك من يستطيع معرفة ذلك ما لم يتذوّقه.”

وعن الأفكار المتشابهة بين الكتّاب، يقول:

“يجب ألا نسمح للتشابهات بأن تخيفنا، طالما هي غير مرتبطة بالمظاهر الجوهرية للقصة. لأن الصحيح أن هناك قصصًا مختلفة جدًا ولكنها تتضمن مع ذلك الكثير من الأمور المشتركة”.

وعن ضرورة أن يمتلك الكاتب القدرة النفسية على استبعاد بعض المقاطع والمشاهد، وعلى حذف أجزاءٍ مما يكتب، يقول ماركيز:

“يدب أن نتعلم الاستبعاد. فالكاتب الجيد لا يُعرف بما ينشره بقدر ما يُعرف بما يلقيه في سلة المهملات. الآخرون لا يعرفون ذلك؛ ولكن أحدنا يعرف ما يلقيه إلى القمامة، وما يستبعده وما سيستفيد منه. وإذا كان يستبعد فإن هذا يعني أنه يمضي في الطريق السليم”.

وعن الخصائص النفسية الأهم للكاتب، يقولُ:

“يجب على أحدنا حين يكتب أن يكون مقتنعًا بأنه أفضل من ثيربانتس؛ أما عكس ذلك، فإن المرء سينتهي لأن يكون أسوأ مما هو في الواقع. يجب التطلع عاليًا ومحاولة الوصول بعيدًا، ويجب امتلاك وجهة نظر، وكذلك شجاعة بالطبع لشطب ما يتوجب شطبه ولسماع الآراء والتفكير فيها بجديّة. خطوة أخرى وسنكون في ظروف تمكننا من الشك حتى بتلك الأشياء التي تبدو لنا جيدة وإخضاعها للاختبار. بل أكثر من ذلك أيضًا، فحتى لو بدت للجميع جيدة، يتوجب على أحدنا أن يكون قادرًا على إخضاعها للشك. ليس الأمر سهلا، فردة الفعل الأولى التي تراود أحدنا عندما يبدأ بالشك بوجوب تمزيق شيء ما، هي رد فعلٍ دفاعي: كيف أمزق هذا، مع أنه أكثر ما يعجبني؟ ولكن أحدنا يمعن في التحليل وينتبه إلى أن ذلك الأمر لا يستقيم ضمن القصة بالفعل، وإنه يشوش البنيان ويتناقض مع طبيعة الشخصية، وأنه يمضي في طريق آخر.. يجب تمزيقه، ويؤلمنا ذلك في الروح.. في اليوم الأول. وفي اليوم التالي يكون الألم أقل؛ وبعد يومين يصبح أقل؛ وبعد ثلاثة أيام، أقل أيضًا، وبعد أربعة أيام لا يتذكر أحدنا شيئًا”.

الكاتب الجيد لا يُعرف بما ينشره بقدر ما يُعرف بما يلقيه في سلة المهملات.

الكاتب الجيد لا يُعرف بما ينشره بقدر ما يُعرف بما يلقيه في سلة المهملات.

ويحذر ماركيز من الاعتياد عن الاحتفاظ بالأجزاء المستبعدة بدلاً من تمزيقها:

” حذار حذار من الاعتياد على الاحتفاظ بالأشياء بدلا من تمزيقها، لأنه في حال بقاء المادة المستبعدة في متناول اليد، يكون هناك خطر أن يعمد أحدنا إلى إخراجها ليرى إذا ما كانت مناسبة في لحظة أخرى”.

وعن إمكانية أن يضلّ الكاتب طريقه عبر الكتابة، رغم وجود فكرة متكاملة للقصة، يقولُ ماركيز:

“تكون لدينا القصة ونظن أن كل شيءٍ صار محلولاً، ولكننا ما إن نبدأ بالكتابة حتى نخطئ بالنبرة، أو بالأسلوب. وقد يحدث أن نجد أنفسنا في طريق مسدود. ولحسن الحظ، هناك في داخلنا جميعًا أرجنتينيّ صغير يقول لنا ما يتوجب علينا عمله”.

وعن عدم جدوى وجود منهج للكتابةِ، يقول:

“كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة. والأمر المهم بالنسبة للكاتب هو اكتشاف تلك التقنية”.

الكتاب صادر عن دار المدى، من ترجمة صالح علماني، ويقع في 584 صفحة من القطع المتوسّط.

 

 

كُتب في عن الكتابة, كيف أكتب | الوسوم: , , , , | إرسال التعليق

22 نصيحة في الكتابة من ستيفن كينغ

في كثير من الأحيان، عليك أن تستمر في الكتابة حتى عندما لا تكون لديك رغبة بذلك

في كثير من الأحيان، عليك أن تستمر في الكتابة حتى عندما لا تكون لديك رغبة بذلك

ترجمة: جهان سمرقند

تأسر الروايات التي يكتبها الكاتب المعروف ستيفن كينغ ملايين الأشخاص حول العالم وتجرّ عليه أرباحا تقدر بسبعة عشر مليون دولار في العام. في مذكراته ” عن الكتابة”، طرح كينغ رؤى قيّمة عن الكيفية التي يصبح فيها المرء كاتبا جيدا، فلم يجمّل الأمر، و كتب قائلا:” لا أستطيع أن أكذب و أقول؛ لا يوجد كتاب سيئون. أنا آسف! لكن هناك الكثير منهم”.

لا تكن واحدا منهم؟ إليك 22 نصيحة مهمة من كتاب كينغ حول كيف تصبح كاتبا عظيما.

1. توقف عن مشاهدة التلفاز، و بدل ذلك، اقرأ قدر الإمكان.

إن كنت قد بدأت الكتابة للتو، فأول شيء عليك التخلص منه هو تلفازك، فالتلفاز “مسمم للإبداع” على حد قوله. يحتاج الكتّاب إلى إحالة نظرهم إلى أنفسهم و الانتقال إلى حياة الخيال. للقيام بذلك، عليهم أن يقرؤوا قدر الإمكان. يحمل كينغ كتابا معه حيثما ذهب، و يقرأ حتى خلال الوجبات. ” يقول: ” إذا أردت أن تصبح كاتبا، عليك القيام بأمرين قبل كل شيء: اقرأ كثيرا واكتب كثيرا”. اقرأ على نطاق واسع، و اعمل باستمرار على صقل وإعادة تحديد عملك الخاص أثناء قيامك بذلك.

2. استعد لمزيد من الإخفاقات والأزمات أكثر مما تتصور أن بإمكانك التعامل معه.

ويشبّه كينغ كتابة الرواية بعبور المحيط الأطلسي في حوض استحمام، لأنه في كلتا الحالتين “هناك الكثير من احتمالات الشك في النفس”. وأنت لن تشك في نفسك فقط، حتى الآخرين سيشكون فيك أيضا. كتب كينغ” إن كنت تكتب (أو فرضا ترسم أو ترقص أو تنحت أو تغني)، فهناك شخص يحاول أن يجعلك تشعر بالرداءة حيال ما تكتبه، هذا كل ما في الآمر.” في كثير من الأحيان، عليك أن تستمر في الكتابة حتى عندما لا تكون لديك رغبة بذلك”. يقول كينغ :” إيقاف جزء من العمل فقط لأنه صعب، سواء عاطفيا أو خياليا، هو فكرة سيئة”. و عندما تفشل، يقترح كينغ أن تبقى إيجابيا. ” التفاؤل هو الرد المشروع على الفشل”.

3. لا تضيع وقتك في محاولة إرضاء الناس.

حسب كينغ، يجب أن تكون الفظاظة آخر ما يشغلك. حيث كتب “إذا كنت تنوي أن تكتب بصدق قدر الإمكان، فاعلم أن أيامك كفرد في المجتمع المؤدب قد أصبحت معدودة على أية حال”. كان كينغ يستحي مما يكتب خاصة بعدما تلقى رسائل غاضبة تتهمه بأنه متعصب، وكاره للمثليين، وقاتل وحتى مضطرب عقليا. عندما بلغ كينغ الأربعين، أدرك أن كل كاتب لائق قد اتهم بأن الموهبة تنقصه. وقد اكتفى كينغ حتما من هذا الأمر، فكتب قائلا: ” إن كان لديك اعتراض، فأنا لا أستطيع سوى أن أتغاضى عن الأمر، هذا كل ما أملك” لا يمكنك أن ترضي كل قراءك في جميع الأحيان، و لذا ينصح كينغ بعدم الاكتراث للأمر.

4. اكتب مبدئيا لنفسك.

يجب أن تكتب لأن الكتابة تجلب لك السعادة وتحقيق الذات. كما يقول كينغ:” كتبت من أجل البهجة الخالصة للكتابة، فإن استطعت أنت فعل ذلك من أجل البهجة، فإنك ستفعله للأبد”. ويزودنا الكاتب كيرت فونيغت برؤية مشابهة حيث قال “جد لنفسك موضوعا تهتم به وتحس في قلبك بأن على الآخرين الاهتمام به أيضا”. ” إنه ذلك الاهتمام الحقيقي، و ليس تلاعبك باللغة، ما سيكون العنصر الأكثر إقناعا وإغراء في أسلوب كتابتك”.

5 .عالج أكثر الأمور المستعصية في الكتابة.

يقول كينغ:” إن الأمور الأكثر أهمية هي الأصعب أن نقولها”. وأضاف ” هي الأمور التي تخجل منها، لأن الكلمات تعجز عن وصف مشاعرك”. و تكون الجزء الأكبر في الكتابة مسبوقة بساعات من التفكير. وفي ذهن كينغ ” الكتابة هي صقل للتفكير”. عند معالجة القضايا المستعصية، تأكد من الحفر بعمق. يقول كينغ: ” القصص كالمستحثات، أشياء نعثر عليها.. القصص هي آثار، أجزاء من عالم وجد سابقا ولم يكتشف بعد” يجب أن يكون الكتّاب كعلماء الآثار، عليهم التنقيب على أكبر قدر من القصص التي يمكنه إيجادها.

إذا كنت تنوي أن تكتب بصدق قدر الإمكان، فاعلم أن أيامك كفرد في المجتمع المؤدب قد أصبحت معدودة على أية حال

إذا كنت تنوي أن تكتب بصدق قدر الإمكان، فاعلم أن أيامك كفرد في المجتمع المؤدب قد أصبحت معدودة على أية حال

6. أثناء الكتابة، انفصل عن باقي العالم.

يجب أن تكون الكتابة نشاطا حميميا. ضع مكتبك في زاوية الغرفة، واقصِ كل ما يمكن أي يشغلك، من الهاتف إلى النوافذ المفتوحة. ينصح كينغ” اكتب و الباب مغلق، أعد الكتابة و الباب مفتوح”. يجب أن تحافظ على خصوصية تامة بينك وبين عملك. كتابة مسودة أولى هو “أمر أوليٌّ بالكامل، وهذا النوع من الأمور التي لا أتردد في القيام بها والباب مغلق؛ فكأن القصة تقف عارية من كل شيء سوى الجوربين و السروال التحتي.”

7. لا تكن مدّعيًا.

يقول كينغ “إحدى أسوأ الأمور التي قد تلحقها بكتاباتك هي تنميقك للمفردات، والبحث عن الكلمات الطويلة لأنك ربما خجل بعض الشيء من كلماتك القصيرة”. ويشّبه هذا الأمر بإلباس ثياب تنكرية للحيوان الأليف، حينها يكون المالك والحيوان محرجان لأن الأمر مبالغ فيه تماما.

كما كتب رجل الأعمال الشهير ديفيد أوغيلفي في مذكرة لموظفيه: “لا تستخدم أبدا ألفاظًا من اللغة الاصطلاحية مثل “إعادة تشكيل المفهوم”، “التشتيت” ، “اتجاهيّ”، “حُكميا” فهي سمة أحمقٍ مدعٍ.” فضلا عن ذلك، لا تستخدم الرموز إلا عند الضرورة. و يقول كينغ: “الرمزية موجودة للتزين والإثراء، وليس لخلق إحساس زائف للعمق”.

8. تجنب استعمال الحال و الفقرات الطويلة.

كما أكد كينغ أكثر من مرة في مذكراته “الحال ليس صديقك”. في الواقع، هو يعتقد ” بأن الطريق إلى جهنم محفوف بالأحوال” ويُشّبه الأمر بالهندباء التي تخرّب حديقتك. و الأسوأ أن يأتي الحال بعد “قال” أو “قالت”، إذ يستحسن ترك العبارتين دون تنميق.
يجب عليك أن تنتبه لفقراتك أيضا، و بذلك تتدفق حسب اتجاهات وإيقاعات قصتك. ويقول كينغ “الفقرات تكون تقريبا مهمة دائما من ناحية شكلها أكثر مما هي عليه من ناحية مضمونها”.

9. لا تبالغ في الاهتمام بالقواعد.

بحسب كينغ، فإن الكتابة هي مسألة إغواء وليست مسألة دقة، حيث كتب “ليس على اللغة أن ترتدي دائما ربطة عنق و حذاءً بالرباط” وأضاف ” فالغرض من الرواية ليس الدقة اللغوية إنما هو الترحيب بالقارئ ثم إخباره بالقصة”، فاحرص على أن تجعل القارئ ينسى تماما أنه بصدد قراءة قصة.

10. إتقان فن الوصف.

“يبدأ الوصف في خيال الكاتب وينتهي في خيال القارئ”. هذا ما عبّر عنه كينغ. ليس الأهم أن تكتب بما فيه الكفاية وإنما أن تضع حدا لما تقوله. أن تقوم بتصوير ما تريد لقارئك أن يختبره أولا، ثم تترجم ما تراه في ذهنك إلى كلمات على الصفحة. تحتاج إلى أن تصف الأشياء ” بطريقة تجعل قارئك يقر لك بذلك” على حد قوله. مفتاح الوصف الجيد هو الوضوح، في الملاحظة كما في الكتابة. استعمل صورًا جديدة ومفردات بسيطة لتفادي إنهاك قارئك. ويشير كينغ إلى أنه “في كثير من المرات عندما يضع القارئ القصة جانبا لأنه أصيب بالملل، فمرد هذا الملل إلى أن الكاتب قد كَبُر مأخوذا بقدرته على الوصف ففقد بالتالي إدراكه لما هو أولوي بالنسبة له وهو المحافظة على الاستمرارية.

11. لا تعطي معلومات أساسية أكثر من اللازم.

كتب كينغ:” ما تحتاج لتذكره هو أن هناك فرقا بين أن تحاضر حول ما تعرفه وبين أن تستعمله لإثراء قصتك” وأضاف ” هذا الأخير أمر جيد، أما ما سبقه فلا” عليك التأكد من إدراج تفاصيل تدفع بقصتك إلى الأمام وتقنع القارئ بمواصلة القراءة. إن احتجت لإجراء بحث، فتأكد أنه لن يطغى على القصة. وحسب كينغ فإن البحث يعود “على الخلفية وما على وراء القصة بقدر ما يمكنك فهم ذلك”. بإمكانك أن تُسحر بما تقرأ، لكن قراءك سيهتمون أكثر بشخصياتك وقصتك.

"ليس على اللغة أن ترتدي دائما ربطة عنق و حذاءً بالرباط"

“ليس على اللغة أن ترتدي دائما ربطة عنق و حذاءً بالرباط”

12.اسرد قصصا حول ما يفعله الناس في الواقع.

تعتبر الكتابة السيئة مسألة أكبر من مجرد تركيب مقرف وملاحظة خاطئة، لكنها تنشأ عادة من الرفض المتصلب لسرد قصص عما يفعله الناس في الواقع. يقول كينغ “لمواجهة الواقع، دعنا نقل، أن القتلة أحيانًا يساعدون العجائز على عبور الشارع”. الناس في قصصك هم أكثر ما يثير اهتمام القراء، لذا عليك أن تقر بكل الأبعاد التي بالإمكان أن تكون في شخصياتك.

13. خض المخاطر، لا تبقَ في دائرة الأمان.

أولا وقبل كل شيء، عليك التوقف عن استخدام صيغة المبني للمجهول، إنها أكبر مؤشر على الخوف. يقول كينغ “أنا مقتنع أن الخوف هو مصدر كل كتابة سيئة”. على الكتاب إلقاء مخاوفهم خلفهم، و استجماع قواهم، و ينكبوا على الكتابة. ويضيف “جرب أي شيء لعين تريده، مهما كان فاحشا أو كان طبيعيا بشكل ممل، إن نجح الأمر، فهذا جيد، و إن لم ينجح فارمه”.

14. عليك أن تعي أنك لست بحاجة للمخدرات حتى تكون كاتبا جيدا.

“فكرة أن المسعى الإبداعي والمواد المنشطة متلازمان هي واحدة من أكبر الأساطير الفكرية الشائعة في وقتنا الحالي” يقول كينغ. وفي نظره، الكتاب الذين يتعاطون المخدرات هم ببساطة مدمنون. ويضيف “أي مزاعم تدعي أن تعاطي المخدرات والكحول ضروري للتخفيف من الحساسية المرهفة ليست سوى هراء معتاد لخدمة المصالح الذاتية”.

15. لا تحاول سرقة صوت شخص ما.

كما قال كينغ “لا يمكنك أن تقذف كتابا كصاروخ كروز”. عندما تحاول تقليد أسلوب كاتب آخر لأي سبب عدا الممارسة، فإنك لن تنتج سوى ” تقليد شاحب”. هذا لأنه لا يمكنك إطلاقا محاولة تكرار الطريقة التي يحس بها شخص ما ويواجه بها الحقيقة، خاصة عبر إلقاء نظرة سطحية للمفردات والحبكة.

16. عليك أن تعي أن الكتابة هي نوع من التخاطر.

يقول كينغ “كل الفنون تعتمد على التخاطر إلى حد ما، لكنني أؤمن أن الكتابة هي الخلاصة الأنقى”. و يعتبر النقل عنصرا مهما في الكتابة، فمهمتك ليست كتابة كلمات على الصفحة، إنما هي نقل الأفكار من رأسك إلى رأس قرّائك. و يضيف كينغ “الكلمات هي مجرد وسيط تحدث عبره عملية النقل”. وينصح فونيغوت أيضا في “نصائح عن الكتابة” الكُتَّاب قائلا “استهلك وقت من هو غريب عنك تمامًا بطريقة لا تجعله يشعر أنه قد أضاع وقته”.

17. خذ كتابتك على محمل الجد.

يقول كينغ: “يمكنك الاقتراب من فعل الكتابة بعصبية، أو بإثارة، أو بأمل أو يأس” وأضاف ” اذهب إليها بأية طريقة، المهم أن تكون على محمل الجد”. و إن لم ترغب في أخذ كتابتك على محمل الجد، فإنه يقترح أن تغلق الكتاب وتجد لنفسك شيئا آخر تفعله. و كما قالت الكاتبة سوزان سونتاغ: “يجب على القصة أن تضرب على الوتر في نفسي. ويجب أن يبدأ قلبي بالخفقان بشدة عند سماع أول سطر منها في رأسي. وأبدأ بالارتجاف من الخطر”.

18. اكتب كل يوم.

يقول كينغ “بمجرد أن أبدأ العمل في مشروع، فإنني لا أتوقف، و لا أتباطأ إلا لضرورة قصوى” ويضيف “إذا لم أكتب كل يوم فإن الشخصيات تبدأ بالتلف في ذهني.. و أبدأ بفقدان سيطرتي على حبكة القصة و وتيرتها.” إذا فشلت في الكتابة باستمرار، فبإمكان فكرتك أن تفقد إثارتها. عندما يصبح العمل يبدو وكأنه عمل، يصف كينغ هذه اللحظة بأنها “قبلة الموت”. وأفضل نصيحة يقدمها هي أن تكتب “كلمة واحدة كل مرة”.

19. انهي المسودة الأولى خلال ثلاثة أشهر.

يفضل كينغ كتابة عشرة صفحات في اليوم. وعلى مدى ثلاثة أشهر، يصل هذا إلى حوالي 180.000 كلمة. ويقول ” لا يجب أن تستغرق المسودة الأولى – و إن كانت طويلة – أكثر من ثلاثة أشهر، وهي مدة فصل من السنة”. و يؤمن كينغ بأنه إذا قضيت وقتا طويلا على مسودتك، فإن القصة قد بدأت تأخذ شعورا أجنبيا غريبا.

20. عند الانتهاء من الكتابة، ارجع خطوة كبيرة للوراء.

يقترح كينغ ستة أسابيع “نقاهة” بعد الانتهاء من الكتابة، فيكون ذهنك صاف لرصد أية ثغرات واسعة في الحبكة وفي تطور الشخصيات. كما يؤكد أن نظرة الكاتب الأولية للشخصية يمكن أن تكون ذات نقائص تماما كنظرة القارئ. و يشبه كينغ عملية الكتابة والمراجعة بالطبيعة حيث كتب “عندما تؤلف كتابا، فإنك تقضي وقتك يوما بعد يوم في فحص وتعيين الأشجار” وأضاف “وعندما تنتهي عليك التراجع للخلف لتنظر إلى الغابة”. وعندما تكتشف أخطاءك يقول “لا يجب أن تشعر بالاكتئاب منها أو تقسو على نفسك، فالإخفاقات تحدث لأفضلنا”.

"إذا لم أكتب كل يوم فإن الشخصيات تبدأ بالتلف في ذهني.. و أبدأ بفقدان سيطرتي على حبكة القصة و وتيرتها."

“إذا لم أكتب كل يوم فإن الشخصيات تبدأ بالتلف في ذهني.. و أبدأ بفقدان سيطرتي على حبكة القصة و وتيرتها.”

21. امتلك الشجاعة للقص.

عند المراجعة، يواجه الكتّاب وقتا صعبا في التخلي عن كلماتٍ قضوا وقتا طويلا في كتابتها. لكن، كما جاء في نصيحة كينغ “اقتل أحباءك، اقتل أحباءك، حتى عندما يُكسر قلب خربشتك الأناني الصغير اقتل أحباءك”. رغم أن المراجعة هي واحدة من أصعب أجزاء الكتابة، فإنك تحتاج إلى إزالة الأجزاء المملة للتقدم بالقصة. وفي ” نصائح حول الكتابة”، يقترح فونيغت: “إن لم تضِئ الجملة، مهما كانت ممتازة، موضوعك بطريقة جديدة و مفيدة، فاشطبها”.

22. ابق متزوجا، انعم بصحة جيدة وعش حياة جيدة.

يُرجع كينغ نجاحه إلى أمرين: صحته الجسدية وزواجه، حيث كتب “الجمع بين جسم صحي وعلاقة مستقرة مع امرأة مستقلة بذاتها لم تأخذ أي شيء مني أو من أحد غيري، جعل استمرارية حياتي العملية ممكنة”. من المهم أن يكون هناك توازن قوي في حياتك، وبالتالي لا تستهلكها الكتابة ككل. وينصح الكاتب و الرسام هنري ميلر في ” أحد عشرة نصيحة للكتابة” قائلا: ” حافظ على الإنسانǃ التق بالناس، زر أماكن، و اشرب إن رغبت في ذلك”.

اسم الكاتب : ماجي زانج

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: , , | إرسال التعليق

آن لاموت: الكتابة هي أن تنظر حولك

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث

ترجمة: سارة عبد الرحمن
مراجعة: بثينة العيسى

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث. والآن، في حال سألتني عما يحدث، فهو أن نتمكن جميعاً من الوصول إلى ذات اللحظة الواقعية، وربما ما هو أكثر أهمية؛ ألا نصرخ على بعضنا البعض، وإلا لكنا ننبح جميعا ككلب البيكينيز*: (آه! التصقت بالقذارة، إنها غلطتك! أنت فعلت هذا..).

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس و – كما عبّر روبرت ستون مرة- إيجاد معنىً ما داخلها. لكنك لا تستطيع فعل ذلك إن لم تتسم بالاحترام. إذا كنت تنظر إلى الناس وترى فقط ثياباً متسخة أو غنية، فسوف تراهم على نحو خاطئ.

الكاتب هو شخص يقف منعزلاً مثل الجبنة في أغنية (الفلاح في الوادي)* يقف وحيداً، لكنه يقرر أن يدوّن بعض الملاحظات. أنت تقف في الخارج، لكنك تستطيع رؤية الأشياء قريبة عبر منظارك. مهمتك هي أن تعرض وجهة نظرك بوضوح؛ أن تعرض حدّ رؤيتك.

مهمّتك أن ترى الناس كما هم في الحقيقة، ولتفعل ذلك، عليك أن تعرف من أنت في أقصى حسّك العاطفي. بعدئذ تستطيع التعرف على الآخرين. هذا بسيط نظريًا، لكن تطبيقه ليس سهلاً. قبل عشرين سنة، كتب لي عمي (بين) رسالة قال فيها:

“أحياناً تلتقين أشخاصًا، بغض النظر عن العمر والجنس، وتعرفين بأنهم جزءٌ مستقلّ من الكلّ الذي يحدثُ في داخلك، وكأن عينيك أبصرتا للتو، وصرت تسمعين رجع أصداء غناء القبائل، وها أنتِ .. تتعرّفين عليهم”.

هذا هو ما أتحدث عنه، تريد أن تجعل عيون القراء تبصر بإدراك، بحيث يبدؤون بالتعرف إلى إحدى شخصياتك، لكن من المرجح أنك لن تستطيع تقديم شخصية قابلة للإدراك إن لم يكن لديك التعاطف الكافي في المقام الأول.

من السهل نسبياً أن تنظر برقة وتقدير إلى طفل، خاصة إن كان طفلك، وبالتحديد وقت كونه لطيفًا أو مضحكًا، حتى لو كان يؤذي مشاعرك. كما أنه من السهل نسبياً أن تنظر برقّةٍ – لنقل – إلى سنجاب، أن تراه بشيءٍ من التأمل، لترى أن الحياة الحقيقية تقبع تحت قدميك، أو على الأقل هناك، في الغصن المنخفض، أن تدرك بأن لهذا الكائن الحيّ برنامج أعماله الخاص، أن تسمع سقسقته الحادّة، والبارعة، ومع ذلك لا تؤخذ تمامًا بظرفِه.

لا أريد أن أبدو هنا مثل “كوزميكا راما” ولكن في تلك اللحظة عندما تجد أنك أصبحت شبيهاً بالسنجاب تكونان جزءاً من الكل. أعتقد أن بإمكاننا رؤية ذلك بشكل أكثر لو لم نستحضر عقلنا الواعي.

يبدو أن عقلنا الواعي يقوم بحجبِ شعورنا بالاتحاد مع الآخر، حتى نتمكن من العمل بكفاءة، ونناور في العالم بشكلٍ أفضل؛ أن ندفع ضرائبنا في الوقت. ولكن من الممكن أيضًا أن تحسّ بهذا الشعور، عندما ترى – ترى فعلاً – شرطيًا، عندما تنظر إليه فترى أنه شخصٌ حيٌ يتنفس، ومثل أي شخصٍ آخر، يعاني كالأوغاد. ولا تراهُ بتلك الصور النمطية للعنف والفوضى والخطر، التي يمثلها رجال الشرطة؛ أن تقبل به كمساوٍ لك.

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس وإيجاد معنىً ما داخلها.

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس وإيجاد معنىً ما داخلها.

من الأصعب بكثير، كما هو واضح، أن تنظر إلى نفسك بنفس الحس التعاطفيّ المنفصل. بإمكان الممارسة أن تساعد، قد يكون التمرّن موجعاً في الأيام الأولى، ثم يصبح أفضل مع الأيام. إنني أتعلّم ببطء كيف أعيد كرة عقلي المجنونة إلى هذا المكان ذي الطابع الودّي الموضوعي تجاه نفسي، حتى أتمكن من النظر إلى العالم من الخارج ومشاهدة كل الأمور الأخرى باحترام. حاول النظر إلى عقلك كجروٍ مشاكس تحاول ترويضه، إنك لا تركله إلى فناء جارك كلّما بال على الأرض، بل تقوم بإعادته إلى الجريدة التي يفترضُ به أن يتبوّل عليها.

هكذا أظل أحاول بلطف إعادة عقلي إلى ما هو حقيقي هناك ليُرى، ربما ليُرى ويُلاحظ بشيء من التوقير، لأنني إن لم أفعل ذلك، فسأستمر في تلقي الأمور بطريقة خاطئة.

أعتقدُ، بصدقٍ، بأنك كي تصبح كاتبًا، يجب عليك أن تتعلم أن تكون وقورًا. إن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا تكتب؟ لماذا أنت هنا؟
لنفكر بالتوقير كأمر مهيب، باعث للمثول والانفتاح على الوجود، سيكون بديله التسفيه، مما سيطفئنا.

فكر بتلك المرات التي قرأت فيها نثراً أو شعراً كتب بطريقة تجعلك تشعرُ بالجمال والبصيرة، بأنك تقوم بنظرة خاطفة إلى روح أحدهم. في لحظة يبدو كل شيء منسجماً، أو على الأقل تحصل لوهلة على بعض المعنى. أعتقد أن هذا هو هدفنا ككتّاب؛ مساعدة الآخرين على الحصول على هذا الإحساس المدهش بالغفران، في رؤية الأشياء جديدةً، أشياء بإمكانها أن تأسرنا، وتتحطم داخل عوالمنا الصغيرة، المحدّدة.

عندما يحدث هذا سيبدو كل شيء أكثر رحابة. جرب المشي مرة برفقة طفل ممتلئ بالدهشة بحيث يعلّق: “يا إلهي! انظر لذاك الكلب القذر، انظر لذاك المنزل المحترق، انظر لتلك السماء الحمراء”. الطفل يشير وأنت تتبع إصبعه بنظراتك وترى فتبدأ بالدهشة:” يا إلهي! انظر لذاك السياج الكبير المسعور! انظر لذاك الطفل الصغير جداً! انظر لتلك السحابة السوداء المخيفة!” أعتقد بأن هذا هو ما يفترض أن نكون عليه في العالم، حاضرين وخاشعين.

علقتُ على الجدار فوق مكتبي قصيدة رائعة للمتصوف الفارسي جلال الدين الرومي:

تتحرك بهجة الإله عبر مغلفات غير ملاحَظة
من خلية لأخرى، كما قطرات المطر إلى مشاتل الأزهار
كالوردة من الأرض إلى الأعلى
والآن يبدو كطبق الأرز والسمك
الآن كهاوية محاطة بالكروم
الآن كحصان يُمتطى
إنها تختبئ خلف هذه الأشياء
حتى يستخرجها أحدهم يوما ما

هناك نشوة في الملاحظة، يمكنك الوصول إلى نوع من الانفتاح على طريقة وليام ووردزورث تجاه الكون، بحيث ترى في كل جوهر شيء من القداسة، علامة على أن الإله كامن في كل ما في العالم. وربما لم تكن ميالاً للنظر إلى الحياة بقداسة، للنظر إلى كل شيء كإشارة مرئية لنعمة غير مرئية.

هذا لا يعني أنك حثالة جاهل بلا قيمة، أي شخصٍ يستطيع الاندهاش للجمال أو الألم الموجودين في العالم الطبيعي، للعقل والقلب الإنساني، ويستطيع محاولة القبض على التفاصيل بفوارق بسيطة لا تكاد تذكر. إذا شرعت بالنظر حولك فستبدأ بالإبصار. عندما يأسرنا فجأة ما نراه ويستولي علينا فنكتبه بقدر ما نستطيع من انفتاح وواقعية، فإن هذا يمنح الأمل. تنظر حولك وتقول: “يا إلهي! إنه نفس الطائر المحاكي! إنها نفس المرأة ذات القبعة الحمراء مجددا!” والمرأة ذات القبعة الحمراء هي الأمل أيضاً، فهي ترتدي تلك القبعة المجنونة كل يوم وتسير في البلدة. قد تظهر بعض هذه الصور بشكل باهت في أدنى ربع الدائرة الأيمن للصورة المتخيلة التي التقطتها، لم تكن تعلم منذ البداية أنها جزء من المنظر الطبيعي، وهنا انتهى بك الأمر إلى أن الصورة استدعت شيئاً عميقاً في نفسك لم تكن لتستطيع وضع إصبعك عليه. هذه إحدى الجمل لجيري سندر:

التموجات على صفحة الماء
لم تكن سوى أسماك السلمون الفضية العابرة أسفله
وهي مختلفة عن تلك التي يشكّلها النسيم

تلك الكلمات، الأقل من عشرين، تجعل التموّجات صافية ومشرقة، ومميزة مرة أخرى. لديّ شريط تسجيلي لراهبة من التبت تعيد غناء المانترا بإحساس عالٍ لأكثر من ساعة، ثمانية كلمات تعيد تكرارها وكل سطر يُسمع مختلفاً، يبدو معتنىً به جيداً ومجرباً كما تغنيه. لن تشعر أبداً ولو لوهلة أنها تسترق النظر إلى ساعتها قائلة: “يا إلهي! مرت خمسة عشر دقيقة فقط!” بل بعد خمسة وأربعين دقيقة ما زالت تغني كل سطر بوضوح، كلمة وراء كلمة، حتى لفظت آخر كلمة مغناة.

في الغالب، الأمور ليست بهذه الطريقة، بهذه البساطة والنقاء، وبكلّ هذا التركيز المعطى لكلّ مقطع لفظي للحياة، عندما تغنّي الحياة نفسها. ولكن هذا النوع من الانتباه، هو المكافأة. أن نكون منهمكين في شيءٍ خارج أنفسنا، لهو ترياقٌ قويٌ للعقل المنطقي، العقل الذي يحولُ مرارًا دون التأمل والانفتاح، الذي يرى الأشياء من زاوية نرجسية، ضيقة ومظلمة، لا تقدّم سوى نظرياتٍ عن “لاهوت القولون”، ولا تمنح الأمل لأحد.

• فصيلة من الكلاب الصينية
• أغنية للأطفال في نهايتها تظل الجبنة وحيدة.

كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

راقِب تلك الأحوال!

الأحوال في أفضل حالاتها، تُتَبّل كل من الأفعال أو الصفات.

استخدمها لتغيير معنى الفعل

روي بيتر كلارك
ترجمة: ليلى عبدال

مؤلفوا مغامرات توم سويفت الكلاسيكية للأولاد أحبوا مواضع علامات التعجب والأحوال. لاحظ في هذه الفقرة الوجيزة من توم سويفت وصاحب الكشّاف العجيب:

“انظروا!” هتف نيد فجأة وقال “ها هو العميل الآن! … انا ذاهب للتحدث إليه!” أعلن نيد بإندفاع.

علامة التعجب بعد “انظروا” ينبغي أن تكون كفيلة بإنارة عقل القارئ الشاب، لكن المؤلف يضيف “هتف” و”فجأة” لحسن التدبير. مراراً وتكراراً، يستخدم الكاتب الحال، ليس لتغيير فهمنا للفعل بل لتكثيف معنى الفعل. سخافة هذا النمط أدى إلى شكل من أشكال التورية المسمى ب “توم سويفتي”، حيث أن الحال يوصل الخط الفكاهي للقارئ:

“أنا فنان” قال بسهولة.
“أنا بحاجة إلى شيء من البيتزا الآن” قال بصلابة.
“أنا فينوس دي ميلو”، قالت بثقة.
“لقد أوقعت معجون أسناني” قال بإحباط.

الأحوال في أفضل حالاتها، تُتَبّل كل من الأفعال أو الصفات. أما في أسوأ حالاتها، تُعبّرعن المعنى الوارد أساساً في ذلك:

الانفجار دمر مكتب الكنيسة تماماً.
المشجع التفت قبل صراخ المشجعين بعنف.
الحادث قطع ذراع الصبي تماماً.
الجاسوس حدّق خلسة عبر الأدغال.

لاحظ تأثير حذف الأحوال:

الإنفجار دمر مكتب الكنيسة.
المشجع التفتَ قبل صراخ المشجعين.
الحادث قطع ذراع الصبي.
الجاسوس حدّق عبر الأدغال.

في كل حالة، الحذف يقصّرالجملة، يحدد النقطة، ويخلق حيزاً أوسع للفعل. لا تتردد في الإختلاف.

نصف قرن بعد وفاته، ماير بيرغر يبقى أحد أعظم المصممين في تاريخ نيويورك تايمز. في واحدة من آخر مقالاته يصف الرعاية التي تلقاها من قبل عازف الكمان الأعمى والكبير في السن في المستشفى الكاثوليكي:

“تحدث طاقم الموظفين إلى الأخت ماري فينتان – المسؤولة عن المستشفى- وأحضروا الكمان القديم إلى الغرفة (203) بعد أن أذنت لهم بذلك. لم يُستخدم لسنوات، لكن لورانس ستروتز تلمّسه بأصابعه القوية البيضاء الطويلة وضبطه بجهد، وشدّ قوسه القديم، فرفعه إلى ذقنه ونزل بذقنه الكث إلى أسفل”.

حيوية الأفعال وغياب الأحوال من علامات نثر بيرغر. كما لعب الرجل العجوز ” آفي ماريا”:

“انتقلت الراهبات مرتديات ملابس سوداء وبيضاء، يحركن شفاههن، في صلاة صامتة. وهنّ مختنقات. السنوات الطويلة على حي بوري لم تسرق لمسة لورانس ستروتز. العمى جعل أصابعه تتعثر في الوصول إلى جسر الكمان، لكنها شُفِيَت. ماتت الموسيقى والجمهور يهمهم بالتصفيق. انحنى عازف الكمان القديم ووجنتيه المجعدتين غارقتين في ابتسامة”.

كم هو أفضل أن “الجمهور يهمهم بالتصفيق” من أن يقول “صفقوا بأدب”؟

استخدام الحال يعكس الأسلوب غير الناضج للكاتب، لكن يمكن لسيقان الخبراء التعثر أيضاً. في عام 1963 كتب جون أبدايك مقالة “قنينة البيرة”. في فقرة واحدة، يصف فيها جمال تلك القنينة المقدسة قبل اختراع صفيحة فتح العلب المعدنية. تذكّرت مرة واحدة كيف أن البيرة “زبَّدت اللذة بشغف لحظة التحرر”. وأنا أقرأ هذه الجملة على مر السنين، كبرت غير صبور مع كلمة “بشغف”. فهي تسد الفراغ بين الفعل الممتاز “زبَّدت” والفاعل الممتاز “اللذة”، التي تجسد البيرة وتعكس لنا كل ما نحتاج معرفته عن الشغف.

لفهم الفرق بين الحال الجيد والحال السيئ، انظر في هاتين الجملتين: “ابتسمت بسعادة” و “ابتسمت بحزن،” أي جملة تعمل على نحو أفضل؟ الأولى تبدو ضعيفة لأن الفعل “ابتسم” يتضمن معنى “السعادة”. لكن من ناحية أخرى “بحزن” يغير المعنى.

يستخدم الكاتب كيرت فونيغت الأحوال بعدد مرات ظهور مذنب هالي. كان عليّ قراءة عدة صفحات من كتابه “أحد الشعانين” قبل أن أعثر على أحدهم. عندما قدّم عظة الأحد ختم خطبته الدينية قائلاً “أشكركم على لطف اهتمامكم المزوّر”. مرة أخرى، كلمة “لطف” حددت معنى “المزوّر”. حالٌ جيد.

هل تذكر أغنية “يقتلني برقة”؟ حال جيد. ماذا عن “يقتلني بعنف”؟ حال سيئ.

انظر أيضا لتركيبات (الفعل – الحال) الضعيفة التي بإمكانك استبدالها بأفعال أقوى: “نزلت إلى أسفل الدرج بسرعة” يمكن أن تصبح “اندفعت إلى أسفل الدرج”. “استمع خلسة” يمكن أن تصبح “تنصّت”. أعطِ لنفسك الاختيار.

وأختم مع تنويه: أغنى كاتبة في العالم هي ج. ك. رولينج، مؤلفة سلسلة هاري بوتر، تحب استخدام الأحوال وخصوصاً عندما تصف الكلام. في أول صفحتين من كتابها الأول، لقد وجدت هذه الأحوال:

“قال هيرميون بخجل”.
“قال هيرميون بصوت ضعيف”.
“قال ببساطة”.
“قال هاجريد بعبوس”.
“قال هاجريد بانفعال”.

إذا كنت ترغب بكسب أموال أكثر من ملكة إنجلترا، ربما يجب عليك استخدام المزيد من الأحوال. إذا كانت طموحك مثلي، أكثر تواضعاً، استخدمها بإعتدال.

ورشة عمل

1- ألقِ نظرة في الصحيفة وابحث عن أي جملة تتضمن حالًا. اشطب الحال واقرأ الجملة الجديدة بصوت عال. أي جملة تعمل على نحو أفضل؟

2- افعل الشيء نفسه مع ثلاثة من كتاباتك السابقة. ضع دائرة حول الأحوال، احذفها، وقرر ما إذا كانت الجديدة أقوى أو أضعف.

3- اقرأ الأحوال الخاصة بك مرة أخرى وحدد تلك الأحوال التي تحوِّر الفعل بدلاً من تلك التي تكثف المعنى.

4- ابحث عن تركيبات (الفعل – الحال) الضعيفة. “تحدث هو بهدوء” قد تصبح “همس” أو “تمتم”. إذا عثرت على تركيبات ضعيفة، حاول استخدام فعل أقوى لتحسّن الجملة.

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | التعليقات مغلقة

آن لاموت؛ العقبة ضد إلهام الكاتب

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

ترجمة: حمد عبود / بثينة العيسى

أريد أن أذكر هنا محطة الراديو (KFKD) أو كما تسمىK-FUCKED ، حيث أنها على الأغلب العقبة المهولة الوحيدة التي تقف في وجه الإصغاء للإلهام لدى الكُتّاب.

أعدكم بعدها بأنني لن أذكرها مرة أخرى.

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

سيخرج من السماعة الموجودة في أذنك الداخلية اليمنى تدفقٌ غير منتهٍ من الـتضخيم النفسي، تلاوة لخصوصية المرء المميزة، وكيف يمكن أن يكون هذا الشخص منفتحًا وموهوبًا متألقا وعارفاً مظلومًا ومتواضعا جدًا.

ما سيخرج من السماعة اليسرى سيكون أغانٍ مقفاه عن كراهية الذات، القوائم التي تحتوي على كل الأشياء التي لا يستطيع المرء فعلها بشكل جيد، كل الأخطاء التي فعلها المرء اليوم وعبر حياة كاملة، الشك واليقين بأن كل شيء سيلمسه المرء سيتحول إلى بذاءة، هذا الشخص الذي لا يعرف كيف يقيم علاقات جيدة، المزيف بكل شكل ممكن، غير القادر على الحب بدون أنانية، ذلك الشخص ليس عنده أية موهبة أو رؤية عميقة، وهكذا وهكذا إلخ..

كأنك تستمع إلى تدفقٍ موسيقى “الهيفي ميتل” عبر السماعات بينما تحاول أن تنجز عملك، يجب عليك أن تهدِّئ من صخب الأشياء في رأسكَ لتتمكن من الاستماع إلى الشخصيات، فتجعلهم يقودون حكايتك.

الطريقة الأمثل لتهدأ، بعيدًا عن مزيج جلسات العلاج النفسي وحبوب البروزاك وعملية الجراحة الدقيقة في الفُصيص المخّي، هو أنْ تلاحظ أولاً بأن محطة الراديو مازالت تبث.

محطة الراديو العاطلة (KFKD) تبثُ كل صباح عندما أجلس على مكتبي، لذا أجلس للحظةٍ ثم أتلو صلاة صغيرة: ” أرجوك، ساعدني لأتنحّى عن الطريق حتى أكتبَ الأشياء التي تريد أن تُكتب”.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها. عدد غير محدود من الأشياء يمكن أن تفي بالغرض الذي تريده، المذبح على سبيل المثال، أو الشموع الخاصة بالنذور، البخور. قربانٌ لحيوان صغير، خصوصا أن المحكمة العليا جعلتْ التضحيات أمرا قانونيا في وقتنا الحالي. (اقتطعتُ العنوان الرئيسي في اليوم الذي صدر فيه الخبر وألصقته فوق صحن الماء الخاص بالقطة). الطقوس علامة جيدة على أنّ عقلك الباطن بدأ يعمل.

حريٌّ بك أيضا أن تأخذ بعين الاعتبار محاولتك في التنفس، وهو أمرٌ لا أتذكره غالبا. ولا أحبذُ عادة أن أتواجد حول أناس يتحدثون عن التنفس البطيء الواعي؛ أبدأ في القلق من أن يلي ذلك نقاشٌ طويل عن العلاج بالروائح. ولكن أولئك الذين يتنفسون ببطء واعٍ هم بصدد إنجاز شيء ما، لأنك إذا حاولت أن تلاحق تنفسك فستصل إلى حالة من الصمت النسبي.

إذن، تجلس للعمل في التاسعة صباحا، وتقوم بصلاتك أو بخورك أو أيًا كان، ثمّ تتنفس للحظة، وتحاول أن تركز على مكان تواجد شخصياتك، لتكتشف بأن عقلك قد بدأ بالتجوال قليلاً. بطبيعة الحال، قد تجد نفسك تتساءل عما يفعله كاتبٌ رديءٌ تعرفه، ولماذا يبلي أحسن منك، وكيف سيكون الأمر لو ظهرت في برنامج ديفيد ليترمان، وإن كان سيسخر منك أو يضحك على كل مزاحك ويجعلك صديقه المقرب الجديد. وعما يجدر بك أكله على الغداء، وكيف يبدو الأمر لشعرك لو اشتعلت فيه النار، أو كيف سيبدو الأمر لشخصٍ ما، شخص مثل ناقدٍ أو نحوه، إذا غرز جسمًا حادًا في عينك. لا تقلق، برفقٍ أعد عقلك إلى عملك.

لنقل بأن بطلك يجلس برفقة ابنه تحت شجرة سرو بمنحدرتلٍ لونه يشبه لون الأسد. يستذكرُ، بصوتٍ عامرٍ بالأسى، لحظات النشوة القليلة في حياته. كل ما ستفعله هو أنك سترافقه لتستمع إليه، وربما لتكتشف كيف كانت بعض تلك اللحظات.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها.

بعد دقيقة، ستبدأ برؤية رجلك في الحديقة الخلفية المعشبة لأحدهم، يلعب كرة الطاولة، ليس منذ مدة طويلة، مع “هيبي” أكثر شبابًا. إنهما لا يتنافسان، بل يضربان الكرة سويًّا وحسب، وتبدأ أنتَ بالتقاط ذلك على الورق. بعد جملتينِ سوف تبدأ بالقلقِ من انهيارٍ ماليّ كامل. كيف يبدو الأمر لو عشت في سيارة؟ في تلك اللحظة تتصل بك أمك، لتخبرك فرحةً بأن أمرًا رائعا قد حدث لشخصٍ كان لئيمًا معك في الصفّ الثامن. تنهي المكالمة، ويبدو عقلك مثل عقلِ ضفدعٍ قام العلماء بإغراقه في الكافيين. قد تحتاج دقيقة أخرى لتعود بتفكيرك إلى لحظة الرجل في الحديقة الخلفية المعشبة. أغلق عينيك، تنفس، ابدأ من جديد.

أنا أعتذر، أتمنى لو كانت هناك طريقة أدق وأذكى للقيام بذلك، ولكن يبدو أنه الحل الوحيد، صدقني أنا أكره الحلول الطبيعية، وهي غالبًا الملجأ الأخير بالنسبة لي. منذ ليليتين حضرتُ لأعلِّم صفي بألمٍ في الصدر والحلق، من النوع الذي تشعر معه بأنك مصابٌ بسرطان القصبات الهوائية، صادف ذلك وجود طبيبين عندي في الصف، أحدهما حاول طمأنتي بأن الاحتمال الأكبر هو ألا أكون مصابا بسرطان القصبات الهوائية، وأنَ سحابة منتصف الخريف الفيروسية قد هبطت، وأن الكثير من الناس يعانون من أعراضٍ مشابهة. الطبيب الآخر نصحَ بأن أشرب ماءً ساخنًا جدًا.

“ماء ساخن؟” قلتُ، “ماء ساخن؟ يجدر بي أن أكون في البيت موصّلة بحقنة الإيبديورال، أتجرع شراب كودين للسعال، وأنتَ تصفُ لي الماء الساخن؟”. هددته بعدها بأن أخفّضَ من درجته (بالطبع هذه ليست ورشة عمل بدرجات، لذلك مال طلابي لفتل عيونهم في المكان عندما هددتهم). في وقت الاستراحة أحضر لي ذلك الطبيب كوبا من الماء المغلي مثل الذي نستخدمه لكوب الشاي ولكن من دون كيس الشاي وشربته، حنجرتي وصدري توقفا عن إيلامي بعد عشرين ثانية.

كرهتُ ذلك.

ومع ذلك، التنفسُ بهدوء يساعد على الوصول إلى ذلك المكان، حيث تعمل قلوب شخصياتك، والأشياء التي يقولها الناس في الشوارع، تصبح مسموعة فوق صوت محطة الراديو العاطلة. عندما تكون في تلك الوضعية ستعرف. أجاهدُ نفسي بشكل كبير لكيلا أستخدم كلمة تناغم هنا. إذن، دعني أقصّ عليك قصة سريعة.

في الصيف الماضي استقبلتُ مكالمة هاتفية من منتج في مدينة نيويورك، أراد مني أن أسافر بواسطة الطيارة شرقا بعد يومين وأن أبيت الليلة لأشارك في برنامج حواري تلفزيوني ثم أطير عائدةً إلى مدينتي. فكّرتُ طويلاً، ومليًّا، فيما إذا كان يجدر بي الذهاب. استغرق الأمر ثلاثين ثانية تقريبًا.

بالطبع أردت الذهاب، لكن كان عليّ أن أقوم بترتيبات من أجل ابني سام ليبيت عند جديه، واحتجتُ لحجز رحلة عودة لتوصلني في الوقت المناسب لأعطي المحاضرة لورشة العمل التي أشرف عليها في الليلة التالية، والرحلة الوحيدة التي ستفي بالغرض كانت مرتبطة بالتوقف في مطار مدينة دالاس فورت وورث. توقف الطائرة في مطار دالاس هو شيء لم أكن صدقا متصالح معه. لذا شاركت كل هذا مع المنتج، ثمّ خرجتُ إلى اجتماع لجنة في كنيسة.

كنتُ حالة من الفوضى، من السماعة اليمنى، كانت قناة الراديو المعطلة تعزف بروفات برنامج تلفزيوني، وظهورات متتالية لـ ديف وأرسينيو. من السماعة اليسرى، كان هناك برنامج يستقبل اتصالات عن حوادث الطائرات، رافقها وصف لما يحدث للجسدِ عند الاصطدام.

وصلتُ إلى الكنيسة ولم تكن اللجنة قد اجتمعت بعد، و لكن أربعة من كبار الكنيسة –كانوا نساء بالمجمل- ثلاث نساء من أفارقة أمريكا و واحدة بيضاء. كنّ يعقدن جلسة صلاة، كنّ يصلّين للأطفال المشرّدين.

“هل نستطيع أن نناقش مشكلتي الشخصية للحظة؟ ” سألت. أومأن برؤوسهن، فأخبرتهن كل شيء عن مخاوفي المتعلقة بالطيران، وكم عدد الأجزاء المتحرّكة في تلك الرحلة الذاهبة شرقا. أومأن برؤوسهن مجددًا. بدا أنهن مؤمنات بأنه بين يسوع المسيح ووكالة السفر، يمكنُ للأمور أن تُحل. تنهّدتُ. كان اجتماعي يبدأ في غرفةٍ أخرى، لذا جررتُ نفسي خارجا. كان عقلي محاصرًا بصورٍ من البرنامج الحواري، سقوط الطائرة، والرجل المجنون ببندقية في مطار دالاس. كنتُ أعاني من بعض المشاكل في التركيز. انتهى الاجتماع، وفي طريقي إلى الخارج، لفت نظري كتاب صغير للصلوات. حملته و دسسته في حقيبتي.. فكرتُ بأنه يمكنني إلقاء نظرة عليه خلال العشاء وثمّ إعادته في الأحد القادم. طوال الطريق إلى مفصل شارع الهامبرغر، قلقتُ قلقتُ أن يصيبني حادث سيارة وأنْ يُكتشف الكتاب بحوزتي. سيعرفُ منقذيَّ بأنني قد فقدتُ عقلي أخيرا، وبأنني صرتُ أحد أولئك المتعصبين الذين يعتقدون بأن العالم سوف ينتهي غدا بعد الغداء مباشرة. وصلت إلى المطعم بسلام، وعندما جلست أخرجت الكتاب الصغير ، فتحته قبل أن أخرجه من الحقيبة لكيلا يظهر الغلاف، و كأنه أكثر كتب الجنس بذاءة مثل “المؤخرات الكبيرة الجميلة” أو شيء من هذا القبيل.

بدأتُ القراءة، وفي إحدى الصفحات عثرت على هذا المقطع الجميل: “تيّارُ الخليج سوف يتدفق عبرَ قصبة إذا كانت القصبة متوازية مع تيّار الخليج، وليست متقاطعة معه.”

لتلخيص القصة الطويلة، طرتُ إلى نيويورك وكل شيء مضى على يرام. لم يكن علي التوقف في مطار دالاس وعدت إلى بيتي في الوقت المناسب لأعلم صفّي. لذا دائما ما أروي لطلابي الآن قصة تيّار الخليج: ما تعنيه لنا القصة نحن الكتاب، هو أن نضع أنفسنا بشكل متوازٍ مع نهر القصة، نهر عقلنا الباطن، مع الذاكرة والحساسية، مع حيوات شخصياتنا، وعندها سوف يتدفق السرد من خلالنا، ونكون نحن القصبة.

عندما تبث محطة الراديو العاطلة، نكون بموضع متقاطع مع النهر. لذا نحتاج أن نجلس هناك ونتنفس، نهدئ من أنفسنا، نرفع أكمامنا ونبدأ من جديد.

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة

إيمان مرسال؛ كتابةٌ عن الكتابة

 أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه

أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه

أنت لا تعرف لماذا استبدلت هذه المفردة بأخرى، حرّكت ذلك المقطع إلى أعلى الصفحة ومحوتَ ما كان النصّ قد بدأ به. ما محوْته هو بالضبط ما كان يسيطر عليك منذ عدّة ليالي بينما تحاول أن تنام، ثم عاد إليك بالأمس وأنت عائدٌ من العمل إلى البيت وفاجأك بصورة جديدة عندما استيقظتَ اليوم؛ المقطع الذي محوته دون ندم هو ما كان قد شجّعك على أن تجلس أخيراً وتكتب. لقد بدا في لحظة سابقة وكأنه نواة ما يشغلك.. أين تذهب كل هذه الكلمات التي يتم حذفها من نصٍّ يُكتَب؟ هل تترك ما يدلّ على حضورها قبل أن تختفي، وهل تعود للحياة مرةً أخرى في نصٍ آخر؟

مِن الصعب حقاً أن نكتُب عن “الكتابة”، تبدو الإجابات على أسئلة مثل لماذا تكتب وما الدافع، ما علاقتك بها، لماذا أنت مُقلّ أو غزير الإنتاج، مثل إجابات على أسئلة من قبيل: من أنا؟ لماذا أنا هكذا؟ كأنك تعرف، الأدهى أن تتصوّر أن إجابتك أيّاً كانت ستساعدك على “تعريف” ما تظنه نفسك.

أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه؛ الكتابة بكل بساطة – أوتعقيد – مِزاجٌ؛ مِزاجٌ فرديّ وخاصّ ومن المستحيل وصفه مِن الداخل دون أن يبدو الواصِف وكأنه يتكلّم عن شيء آخر من قبيل مركزيته وهو يكتب، خبرته، مُعاناته، تصوراته، طقوسه… إلخ. أنا لستُ مشغولة بذلك في الحقيقة؛ إذا كان عندي سؤال يخصّ الكتابة فهو: كيف يعيش مَن لا يكتبون؟ أقصد كيف يتنازلون عن إمكانيّة أن يقيموا علاقة مختلفة بالحياة عبر الكتابة؟

هل في مقدرة مهن وهوايات مثل الطب والنجارة والشطرنج أن تعيد تشكيل هوية شخص ما؟ لا أدعي أن “الكتابة” في حد ذاتها تستطيع القيام بذلك (انظر إلى كل هؤلاء الكُتّاب الذين يدافعون عن هويّات صلدة وجاهزة قبل أن يولدوا أو يكتبوا)، لكني أظن أن في استطاعتها أحياناً القيام بذلك، مثلما يمكنها أن تجعل حياة شخص ما مضطربة بشكلٍ مهول. ربما لا يمكن وصف هذا الاضطراب إلا بتقديم سرد عنه مما سيجعل من يقدمه موضوعاً للتشريح في معمل. أقول ذلك وليس في خيالي الصورة المبتذلة للكاتب المتنصل، المتفرّغ للتأمل، المتعالي على العامة والدهماء؛ بل صورة كاتب مثلي ومثلك، يعمل من أجل أن يعيش، قد ينجب أطفالاً فلا يتخلّى عنهم، ويقبل مسئوليته المباشرة تجاه المجتمع والعالم ليس كمصلح ولا نبيّ بل كفرد يعيشُ الآن وهنا. أتخيله شخصاً وحيداً وليس باحثاً عن الوحدة كشرط لأن يكتب. أنه يقاوم بئر وحدته الذي يسقط في قعره أحياناً بالكتابة فلا يغرق، بالكتابة يظن – واهماً ربما- أنه يصنع خروماً في سياج حوله فيتواصل مع أشباهه. قد يتعطل كثيراً في قعر بئر أو خلف سياج بما يعني أن الكتابة كالحياة تجربة وإعادة اختبار دائم.

لعلّ أجمل ما فِعل الكتابة هو تعدّد الاختيارات، لانهائيّتها. كأننا نتعلّم ونحن نكتب حُريّة الاختيار بين إمكانات شتّى لم نر مثلها في الواقع، إنّها الحُريّة الوحيدة التي نعمل من أجلها بإخلاص، ذلك أننا نستحقها.. إنها أكبر من الحُريّة التي حصلنا عليها أو حتى طالبنا بها داخل الأسرة والمدرسة والعمل والصداقة والحب. لا أعني بهذا أن الكاتب حرٌّ تماماً عندما يكتب؛ فاللغة التي يكتب بها هي أقدم وأقوى أعدائه، كما أنه لا يمكن امتلاك الكلمات اللازمة لنُمسك لحظة واحدة من الحياة في هذه المسافة المحدودة من الوقت على هذه المساحة البيضاء من الصفحة.

بدأتُ في سنة 2004 كتابة مشهد يُهدم فيه بيت الأهل، ويخرج شَعر الأم الميّتة من شق قديم في جدارغرفتها. كان المشهد هناك كاملاً في الطفولة، واقعيّاً، بعيداً، حدث بالفعل.. لكنه يُفلت بمجرد استخدام الكلمات.. يصبح مشهداً خياليّاً مرة، دراميّاً أُخرى.. كأن كتابة بيتٍ يُهدم ويطاردك من الذاكرة يعني أن تهدمه مرةً أُخرى وتكون تحت الأنقاض تُعارك لُغتك الأم – أظن أننا لا نتعارك إلا مع لُغتنا الأم – لتخرج بمشهدك من هيمنتها. بعد عدّة محاولات كتبتُ أن “شعر أمي يطلع كهديّة، كعقاب، أيّة علاقة تجمعنا الآن؟ أعطيتُ فساتينها صدقةً لأنها لا تناسبني، ولو تقابلنا الآن فسأبدو لها مثل أختٍ كبرى”. بمجرّد كتابة هذا المقطع اكتملت القصيدة بسلاسة وفي دفعة واحدة – وكأن مشهد هدم البيت وجد جوهره – ثم نُشِرت في مجموعة “جغرافيا بديلة” 2006. لا يوجد دليل أن المشهد قد تمّت كتابته، أو أن نبرة الصوت هذه هي ما كنتُ أبحث عنها وهذا أيضاً أحد الأشياء التي تُسحرني في الكتابة؛ أن “تتصوّر” للحظة أنك وصلت تماماً إلى ما تريد أو أن النصّ هكذا انتهى.

في صيف 2010، قال لي صديقي عبد الحكم سليمان أنه وجد في صندرة شقته صندوقاً مليئاً بأوراقي وأنه ربما يعود إلى مُنتصف التسعينيّات. أنا مثل معظم مَن أعرفهم تنقّلت في شقق عديدة في تسعينيّات القاهرة وأضعت أشياء كثيرة حتى أنني لا أعرف ما هي. عندما فتحت الصندوق، وجدت تحت طبقة رقيقة من التراب يوميّاتي في كراسات دراسيّة مُجلّدة، تمتدّ من الصفّ الخامس الابتدائيّ وحتى التخرُّج من الجامعة. احتوى هذا الكنز أيضاً على رسائل عاطفيّة ومجلّات حائط وبيانات سياسيّة وتذاكر سينما وقطارات ومسودّات لمعظم القصائد التي كتبتها في حياتي قبل 1994 سواء نُشِرت أم لا.. كانت هناك مفاجآت أكبر من كل توقّعاتي وكان من أكثر ما أدهشني، وجود قصيدة لا أذكرها على الإطلاق تعود إلى 1983 أي وأنا ما زلت طالبة في المرحلة الثانويّة؛ القصيدة هي مشهد هدم بيت الأهل وخروج شعر الأم كـ “هديّة من الموت.. كاعتذار متأخّر عن الغياب”. كانت واحدة من تلك اللحظات التي تُخرج الحياة لك لسانها فيها.. إنها ليست مجرّد محاولة جيّدة تجاه مشروع قصيدة أخرى، أكثر إخلاصاً أو”صدقاً” ربما.. أقلّ “لعباً” أوطموحاً ربما .. بل كأنك ترى نفسك أيضاً عندما كنت مشروعاً لشخصٍ آخر. الأكثر رعباً، أن تكتشف أن مشهداً ما ظل يُطاردك كل هذه السنوات دون أن تعرف.. أن اختياراتك تجاه اصطياده قد تكون قد تغيّرت كثيراً ولكن هذا لا يمنع أنك ظللت مشغولاً بنفس المشهد، بنفس المنطقة من الذاكرة وأيضاً دون أن تعرف..

 ليس في اختيارات الكتابة صح أو خطأ

ليس في اختيارات الكتابة صح أو خطأ

لا أتخيّل الاختيارات على صفحة بيضاء أو شاشة قرارات مُتعاقبة كواحد، اتنين، تلاتة.. أبداً.. أظنها مُتشابكة، متداخلة مع بعضها البعض ومع الحياة خارج النصّ. بهذا المعنى ليس في اختيارات الكتابة صح أو خطأ، أكثر غرابة أو أقلّ جمالاً، أكثر تجديداً أو أقل رقابة.. هناك فقط ما هو أعمق في أصالته وفي طموحه للتواصل في هذه اللحظة بالنسبة للشخص الذي يكتب. كأنّ كل نصّ هو رحلة غامضة تبدأ من مفردة، من مشهد، من رائحة أو صوت، من تصدّع ضبابيّ لا تعرف متى بدأ ولا كيف سينتهي. رحلة توازي الحياة، تتورّط فيها أوتنهل منها ولكنها أيضاً تحاول هدمها كواقع أو خلقها مرة أخرى كما في حُلم. كلمة “رحلة” تجعل هذا النشاط الفرديّ وكأنه بالغ الجديّة والصعوبة، ربما يبدو كذلك حين نراه من بعيد ولكني أظنّ أنه في جوهره لا يخلو من اللعب والحماقة؛ مثلما يخلق طفلٌ حياة موازية أبطالها كائنات من الطين ويتحدّث إليها ويردّ بالنيابة عنها وهو يعرف أن الكبار سيعاقبونه لأنه وسّخ ملابسه.

ليست كل الاختيارات واعية بالضرورة، كأنك وأنت تكتب تمشي خلف خيط خافت من النور ولا تعرف إن كنت ستجد أي شيء في طريقك أم لا. غياب المرجعيّة والدليل هو ما يجعلك تستمتع باللعب .. لهذا لا يُوجد تراكم خبرة في الكتابة، ما كتبته من قبل ليس رصيداً صالحاً للاستثمار. لو حاولت أن تمسك نفس المشهد من نفس زاوية النظر الآن فستكتب نصّاً أسوأ مِن لو قلّدك كاتبٌ آخر. هناك اختيارات جديدة، وطرق جديدة للعب.. أحياناً تكون هناك مفاجآت في انتظارك، كأنها جوائز المشي في العتمة. أحياناً تعود من الرحلة خالي اليدين.. ولكنك تعرف أن المحاولات الفاشلة ليست فاشلة تماماً. ربما لا يولد النص عندما نبدأ بكتابته، بل تبدأ علاقتنا في الانتهاء به مع كل مسودة يتشكّل فيها، تنتهي ملاحقة مشهد ما، مزاج ما لنا. نتحرّر من ثقله وسيطرته علينا بكتابته. لهذا فالمسودات تخصّنا بينما النصّ المطبوع يصبح نصّاً عاماً لا يخصّ كاتبه حتى ولو لم يقرأه أحد. إنه كعمل الخير الذي رميناه في البحر أو كـ العمل “الردي” الذي يظهر لك كفضيحة من الماضي بين وقتٍ وآخر.

* نُشِرت هذه المقالة في عدد ديسمبر 2013 من مجلة الثقافة الجديدة في القاهرة، ضمن ملف عن إيمان مِرسال عنوانه “الحُضور المُشعّ للتفاصيل”.

كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة