ثمان نصائح في الكتابة من سعد الياسري

لا تجتهدْ، ولا تجهدْ نفسك، في أن تكون سِواك، فتلك موهبة أيضًا، وقد لا تكون لديك.

لا تجتهدْ، ولا تجهدْ نفسك، في أن تكون سِواك، فتلك موهبة أيضًا، وقد لا تكون لديك.

سعد الياسري*

هذه بعض الوصايا لمن يحتاجها، والنصائح لمن يسعى إليها، حول مسألة الكتابة عمومًا، ويمكن لها أن تكون مجدية في سِوى أمور الكتابة أيضًا. إنها محاول لمد يد بيضاء… بالمجَّان:

1. لا تجتهدْ، ولا تجهدْ نفسك، في أن تكون سِواك، فتلك موهبة أيضًا، وقد لا تكون لديك.

2. المبالغة هي ابنة الكذب المنفلتة. بالغ كما لو كان الأمر نكهةً سحرية لطبخة تتقنها؛ لا مذاقَ الطبخةِ بالكامل. لأن المبالغة في الحب والكره؛ والتعبير عنهما بالبكائيات والحماسيات حتى في سياق “النص الإبداعي” أمر مثير للاشمئزاز.

3. جهلُك لن يسلبَك شيئًا… تخيَّلْ! فهذه الحياة ومباهجها وأسرارها وجواهرها وأحجارها أوسع من أن يلمَّ بها المرء.. اقبل بذلك كعزاء، وتصالح مع هكذا حقيقة حين الكتابة، ولا تجعل من نصِّك موسوعة معرفية!

4. الرأي السياسي والفكري والديني والفلسفي حتى؛ كلُّها أمور ذاتية، ستقتلُ العملَ الإبداعي إن لم توظَّف بحكمة وتوازن. لا أحد يعنيه – حقيقةً – ماهية آراء الكاتب والجهة التي يصطف معها حين يقرأ عملاً ناجحًا، الكاتب المتواري هو الكاتب الناجح.

5. “نحن لا نتشابه، في الواقع؛ قد أكون أجمل منك” قل هذا لمطالبيك بأشياء تشبههم!

6. الكوكب غارق حتى أذنيه بالأفضل والأحسن والأجمل والأنبل منك ومنه ومنها ومني، فاسترخِ قليلاً، ولا يغرنَّك الحمقى وإحراق المراحل.. نحن في شوطٍ يصل بنا إلى نهاياتنا المستعرة؛ فاستمتعْ بالرحلة لا السبق!

7. لا تبدأ الكتابة قبل أن تكون قارئًا نهمًا.. فالعمليتان مرتبطتان بشكل وثيق، لذا لن تجد كاتبًا ناجحًا لم يقرأ كل ما يستطيع الوصول إليه من “الانتاج الهام”.. وتحديد الأهمية ستبديه لك الخبرة لاحقًا.

8. عليك الاقتناع بأنَّ ثمَّة أشياء لا تُكتب! فإن كُتبتْ أفسدها التَّدوين!

* شاعر عراقي مقيم في الكويت. 

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

اشرع في الكتابة القصصية

ترجمة: ريوف خالد.

أترجم في هذه السلسلة ” اشرع في الكتابة القصصيّة” مجموعة من المقابلات القصيرة التي أُجريت مع مجموعة من الكُتّاب الذين حققوا أرقام مبيعات عالية لكتبهم، من أجل منهج من مناهج الكتابة الإبداعية في “أوﭙن يونڤيرستي”، ولأنها مقابلات صوتيّة، ترجمتها بتصرف حتى تظهر أكثر ضبطًا كنص مكتوب. في كل حلقة يتناول الكُتّاب الحديث عن موضوع واحد.

 الشروع في عمليّة الكتابة.

• أليكس غارلاند:

شغفت حقًا بالكتابة، من خلال رسم المجلات المصوّرة. والدي رسّام كارتوني، نشأت وحولي كتب القصص المصوّرة، كنت أقرأها دائمًا، ووالدي يرسم، ولذلك، طفلًا كنت أستنسخ والدي، فأرسم. دائمًا ما اعتقدت أن هذه هي الطريقة التي سأكسب عيشي بواسطتها. عند لحظةٍ معيّنة، أظنها قرابة الحادية والعشرين، حدث أمران. الأول أنني بدأت في إدراك أنني لستُ جيدًا في الرسم بالدرجة التي أحتاجها في سبيل تحقيق النجاح. كما بدأت أشعر بالإحباط، أعتقد بسبب المدة الطويلة التي أستغرقها لأقص قصّة. حيث تكتبها، ثم ترسمها، وهذا الرسم الذي لم يكن بتلك الجودة يستغرق وقتًا طويلًا. أخيرًا، الشيء الذي فعلته: أنني تجنبت الصور، في المقام الأول، ومضيت مع الكلمات.

• تيم ﭙيرز:

دائمًا ما أردت أن أكون كاتبًا، منذ أن كنت صغيرًا جدًا، أعتقد أن هذا ناتج عن كوني طفلًا تعيس بعض الشيء. في كتابي الثاني: “في أرض الوفرة – In a Land of Plenty”، الشخصية الرئيسية هي الابن الأوسط لعائلة فريمان التي يتحدث عنها الكتاب، تبدو الشخصيّة كما لو تمثل جزءًا من سيرتي الذاتية. إنّه مصوّر، يلتقط الصور في محاولة لفهم العالم عبر النظر من خلال عدسات الكاميرا، هذا من ناحية. من ناحيةٍ أخرى، ليكون لديه ما يختبئ خلفه. وأعتقد حقًا أن الكتابة بالنسبة لي كذلك، أو قد كانت كذلك. الحياة والناس والبالغين والعالم قد جعلوني في حيرة، لهذا صرتُ كاتبًا، كانت الكتابة محاولة لفهم كل هذا، لكنها في الوقت ذاته شيء أختبئ خلفه.

تيم ﭙيرز

تيم ﭙيرز

• عبد الرزاق جرانة:

“لماذا؟” لستُ متأكدًا، أعتقد أن السبب أحد هذه الأشياء التي تحدث أثناء عملك لشيءٍ ما، لكن “كيف” يُشبه هذا التعثر بالأمر أكثر من أن يكون لديك شيء من الطموح له في عمر معيّن؛ أكثر من أن تقول: “أنا أعرف ما أنا بصدد فعله.”. إنه الشروع في الكتابة أكثر من كونه رغبة الكتابة. كانت البداية بالنسبة لي حين قدمت إلى إنجلترا، أعني أنني قد اعتدتُ على الكتابة قبل هذا، كما في المدرسة، أكتب تلك الأشياء الغريبة، كانت مجرد نوع من اللهو، تقوم به من أجل أصدقائك وما إلى ذلك. ليس ما نعنيه حين نقول “كاتب”. لكنه وبعد المجيء إلى إنجلترا، والتفكير فيما يعنيه ترك الوطن، الأشخاص الذين أعرف، المجيء إلى هنا والتعاطي مع الأمور التي تحدث والتي لم تكن كلها لطيفة. أثناء عملية التفكير هذه حول الأشياء واستيعاب موقعي وعلاقتي مع المكان الذي أعيش فيه، بدأت في كتابة أشياء، مجرد أشياء، وبعد فترة كما تعلمون تبدأ بالتفكير؛ “حسنًا، هل يمكنني أن أفعل شيئًا بها؟” وتدريجيًا تلاحظ أن لديك ما يتطوّر، فتتهوّر وتقول: “يمكنني أن أكتب كتابًا!” في الواقع، هكذا بدأ الأمر.

• مونيك روفي:

أعتقد أن الكتابة نوع من الإدراك. لقد كتبت منذ سن مبكرة للغاية، حتى عندما كنت طفلة، وبالطريقة التي قد يكون بها البعض بطبيعتهم موسيقيين، أو مهتمين بالحشرات، أو جيدين في التنس، مجانين قطار، أو أي أمر يستهويهم، أعني أنه من وقت مبكر جدًا كتبت يوميّات ومذكرات، أظن أن الأمر تطوّر فحسب. عملت صحفية لفترة، أثناءها، كما تعلمون، كنت دائمًا ما أكتب أشياء أخرى؛ سيناريو، أو نص كوميدي، أو نصوص تلفزيونيّة. أخيرًا، أعتقد أنه في الوقت الذي يصير فيه الشخص كبيرًا بما يكفي، ويريد أن يأخذ نفسه بجديّة أكبر، قد استيقظت في أحد الأيام وقلت فورًا أنني سأخطو خطوتي التالية: سأكتب رواية، سأنطلق. إذن، الكتابة أمر لطالما قمت به، لم يكن هنالك قرار واعي بخصوصه مطلقًا.

مونيك روفي

مونيك روفي

• لوي دي برنير:

لقد عرفت دائمًا أنني سأكون كاتبًا. والدي يكتب الشعر، لذلك، في منزلنا، من الطبيعي نوعًا ما أن أرغب الكتابة، وعرفت هذا من وقت مبكر للغاية، من عمر الثانية عشر تقريبًا. لقد كان لدي عدد من أساتذة اللغة الإنجليزيّة الرائعين، أفكّر حيال ثلاثة منهم، معًا، إنهم مرشدون، إنهم إلهام جليّ. لاحقًا، خلال سنين المراهقة كتبت الشعر، غالبًا قصائد الحب الصبيانيّة المخجلة التي يكتبها أحدنا، من نوع: “لماذا لا تحبيني؟ وسأقتل نفسي.” وما إلى ذلك. ثم وفي عشرينيّاتي، نسيت حقيقةً أنني سأصير كاتبًا، لأنني اعتقدت أنني سأصير نجم روك، وكتبت أغانٍ وأشياء متعلّقة بديلة، لكنني استمريت في الكتابة من وقت لآخر. وعندما صرت في الخامسة والثلاثين، وقع حادث دراجة لي جعلني في الجبس لستة أشهر، خلال هذا الوقت لم أتمكن من الخروج كثيرًا في الحقيقة، لهذا كتبت روايتي الأولى كي أرفّه عن نفسي.

كُتب في عن الكتابة | إرسال التعليق

روي بيتر كلارك: كتابة التفاصيل ومخاطبة الحواس

ابحث عن تفاصيل ملموسة ومحدّدة، تخاطب الحواس

ابحث عن تفاصيل ملموسة ومحدّدة، تخاطب الحواس

 

روي بيتر كلارك
ترجمة: د. صديق الحكيم
مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى

إن الروائي جوزيف كونراد قد وصف عمله بهذه الطريقة: “أن أجعلك تسمع، أن أجعلك تشعر، وقبل كلّ شيء، أن أجعلك ترى، بقوّة الكلمة المكتوبة”.

وعندما كان جين روبرتس – وهو من أعظم محرري الصحف الأمريكية وقد فاز بجائزة بوليتزر 17 مرة – يشب كمحرر مبتدئ في ولاية كارولينا الشمالية، اعتاد أن يقرأ قصصه بصوتٍ مرتفع على محرر أعمى، ولكن المحرر عنف الشاب روبرتس لأن قصصه لم تجعله – كأعمى – يرى.

عندما تُخاطب التفاصيل الحواس (تفاصيل الشخصية، والمكان) تخلق خبرة لدى القارئ تجعله يفهم. فنحن عندما نقول “أنا أرى” فنحن غالبًا ما نعني أننا نفهم. الكتّاب قليلو الخبرة قد يختارون التّفصيل الأوضح، مثل: الرجل ينفث دخان السجائر والمرأة تقضم ما تبقى من أظافرها. هذه التفاصيل تفشل في أن تخبرك بشيءٍ، ما لم يكن الرجل قد مات بسرطان الرئة، والمرأة تعاني من فقدان الشهية العُصابي.

في صحيفة سان بطرسبرج تايمز كان المحررون وكبار الكتاب يحذرون المراسلين من الرجوع لمكاتبهم دون الحصول على اسم للكلب. هذه المهمة التقريرية لا تعني أن يستخدم الكاتب هذا التفصيل في القصة، لكنها تذكّره بأن يبقي عينه وأذنه مفتوحة على الدوام.

عندما كتبت كيللي بنهام قصة الديك الشرس الذي هاجم طفلاً، لم تكتب فقط اسم الديك (روكادودل الثاني)، بل كتبت اسمي أبويه: روكادودل، وهيني بيني ذات الساق الواحدة. (لا أستطيع شرح لماذا كان من المهم أن تكتب اسم أمه ذات الساق الواحدة، لكنها فعلت!)

قبل إعدام القاتل المتسلسل، ذهب المراسل كريستوفر سكانلان إلى ولاية أوتاوا لزيارة عائلة إحدى ضحايا القتل. قبل ذلك بأحد عشر عاماً، خرجت امرأة شابة من بيتها ولم تعد. لقد وجد سكانلان التفصيلة التي تحكي قصة الحزن الدائم للأسرة، فقد لاحظ وجود شريط لاصق على مفتاح الضوء بجانب الباب الأمامي.

استطراد: أوتاوا 

كانت السيدة بلفا كينت دائمًا ما تترك ضوء الشرفة الأمامية مشتعلًا عندما يخرج أطفالها ليلًا. وكان آخر من يأتي يتولى إطفاء النور، حتى ذلك اليوم من عام 1974، عندما أخبرت السيدة كينت عائلتها “سوف أترك الضوء مفتوحًا حتى تعود ديب إلى البيت وتتولى إطفاءه”. 

ضوء الشرفة الأمامية للسيدة كينت لا زال يشتعل، ليلاً ونهارًا.
عبر الباب الأمامي، وضع شريط لاصق على مفتاح الضوء.
ديب لم تعد إلى البيت قط.

هذا هو بيت القصيد: لقد رأى سكانلان الشريط اللاصق الذي يغطي زر الإضاءة وسأل عن ذلك. إن فضوله وحده وليس خياله، هو ما جعله يقتنص هذه التفصيلة الرائعة.

إن السّعي وراء تفاصيل كهذه يحدث منذ قرون، كما تكشف التقارير عبر التاريخ. ولقد ذكر العالم البريطاني جون كيري أمثلة على ذلك في مجموعته “شاهد عيان على التاريخ”:

هذا الكتاب.. مليء بالصور الغريبة، أو الوقحة، أو العابرة، التي تطبع نفسها بقوّة في عين العقل: السفير يطلّ أسفل مقدمة فستان الملكة إليزابيث الأولى ويشير إلى التجاعيد، الفائز في خريف كوالالمبور يقلب صندوقًا مليئًا بكرات التنس الثلجية من ماركة سلازنجر. بليني تشاهد الناس يغطون رؤوسهم بالوسائد لحماية أنفسهم من رماد البركان. ماري، ملكة اسكوتلندا، شاخت فجأة في موتها، وكلبها الأليف يرتعد بين تنانيرها، ورأسها معلق بقطعة غضروفية عنيدة. الأيرلنديون الجياع بأفواههم الخضراء من فرطِ أكل العشب.

لم أجد أية سجلات باقية تشير إلى اسم كلب ماري، الملكة الأسكتلندية، لكني تعلمت أنه كان كلبًا للصيد من سلالة اسكتلندية مشهورة بالولاء والشجاعة. وفيما بعد، أرسلت لي القارئة العزيزة أنيتا تايلور رسالة من نيوزيلاندا تخبرني فيها أن اسم الكلب هو “جيدون”. كانت هذه تفصيلة تذكرتها القارئة حينما كانت تساعد ابنتها لإنجاز ورقة عمل دراسية.

الكاتب الجيّد يستخدم التفاصيل، ليس فقط للإخبار، وإنما للإقناع. في عام 1963 كتب جين باترسون عاموده الصباحيّ عن قتلة الفتيات الأربعة في تفجير كنيسة في بيرمنغهام، ألاباما.

ناحت امرأة زنجية صباح الأحد، في الشارع أمام الكنيسة الباباوية في بيرمنغهام. كانت تمسك بيدها حذاءً؛ حذاءً واحدًا فقط، من قدمِ طفلتها الميتة. نحنُ نمسكُ بذلك الحذاء معها.

لن يسمح باترسون للجنوبيين البيض بأن يتنصلوا من مسئولية قتل هؤلاء الأطفال. لقد ثبّت أعينهم وآذانهم، أجبرهم على سماع نواح الأم الثكلى، وعلى مشاهدة الحذاء الصغير الوحيد.

الكاتب يجعلنا نتعاطف ونحزن ونفهم. إنه يجعلنا نرى.

إن التفاصيل التي تترك علامة، هي تلك التفاصيل التي تحفز الحواس. ولك أن ترى: كيف بدأ كورماك مكارثي روايته “كل الخيول الجميلة”:

كان لهب الشمعة، وصورة لهب الشمعة، يظهران على صفحة مرآة الحائط المائلة يمينًا عندما دخل الصالة، ومرة ثانية أغلق الباب. خلع قبّعته وتقدّم ببطءٍ إلى الأمام. كانت ألواح الأرضية تصرُّ تحت حذائيه. وقف بمعطفه الأسود أمام الزجاج المظلم حيث الزنابق الشاحبة تنحني على حوافّ المزهرية. وعلى طول الممر البارد خلفه، عُلّقت صور لأسلافه الذين بالكادِ يعرفهم، وقد وضعت في براويز وغطيت بالزجاج، وعلقت إضاءة خافتة فوق إطارها الخشبي الهزيل. نظر إلى كعب الشمعة الذائب. ضغط بإبهامه على الشمع الدافئ المتكتّل في القاعدة الخشبية. وأخيرًا نظر إلى الوجه المتعب المستلّ من طيّات من ثياب الجنازة؛ الشارب المصفرّ، الجفون الرقيقة كالورق؛ لم يكن هذا نومًا، لم يكن هذا نومًا.

نثرٌ من هذا النوع يتطلب نفس الاهتمام الذي نوليه للشعر. ابتداءً بتلك الأسماء اللامعة (لهب الشمعة، صفحة المرآة، إناء بلوري، كعب الشمعة، بصمة الإبهام”. الأهم من ذلك مخاطبة مكارثي للحواس، فهو لم يعطِنا لونًا فقط (أسود وأصفر)، بل أعطانا هدايا لحواسنا الأخرى؛ رائحة الشمع المحترق، صوت صرير ألواح الأرضية، والإحساس بالشمع وملمس الخشب.

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | إرسال التعليق

فاروق مواسي: الطقوس، وطقوسي في الكتابة

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه

أ. د فاروق مواسي

يبدو لي أن “الطقوس” كما يسميها الكثيرون أو العادات المنتهجة أو “السلوك الكتابي” كما أرى، فيها ما يشي بالمضمون، وإذا كان الأسلوب هو الكاتب كما يرى بوفون فلا بدع إن لاحظنا أن الشكل حتى الخارجي عن النص أو السابق له، له علاقة ما بالفحوى، أو بصاحبه.

وقد ألف س. ر مارتين كتابه “في تجربة الكتابة”- ترجمة: تحرير السماوي، فعرّفنا إلى بعض السلوك الكتابي، فسيمنون يصحو من السادسة صباحًا ويحضر لنفسه القهوة، ويأخذ فنجانه يوميًا إلى غرفة عمله.. الستائر تظل مسدلة فهو يحب العمل تحت المصابيح الكهربائية. سيمنون كان يعمل لمدة ثلاث ساعات يوميًا أي أنه في التاسعة صباحًا يكون قد أكمل ما يقارب العشرين صفحة دونما استراحة تستمر طباعته كطلقات الرشاش، ويطبع نسختين من كل صفحة خوفًا من أن تضيع إحدى أوراقه… في فترات الاستراحة لا يقوم بأي عمل (ص92)

أما أجاثا كريستي ففي الحمام تأتيها أفضل الأفكار كما قالت:

كانت تجلس في البانيو ساعات طوالاً حتى تجد القصة الملائمة وتضيف:” لا أستطيع وضع التصاميم إلا في الرياح الممطرة، أما إذا أشرقت الشمس فيكون أحب شيء الى نفسي هو الجلوس في الحديقة. ففي الأيام العشرة قبل الأخيرة قبل البدء في الكتابة أحتاج لتركيز محكم. عليّ أن أظل وحدي دون ضيوف ودون تلفون ورسائل (ص 108)

أغاثا كريستي تأتيها الأفكار في الحمام

أغاثا كريستي تأتيها الأفكار في الحمام

ولم يكن همنغواي يستعمل المكتبة لعمله بل كان يعمل في “البرج الأبيض” المطل على العاصمة هافانا (ص12) الأمر الذي يذكّر بميخائيل نعيمة و”الشخروب” في أعلى بسكنتا.

لا بد من الاشارة كذلك إلى مقال كتبه صالح علماني في صحيفة تشرين السورية 2003/05/28 حيث استعرض كتاب “عندما تأتي ربات الإلهام” للمؤلفين الإسبانيين راؤول كريماديس وأنخل استيبان. أما الأول فقد كان أستاذًا للأدب الإسباني والأمريكي اللاتيني في جامعات مختلفة، وحرر مقالات أدبية ونقدية في صحف كثيرة، وأما الآخر فهو أستاذ الأدب الأمريكي في جامعة غرناطة. وهذا الكتاب يدرس عادات ستة عشر أديبًا في ستة عشر فصلًا، نحو: ألبرتي، نيرودا، بورخيس وأوكتافيو بات وإدواردز…إلخ.

فبورخيس مثلاً كان يغطس في الصباح الباكر في حوض الاستحمام ليستغرق في التأمل وليناقش الحلم الذي حلمه الليلة الفائتة، وليدرس إن كانت فكرة الحلم تنفعه في صياغة أدبية ما، فإذا اهتدى إلى البداية والنهاية لم تكن لديه صعوبة في استمرار معالجته للنص.

ومن الجدير أن نذكر أن ماركيز كان يؤمن بأن الأزهار على منضدته تجلب له الحظ، وقد ذكر أنه يستهلك مئات الأوراق حتى يستخلص قصة في اثنتي عشرة صفحة.

أما الحديث عن يوسا وانضباطه ودقته فيذكرنا بنجيب محفوظ الذي كان يمر في وقت محدد تُضبط الساعة حسبه. ولكن المفاجئ في سلوك يوسا الأدبي أنه كان يكتب وأمامه دمى لأفراس النهر.

همنغواي يكتب في البرج الأبيض

همنغواي يكتب في البرج الأبيض

وكنت قد قرأت أن شوقي كان يكتب في المقاهي وعلى أوراق علبة الدخان، وكان يترنم في شعره على شاطئ النيل، وأن نزار قباني كان لا يستخدم إلا الورق الملون في كتابته.

وقد تعرفت إلى بعض الأدباء الذين يُعدّون للكتابة عدتها، فيحضر هذا الطاولة والأقلام والورق، ويعد القهوة، ويستمع الى الموسيقى الكلاسيكية.

ونحن بالطبع لا نستطيع أن نصل بين خط السلوك وفحوى النص تمامًا، ولكن ذلك يحتاج إلى دراسة مسؤولة، والافتراض أن ثمة علاقة ما كما أشرت.

سأحاول أن أبيّن ذلك من خلال سلوكي الشخصي (وعذرًا لأنني أذكر نفسي بين عظماء أنا تلميذ لهم، فقد طُلب مني أصلاً أن أكتب عن سلوكي أو طقوسي الشخصية:

إن النظام والانضباط والدقة أهم ما أهتم به، والصدق هو العمود الفقري لكتابتي، فإذا وردت القصيدة وكنت سائقًا كتبت بعض أبياتها وأنا أقود سيارتي، وإن كنت على فراشي ليلاً فإنني أدوّن الوارد والنور مُطفأ (خشية من تعكير الصفو على العائلة)، وإن أطلت الفكرة أو الإشراقة لجأت إلى الهدوء لأتابع ما أحسه ويختلج في مشاعري وفكري.

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه، وفي قراءتي يتبين لي الشعر بتلقائية، وألاحظ كيف يرتفع صوتي وينخفض مع وتيرة دمي. بعض قصائدي كانت تأتي إثباتاً لمقولة “إن الشعر فيضان تلقائي”، فتولد القصيدة كاملة دون أن أحس فيها حرفًا منها على سبيل المثال: “ند في أضرحة عراقية” التي كتبتها والدمعة ترف على مآقيّ.

أما القصائد التي أقرأها على نفسي بإلقائي المتفاعل فقد أجد كلمة بحاجة إلى تغيير، أو إلى معنى جديد جدير أن أتوسع فيه، أو أختزله، فأفعل ذلك أسوة بعبيد الشعر الذين اشتهروا في الجاهلية بسلوكهم الكتابي الذي كان يمتحن الجملة الشعرية، ومنهم زهير في حولياته، عبيد بن الأبرص، الحطيئة وعدي بن زيد..

أحمد شوقي يكتب على أوراق علبة الدخان

أحمد شوقي يكتب على أوراق علبة الدخان

ولعل في هذا إيجابًا أيضًا أن الشاعر لا يعتبر كلماته كمالاً مطلقًا، وقد توصل الى ذاك لاحقاً العماد الأصفهاني الذي رأى في التغيير علامة على “استيلاء النقص على جملة البشر”.

أما كيف تولد قصيدتي، فالأمر يتعلق بما شحنت به أو عبّئت أشجاني وأحلامي وعاطفتي. تأتيني جنية الشعر (ولا أقول شيطانُه) فأتبعها بلباسها الشفاف. هل الصورة أوشكت أن تكون؟ إذن فاسمعوا ما أقول:

انحنت لي قليلًا فبدا تكوّر نهديها/ فرمقت الزغب الأبيض.
في شهوة/ ومضينا في الكلام وفي القصيدة.

عندما أختم القصيدة أحب أن أقرأها فتكون رفيقتي عفاف (تسمي نفسها “الأذن الأولى”) هي التي تستمع، فأقرأ وأراقب تعابير وجهها، وأستمع الى تعليقها، ولكنني لا أتقيد به.

أما كتابتي النقدية والبحثية فهي من قبيل القصدية، فأنا معنيّ مثلاً بفكرة أو بنص أو بأديب أحب أن أعرف به أو مبدأ شعري أو فكري.

أقرأ أولاً ماذا كُتب، وأعطي كل ذي حق حقه، فلا أسرق من هذا ولا أنتحل، ولا أنكر على ذاك فضله، فقد جعلت رائدي الصدق -كما قلت-.

أبحث عن متلقٍ يستمع إليّ وأشترط فيه (في قرارة نفسي) أن يقدّر جهدي، فلا يتوقف لدى الملاحظة التي لا تروق له.

شرط كتابتي أن يكون هدوء حولي لأركّز فكرتي، وأغوص في أعماقها شعراً ونثراً.

فهل هذا الصدق وهذا الهدوء وهذه الدقة تنعكس في كتابتي؟
أدع الجواب للمتلقي الذي أرحب أن يكون موضوعياً.

نشرت في مقال كتبه كمال الرياحي في مجلة عمان العدد 121 – تموز 2005، ص 9 – 11.

كُتب في طقوس الكتابة | إرسال التعليق

بورخيس: ما قرأته أهم بكثيرٍ مما كتبته

ما كتبته

إنني أعتبر نفسي قارئًا في الأساس

عن القراءة بصفتها أسُّ التجربة الكتابية، يقول بورخيس:

إنني أعتبر نفسي قارئًا في الأساس. وقد تجرات، كما تعرفون، على الكتابة؛ ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته، فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، إنما ما يستطيعه.

 في بحثهِ عن اللغة، يرى بورخيس بأن الأسلوب المنمّق، والعبارات المزخرفة، هي خطأ: 

عندما بدأتُ الكتابة، كنت أقول على الدوام لنفسي إنّ أفكاري سطحية جدًا، وإن القارئ سيزدريني إذا ما اطلع عليها. ولهذا كنت أتقنّع متنكرًا. حاولت، في البدء، أن أكون كاتبًا إسبانيًّا من القرن السابع عشر على قدر من المعرفة باللاتينية. كانت معرفتي باللاتينية أقرب إلى الضئيلة. وعندما لم أعد أغتبر نفسي كاتبًا إسبانيًّا من القرن السابع عشر، أخفقتْ بالكامل محاولاتي في أن أكون السير توماس براون بالإسبانية. ربما لأن هذه الشخصيات التي تقمصتها قد أنتجت “دزينة” من السطور الرنانة. لا شك في أنني أتطلع إلى الأسلوب منمق الصنعة. إلى عبارات تزينية. إنني أفكر الآن في أن أسلوب الصنعة المنمقة هو خطأ، لأنه علامة غرور، والقارئ يعتبره غرور. وإذا كان القارئ يفكر في أن لديك عيبًا أخلاقيًا، فليس هناك أدنى مسوغ يدفعه إلى أن يقدّرك أو يتحملك.

 عن العلاقة الوثيقة بين الكتابة الإبداعية والمخيّلة، يقول بورخيس: 

ما الذي يعنيه بالنسبة لي أن أكون كاتبًا؟ يعني ببساطة أن أكون مخلصًا لمخيلتي. عندما أكتب شيئًا لا أطرحه على أنه حقيقي موضوعيًا (فالموضوعي الخالص هو حبكة من الظروف والأحداث)، وإنما حقيقي لأنه وفيّ لشيء أعمق. عندما أكتب قصة، أكتبها لأني مؤمن بها: ليس كما يؤمن أحدنا بشيء تاريخي محض، وإنما بدقة أكبر، مثلما يؤمن أحدنا بحلم أو بفكرة.

وإذا كان لا بدّ من توجيه نصيحة إلى كاتبٍ ما، فإن نصيحة بورخيس هي: 

إذا كان لا بد من توجيه نصيحة إلى كاتب ما (ولا أظن أن أحدًا يحتاجها، لأن كل واحد عليه أن يتعلم بنفسه)، فإنني أقول له ببساطة ما يلي؛ أدعوه إلى الإقلال قدر الإمكان من تنقيح عمله.

ما الذي يعنيه بالنسبة لي أن أكون كاتبًا؟ يعني ببساطة أن أكون مخلصًا لمخيلتي.

ما الذي يعنيه بالنسبة لي أن أكون كاتبًا؟ يعني ببساطة أن أكون مخلصًا لمخيلتي.

 فيما يتعلق بالقارئ الضمني، أو الشخص الذي يفكّر فيه بورخيس أثناء الكتابة، يقول: 

عندما أكتب لا أفكر في القارئ (لأن القارئ شخصية متخيلة) ولا أفكر في نفسي (ربما لأنني أنا شخصية متخيلة أيضًا)، وإنما أفكر في ما أريد أطلاقه، وأفعل ما أستطيعه كي لا أفسده.

 عن اللغة بصفتها أرضًا مشتركة من الدلالات بين القارئ والكاتب، يقول بورخيس: 

الكلمات هي رموز لذكريات مشتركة. وإذا ما استخدمتُ كلمة، فلا بد أن تكون لديكم تجربة ما عما تمثله هذه الكلمة. وإلا فإن الكلمة لن تعني لكم شيئًا.

عن الكسل والملل وابتعاد بورخيس عن الكتابة الروائية، يقول: 

لقد سألوني لماذا لم أحاول كتابة رواية قط. الكسل، بالطبع، هو التفسير الأول. ولكن هناك تفسيرًا آخر، فأنا لم أقرأ رواية قط دون أن ينتابني إحساس بالملل. فالرواية تتضمن مادة حشوة؛ وأظن، من خلال معرفتي، أنه يمكن لمادة الحشو أن تكون جزءًا جوهريًا من الرواية.

 عن الكاتب بصفته موصّلاً حراريًا للتجربة الحلمية، وضرورة الإخلاص لنقل هذه التجربة كما هي، يقول بورخيس: 

عندما أكتب (ولكنني ربما لا أكون مثالاً جيدًا، وإنما تحذير مروع فقط) أحاول أن أنسى كل شيء عن نفسي. أنسى ظروفي الشخصية. لا أحاول، مثلما حاولت في إحدى المرات، أن أكون “كاتبًا أمريكيًا جنوبيًا”. وإنما أحاول نقل الحلم وحسب. وإذا كان الحلم مشوشًا (وهو يكون كذلك عادة في حالتي)، لا أحاول تجميله، ولا حتى فهمه.

* المصدر: صنعة الشعر ست محاضرات. ترجمة صالح علماني. دار المدى. 2007.

* تحرير: رؤوف علوان، بثينة العيسى 

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | تعليق واحد

سبع نصائح في كتابة السِّيَر الذاتية من حسين المحروس

لا تكتب حتى تحفر

لا تكتب حتى تحفر

1) لا تكتب حتى تحفر، فسيرة الشخص مقسمة في سير وحيوات منْ وما حوله: بيته، أقاربه، أصدقائه، بيئته، أرشيفه، أغانيه، ألوان ثيابه، طعامه، أمراضه، اكتئاباته، ضحكته، عجلته في الصباحات، الأفكار قبل النوم، وجهه المتعدد، المتغيّر، المتقلّب، المتلوّن. ولا تنسَ حركة كلّ ذلك فيه.

2) لا تكتب سيرة شخص حتى تضع ألبومات صوره أمامك، ففي الصور وصفه ولفتاته وطريقة اقترابه ممّا حوله. اطرح الأسئلة بعينيك على الصور حتى تعيطك كلّ ما فيها. أعني كلّ ما في الشخص وما فيك نحوه.

3) ارسم خرائط البيوت والأمكنة بيدك، ضع عليها الأسماء، الطرق، الممرات، الشوارع، البيوت، مجرى عيون الماء، حركة النهر وامش فيها بعيني الشخص الذي تكتب سيرته. ولا تنسَ أن تلتفت.

4) وأنت تكتب لا تتلصّص على سيرة الشخص فتلك مهمة قارئ السير. لكن تلمّس من السيرة تلك اللحظات التي تجعل من الحركة ما نجمعه ويكون هو: الحياة.

5) السيرة قصة حياة. فانتبه، فأنت تكتب قصّة إذن، والقصّة ليست وصفاً للحياة وإنّما الحياة نفسها.

6) تلك المواقف والأحداث التي وصفها لك صاحب السيرة على أنّها غير مهمّة في حياته، تلك المواقف بالذات اعتنِ بها كثيراً، فما قلل شخص من شيء وحاول إخفائه إلاّ بقدر تمكّنه منه. كاتب السيرة ليس دكان كتابه.

7) لا تقطع سرد الشخص مهما كان سؤالك. فإنّك إن فعلت ذلك قطعت ما لن يتصل لاحقاً. لقد أخرجته فجأة من زمنه وهو في حركته. لكن اكتف بإشارات ورموز سريعة في دفترك الصغير، تذكرك بأسئلتك بعد انتهاء الحكي. وأنت تفعل ذلك اعرض سؤالك على الشخص بطرق مختلفة غير مكررة، وفي أوقات مختلفة من اللقاء، فإن صادف السؤال لحظة تجلٍ في الشخص انفتح على جواب عميق وصريح من لبّ حياته.

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | تعليق واحد

بول أوستر: أريد أن أحكي لكَ قصّة

منذ اللحظة التي نتعلم فيها نطق الكلمات، ينمو بداخلنا جوعٌ للقصص.

منذ اللحظة التي نتعلم فيها نطق الكلمات، ينمو بداخلنا جوعٌ للقصص.

ترجمة: سهام العريشي

أنا لا أعلم لماذا أفعل ما أفعله. لو كنتُ أعلم، لكنتُ استغنيت عن فعله على الأرجح. كل ما أستطيع قوله الآن، وأقوله بيقينٍ بالغ، إنني كنتُ أشعر بالحاجة إلى هذا الشيء منذ أيام مراهقتي المبكرة. إنني أتحدث عن الكتابة، وبالتحديد عن الكتابة كوسيلة لسرد القصص. القصص الخيالية التي لا تحدث أبدًا على ما نسميه أرض الواقع. إنها طريقة غريبة لتمضية حياتك لا شك، أن تجلس وحيدًا في غرفة ومعك قلمٌ في يدك، ساعة بعد ساعة، يوماً بعد آخر، وعامًا تلو آخر، مجاهدًا نفسك كي تضع كلمات على ورق، فقط من أجل مساعدة شيء على الولادة، شيء لا وجود له إلا في عقلك. بالله ما الذي يجبر أي شخص على فعل شيءٍ من هذا القبيل؟ الإجابة الوحيدة التي تمكنتُ من الوصول إليها: هي أنك مضطرٌ لفعل هذا، لأنك لا تملك الخيار.

هذه الحاجة للصنع والخلق والاختراع هي حافز إنساني جوهري. لكن إلى أي مدى؟ وما الفائدة من الفن، وخصوصًا فن الأدب القصصي، في ما نسميه العالم الحقيقي؟ لا شيء، على الأقل من الناحية العملية. لم يحدث أبدًا أن وضع كتابٌ ما لقمة في فم طفل جائع. لم يحدث أبدًا أن أوقف الكتاب طلقةً ما وهي في طريقها إلى جسد الضحية. لم يحدث أبدًا أن منع كتابٌ ما قنبلة من السقوط على مدنيين أبرياء وسط الحرب.

البعض يعتقد أن ولعنا الشديد بالفن وتذوقه سيجعل منا أشخاصًا أفضل، أكثر إنصافًا، أكثر أخلاقًا، أكثر رقة، وأكثر تفهمًا. قد يكون هذا صحيحًا، في حالات نادرة ومحددة ومعزولة. لكن دعونا نتذكر أن هتلر بدأ حياته فنانًا. الجبابرة والديكتاتوريون هم الآخرون يقرؤون الروايات. القتلة في السجن قرؤوا الروايات أيضًا. ومن ذا الذي سيجرؤ على القول بأنهم لم يستمتعوا بالكتب كما نستمتع بها جميعًا؟

باختصار، لا جدوى من الفن. على الأقل مقارنة بعمل السباك والطبيب ومهندس السكك الحديدية. لكن هل عدم الجدوى هذا أمرٌ سيء؟ الكتب واللوحات الفنية والفرق الموسيقية التي تخلو من الفائدة العملية هل هي ببساطة إهدارٌ لأوقاتنا؟ كثيرون يعتقدون ذلك. لكنني أظن أن اللاجدوى هذه هي بالتحديد ما يمنح الفن قيمته، وأن ممارسة الفن هي الشيء الوحيد الذي يميزنا عن بقية المخلوقات التي سكنت هذا الكوكب. هذا بالضبط هو ما يمنحنا هويتنا كبشر.

أن تفعل شيئا فقط لأجل الجمال والمتعة الخالصة التي يمنحكَ إياها. فكّر في الجهد الذي ينطوي على هذا الفعل، في الساعات الطوال التي تقضيها في التدريب والتنظيم من أجل أن تصبح عازف بيانو محترفًا أو راقصةً مميزةً. كل المعاناة التي تمر بها والعمل المجهد الذي تقوم به والتضحيات التي تقدمها فقط لكي تنجز شيئًا بأكمل صورة وأروع نتيجة.. لا جدوى منه.

سحر القصص أنّها تجرّك إلى أعماق الجحيم دون أن تؤذيك في نهاية الأمر.

سحر القصص أنّها تجرّك إلى أعماق الجحيم دون أن تؤذيك في نهاية الأمر.

أما الأدب القصصي فيعيش في عالمٍ يختلف قليلا عن عالم الفن، لأن الوسيط الذي تنتقل من خلاله القصص هو اللغة، واللغة شيءٌ نتشاركه مع الآخرين من حولنا. إنها شيءٌ مشترك ومشاع للجميع. منذ اللحظة التي نتعلم فيها نطق الكلمات، ينمو بداخلنا جوعٌ للقصص. هؤلاء اللذين يستطيعون تذكر طفولتهم الآن سيتذكرون كيف كانوا يستمعون بشغف إلى القصص التي رويت لهم قبل النوم. حين كانت أمك – أو ربما أبوك – تجلسُ بجانبك في شبه الظلام لتقصّ عليك حكاية.

هؤلاء اللذين أصبحوا آباءً الآن لن يجدوا صعوبة في استحضار الانتباه المنتشي الذي يشع في عيون أطفالهم حين يقصون عليهم حكاية ما. لماذا إذن هذه الرغبة القوية للإنصات؟ القصص الأسطورية تكون عادة مملوءة بالقسوة والعنف، وبها كمٌ هائل من مشاهد قطع الرؤوس وأكل لحوم البشر والتحولات الغريبة وسحر الشر. قد يقول قائل أن مثل هذه المواد مرعبة جدًا بالنسبة لأطفال صغار، لكن مثل هذه القصص تمنح الطفل فرصة لأن يعيش هذا الجو، وبالتالي تسلّحه بقدرة على مقاومة مخاوفه وعذاباته الداخلية في بيئة محمية وآمنة بشكل كامل. هذا هو سحر القصص لأنها تجرّك إلى أعماق الجحيم دون أن تؤذيك في نهاية الأمر.

نحنُ نكبر يومًا بعد يوم، لكننا لا نتغير. كل ما في الأمر أننا نغدو أكثر تعقيدًا، ونبقى في داخلنا نشبه الطفل الأوّل الذي كناه يومًا، بنفس شغفه القديم لسماع قصة تلو أخرى وأخرى. على مدى سنوات كثيرة، وفي كل دولة من دول الغرب، نُشرت مقالات كثيرة ترثي الحقيقة التي تقول بأن معدل قراءة الناس للكتب مستمرٌ في الانخفاض، وأننا دخلنا في عصر “ما بعد القراءة والكتابة”. قد يكون هذا صحيحًا فعلًا، لكن وفي نفس الوقت لم يقلل هذا أبدًا من الحنين المشترك للقصص.

وفي نهاية الأمر، الروايات ليست المصدر الوحيد لهذا الحنين. الأفلام والتلفزيون وحتى الكتب المصورة تتمخض عنها الكثير من الروايات الخيالية، ولا زال الناس يتشربونها بنفس الولع القديم أو أكثر. هذا لأن الناس بحاجة إلى القصص. يحتاجونها كما يحتاجون الغذاء، وأيًا كانت طريقة تلقيها، مطبوعة على ورق أو مصورة على الشاشة، فهي قصص في آخر الأمر. قصصٌ يستحيل تخيّل الحياة دونها.

وحتى حين يأتي الحديث عن وضع الرواية الراهن ومستقبلها المتوقع فإنني أشعر بالتفاؤل. الإحصائيات لا تهم حين يتعلق الأمر بالكتب، لأنه يكفي أن يكون هناك قارئٌ واحد فقط. في كل مرة قارئ واحدٌ فقط. وهذا ما يفسر القوة التي تمتاز بها الرواية على وجه الخصوص ويفسر الأسباب التي تجعلني أرى أن الرواية لن تموت كشكل أدبي. لأن كل رواية هي تشاركٌ فريد من نوعه بين الكاتب والقارئ. إنها المكان الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع أن يجمع بين غريبين في حميمية مطلقة.

لقد قضيتُ عمري كله وأنا أتحدث إلى أناسٍ لم أرهم أبدًا، مع أناس لم ولن أعرفهم أبدًا، وأتمنى أن أبقى كذلك إلى اليوم الذي ينقطع فيه نَفـَسي.

إنها الوظيفة الوحيدة التي أحببتها في حياتي.

*من كلمة الروائي بول أوستر بمناسبة فوزه بجائزة “أمير أستورياس للآداب” عام 2006.
المصدر: صحيفة الغارديان.

كُتب في لماذا تكتب | الوسوم: | إرسال التعليق

سبع نصائح للكتّاب الشباب من باسمة العنزي

لا تبخل على القارئ بالمعرفة

اخرج للحياة، تلفت حولك، وأنصت جيّدًا لما يقوله الآخرون، فنحن في النهاية نكتب عنهم.

- كن فضولياً:

لا أتصور روائياً يجلس طوال الوقت في غرفة زجاجية محكَمٍ إغلاقها ليكتب عما حوله.. اخرجْ للحياة، تلفتْ حولك، وأنصتْ جيداً لما يقوله الآخرون، فنحن في النهاية نكتب عنهم، عن كل تلك الحيوات التي تتشابك مكونة نسيجاً ضخماً نعلق به.

كثيراً ما نصادف شخصيات روائية فاقعة في حياتنا، بعضها مزعج أو شرير أو حتى سطحي جداً، اقتربْ منهم، لا تدع فرصة شرب فنجان قهوة معهم تَفُتْك، كن فضولياً لمعرفتهم واستعادتهم في عملك الأدبي.

أنا من النوع الذي يلفت انتباهه ما تحويه عربات تسوق الواقفين في طابور أمامه، ومَنْ تجذبه أحاديث الغرباء في مصعد أو عيادة، بإمكاني مقاطعة محدّثي عدة مرات للسؤال عن تفاصيل هامشية، وهو يروي حادثة ما، لكنها بالنسبة لي بالغة الأهمية، لأني أعرف أنها ستكون حكاية أخرى رديفة لحكايته.

استمعْ بفضول لما يقوله الناس بطريقتهم وقناعاتهم وإيماءاتهم الخاصة، فلربما صنعتَ منهم شخصياتك القادمة. بالنسبة لي يبدو الأمر باعثاً على التحدي الممزوج بالمتعة.

- دع المديح جانباً:

سيحدث -إن كنت موهوباً وفي بداية طريق الكتابة- أن تتلقى كلمات التشجيع من أناس طيبين.. عليك أن تشكرهم بلطف، وتسألهم عمّا لم يعجبهم فيما كتبت؟ وعما يلزمك لتطور عملك من وجهة نظرهم؟ لا تبتهج بكلمات المجاملة الرقيقة من أصدقائك وأقاربك وزملائك، ولا تتعثر بعبارات الثناء المكررة لك ولغيرك. القارئ الحقيقي مَن لا تربطه بك معرفة، مَن لا يخشى إحباطك، ولا يهدف لدغدغة مشاعرك بكلمات الإطراء، وهو القادر على تقييم عملك بصورة محايدة ومفيدة.

أنا أطرح هذا السؤال دائماً.. والآن أخبرني: ما الذي لم يرق لك فيما كتبتُ؟!

- اقرأْ بشغف:

لم يكن النشر سهلاً كما هو اليوم.. لا تكتب قبل أن تمر بالمرحلة الطبيعية، أن تكون قارئاً شغوفاً، لا شيء سيطور إمكاناتك، ويدعم موهبتك، مثل القراءة الجادة. اقرأ بشكل منتظم، وليس حسب الرغبة. ناقش الآخرين فيما قرأتَ، فتداولُ الكتب والحديث عنها يعمّق من دورها في مجتمعاتنا التي تئنّ من شح القراءة وتراجع دورها. من المستحيل أن يكتب شخص بلا مخزون معرفي كتاباً رائعاً! الكتب الرديئة إما أن كتابها لم يقرؤوا ما هو كافٍ، وإما أنهم بلا موهبة.

- لاحقِ المعلومة:

لا تبخل على القارئ بالمعرفة.. لا أتصور كاتباً يكتب عن الخيل وهو لم يدخل إسطبل خيول، ويدوّن المعلومات عنها من أفواه أصحابها، وربما يشهد عملية تنظيفها وإطعامها. لا أتصور كاتباً يكتب عن مدينة ميلانو وهو لم يزرها أبداً! ولا كاتباً يتناول مهنة الخياطة وهو لا يعرف تاريخ ماكينة سنجر.. المعلومات في كل مكان حولنا، يلزمك فقط البحث عنها وتوظيفها في عملك بشكل ذكي بعيداً عن الاستعراض الفجّ. القراءة تحوي جانبها النفعي، أنت مطالب بنقل المعرفة بطريقتك الخاصة للمتلقي. ككاتبةٍ قبل العمل وأثناءه أبحث عن المعلومات بشغف، فمرحلة استكشاف ما أنا بصدده، والتحضير له بجمع المعلومات وغربلتها هي الأجمل؛ أصبح كمن يعثر على جواهر مخبأة في الغرفة المجاورة.

- مَرّرْ مخطوطاتك:

مرر ما تكتبه لمن تثق برأيهم، حتى ولو أجزاء متفرقة من عملك.. بالنسبة لي هناك أناس أثق بهم، أحياناً يطّلعون على نصف العمل أو عدة صفحات منه، ونتحاور حوله، كل ملاحظة ولو كانت صغيرة تفتح لي آفاقاً جديدة. الشخص الذي يخبرك كل مرة بأن مسوداتك رائعة وعملك عظيم وبلا هفوات لا تثقْ برأيه كثيراً.

- لا تكررْ مواضيعك:

لو كتبتَ مرة قصة طالب مغترب مثلاً لا أتوقع منك أن تكتب ثانية عن نفس الموضوع.. إعادة اجترار ذات المواضيع، والتركيز عليها مرات ومرات يجعلني أفترض أحد أمرين؛ إما أنك أفلست، وإما أنك صاحب الفكرة الواحدة! فاجئ القارئ كل مرة بما هو جديد، غيّرْ من أسلوبك المعتاد، لا تجعله متأكداً من خطِّ سير رحلتك.

- علِّقْ لوحة بيضاء:

اشترِ لوحة بيضاء كبيرة في بداية مشروعك الروائي.. اكتبْ فيها مبدئيا خطّ سير الأحداث، ملامح أولية لشخصياتك، هواياتهم وأعمارهم، ستمتلئ اللوحة بالملاحظات وقصاصات الصحف، والمربعات الصغيرة والدوائر الكبيرة. اللوحة تبقى معي لنهاية العمل، لا أستخدمها كثيراً بعد أن أكتب الفصول الأولى، لكنها موجودة في غرفتي، إلى أن تنتهي المسودة الأولى، حينها ترحل لسلة تدوير الورق مع ابتسامة وداع!

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | تعليق واحد

12 نصيحة في الكتابة من غابرييل ماركيز

الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقارئ.

الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقارئ.

بالرغم من أن الكاتب الكولومبي الشهير الراحل غابرييل غارثيا ماركيز (1927) لم يكن من محبي إسداء النصائح للكتاب، إلا أن الأديب الشاب أحمد ضيف، جمع ما يمكن اعتباره نصائح من خلال بحثه في إرث ماركيز، وترجمه ليهدي للكُتّاب 12 نصيحة، هي: 

 

1 – هناك فارق بين أن تكتب قصة طويلة وقصة مسهبة.

2 – يمكن للكاتب أن يكتب ما يحلو له، ما دام قادراً على فعل ذلك.

3 – لا أعتقد في الأسطورة الرومانسية التي تقول: “إن على الكاتب أن يعاني من الجوع ويجب أن تنتهك إنسانيته حتى ينتج”.

4 – الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقارئ.

5 – نهاية أي عمل تكتبه يجب أن تعرفها وأنت في منتصفه.

6 – ينبغي أن نبدأ بإرادة أن ما نكتبه هو أفضل ما كتب على الإطلاق، فشيء ما من هذه الإرادة سيتبقى في النهاية.

6 – عندما يشعر الكاتب بالملل من الكتابة، يشعر القارئ بالملل من القراءة.

8 – لا يصح أن نجبر القارئ على قراءة عبارة واحدة مرتين.

9 – المؤلف يتذكر كيف ينهي نصاً أكثر مما يتذكر كيف بدأه.

10 – نكتب أفضل عندما نأكل أفضل ولدينا آلة كاتبة.

11 – الواجب الثوري على الكاتب أن يكتب جيداً.

12 – عندما كنت أرهب الصفحة البيضاء خلال وقت طويل، كنت كلما أراها أتقيأ، لكن ذات يوم، قرأت أفضل ما يمكن أن يكتب حول هذا العرض. قال همينغواي: “عليك أن تبدأ، عليك أن تكتب وتكتب، حتى يشعر الواحد منا فجأة أن الأشياء تخرج بمفردها، كأن شخصاً ما يمليها علينا، أو كأن أحداً آخر هو من يكتب”، وكان محقاً، إنها لحظة سامية.

 

المصدر: رأي اليوم. 

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

فنّ الكتابة لدى جيمي كيبري

الكاتب عليه أن يتعلم - طوال حياته - عن طريق الكتابة ثم الكتابة ثمّ الكتابة.

الكاتب عليه أن يتعلم – طوال حياته – عن طريق الكتابة ثم الكتابة ثمّ الكتابة.

آنا سايفتسكا
ترجمة: خضير الأندلسي/ وارشو

الكاتب الكتالوني (جيمي كيبري) باعتباره بطل الأدب الأوروبي يكشف لنا سر ورشته الأدبية، حيث أنجز كتابهُ الثالث بهذا الخصوص، والذي يحتوي على تأملات في فن الكتابة والقراءة، وسوف يشاركنا بعضها في لقاءنا الموجز.

1) في أي سن بدأ جايمي كيبري يكتب الأدب؟ هل صاحبتهُ لحظة مميزة؟ 

إذا كنت أتذكر بشكل صحيح، بين سن الثامنة عشرة والعشرين، آمنتُ بأن الكتابة بإمكانها أن تصنع لي عالماً مميزاً. لكنني أيضا أدركت على الفور أن المسألة ليست بالبساطة التي أتخيلها. واحدة من الأسباب التي حفّزتني على الكتابة قراءتي لكتاب معين وددت أن أعرف الكيفية التي تعمل بها آلية الكتابة وهل تجلب لي ذات النتائج التي أترقبها.

2) كيف تُقيم أوّل مطبوع نشرته؟ هل ما يزال عالقا في ذهنكم أم تفضلون دفنه مع الماضي؟

كان عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة، والتي افضل ألا أعود اليها. لأنني اتعاطى معها على أنها كتابة غير ناضجة. يجب على الكاتب أن يتعلم – طوال حياته – عن طريق الكتابة ثم الكتابة ثمّ الكتابة. حياة الكاتب تعد علوماً لأخطائه الشخصية.

من ناحية أخرى، أنا لست قاضيا جيدا كي أقيّم عملي، لأنني عادة لا اقرأ كتبي الخاصة (من رويات وقصص قصيرة) بعد نشرها. ذاكرتي تقتصر حول التركيز على عملي وملاحظته. أعشق معايشة الحاضر لا غير.

3) صف لنا يومك ككاتب؟

أعيش الاثارة حين اشرع بالكتابة. أبدأ الساعة التاسعة صباحا بعدها آخذ استراحة لتناول طعام الغداء وبعد الظهر أعود إلى العمل مرة أخرى، وأحيانا حتى المساء. أكرس الوقت المتبقي للقراءة. لا شيء يحدث في حياتي خارج إطار الكتابة والجهد. في الحقيقة إنه روتين ممل جدًا، ولكن أنا من أقبل إليه.

4) هل تواظب على الكتابة يوميا، أم أن لديك أسلوبًا معينًا؟

حين اضطر للانشغال بحياتي الاسرية ومساعدة زوجتي في تقاسم مشاغل الحياة، تراني أحسد الكتاب غير المتزوجين الذين يقضون وقتهم في الكتابة فقط. وعليه لا أضيع أي فرصة وقتية تسنح لي! لهذا السبب أعمل قدر ما أستطيع.

5) تكتب باليد، أم تستعين بالكمبيوتر؟ ما هو الأكثر ملائمة بالنسبة إليك؟

كلاهما! أكتب باليد ثم اقوم بإصلاحات لغوية مستعيناً بالطابعة. الأمر يعتمد على مزاجي. وفي النهاية تجد أن كل مسوداتي تتراكم على المكتب. كأنني في ساحة قتال، وليس في غرفة مخصصة للكتابة.

6) من أين تحصل على إلهامك في الكتابة؟

لا أعرف. أظن المسألة أساسا نابعة من الحاجة إلى الكتابة. خلال بضعة أيام إذا لم آخذ القلم بيدي وأشرع في الكتابة فإنني أفقد السيطرة على أعصابي. وقتئذ أبدأ الكتابة. الإلهام لا يأتي على الفور. عليك أن تكون أكثر عنادا من قطعة ورقك الأبيض.

أحب سماع الموسيقى والتمتع بالقراءة ومعايشة الطبيعة الخلابة، ولكن العمل الحقيقي أنتجه على مكتبي.

7) بالاضافة الى كتابة الروايات، فأنت تكتب سيناريوهات الأفلام والمسلسلات التلفزيونية. برأيكم ما الاختلاف بينهما؟ وأيهما تفضل؟

الأن توقفت عن كتابة النصوص والسينايوهات للأفلام أو المسلسلات التلفزيونية. لو تعاطيت مع الموضوع بدرجة اكبر لكنت مع عائلتي بحالة مادية أفضل مما نحن عليه الآن، ولكنني توقفت عن الكتابة في هذا المجال لانها تحتل كل وقتي. الحق يُقال إنها كانت التجربة مفيدة فيما يخص التدريب في مجال فن السرد وسرعة إيجاد الحلول. إنها تنطوي على خلق عوالم ومناخات، وشخصيات، وبناء سرد وحبكة. ولكنها تختلف عن الأدب المُعتاد (الذي أفضله) في كونها تتطلب جهدًا كبيرًا وسرعة في إنجاز العمل. وينبغي أيضا أن أسترشد بفريق من المهنيين العاملين معي، وهو عبء إضافي. تقاسم العمل مع آخرين يسبب لي ضغوطا جمة، لذا أفضل العمل بمفردي دائما. دار النشر لا تفرض عليك وقتا معينا لإنهاء عملك. بالمحصلة النهائية أرفض جميع انواع الضغوطات والاملاءات. لا اعتراض لدي على كتابة السيناريوهات الافلام والمسلسلات التلفزيونية، لكنني أفضل جنس الرواية.

8) بعض الكُتاب غالبا ما يشعرون بعدم الارتياح عند التعامل مع وسائل الإعلام واللقاءات الترويجية وتوقيع الكتب. ما هو شعورك في هذه الحالات؟

كل هذه الحالات تعد جزءاً من وظيفتي ولا أستهين بها أو أقلل من شأنها ابدا. على سبيل المثال، الآن، عندما أرد على اسئلتكم، أنا أتفهم أن دار النشر ومالكها خاطرا باستثمار اموالهما (وأحيانا يخرجان خاسرين) من أجل نشر كتبي. لذا يتعين عليّ المشاركة في الترويج ضمن حدود الحكمة عن طريق مشاركة اللقاءات مع المهتمين ووسائل الإعلام. الأسوأ من ذلك، عندما تكون الحملة الترويجية بلا نهاية. وقتئذ يعمل مكبحي لأوقفها، لأنني لستُ ” شبكة علاقات عامة”، بل مجرد كاتب. أبذل قصارى جهدي لأتعامل مع الصحفيين بأفضل ما يكون ليخرجوا راضين.

وكذلك الحال مع قُرائي المباشرين، فأنا أسمعهم دائما وأستفيد من ملاحظاتهم التي تقودني في كثير من الأحيان الى اكتشاف أمور هامة ومثيرة. لكن في النهائية اقول لهم “كفى”، عليَّ العودة الآن إلى البيت لمواصلة الكتابة. مُحيطي يظن انني مغرور، لكن لا بأس!

9) هل تعمل حاليا على تأليف كتاب؟

نعم. لا يزال لدي متسع من الوقت حتى أصل إلى النغمة الصحيحة التي أودّها. في مجال كتابة المقالات الأدبية تمكنتُ من الانتهاء من كتابي الثالث، وهو انعكاس لفن الكتابة والقراءة، والذي سيصدر على الارجح في يناير كانون الثاني السنة القادمة (2015).

10) تخرجت من أداب اللغة الكاتالانية والأن تعمل أستاذا محاضرًا. هل حدث مرة وأعجبت بأسلوب طالب معين في الكتابة ثم قلت في قرارة نفسك “انه مشروع كاتب عظيم”؟

نعم حدث ذلك. ويمكنني أن أؤكد لكم أنها لحظات فرحي الحقيقي بعينها. المُعلم دائما ما ينتظر من طالبه أن يكون مميزا ليجلب له الفرح والرضا. احيانا يبدع التلميذ بدرجة اكثر من معلمه. والجيل الجديد يحمل طاقات شبابية رائعة وقادرة على إنتاج أدبٍ عظيم.

كُتب في عن الكتابة | تعليق واحد