ويليام فوكنر: يجب على الكاتب ألا يرضى عمّا يكتبُه

ترجمة: رهام المطيري

على الكاتب أن يحاول أن يكون أفضل من نفسه.

على الكاتب أن يحاول أن يكون أفضل من نفسه.

ولد الشاعر والروائي ويليام فوكنر في مدينة نيو ألباني، ميسيسيبي، حيث كان يعمل والده محصلَ تذاكر في القطار الذي بناه جد جده، العقيد ويليام فوكنر، كاتب رواية “وردة ممفيس البيضاء.” بعدها انتقلت عائلته إلى أوكسفورد، حيث درس الثانوية هناك ولكنه لم يتمكن من التخرج بالرغم من أنه كان قارئًا نهمًا. في ١٩١٨، انضم كطالب إلى صفوف الطيارين في سلاح الجو الملكي الكندي. وبعدها عمل كمدير مكتب البريد في الجامعة لكنه طرد لاحقًا لأنه يقضي معظم وقته في القراءة. في ١٩٢٦، كتب روايته “أجر جندي” بتشجيع من الروائي الأمريكي شيروود أنديرسون. بعدها نشر فوكنر عددًا من الروايات بشكل متواصل. حصل فوكنر على جائزة الكتاب الوطنية مرتين. المرة الأولى في ١٩٥١ عن مجموعته القصصية “مجموعة قصصية” والمرة الثانية في ١٩٥٥ عن روايته “حكاية”. وفي ١٩٤٩ نال فوكنر على جائزة نوبل للأدب.

- حدثنا عن ويليام فوكنر الكاتب.

لو لم أولد لكان أحدهم سيكتب ما كتبت أنا وهيمنجواي ودوستوفيسكي وكل واحد منا. والدليل على ذلك أن هناك ٣ كتاب مختلفين مرشحين لأن يكون واحدٌ منهم الكاتب الأصلي لمسرحيات شكسبير. على أي حال، المهم أن أحدهم كتب “هاملت” و”حلم منتصف ليلة صيف” وليس المهم من كتبها. فالكاتب ليس له قيمة، ولكن ما يكتبه هو ماله قيمة، بما أنه لا يوجد شيء جديد يُقال. شكسبير وبلزاك وهومر جميعهم كتبوا عن نفس الأشياء، ولو عاشوا ١٠٠ أو ٢٠٠ سنة لما احتاج الناشرون أي كاتب.

- هل هناك وصفة معينة يتبعها الكاتب ليصبح روائيا جيد؟

٩٩ ٪ موهبة، ٩٩٪ التزام، ٩٩٪ عمل. يجب ألا يرضى الكاتب مطلقًا عما يكتبه فلا يمكن أن يكون ما كتبه جيدًا كما يجب. على الكاتب أن يحلم دائمًا ويرفع سقف طموحاته أعلى مما يعرف أنه يستطيع فعله. كما عليه ألا يشغل نفسه بأن يكون أفضل من معاصريه أو أسلافه من الكُتاب، بل عليه أن يحاول أن يكون أفضل من نفسه. فالكاتب كائن توجهه الشياطين. إنه لا يعرف لماذا اختاروه وغالبًا هو مشغول للغاية ليتساءل عن السبب. فالكاتب سينهب أو يستعير أو يستجدي أي شخص لينجز عمله.

- هل تعني أنه على الكاتب أن يكون قاسيًا؟

إن مسؤولية الكاتب الوحيدة هي تجاه عمله. وسيكون قاسيًا إن كان كاتبًا جيدًا. فهو لديه حلم يزعجه وعليه أن يتخلص منه ليشعر بالطمأنينة. فكل شيء يتوقف: الفخر، والاحترام والأمن والسعادة، كلها تتوقف في سبيل إنجاز عمله. فلو اضطر الكاتب لنهب والدته فلن يتردد.

الكاتب كائن توجهه الشياطين

الكاتب كائن توجهه الشياطين

- إذن هل تعتبر الافتقار للأمن والسعادة والفخر عاملًا مهمًا بالنسبة لإبداع الكاتب؟

لا. فالافتقار لهذه الأشياء مهم فقط لسلامة وقناعة الكاتب الشخصية، والكتابة لا شأن لها لا بالسلامة ولا بالقناعة.

- ماذا عن الحرية الاقتصادية، هل يحتاجها الكاتب ليكتب؟

لا. كل ما يحتاج إليه الكاتب هو قلم رصاص وورق. فأنا لا أعرف أي كتابة جيدة تأتي من وراء قبول عطايا مالية. فالكاتب الجيد لا يقدم للحصول على هبة مالية فهو مشغول للغاية بالكتابة. لكن لو لم يكن كاتبًا من كُتاب الطراز الأول فإنه سيخدع نفسه قائلًا بأنه لا يجد الوقت الكافي أو لا يملك الحرية الاقتصادية ليتفرغ للكتابة.

إن الكتابة الجيدة قد يقدمها اللصوص أو مروجو الخمور أو عمال الإسطبل. إن الناس يخشون بالفعل معرفة خشونتهم وقدرتهم على تحمل المصاعب والفقر.

لا شيء يمكن أن يدمر الكاتب الجيد. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يغيره هو الموت. والكتاب الجيدون ليس لديهم الوقت ليزعجوا أنفسهم بالنجاح أو الثراء. فالنجاح كالمرأة، لو تذللت أمامها ستتحكم بك. لذا طريقة التعامل معها هي أن تريها ظاهر يدك حينها ربما قد تأتيك زاحفة.

المحاور: هل إنتاج أعمالك الروائية كأعمال سينمائية من شأنه أن يضرها؟

لا شيء يمكن أن يضر بكتابات أي كاتب إذا كان من كتاب الطراز الأول. لكن إن لم يكن كذلك فإنه لا يوجد أي شيء يمكن أن يساعده.

- هل يضطر الكاتب للوصول لحل وسط عندما يتم تحويل نصه الروائي لعمل سينمائي؟

بالطبع لأن العمل السينمائي بطبيعته عبارة عن تعاون وأي تعاون هو توصل لحل وسط وهذا ما يعنيه “الأخذ والعطاء”.

- ذكرت أن على الكاتب أن يصل لحل وسط عند العمل في كتابة نصوص للأعمال السينمائية. ماذا عن كتابته، هل هو تحت أي التزام تجاه قرائه؟

إن التزام الكاتب الوحيد هو إنجاز عمله على أفضل وجه ممكن، وأيّ التزام آخر بعد ذلك له أن يقضيه كيفما يشاء. أنا عن نفسي مشغول للغاية لأهتم بالعامة وليس لدي وقت لأتساءل من يقرأ كتبي. لا أهتم برأي أي شخص في أعمالي أو أعمال غيري من الكُتاب. إن المعيار الذي أسعى للوصول إليه هو أن يجعلني الكتاب أشعر بنفس الشعور الذي أشعر به عندما أقرأ “إغراء سانت أنتوني” أو “العهد القديم” فكلاهما يجعلاني أشعر بالسعادة كما تجعلني مشاهدة العصافير سعيدًا. لو كان بإمكاني أن أحيا مرة أخرى، فسأفضل أن أصبح صقرًا حوامًا، فلا أحد يكرهه أو يحسده أو يريد منه شيئا أو حتى يحتاجه. فهو لا يشعر مطلقا بالإزعاج أو الخطر وبإمكانه أن يتناول ما يشاء.

لا شيء يمكن أن يدمر الكاتب الجيد.

لا شيء يمكن أن يدمر الكاتب الجيد.

- ماهي التقنية التي تتبعها لتصل إلى معيارك؟

فليحترف الكاتب الجراحة أو البناء إن كان مهتمًا باتباع تقنية معينة لإنجاز عمله. لا يوجد هناك تقنية معينة أو اختصار يمكن اتباعه لإنجاز الكتابة. سيبدو الكاتب الشاب أحمقًا لو اتبع نظرية معينة.

علّم نفسك من أخطائك، فالناس تتعلم فقط من أخطائها. إن الكاتب الجيد يؤمن بأنه لا يوجد أحدٌ جيدٌ بشكل كافٍ ليقدم له النصيحة، فهو يشعر بالغرور.

فمهما كان الكاتب معجبًا بكتابات أسلافه، فهو يسعى ليكون أفضل منهم.

- هل تنكر إذن أهمية وجود تقنية؟

على الإطلاق، أحيانًا تتحكم التقنية بحلم الكاتب حتى قبل أن يضع الكاتب نفسُه يدَه عليه. الإبداع والعمل المُنجز هو ببساطة كصف الطوب بعضه على بعض بدقة حيث أنه غالبًا ما يكون الكاتب يعرف كل كلمة في كتابه قبل أن يشرع بوضع الكلمة الأولى على الورق. وهذا ما حدث معي عندما كتبت “بينما أرقد محتضرة” ولم يكن هذا بالأمر السهل. فلا يوجد عمل محترم سهلٌ. كان الأمر بسيطًا لأن المادة الخام للعمل في متناول يدي حيث استغرقت فقط ستة أسابيع في وقت فراغي من عملي الذي يستغرق ١٢ ساعة يوميًا. لقد تخيلت ببساطة مجموعة من الأشخاص وأخضعتهم لكوارث طبيعية كونية، مثل الفيضان والنار، مع وجود حافز طبيعي لإعطاء اتجاه لتقدمهم. لكن عندما لا تتدخل التقنية في الكتابة فإنها ستصبح سهلة. لأنه بالنسبة لي فإنه يوجد في كل كتاب نقطة ما حيث تنهض الشخصيات وتصنع الأحداث وتُنهي العمل مثلا في صفحة ٢٧٥. لا أدري ما قد يحصل لو أنهيت العمل في صفحة ٢٧٤. فالجودة التي لابد أن يتحلى بها الكاتب هي الموضوعية في الحكم على عمله بالإضافة للصدق والشجاعة. وبما أنه لم يصل أيا من أعمالي إلى المعيار الذي أرتجيه، فيجب عليّ أن أحكم عليها بناءً على أكثر كتاب من كتبي سبب لي الحزن والمعاناة؛ كالأم التي تحب ابنها الذي صار لصًا أو قاتلاً أكثر من ابنها الذي أصبح كاهنًا.

- إلى أي مدىً كتاباتك مبنية على التجربة الشخصية؟

لا أستطيع أن أحدد ذلك، فأنا لم أعدها. لأن “لأي مدى” ليس بالأمر المهم. فالكاتب يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الخبرة والملاحظة والخيال. أي اثنين منهم، وفي بعض الأحيان أي واحد منهم، يمكنه تعويض نقص الآخر. بالنسبة لي، تبدأ القصة غالبًا بفكرة وحيدة أو ذكرى أو صورة ذهنية. وكتابة القصة هي ببساطة عبارة عن العمل للوصول لتلك اللحظة، لتفسير سبب حصولها أو ما الذي تسببت به ليحصل لاحقا. فالكاتب يحاول أن يخلق شخصيات قابلة للتصديق في مواقف معقولة ومؤثرة. ومن الواضح أنه على الكاتب أن يستخدم البيئة التي يعرفها كأحد أدواته. ويمكنني القول بأن الموسيقى هي أسهل وسيلة للتعبير منذ أن برزت في تاريخ وخبرة الإنسان. ولكن لأن الكلمات هي موهبتي، فعلّي أن أعبر عبرها بشكل غير مصقول ما تستطيع الموسيقى الصافية فعله بشكل أفضل. فالموسيقى تعبر بشكل أفضل وأبسط، لكني أفضل استخدام الكلمات كما أفضل أن أقرأ على أن أستمع.

- لقد ذكرت أن الخبرة والملاحظة والخيال أدوات مهمة للكاتب. ماذا عن الإلهام؟

لا أعرف أي شيء عن الإلهام لأنني لا أعرف ما هو، لقد سمعت به ولكني لم أره.

الكاتب يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الخبرة والملاحظة والخيال.

الكاتب يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الخبرة والملاحظة والخيال.

- ككاتب يذكر أنك مهووس بالعنف.

هذا مثل القول أنّ النجار مهوس بمطرقته. إن العنف هو ببساطة أحد أدوات النجار. وكما لا يستطيع النجار البناء بأداة واحدة فإن الكاتب لا يستطيع الكتابة بأداة واحدة.

- هل لك أن تحدثنا عن بدايتك ككاتب؟

كنت أعيش في نيو أورليانز، أعمل أي عمل لأتمكن من جني القليل من المال من حين لآخر. وحينها قابلت الكاتب الأمريكي شروود أندرسون فكنا نسير مشيًا عبر المدينة في وقت الظهيرة ونتحدث مع الناس. وفي المساء نلتقي مجددًا ونحتسي النبيذ بينما هو يتحدث وأنا أصغي. لم أكن أراه مطلقا أثناء النهار لأنه كان مشغولا بعمله. وفي اليوم التالي نعيد الكره. لذا قررت إن كانت هذه هي حياة الكاتب فإن هذه الحياة هي الحياة المناسبة لي. وشرعت فعلا بكتابة كتابي الأول. وعلى الفور وجدت الكتابة شيئًا ممتعًا لدرجة أنني لم أرَ السيد أندرسون لمدة ثلاثة أسابيع حتى حضر لمكتبي بنفسه وكانت تلك المرة الأولى التي يحضر فيها لمكتبي ليراني. وعندما قابلني قال “ما الخطب؟ هل أنت غاضب مني؟” فأخبرته أنني عاكف على كتابة كتابي. فقال “يا إلهي ثم غادر”. عندما انتهيت من كتابي “أجر جندي” قابلت زوجة السيد أندرسون في الشارع. سألتني عن كتابي وأخبرتها أنني انتهيت من كتابته. قالت “سيعقد زوجي معك صفقة. إذا لم يكن عليه أن يقرأ كتابك سيجعل ناشره يقبله”. فقلت “حسنًا” وهكذا أصبحت كاتبًا.

- هل تقرأ أعمال معاصريك؟

لا. الكتب التي أقرأها هي الكتب التي عرفتها وأحببتها عندما كنت شابًا، والتي أعود لها كما يعود الشخص لأصدقائه القدامى: كالعهد القديم وأعمال ديكنز وكونراد ورواية “دون كيخوته” لسيرفانتس. فأنا أقرؤها كل عام كما يقرأ البعض الإنجيل. كما أقرأ أعمال فولبير وبلزاك ودوستوفيسكي وتولستوي وشكسبير. أقرأ أيضًا بين الحين والآخر للكاتب الأمريكي ميلفل. بالنسبة للشعراء، أقرأ لكرستيفور مارلو وتوماس كامبيان وجونسون وروبرت هيرك وجون دون وكيتز وشيلي. ومازلت أقرأ لهاوسمان. لقد قرأت هذه الكتب كثيرًا لدرجة أني لم أعد أبدأ بقراءتها من الصفحة الأولى، بل أقرأ أي مشهد أو عن أي شخصية كما تلتقي بصديق وتتحدثان لعدة دقائق.

- هل لديك أي تعليق بخصوص مستقبل الرواية.

أتخيل أنه طالما استمر الناس بالقراءة فإن الكُتاب سيستمرون بكتابة الروايات، والعكس صحيح. بالطبع إلا أذا أضعفت المجلات المصورة والرسوم الهزلية قدرة الناس على القراءة ورجع الأدب إلى ما كان عليه من الكتابة المصورة في عصر الإنسان البدائي.

ليس لدى الكاتب الوقت ليستمع للنقاد.

ليس لدى الكاتب الوقت ليستمع للنقاد.

- وماذا عن دور النقاد؟

ليس لدى الكاتب الوقت ليستمع للنقاد. الذين يريدون أن يكونوا كُتابًا يقرؤون مراجعات ونقد الكتب ولكن الذين يريدون أن يكتبوا ليس لديهم الوقت لقراءة تلك المراجعات. إن النقاد أيضًا يحاولون أن يقولوا “نحن هنا”. إن دور الناقد ليس موجهًا للكاتب نفسه فالكاتب أفضل منه لأن الكاتب يكتب شيئا يحرك الناقد بينما يكتب الناقد شيئا يحرك الجميع ماعدا الكاتب نفسه.

حاورته: جين ستين، من صحيفة الـ Paris Review

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

هاروكي موراكامي: كلّ شيءٍ عبارة عن سيرة

أنا أكتب ما أود أن أكتب. وسوف أكتشف ما أود أن أكتب أثناء عملية الكتابة

أنا أكتب ما أود أن أكتب. وسوف أكتشف ما أود أن أكتب أثناء عملية الكتابة

ترجمة: محمود حسني

في سبتمبر الماضي، وبعد أن قابلت هاروكي موراكامي بلندن، أخذت جولة بداية من بيكاديلي إلى واتر ستون، حيث يمكنك أن ترى عاصفة الشهرة التي تلاحق أعمال موراكامي بمكتبات في هذه المناطق العريقة. بالطبع أنا أعرف أن موراكامي اسم كبير في اليابان. فلقد تهافت معجبوه وقراؤه على اقتناء ما يزيد عن المليون نسخة من آخر أعماله “تاسكورو تزاكي عديم اللون وسنوات حجه”، وهي روايته الثالثة عشرة في أول أسبوعين فور صدورها. ولكن حتى في لندن، فالأثر الذي يتركه يبدو أنه ليس ببعيد عن الحال في اليابان. فالمئات من القراء اصطفوا في طوابير من المساء منتظرين أن تفتح المكتبات أبوابها صباح اليوم الذي أعلن أنه ستتاح فيه الترجمة الإنجليزية لعمله الجديد بكافة مكتبات لندن. وباستثناء ج.ك.رولينج، قال أحد أصحاب المكتبات: أنه لم يكن هناك زحام بهذا القدر من قبل سوى عندما جاء كتاب “ديفيد بيكهام”. ربما هذا يوضح لنا حجم الدهشة التي اعتلت أوجه الكثير من البريطانيين الذين راهنوا على فوز موراكامي بنوبل هذا العام ولكنهم في النهاية خسروا رهانهم.

إنه لمن الصعب حصر شعبية هذا الأديب الذي أصبح بمثابة نجم، في الوقت الذي يتحلى فيه بالكثير من التواضع وعدم الادعاء وهو في الخامسة والستين من العمر، عندما قابلته في غرفة اجتماعات مجلس إدارة دار النشر الوكيلة عنه. في رأيي، يبدو موراكامي أصغر بعقد من سنه الحقيقي. هذا الأمر نتيجة النظام اليومي الصارم الذي يضعه لنفسه حيث يبدأ اليوم بفترتين للجري والسباحة. يقول “لأكثر من ثلاثين عام أجري كل يوم نفس المسافة تقريبًا التي كنت أجريها وأنا أصغر، ولكن الأحوال اليوم تبدو أنها آخذة في السوء”. هو شخص اجتماعي ومهذب كما أنه يميل للصمت، يبدو هذا عليه بشكل واضح. والأمر هنا مختلف عن المقاطع المثير للعاطفة التي تتضح بسهولة في أعماله الروائية. يقول “كل شئ عبارة عن سيرة، ولكن في الوقت نفسه فأنا أغير كل التفاصيل عندما أكتب عملًا روائيًا. من ناحية أخرى، فأنا أتطلع دائمًا لمعرفة ما سيحدث في الكتاب القادم، هذا الامر يساعدني على إيجاد إجابة على السؤال الذي يؤرقني حول سبب وجودي هنا في هذه الحياة“.

الشيء المقلق بشكل أكبر ربما يكون الحديث معه حول أن انطباعات القراء عن أعماله تنحصر في تصنيف أعماله على أنها ماورائية، غرائبية. يقول وهو يهز كتفيه مستهجنا “الأمر ليس كذلك، إنها عفوية للغاية، أنا أكتب ما أود أن أكتب. وسوف أكتشف ما أود أن أكتب أثناء عملية الكتابة”.

كل شئ عبارة عن سيرة، ولكن في الوقت نفسه فأنا أغير كل التفاصيل عندما أكتب عملًا روائيًا.

كل شئ عبارة عن سيرة، ولكن في الوقت نفسه فأنا أغير كل التفاصيل عندما أكتب عملًا روائيًا.

آخر أعمال موراكامي التي ترجمت إلى الإنجليزية هي “المكتبة الغريبة”. وهو كتاب ساخر ظهر لأول مرة كقصة قصيرة في مجلة يابانية منذ ثلاثين عامًا، وقد تمت مراجعته عام 2008، والآن يتم العمل على طباعة ترجمته إلى الإنجليزية ليكون متاحًا في الأسواق، ليظل اسم موراكامي موجودًا على أرفف المكتبات. وقد أضيفت إلى الكتاب رسومات مستوحاة من كتب قديمة بمكتبات لندن العريقة. ومثل الكثير من أعمال موراكامي، “المكتبة الغريبة” غرائبية ولاذعة السخرية وبها شيء من روح شريرة. كما أن مسارات الأحداث فيها غير واضحة، ومن الممكن القول أنها قصة سريالية موجهة إلى الشباب ولكن عبر أحداث بها الكثير من الوحشية والفقد. حدث هذا عندما كان يزور طفلٌ مكتبةً ما ليبحث عن كتاب عن الضرائب في العهد العثماني. هذا الطفل الذي لم يذكر اسمه طوال القصة يتم اختطافه وحبسه في مخازن المكتبة من قبل رجل عجوز غاشم وكلب مريع. ليظهر بعد فترة من الوقت، شخصية غريبة وغامضة تدعى “راعي الغنم” وهو شخصية تكررت أكثر من مرة في أعمال أخرى لموراكامي. يأتي هذا الرجل لزيارة الطفل وعمل كعك الدونتس من أجله، كما تظهر فتاة بكماء يتم التواصل معها بإشارات اليد. وفجأة ينتهي كل شيء وسط أجواء من العزلة والحزن.

وبشكل بسيط كما هي طبيعتها، تتشارك “المكتبة الغريبة” مع باقي أعمال موراكامي في مجموعة من الملامح والخواص المميزة. ليس فقط “راعي الغنم” الذي يظهر في القصة. ولكن أيضا فكرة بطل الرواية الذي يجد نفسه فجأة في عالم كافكائي(درامي)، كما تجد أيضًا المرأة ذات الروح الغامضة التي تسعى للإيقاع بالبطل. بالإضافة إلى ولع موراكامي الدائم بعوالم ما تحت الأرض. الأمر الذي يظهر ثيمة استكشافية محببة لمعجبي وقراء موراكامي، حيث تتجلى اللمحات الماورائية المخترقة لحجاب الزمن لتُحدث أثرًا في الهواجس المتكررة لشخصيات رواياته المختلفة. وبالطبع يخرج القارئ من العمل بقوائم من موسيقى الجاز، وأنواع متعددة من الاسباجيتي.

ولكن موراكامي باعترافه يقول “أنا لست الرجل الأمثل الذي يأتي من أجل تنوير أوروبا وأمريكا، الناس يقولون عن كتاباتي أنها نوع من كتابات ما بعد الحداثة، أو أنها تنتمي للواقعية السحرية. ولكنني لست مهتما بمثل هذه الأشياء أو التعريفات. فأنا لا أعد نفسي قارئا عتيدًا لتوماس بينشون أو أي من كتاب ما بعد الحداثة المعروفين”.

أسأله: أي أنك لا تتفق مع من يقول أنك تنتمي لعالم الواقعية السحرية؟ فيقول “ربما، أنا أحب ماركيز، ولكنني لا أظن أن أسلوبه في الكتابة هو ما يدعى “واقعية سحرية”. أتعلم، إنه مجرد أسلوب في الكتابة. بالنسبة لي، أتوقع أن ماركيز كان يكتب عن واقعيته هو، وأعتقد أنني أقوم بالشئ نفسه. فأنا أكتب عن واقعيتي، عالمي الحقيقي. لو حدث شئ ما غير متوقع، يبرهن ذلك على أنني أقوم بعمل جيد، شيء يستحق أن نعتبره عملًا حقيقيًا. لذلك، لو أن “راعي الغنم” ظهر في عمل لي، يكون هذا الأمر قد حدث بحق معي. أتعلم، لا رمزية هنا، لا مجازات، فقط أنا وهو”.

ولكن الشخصيات الرمزية التي تأتي من عالم الموت رائعة حقًا. منذ وقت قريب، وقبل أن نتقابل، أخبر موراكامي مستمعيه في احتفال بأحد كتبه أن حلم حياته أن يجلس في قاع بئر. يقول وهو يهز رأسه موافقا “نعم، لقد أخبرتهم بذلك، دائمًا ما اعتدت على أن أشعر أنني أذهب إلى أماكن مظلمة عندما أشرع في الكتابة. فقط في الظلام استطيع أن أرى حكايتي. لا أظن أن لدي موهبة خاصة أو استثنائية. لا أفكر في الأمر على هذا النحو. ولكنني أذهب أسفل في الظلام واتسائل: أممم.. وماذا بعد !! .. أه .. وهكذا.. “

يسكت قليلًا ثم يقول وعلى وجهه إشراقة “الأمر يشبه الولوج إلى بدروم منزل ما، ولكن في حالتي أدخل إلى بدروم داخل بدروم. الكثير من الناس تستطيع أن تمكث في بدروم منزل، ولكن في حالتي فأنا أذهب إلى بدروم بداخل هذا البدروم”. ينظر إليّ وعلى وجهه شئ من الحزن ويكمل “إنه مكان مظلم للغاية، لذا عندما كتبت The Wind Up Bird Chronicle -وهو كتاب رائع لموراكامي- كتبت عن البطل الذي يجلس في قاع بئر عميق، حيث العتمة والعزلة والصمت التام. هذا ما أفعله وأشعر به وأنا أكتب رواياتي”.

اعتدت على أن أشعر أنني أذهب إلى أماكن مظلمة عندما أشرع في الكتابة.

اعتدت على أن أشعر أنني أذهب إلى أماكن مظلمة عندما أشرع في الكتابة.

تحليل وتفكيك المل في رأيه مهمة الكتاب كما هي مهمة القارئ، يقول “شغفي الأساسي هو كتابة الروايات والقصص. أفعل ذلك لكي أعرف من أنا، إنني في الخامسة والستين من العمر، ولكن ما زال لدي فضول لمعرفة من أكون وماذا يمكن أن أجد في نفسي، وإلى أي شيء سوف أصير؟ أتعلم، أنا شخص مشهور نوعا ما، لقد بدأت مشواري مع الكتابة منذ أكثر من 35 عاما. بشكل ما أنا ناجح ولدي قراء على مستوى العالم، ولكنني لا أفهم لماذا يحدث هذا لي. إن الأمر يشبه المعجزة في وجهة نظري. فأنا لست شخصًا عظيمًا، أو ذكيًا أو موهوبًا، ولكنني أكتب، فقط أود أن أعرف لماذا يحدث هذا لي وليس لآخرين، فقط يحدث لي!”

أما قراء موراكامي ومعجبوه، فلديهم رغبة حقيقية في مساعدته على معرفة ذلك. عندما كتب رواية “كافكا على الشاطئ”. تصفح موراكامي موقعه ليرى كيف وجد القراء الرواية وما هي أسئلتهم حولها، يقول “أشعر أن الأمر يكون أفضل عندما يكون ديموقراطيًا. لدي رغبة حقيقية في التحدث إلى قرائي، ولكنني أصبحت أشعر بالإنهاك أسرع مما مضى، فأقول: هذا يكفي. أظن أن الفهم الحقيقي هو تراكم متتالٍ من سوء الفهم. هذا هو ما اكتشفته. كل قارئ يرسل لي أراءه، والكثير منها ليست أراء صحيحة في وجهة نظري، هم بشكل أو آخر لم يصل إليهم ما أردت إيصاله. ولكن عندما أقرأ رسائل آلاف القراء أقول لنفسي: نعم، إنهم يفهمونني. لهذا أنا أثق في رأي مجموع القراء، ولا أثق في رأي كل قارئ على حدة”.

يقول “الرواية تبدأ معي من فقرة، جملة، منظر طبيعي أو لقطات من فيديو. أجد نفسي أرى المشهد الذي علق في ذهني مئات المرات بل أحيانا آلاف المرات كل يوم. وفجأة أقول لنفسي حسنا، سأكتبها”. يجد أن الكتب مثل سيمفونيات بيتهوفن التي تتكون من نغمات ذكورية عريضة وأخرى أنثوية حادة. ويجد أن القصص القصيرة تقع في منطقة ما في المنتصف بين هذين النوعين. يقول “استطيع استخدام أصوات متعددة، أشخاص، أساليب حياة، وأنا أستمتع بذلك. وفي الوقت نفسه هو نوع من التدرب بالنسبة لي”.

الرواية تبدأ معي من فقرة، جملة، منظر طبيعي أو لقطات من فيديو.

الرواية تبدأ معي من فقرة، جملة، منظر طبيعي أو لقطات من فيديو.

حسنا ماذا أيضًا، يقول “لا أفكر في نفسي على أنني مبدع، ولكنني أعشق الروتين المحدد وألتزم به. مهما كنت محبطا، وحيدا، أو حزينا، روتين العمل المحدد يساعدني على التخلص من كل ذلك، إنني أحب ذلك حقا. في الحقيقة، أفكر في نفسي على أنني مهندس أو بستاني، أو شيء من هذا القبيل، لا أفكر في نفسي أبدا كمبدع، يبدو هذا ثقيلا للغاية بالنسبة لي، لست من هذا النوع من الناس، أنا فقط ألتزم بروتين العمل الذي وضعته لنفسي. إنني أركض كل يوم منذ أكثر من ثلاثين عاما، إن هذا الأمر أعطاني شيئًا ما خاصًا للغاية. لو فعلت الشيء نفسه لمدة ثلاثين عاما فبالتأكيد ستصل إلى شيء”.

يقول “سأشرع في العمل على كتابي الجديد، بنهاية هذا العام، ولكني لا أعلم عن أي شيء سوف يكون، هناك بعض الأفكار في ذهني، هناك أيضا الكثير من الفقرات في درج مكتبي، ربما يكون الكتاب القادم كبيرًا نوعا ما”. ثم أضاف بشيء من الحسم “ربما يكون كتاب مغامرات!”

* رواية “تاسكورو تانازاكي عديم اللون وسنوات حجه” متاحة الآن بالمكتبات، و”المكتبة الغريبة” ستكون متاحة بداية من 2 ديسمبر 2014

* مقال لـ تيم مارتن بصحيفة التليجراف، ونشرت الترجمة بعدد جريدة القاهرة بتاريخ 18 نوفمبر2014

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

روي بيتر كلارك: كيف تكتشف صوتك ككاتب؟

ناغم صوتك

ناغم صوتك

ترجمة: أحمد الزبيدي

من بين كل المؤثرات التي يستخدمها الكُتّاب، ليس هناك ميزة أكثر أهمية ولا صعبة المنال من تلك الميزة التي تدعى الصوت، الكتّاب المهرة، وهذا ما قيل مرة تلو الأخرى، يريدون أن يكتشفوا صوتهم، يريدون أن يكون ذلك الصوت مألوفًا، وهذه الكلمة تذكّرني بكلمتَي مؤلف وتأليف.

ولكن ماهو الصوت؟ وكيف يقوم الكاتب بالجهر به؟

إن التعريف الأكثر استخدامًا يأتي من صديقي وزميلي دون فراي “إن الصوت هو خلاصة كل الاستراتيجيات التي يستعملها الكاتب لخلق الوهم بأن الكاتب يتكلم بصورة مباشرة مع القارئ من خلال الورقة”. الكلمات الأكثر أهمية في ذلك التعريف هي (خلق) و(وهم) و(يتكلم)، الصوت هو المؤثر الذي يخلقه الكاتب ويصل القارئ عبر أذنيه، حتى حينما يصله المضمون عبر عينيه.

يتذكر الشاعر ديفيد مككورد أنه في إحدى المرات تناول نسخة قديمة من مجلة سانت نيكولاس (بابا نويل)، والتي كانت تنشر قصصًا يكتبها الأطفال، وقد جلبت انتباهه إحدى القصص، “وفجأة دهشتُ لقطعة نثرية فيها الكثير من التلقائية والعفوية في الصوت بمجرد أن تلقي نظرة عابرة عليها. وقلت لنفسي إن هذا الصوت مشابه لـ (ي .ب. وايت) ثم نظرت إلى التوقيع، ييلوين بروكس وايت، العمر11 سنة”. لقد تعرّف مككورد على عناصر ذلك الشكل – الصوت- لمؤلف شاب سيكبر في يوم ما ليكتب رواية الأطفال (شبكة شارلوت).

فإذا كان فراي محقاً، فإن ذلك الصوت هو الخلاصة لكل استراتيجيات الكتابة، فما هي تلك الاستراتيجيات التي تكون جوهرية في عملية خلق الوهم بأن هناك كلام يقال؟ للإجابة على ذلك السؤال، تخيل قطعة من أداة موسيقية تسمى جهاز التحكم بالصوت، هذه هي الآلة التي تخلق مديات الصوت في مضخم الصوت من خلال توفير حوالي ثلاثين إشارة صوتية أو مستوى، تسيطر على الأصوات العالية والمنخفضة، ترفع المنخفض وتخفض المرتفع، وتضيف قليلًا من الارتدادات إلى أنْ يتكون الصوت المطلوب. لذلك، فإذا كنا نمتلك جهاز توليف سلس وممتاز لصوت الكتابة، ما هي المديات التي يستطيع هذا الجهاز أنْ يصل لمستوياتها؟ هذه مجموعة من التوضيحات على شكل أسئلة.

* ما هو مستوى اللغة، أو بعبارة أدق، هل يستخدم الكاتب لغة الشارع أم الجدل المنطقي لأستاذ الميتافيزيقيا؟ هل مستوى اللغة في أسفل سلّم التجريد أم قريب من قمّته؟ أم أنه يتنقل بينهما؟

* من هو الشخص الذي يستخدمه الكاتب؟ هل يستخدم الكاتب الضمير (أنا) أم (أنت) أم (نحن) أم (هم) أم الجميع؟

* ما هي حدود ومصادر الإيماءات؟ هل هي نابعة من ثقافة راقية أم متدنية؟ أم كليهما؟ هل استشهد الكاتب بعالم لاهوت من القرون الوسطى أم بمصارع محترف؟ أم بكليهما؟

* كيف كان الكاتب يستخدم غالبًا الاستعارات وسمات الخطاب الأخرى؟ هل يريد أن يبدو الكاتب أكثر شبهًا بالشاعر؟ والذي يكون عمله غنيًا بالصور التشبيهية، أم الصحفي الذي يستخدم الاستعارات لأجل تأثيرات خاصة؟

* ما هو طول وتكوين الجملة النموذجية؟ هل الجمل قصيرة أم بسيطة؟ طويلة أم معقدة؟ أم مزيج من ذلك؟

* ما هي المسافة التي تفصلها عن الحيادية؟ هل يحاول الكاتب أن يكون موضوعيًا، متعصبًا، متعاطفًا؟

* كيف تشكل الكاتبة مادتها؟ هل هي عادية أم شاذة؟

* هل تعمل الكاتبة بمواد مواضيع مألوفة، مستخدمة أشكال القصص التقليدية؟ أم أنها تجريبية وابتكارية؟

تمعن في هذه القطعة، وهي حديث إذاعي لمراسل راديو سي بي إس، حول تحرير معسكر الاعتقال النازي بوخنفالد في 1945. اقرأها بصوت عال لتختبرصوت الكاتب:

“عندما دخلنا، كانت الأرضية مبلطة بالإسمنت، وكان هناك صفّان من الجثث التي كدست مثل كومات حطب التدفئة، كانت نحيلة وشاحبة جدًا، بعض الجثث كانت مكدومة بشكل رهيب، على الرغم من بنيتها النحيلة التي لا تتحمل الكدمات، كان بعضها قد أطلق عليه النار في الرأس، ولم تنزف سوى قليلًا، كانت جميعها عارية عدا اثنين منها، حاولت أن أحصيها بكل استطاعتي ووصلت إلى الاستنتاج أن كل ذلك كان إبادة لأكثر من خمسمئة رجل وصبي مستلقين في أكداس مرتبة.”

استند الصحفي في لغته على إفادة شاهد عيان، بإمكاني أن أسمع الصراع بين حرفية المراسل وغضبه كإنسان، مستوى اللغة كان واضحًا وملموسًا، يصف رؤية أشياء رهيبة، استخدم تعبيرًا مرعبًا واحدًا، (أكوام الحطب) ولكن البقية تبدو واضحة ومباشرة، الجمل أغلبها بسيطة وقصيرة، ولم يكن صوت كتابته محايدًا، كيف يمكن له أن يكون كذلك؟ إنه يصف العالم كما يراه ولا يصف عواطفه كمراسل، ومع ذلك فقد وضع نفسه في المشهد في الجملة الأخيرة، مستخدمًا (أنا) لكي لا يثير الشك بأنه رأى ذلك بأم عينه، إن عبارة “كانت تلك إبادة” تبدو تمامًا كما لو أنها مقتبسة من شكسبير. إن هذه القراءة المجهرية الموجزة لأعمال مورو تظهر التفاعل بين استراتيجيات مختلفة والتي تخلق ذلك التأثير الذي نعرفه بالصوت.

كم يختلف التأثير عندما يصف فيلسوف القرن السابع عشر الإنجليزي توماس هوبز عاطفة الإنسانية:

“إن حزن الإنسان على بؤس الآخرين هو شفقة، وهو يتأتى من تخيل أن من المحتمل أنْ تحدث له نفس المصيبة، ولذلك فهو يسمى أيضاً تعاطفًا وفي تعابير أوقاتنا الحاضرة الإحساس المشترك” (مقتبس من كتاب توماس هوبز ليفانثان)

إن قطعة مورو، بخصوصيتها، تثير الشفقة والعطف، أما فقرة هوبس بتجردها فإنها تعرّفهما. إذا كتبت مثل مورو، فسوف تبدو صحفيًا، وإذا كتبت مثل هوبس فسوف تبدو فيلسوفا.

يعتبر كتاب العناية بالرضيع والطفل لبنجامين سبوك والذي نشر للمرة الأولى عام 1945 بمثابة الكتاب المقدس للوالدين وقد كتب في مقدمته:

“إن الشيء الأكثر أهمية الذي ينبغي عليّ قوله إنك يجب أنْ لا تأخذ حرفياً وتماماً ما يقال في الكتب، كل طفل مختلف، وكل والدين يختلفان، كل مرض أو مشكلة سلوكية تختلف إلى حد ما عن الأخرى، كل ما أستطيع أنْ أفعله هو أنْ أصف المشاكل والإصابات الأكثر شيوعًا في أحكامها الأكثر عمومية، تذكر أنك أكثر اعتياداً على أمزجة أطفالك وحالاتهم أكثر مما أستطيعه أنا إلى حد كبير.”

لغة الدكتور سبوك بسيطة، بل وموثوقة، صوته حكيم بل ومتواضع، إنه يخاطب القارئ مباشرة، كما في رسالة، مستخدمًا كلاً من (أنت) و(أنا)، ويحترم خبرة ومعرفة الأبوين، وليس عجبًا أن أجيالًا من العوائل تتوجه لصوت طبيب العائلة هذا طلباً للنصيحة وراحة البال.

لكي تختبر صوت كتابتك، فإن الأداة الأكثر فاعلية في طاولة عملك، هي القراءة الجهرية. اقرأ قصتك بصوت عال لتسمع فيما إذا كانت تبدومشابهه لك، عندما يقدم المعلمون هذه النصيحة للكتاب، فغالبا ما نقابلها بنظرات شك. (لا يمكن أن تكون جادًا) هذا ما تقوله هذه النظرات، (أنت لا تقصد تماما أنّ عليّ قراءة القصة بصوت عال؟ ربما ما تقصده بقراءة القصة (بصوت عالٍ) بهدوء وأن أحرك شفتاي؟

كلا، ما أقصده عالياً، وعالياً بشكل كاف حتى يسمعه الآخرون، يمكن للكاتبة أن تقرأ القصة بصوت عال لنفسها أو لمحرر آخر، يمكن للمحرر أن يقرأ القصة بصوت عالٍ للكاتب، أو لمحرر آخر، يمكنه أن يقرأ له بهذه الطريقة ليتلقى صوته، أو يعدلّ فيه، يمكنه أن يقرأ في مناسبة ما، ولكن يجب أن لا يقرأ أبداً في سخرية، يمكنه أن يقرأ ليسمع المشكلات التي يجب أن تحل.

يشكو الكتاب من المحررين الصّم والذين يقرؤون بعيونهم وليس بآذانهم، قد يرى المحرر عبارة غير ضرورية، ولكن ما الذي يفعله حذفها لانسجام الجملة؟ إن أفضل جوابٍ لذلك السؤال يكون عن طريق القراءة السمعية والشفهية.

تدريب:

1-اقرأ قصتك بصوت عالٍ لصديق، واسأل، هل هذا الصوت يشبهني؟ ناقش الاجابة.

2-بعد إعادة قراءة عملك، اكتب قائمة بالصفات التي تعرّف صوتك، مثل غليظ، عدواني، مضحك، متردد، والآن حاول أن تعرف الدلائل في كتابتك التي تقودك إلى مثل هذا الاستنتاج.

3-اقرأ مسودة قصة بصوت عالٍ، هل بإمكانك سماع المشاكل في القصة التي لا يمكنك التعرف عليها.

4-احتفظ بأعمال الكتّاب الذين تكون أصواتهم مشابهة لصوتك، فكر لماذا أنت معجب بصوت كاتب معين، كيف يشبه صوتك، وكيف يختلف عنه، وقلّد ذلك الصوت في قطعة من الكتابة الحرة .

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | إرسال التعليق

ثمان نصائح في الكتابة من سعد الياسري

لا تجتهدْ، ولا تجهدْ نفسك، في أن تكون سِواك، فتلك موهبة أيضًا، وقد لا تكون لديك.

لا تجتهدْ، ولا تجهدْ نفسك، في أن تكون سِواك، فتلك موهبة أيضًا، وقد لا تكون لديك.

سعد الياسري*

هذه بعض الوصايا لمن يحتاجها، والنصائح لمن يسعى إليها، حول مسألة الكتابة عمومًا، ويمكن لها أن تكون مجدية في سِوى أمور الكتابة أيضًا. إنها محاول لمد يد بيضاء… بالمجَّان:

1. لا تجتهدْ، ولا تجهدْ نفسك، في أن تكون سِواك، فتلك موهبة أيضًا، وقد لا تكون لديك.

2. المبالغة هي ابنة الكذب المنفلتة. بالغ كما لو كان الأمر نكهةً سحرية لطبخة تتقنها؛ لا مذاقَ الطبخةِ بالكامل. لأن المبالغة في الحب والكره؛ والتعبير عنهما بالبكائيات والحماسيات حتى في سياق “النص الإبداعي” أمر مثير للاشمئزاز.

3. جهلُك لن يسلبَك شيئًا… تخيَّلْ! فهذه الحياة ومباهجها وأسرارها وجواهرها وأحجارها أوسع من أن يلمَّ بها المرء.. اقبل بذلك كعزاء، وتصالح مع هكذا حقيقة حين الكتابة، ولا تجعل من نصِّك موسوعة معرفية!

4. الرأي السياسي والفكري والديني والفلسفي حتى؛ كلُّها أمور ذاتية، ستقتلُ العملَ الإبداعي إن لم توظَّف بحكمة وتوازن. لا أحد يعنيه – حقيقةً – ماهية آراء الكاتب والجهة التي يصطف معها حين يقرأ عملاً ناجحًا، الكاتب المتواري هو الكاتب الناجح.

5. “نحن لا نتشابه، في الواقع؛ قد أكون أجمل منك” قل هذا لمطالبيك بأشياء تشبههم!

6. الكوكب غارق حتى أذنيه بالأفضل والأحسن والأجمل والأنبل منك ومنه ومنها ومني، فاسترخِ قليلاً، ولا يغرنَّك الحمقى وإحراق المراحل.. نحن في شوطٍ يصل بنا إلى نهاياتنا المستعرة؛ فاستمتعْ بالرحلة لا السبق!

7. لا تبدأ الكتابة قبل أن تكون قارئًا نهمًا.. فالعمليتان مرتبطتان بشكل وثيق، لذا لن تجد كاتبًا ناجحًا لم يقرأ كل ما يستطيع الوصول إليه من “الانتاج الهام”.. وتحديد الأهمية ستبديه لك الخبرة لاحقًا.

8. عليك الاقتناع بأنَّ ثمَّة أشياء لا تُكتب! فإن كُتبتْ أفسدها التَّدوين!

* شاعر عراقي مقيم في الكويت. 

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | تعليق واحد

اشرع في الكتابة القصصية

ترجمة: ريوف خالد.

أترجم في هذه السلسلة ” اشرع في الكتابة القصصيّة” مجموعة من المقابلات القصيرة التي أُجريت مع مجموعة من الكُتّاب الذين حققوا أرقام مبيعات عالية لكتبهم، من أجل منهج من مناهج الكتابة الإبداعية في “أوﭙن يونڤيرستي”، ولأنها مقابلات صوتيّة، ترجمتها بتصرف حتى تظهر أكثر ضبطًا كنص مكتوب. في كل حلقة يتناول الكُتّاب الحديث عن موضوع واحد.

 الشروع في عمليّة الكتابة.

• أليكس غارلاند:

شغفت حقًا بالكتابة، من خلال رسم المجلات المصوّرة. والدي رسّام كارتوني، نشأت وحولي كتب القصص المصوّرة، كنت أقرأها دائمًا، ووالدي يرسم، ولذلك، طفلًا كنت أستنسخ والدي، فأرسم. دائمًا ما اعتقدت أن هذه هي الطريقة التي سأكسب عيشي بواسطتها. عند لحظةٍ معيّنة، أظنها قرابة الحادية والعشرين، حدث أمران. الأول أنني بدأت في إدراك أنني لستُ جيدًا في الرسم بالدرجة التي أحتاجها في سبيل تحقيق النجاح. كما بدأت أشعر بالإحباط، أعتقد بسبب المدة الطويلة التي أستغرقها لأقص قصّة. حيث تكتبها، ثم ترسمها، وهذا الرسم الذي لم يكن بتلك الجودة يستغرق وقتًا طويلًا. أخيرًا، الشيء الذي فعلته: أنني تجنبت الصور، في المقام الأول، ومضيت مع الكلمات.

• تيم ﭙيرز:

دائمًا ما أردت أن أكون كاتبًا، منذ أن كنت صغيرًا جدًا، أعتقد أن هذا ناتج عن كوني طفلًا تعيس بعض الشيء. في كتابي الثاني: “في أرض الوفرة – In a Land of Plenty”، الشخصية الرئيسية هي الابن الأوسط لعائلة فريمان التي يتحدث عنها الكتاب، تبدو الشخصيّة كما لو تمثل جزءًا من سيرتي الذاتية. إنّه مصوّر، يلتقط الصور في محاولة لفهم العالم عبر النظر من خلال عدسات الكاميرا، هذا من ناحية. من ناحيةٍ أخرى، ليكون لديه ما يختبئ خلفه. وأعتقد حقًا أن الكتابة بالنسبة لي كذلك، أو قد كانت كذلك. الحياة والناس والبالغين والعالم قد جعلوني في حيرة، لهذا صرتُ كاتبًا، كانت الكتابة محاولة لفهم كل هذا، لكنها في الوقت ذاته شيء أختبئ خلفه.

تيم ﭙيرز

تيم ﭙيرز

• عبد الرزاق جرانة:

“لماذا؟” لستُ متأكدًا، أعتقد أن السبب أحد هذه الأشياء التي تحدث أثناء عملك لشيءٍ ما، لكن “كيف” يُشبه هذا التعثر بالأمر أكثر من أن يكون لديك شيء من الطموح له في عمر معيّن؛ أكثر من أن تقول: “أنا أعرف ما أنا بصدد فعله.”. إنه الشروع في الكتابة أكثر من كونه رغبة الكتابة. كانت البداية بالنسبة لي حين قدمت إلى إنجلترا، أعني أنني قد اعتدتُ على الكتابة قبل هذا، كما في المدرسة، أكتب تلك الأشياء الغريبة، كانت مجرد نوع من اللهو، تقوم به من أجل أصدقائك وما إلى ذلك. ليس ما نعنيه حين نقول “كاتب”. لكنه وبعد المجيء إلى إنجلترا، والتفكير فيما يعنيه ترك الوطن، الأشخاص الذين أعرف، المجيء إلى هنا والتعاطي مع الأمور التي تحدث والتي لم تكن كلها لطيفة. أثناء عملية التفكير هذه حول الأشياء واستيعاب موقعي وعلاقتي مع المكان الذي أعيش فيه، بدأت في كتابة أشياء، مجرد أشياء، وبعد فترة كما تعلمون تبدأ بالتفكير؛ “حسنًا، هل يمكنني أن أفعل شيئًا بها؟” وتدريجيًا تلاحظ أن لديك ما يتطوّر، فتتهوّر وتقول: “يمكنني أن أكتب كتابًا!” في الواقع، هكذا بدأ الأمر.

• مونيك روفي:

أعتقد أن الكتابة نوع من الإدراك. لقد كتبت منذ سن مبكرة للغاية، حتى عندما كنت طفلة، وبالطريقة التي قد يكون بها البعض بطبيعتهم موسيقيين، أو مهتمين بالحشرات، أو جيدين في التنس، مجانين قطار، أو أي أمر يستهويهم، أعني أنه من وقت مبكر جدًا كتبت يوميّات ومذكرات، أظن أن الأمر تطوّر فحسب. عملت صحفية لفترة، أثناءها، كما تعلمون، كنت دائمًا ما أكتب أشياء أخرى؛ سيناريو، أو نص كوميدي، أو نصوص تلفزيونيّة. أخيرًا، أعتقد أنه في الوقت الذي يصير فيه الشخص كبيرًا بما يكفي، ويريد أن يأخذ نفسه بجديّة أكبر، قد استيقظت في أحد الأيام وقلت فورًا أنني سأخطو خطوتي التالية: سأكتب رواية، سأنطلق. إذن، الكتابة أمر لطالما قمت به، لم يكن هنالك قرار واعي بخصوصه مطلقًا.

مونيك روفي

مونيك روفي

• لوي دي برنير:

لقد عرفت دائمًا أنني سأكون كاتبًا. والدي يكتب الشعر، لذلك، في منزلنا، من الطبيعي نوعًا ما أن أرغب الكتابة، وعرفت هذا من وقت مبكر للغاية، من عمر الثانية عشر تقريبًا. لقد كان لدي عدد من أساتذة اللغة الإنجليزيّة الرائعين، أفكّر حيال ثلاثة منهم، معًا، إنهم مرشدون، إنهم إلهام جليّ. لاحقًا، خلال سنين المراهقة كتبت الشعر، غالبًا قصائد الحب الصبيانيّة المخجلة التي يكتبها أحدنا، من نوع: “لماذا لا تحبيني؟ وسأقتل نفسي.” وما إلى ذلك. ثم وفي عشرينيّاتي، نسيت حقيقةً أنني سأصير كاتبًا، لأنني اعتقدت أنني سأصير نجم روك، وكتبت أغانٍ وأشياء متعلّقة بديلة، لكنني استمريت في الكتابة من وقت لآخر. وعندما صرت في الخامسة والثلاثين، وقع حادث دراجة لي جعلني في الجبس لستة أشهر، خلال هذا الوقت لم أتمكن من الخروج كثيرًا في الحقيقة، لهذا كتبت روايتي الأولى كي أرفّه عن نفسي.

كُتب في عن الكتابة | إرسال التعليق

روي بيتر كلارك: كتابة التفاصيل ومخاطبة الحواس

ابحث عن تفاصيل ملموسة ومحدّدة، تخاطب الحواس

ابحث عن تفاصيل ملموسة ومحدّدة، تخاطب الحواس

 

روي بيتر كلارك
ترجمة: د. صديق الحكيم
مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى

إن الروائي جوزيف كونراد قد وصف عمله بهذه الطريقة: “أن أجعلك تسمع، أن أجعلك تشعر، وقبل كلّ شيء، أن أجعلك ترى، بقوّة الكلمة المكتوبة”.

وعندما كان جين روبرتس – وهو من أعظم محرري الصحف الأمريكية وقد فاز بجائزة بوليتزر 17 مرة – يشب كمحرر مبتدئ في ولاية كارولينا الشمالية، اعتاد أن يقرأ قصصه بصوتٍ مرتفع على محرر أعمى، ولكن المحرر عنف الشاب روبرتس لأن قصصه لم تجعله – كأعمى – يرى.

عندما تُخاطب التفاصيل الحواس (تفاصيل الشخصية، والمكان) تخلق خبرة لدى القارئ تجعله يفهم. فنحن عندما نقول “أنا أرى” فنحن غالبًا ما نعني أننا نفهم. الكتّاب قليلو الخبرة قد يختارون التّفصيل الأوضح، مثل: الرجل ينفث دخان السجائر والمرأة تقضم ما تبقى من أظافرها. هذه التفاصيل تفشل في أن تخبرك بشيءٍ، ما لم يكن الرجل قد مات بسرطان الرئة، والمرأة تعاني من فقدان الشهية العُصابي.

في صحيفة سان بطرسبرج تايمز كان المحررون وكبار الكتاب يحذرون المراسلين من الرجوع لمكاتبهم دون الحصول على اسم للكلب. هذه المهمة التقريرية لا تعني أن يستخدم الكاتب هذا التفصيل في القصة، لكنها تذكّره بأن يبقي عينه وأذنه مفتوحة على الدوام.

عندما كتبت كيللي بنهام قصة الديك الشرس الذي هاجم طفلاً، لم تكتب فقط اسم الديك (روكادودل الثاني)، بل كتبت اسمي أبويه: روكادودل، وهيني بيني ذات الساق الواحدة. (لا أستطيع شرح لماذا كان من المهم أن تكتب اسم أمه ذات الساق الواحدة، لكنها فعلت!)

قبل إعدام القاتل المتسلسل، ذهب المراسل كريستوفر سكانلان إلى ولاية أوتاوا لزيارة عائلة إحدى ضحايا القتل. قبل ذلك بأحد عشر عاماً، خرجت امرأة شابة من بيتها ولم تعد. لقد وجد سكانلان التفصيلة التي تحكي قصة الحزن الدائم للأسرة، فقد لاحظ وجود شريط لاصق على مفتاح الضوء بجانب الباب الأمامي.

استطراد: أوتاوا 

كانت السيدة بلفا كينت دائمًا ما تترك ضوء الشرفة الأمامية مشتعلًا عندما يخرج أطفالها ليلًا. وكان آخر من يأتي يتولى إطفاء النور، حتى ذلك اليوم من عام 1974، عندما أخبرت السيدة كينت عائلتها “سوف أترك الضوء مفتوحًا حتى تعود ديب إلى البيت وتتولى إطفاءه”. 

ضوء الشرفة الأمامية للسيدة كينت لا زال يشتعل، ليلاً ونهارًا.
عبر الباب الأمامي، وضع شريط لاصق على مفتاح الضوء.
ديب لم تعد إلى البيت قط.

هذا هو بيت القصيد: لقد رأى سكانلان الشريط اللاصق الذي يغطي زر الإضاءة وسأل عن ذلك. إن فضوله وحده وليس خياله، هو ما جعله يقتنص هذه التفصيلة الرائعة.

إن السّعي وراء تفاصيل كهذه يحدث منذ قرون، كما تكشف التقارير عبر التاريخ. ولقد ذكر العالم البريطاني جون كيري أمثلة على ذلك في مجموعته “شاهد عيان على التاريخ”:

هذا الكتاب.. مليء بالصور الغريبة، أو الوقحة، أو العابرة، التي تطبع نفسها بقوّة في عين العقل: السفير يطلّ أسفل مقدمة فستان الملكة إليزابيث الأولى ويشير إلى التجاعيد، الفائز في خريف كوالالمبور يقلب صندوقًا مليئًا بكرات التنس الثلجية من ماركة سلازنجر. بليني تشاهد الناس يغطون رؤوسهم بالوسائد لحماية أنفسهم من رماد البركان. ماري، ملكة اسكوتلندا، شاخت فجأة في موتها، وكلبها الأليف يرتعد بين تنانيرها، ورأسها معلق بقطعة غضروفية عنيدة. الأيرلنديون الجياع بأفواههم الخضراء من فرطِ أكل العشب.

لم أجد أية سجلات باقية تشير إلى اسم كلب ماري، الملكة الأسكتلندية، لكني تعلمت أنه كان كلبًا للصيد من سلالة اسكتلندية مشهورة بالولاء والشجاعة. وفيما بعد، أرسلت لي القارئة العزيزة أنيتا تايلور رسالة من نيوزيلاندا تخبرني فيها أن اسم الكلب هو “جيدون”. كانت هذه تفصيلة تذكرتها القارئة حينما كانت تساعد ابنتها لإنجاز ورقة عمل دراسية.

الكاتب الجيّد يستخدم التفاصيل، ليس فقط للإخبار، وإنما للإقناع. في عام 1963 كتب جين باترسون عاموده الصباحيّ عن قتلة الفتيات الأربعة في تفجير كنيسة في بيرمنغهام، ألاباما.

ناحت امرأة زنجية صباح الأحد، في الشارع أمام الكنيسة الباباوية في بيرمنغهام. كانت تمسك بيدها حذاءً؛ حذاءً واحدًا فقط، من قدمِ طفلتها الميتة. نحنُ نمسكُ بذلك الحذاء معها.

لن يسمح باترسون للجنوبيين البيض بأن يتنصلوا من مسئولية قتل هؤلاء الأطفال. لقد ثبّت أعينهم وآذانهم، أجبرهم على سماع نواح الأم الثكلى، وعلى مشاهدة الحذاء الصغير الوحيد.

الكاتب يجعلنا نتعاطف ونحزن ونفهم. إنه يجعلنا نرى.

إن التفاصيل التي تترك علامة، هي تلك التفاصيل التي تحفز الحواس. ولك أن ترى: كيف بدأ كورماك مكارثي روايته “كل الخيول الجميلة”:

كان لهب الشمعة، وصورة لهب الشمعة، يظهران على صفحة مرآة الحائط المائلة يمينًا عندما دخل الصالة، ومرة ثانية أغلق الباب. خلع قبّعته وتقدّم ببطءٍ إلى الأمام. كانت ألواح الأرضية تصرُّ تحت حذائيه. وقف بمعطفه الأسود أمام الزجاج المظلم حيث الزنابق الشاحبة تنحني على حوافّ المزهرية. وعلى طول الممر البارد خلفه، عُلّقت صور لأسلافه الذين بالكادِ يعرفهم، وقد وضعت في براويز وغطيت بالزجاج، وعلقت إضاءة خافتة فوق إطارها الخشبي الهزيل. نظر إلى كعب الشمعة الذائب. ضغط بإبهامه على الشمع الدافئ المتكتّل في القاعدة الخشبية. وأخيرًا نظر إلى الوجه المتعب المستلّ من طيّات من ثياب الجنازة؛ الشارب المصفرّ، الجفون الرقيقة كالورق؛ لم يكن هذا نومًا، لم يكن هذا نومًا.

نثرٌ من هذا النوع يتطلب نفس الاهتمام الذي نوليه للشعر. ابتداءً بتلك الأسماء اللامعة (لهب الشمعة، صفحة المرآة، إناء بلوري، كعب الشمعة، بصمة الإبهام”. الأهم من ذلك مخاطبة مكارثي للحواس، فهو لم يعطِنا لونًا فقط (أسود وأصفر)، بل أعطانا هدايا لحواسنا الأخرى؛ رائحة الشمع المحترق، صوت صرير ألواح الأرضية، والإحساس بالشمع وملمس الخشب.

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | إرسال التعليق

فاروق مواسي: الطقوس، وطقوسي في الكتابة

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه

أ. د فاروق مواسي

يبدو لي أن “الطقوس” كما يسميها الكثيرون أو العادات المنتهجة أو “السلوك الكتابي” كما أرى، فيها ما يشي بالمضمون، وإذا كان الأسلوب هو الكاتب كما يرى بوفون فلا بدع إن لاحظنا أن الشكل حتى الخارجي عن النص أو السابق له، له علاقة ما بالفحوى، أو بصاحبه.

وقد ألف س. ر مارتين كتابه “في تجربة الكتابة”- ترجمة: تحرير السماوي، فعرّفنا إلى بعض السلوك الكتابي، فسيمنون يصحو من السادسة صباحًا ويحضر لنفسه القهوة، ويأخذ فنجانه يوميًا إلى غرفة عمله.. الستائر تظل مسدلة فهو يحب العمل تحت المصابيح الكهربائية. سيمنون كان يعمل لمدة ثلاث ساعات يوميًا أي أنه في التاسعة صباحًا يكون قد أكمل ما يقارب العشرين صفحة دونما استراحة تستمر طباعته كطلقات الرشاش، ويطبع نسختين من كل صفحة خوفًا من أن تضيع إحدى أوراقه… في فترات الاستراحة لا يقوم بأي عمل (ص92)

أما أجاثا كريستي ففي الحمام تأتيها أفضل الأفكار كما قالت:

كانت تجلس في البانيو ساعات طوالاً حتى تجد القصة الملائمة وتضيف:” لا أستطيع وضع التصاميم إلا في الرياح الممطرة، أما إذا أشرقت الشمس فيكون أحب شيء الى نفسي هو الجلوس في الحديقة. ففي الأيام العشرة قبل الأخيرة قبل البدء في الكتابة أحتاج لتركيز محكم. عليّ أن أظل وحدي دون ضيوف ودون تلفون ورسائل (ص 108)

أغاثا كريستي تأتيها الأفكار في الحمام

أغاثا كريستي تأتيها الأفكار في الحمام

ولم يكن همنغواي يستعمل المكتبة لعمله بل كان يعمل في “البرج الأبيض” المطل على العاصمة هافانا (ص12) الأمر الذي يذكّر بميخائيل نعيمة و”الشخروب” في أعلى بسكنتا.

لا بد من الاشارة كذلك إلى مقال كتبه صالح علماني في صحيفة تشرين السورية 2003/05/28 حيث استعرض كتاب “عندما تأتي ربات الإلهام” للمؤلفين الإسبانيين راؤول كريماديس وأنخل استيبان. أما الأول فقد كان أستاذًا للأدب الإسباني والأمريكي اللاتيني في جامعات مختلفة، وحرر مقالات أدبية ونقدية في صحف كثيرة، وأما الآخر فهو أستاذ الأدب الأمريكي في جامعة غرناطة. وهذا الكتاب يدرس عادات ستة عشر أديبًا في ستة عشر فصلًا، نحو: ألبرتي، نيرودا، بورخيس وأوكتافيو بات وإدواردز…إلخ.

فبورخيس مثلاً كان يغطس في الصباح الباكر في حوض الاستحمام ليستغرق في التأمل وليناقش الحلم الذي حلمه الليلة الفائتة، وليدرس إن كانت فكرة الحلم تنفعه في صياغة أدبية ما، فإذا اهتدى إلى البداية والنهاية لم تكن لديه صعوبة في استمرار معالجته للنص.

ومن الجدير أن نذكر أن ماركيز كان يؤمن بأن الأزهار على منضدته تجلب له الحظ، وقد ذكر أنه يستهلك مئات الأوراق حتى يستخلص قصة في اثنتي عشرة صفحة.

أما الحديث عن يوسا وانضباطه ودقته فيذكرنا بنجيب محفوظ الذي كان يمر في وقت محدد تُضبط الساعة حسبه. ولكن المفاجئ في سلوك يوسا الأدبي أنه كان يكتب وأمامه دمى لأفراس النهر.

همنغواي يكتب في البرج الأبيض

همنغواي يكتب في البرج الأبيض

وكنت قد قرأت أن شوقي كان يكتب في المقاهي وعلى أوراق علبة الدخان، وكان يترنم في شعره على شاطئ النيل، وأن نزار قباني كان لا يستخدم إلا الورق الملون في كتابته.

وقد تعرفت إلى بعض الأدباء الذين يُعدّون للكتابة عدتها، فيحضر هذا الطاولة والأقلام والورق، ويعد القهوة، ويستمع الى الموسيقى الكلاسيكية.

ونحن بالطبع لا نستطيع أن نصل بين خط السلوك وفحوى النص تمامًا، ولكن ذلك يحتاج إلى دراسة مسؤولة، والافتراض أن ثمة علاقة ما كما أشرت.

سأحاول أن أبيّن ذلك من خلال سلوكي الشخصي (وعذرًا لأنني أذكر نفسي بين عظماء أنا تلميذ لهم، فقد طُلب مني أصلاً أن أكتب عن سلوكي أو طقوسي الشخصية:

إن النظام والانضباط والدقة أهم ما أهتم به، والصدق هو العمود الفقري لكتابتي، فإذا وردت القصيدة وكنت سائقًا كتبت بعض أبياتها وأنا أقود سيارتي، وإن كنت على فراشي ليلاً فإنني أدوّن الوارد والنور مُطفأ (خشية من تعكير الصفو على العائلة)، وإن أطلت الفكرة أو الإشراقة لجأت إلى الهدوء لأتابع ما أحسه ويختلج في مشاعري وفكري.

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه، وفي قراءتي يتبين لي الشعر بتلقائية، وألاحظ كيف يرتفع صوتي وينخفض مع وتيرة دمي. بعض قصائدي كانت تأتي إثباتاً لمقولة “إن الشعر فيضان تلقائي”، فتولد القصيدة كاملة دون أن أحس فيها حرفًا منها على سبيل المثال: “ند في أضرحة عراقية” التي كتبتها والدمعة ترف على مآقيّ.

أما القصائد التي أقرأها على نفسي بإلقائي المتفاعل فقد أجد كلمة بحاجة إلى تغيير، أو إلى معنى جديد جدير أن أتوسع فيه، أو أختزله، فأفعل ذلك أسوة بعبيد الشعر الذين اشتهروا في الجاهلية بسلوكهم الكتابي الذي كان يمتحن الجملة الشعرية، ومنهم زهير في حولياته، عبيد بن الأبرص، الحطيئة وعدي بن زيد..

أحمد شوقي يكتب على أوراق علبة الدخان

أحمد شوقي يكتب على أوراق علبة الدخان

ولعل في هذا إيجابًا أيضًا أن الشاعر لا يعتبر كلماته كمالاً مطلقًا، وقد توصل الى ذاك لاحقاً العماد الأصفهاني الذي رأى في التغيير علامة على “استيلاء النقص على جملة البشر”.

أما كيف تولد قصيدتي، فالأمر يتعلق بما شحنت به أو عبّئت أشجاني وأحلامي وعاطفتي. تأتيني جنية الشعر (ولا أقول شيطانُه) فأتبعها بلباسها الشفاف. هل الصورة أوشكت أن تكون؟ إذن فاسمعوا ما أقول:

انحنت لي قليلًا فبدا تكوّر نهديها/ فرمقت الزغب الأبيض.
في شهوة/ ومضينا في الكلام وفي القصيدة.

عندما أختم القصيدة أحب أن أقرأها فتكون رفيقتي عفاف (تسمي نفسها “الأذن الأولى”) هي التي تستمع، فأقرأ وأراقب تعابير وجهها، وأستمع الى تعليقها، ولكنني لا أتقيد به.

أما كتابتي النقدية والبحثية فهي من قبيل القصدية، فأنا معنيّ مثلاً بفكرة أو بنص أو بأديب أحب أن أعرف به أو مبدأ شعري أو فكري.

أقرأ أولاً ماذا كُتب، وأعطي كل ذي حق حقه، فلا أسرق من هذا ولا أنتحل، ولا أنكر على ذاك فضله، فقد جعلت رائدي الصدق -كما قلت-.

أبحث عن متلقٍ يستمع إليّ وأشترط فيه (في قرارة نفسي) أن يقدّر جهدي، فلا يتوقف لدى الملاحظة التي لا تروق له.

شرط كتابتي أن يكون هدوء حولي لأركّز فكرتي، وأغوص في أعماقها شعراً ونثراً.

فهل هذا الصدق وهذا الهدوء وهذه الدقة تنعكس في كتابتي؟
أدع الجواب للمتلقي الذي أرحب أن يكون موضوعياً.

نشرت في مقال كتبه كمال الرياحي في مجلة عمان العدد 121 – تموز 2005، ص 9 – 11.

كُتب في طقوس الكتابة | التعليقات مغلقة

بورخيس: ما قرأته أهم بكثيرٍ مما كتبته

ما كتبته

إنني أعتبر نفسي قارئًا في الأساس

عن القراءة بصفتها أسُّ التجربة الكتابية، يقول بورخيس:

إنني أعتبر نفسي قارئًا في الأساس. وقد تجرات، كما تعرفون، على الكتابة؛ ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته، فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، إنما ما يستطيعه.

 في بحثهِ عن اللغة، يرى بورخيس بأن الأسلوب المنمّق، والعبارات المزخرفة، هي خطأ: 

عندما بدأتُ الكتابة، كنت أقول على الدوام لنفسي إنّ أفكاري سطحية جدًا، وإن القارئ سيزدريني إذا ما اطلع عليها. ولهذا كنت أتقنّع متنكرًا. حاولت، في البدء، أن أكون كاتبًا إسبانيًّا من القرن السابع عشر على قدر من المعرفة باللاتينية. كانت معرفتي باللاتينية أقرب إلى الضئيلة. وعندما لم أعد أغتبر نفسي كاتبًا إسبانيًّا من القرن السابع عشر، أخفقتْ بالكامل محاولاتي في أن أكون السير توماس براون بالإسبانية. ربما لأن هذه الشخصيات التي تقمصتها قد أنتجت “دزينة” من السطور الرنانة. لا شك في أنني أتطلع إلى الأسلوب منمق الصنعة. إلى عبارات تزينية. إنني أفكر الآن في أن أسلوب الصنعة المنمقة هو خطأ، لأنه علامة غرور، والقارئ يعتبره غرور. وإذا كان القارئ يفكر في أن لديك عيبًا أخلاقيًا، فليس هناك أدنى مسوغ يدفعه إلى أن يقدّرك أو يتحملك.

 عن العلاقة الوثيقة بين الكتابة الإبداعية والمخيّلة، يقول بورخيس: 

ما الذي يعنيه بالنسبة لي أن أكون كاتبًا؟ يعني ببساطة أن أكون مخلصًا لمخيلتي. عندما أكتب شيئًا لا أطرحه على أنه حقيقي موضوعيًا (فالموضوعي الخالص هو حبكة من الظروف والأحداث)، وإنما حقيقي لأنه وفيّ لشيء أعمق. عندما أكتب قصة، أكتبها لأني مؤمن بها: ليس كما يؤمن أحدنا بشيء تاريخي محض، وإنما بدقة أكبر، مثلما يؤمن أحدنا بحلم أو بفكرة.

وإذا كان لا بدّ من توجيه نصيحة إلى كاتبٍ ما، فإن نصيحة بورخيس هي: 

إذا كان لا بد من توجيه نصيحة إلى كاتب ما (ولا أظن أن أحدًا يحتاجها، لأن كل واحد عليه أن يتعلم بنفسه)، فإنني أقول له ببساطة ما يلي؛ أدعوه إلى الإقلال قدر الإمكان من تنقيح عمله.

ما الذي يعنيه بالنسبة لي أن أكون كاتبًا؟ يعني ببساطة أن أكون مخلصًا لمخيلتي.

ما الذي يعنيه بالنسبة لي أن أكون كاتبًا؟ يعني ببساطة أن أكون مخلصًا لمخيلتي.

 فيما يتعلق بالقارئ الضمني، أو الشخص الذي يفكّر فيه بورخيس أثناء الكتابة، يقول: 

عندما أكتب لا أفكر في القارئ (لأن القارئ شخصية متخيلة) ولا أفكر في نفسي (ربما لأنني أنا شخصية متخيلة أيضًا)، وإنما أفكر في ما أريد أطلاقه، وأفعل ما أستطيعه كي لا أفسده.

 عن اللغة بصفتها أرضًا مشتركة من الدلالات بين القارئ والكاتب، يقول بورخيس: 

الكلمات هي رموز لذكريات مشتركة. وإذا ما استخدمتُ كلمة، فلا بد أن تكون لديكم تجربة ما عما تمثله هذه الكلمة. وإلا فإن الكلمة لن تعني لكم شيئًا.

عن الكسل والملل وابتعاد بورخيس عن الكتابة الروائية، يقول: 

لقد سألوني لماذا لم أحاول كتابة رواية قط. الكسل، بالطبع، هو التفسير الأول. ولكن هناك تفسيرًا آخر، فأنا لم أقرأ رواية قط دون أن ينتابني إحساس بالملل. فالرواية تتضمن مادة حشوة؛ وأظن، من خلال معرفتي، أنه يمكن لمادة الحشو أن تكون جزءًا جوهريًا من الرواية.

 عن الكاتب بصفته موصّلاً حراريًا للتجربة الحلمية، وضرورة الإخلاص لنقل هذه التجربة كما هي، يقول بورخيس: 

عندما أكتب (ولكنني ربما لا أكون مثالاً جيدًا، وإنما تحذير مروع فقط) أحاول أن أنسى كل شيء عن نفسي. أنسى ظروفي الشخصية. لا أحاول، مثلما حاولت في إحدى المرات، أن أكون “كاتبًا أمريكيًا جنوبيًا”. وإنما أحاول نقل الحلم وحسب. وإذا كان الحلم مشوشًا (وهو يكون كذلك عادة في حالتي)، لا أحاول تجميله، ولا حتى فهمه.

* المصدر: صنعة الشعر ست محاضرات. ترجمة صالح علماني. دار المدى. 2007.

* تحرير: رؤوف علوان، بثينة العيسى 

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | تعليق واحد

سبع نصائح في كتابة السِّيَر الذاتية من حسين المحروس

لا تكتب حتى تحفر

لا تكتب حتى تحفر

1) لا تكتب حتى تحفر، فسيرة الشخص مقسمة في سير وحيوات منْ وما حوله: بيته، أقاربه، أصدقائه، بيئته، أرشيفه، أغانيه، ألوان ثيابه، طعامه، أمراضه، اكتئاباته، ضحكته، عجلته في الصباحات، الأفكار قبل النوم، وجهه المتعدد، المتغيّر، المتقلّب، المتلوّن. ولا تنسَ حركة كلّ ذلك فيه.

2) لا تكتب سيرة شخص حتى تضع ألبومات صوره أمامك، ففي الصور وصفه ولفتاته وطريقة اقترابه ممّا حوله. اطرح الأسئلة بعينيك على الصور حتى تعيطك كلّ ما فيها. أعني كلّ ما في الشخص وما فيك نحوه.

3) ارسم خرائط البيوت والأمكنة بيدك، ضع عليها الأسماء، الطرق، الممرات، الشوارع، البيوت، مجرى عيون الماء، حركة النهر وامش فيها بعيني الشخص الذي تكتب سيرته. ولا تنسَ أن تلتفت.

4) وأنت تكتب لا تتلصّص على سيرة الشخص فتلك مهمة قارئ السير. لكن تلمّس من السيرة تلك اللحظات التي تجعل من الحركة ما نجمعه ويكون هو: الحياة.

5) السيرة قصة حياة. فانتبه، فأنت تكتب قصّة إذن، والقصّة ليست وصفاً للحياة وإنّما الحياة نفسها.

6) تلك المواقف والأحداث التي وصفها لك صاحب السيرة على أنّها غير مهمّة في حياته، تلك المواقف بالذات اعتنِ بها كثيراً، فما قلل شخص من شيء وحاول إخفائه إلاّ بقدر تمكّنه منه. كاتب السيرة ليس دكان كتابه.

7) لا تقطع سرد الشخص مهما كان سؤالك. فإنّك إن فعلت ذلك قطعت ما لن يتصل لاحقاً. لقد أخرجته فجأة من زمنه وهو في حركته. لكن اكتف بإشارات ورموز سريعة في دفترك الصغير، تذكرك بأسئلتك بعد انتهاء الحكي. وأنت تفعل ذلك اعرض سؤالك على الشخص بطرق مختلفة غير مكررة، وفي أوقات مختلفة من اللقاء، فإن صادف السؤال لحظة تجلٍ في الشخص انفتح على جواب عميق وصريح من لبّ حياته.

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | تعليق واحد

بول أوستر: أريد أن أحكي لكَ قصّة

منذ اللحظة التي نتعلم فيها نطق الكلمات، ينمو بداخلنا جوعٌ للقصص.

منذ اللحظة التي نتعلم فيها نطق الكلمات، ينمو بداخلنا جوعٌ للقصص.

ترجمة: سهام العريشي

أنا لا أعلم لماذا أفعل ما أفعله. لو كنتُ أعلم، لكنتُ استغنيت عن فعله على الأرجح. كل ما أستطيع قوله الآن، وأقوله بيقينٍ بالغ، إنني كنتُ أشعر بالحاجة إلى هذا الشيء منذ أيام مراهقتي المبكرة. إنني أتحدث عن الكتابة، وبالتحديد عن الكتابة كوسيلة لسرد القصص. القصص الخيالية التي لا تحدث أبدًا على ما نسميه أرض الواقع. إنها طريقة غريبة لتمضية حياتك لا شك، أن تجلس وحيدًا في غرفة ومعك قلمٌ في يدك، ساعة بعد ساعة، يوماً بعد آخر، وعامًا تلو آخر، مجاهدًا نفسك كي تضع كلمات على ورق، فقط من أجل مساعدة شيء على الولادة، شيء لا وجود له إلا في عقلك. بالله ما الذي يجبر أي شخص على فعل شيءٍ من هذا القبيل؟ الإجابة الوحيدة التي تمكنتُ من الوصول إليها: هي أنك مضطرٌ لفعل هذا، لأنك لا تملك الخيار.

هذه الحاجة للصنع والخلق والاختراع هي حافز إنساني جوهري. لكن إلى أي مدى؟ وما الفائدة من الفن، وخصوصًا فن الأدب القصصي، في ما نسميه العالم الحقيقي؟ لا شيء، على الأقل من الناحية العملية. لم يحدث أبدًا أن وضع كتابٌ ما لقمة في فم طفل جائع. لم يحدث أبدًا أن أوقف الكتاب طلقةً ما وهي في طريقها إلى جسد الضحية. لم يحدث أبدًا أن منع كتابٌ ما قنبلة من السقوط على مدنيين أبرياء وسط الحرب.

البعض يعتقد أن ولعنا الشديد بالفن وتذوقه سيجعل منا أشخاصًا أفضل، أكثر إنصافًا، أكثر أخلاقًا، أكثر رقة، وأكثر تفهمًا. قد يكون هذا صحيحًا، في حالات نادرة ومحددة ومعزولة. لكن دعونا نتذكر أن هتلر بدأ حياته فنانًا. الجبابرة والديكتاتوريون هم الآخرون يقرؤون الروايات. القتلة في السجن قرؤوا الروايات أيضًا. ومن ذا الذي سيجرؤ على القول بأنهم لم يستمتعوا بالكتب كما نستمتع بها جميعًا؟

باختصار، لا جدوى من الفن. على الأقل مقارنة بعمل السباك والطبيب ومهندس السكك الحديدية. لكن هل عدم الجدوى هذا أمرٌ سيء؟ الكتب واللوحات الفنية والفرق الموسيقية التي تخلو من الفائدة العملية هل هي ببساطة إهدارٌ لأوقاتنا؟ كثيرون يعتقدون ذلك. لكنني أظن أن اللاجدوى هذه هي بالتحديد ما يمنح الفن قيمته، وأن ممارسة الفن هي الشيء الوحيد الذي يميزنا عن بقية المخلوقات التي سكنت هذا الكوكب. هذا بالضبط هو ما يمنحنا هويتنا كبشر.

أن تفعل شيئا فقط لأجل الجمال والمتعة الخالصة التي يمنحكَ إياها. فكّر في الجهد الذي ينطوي على هذا الفعل، في الساعات الطوال التي تقضيها في التدريب والتنظيم من أجل أن تصبح عازف بيانو محترفًا أو راقصةً مميزةً. كل المعاناة التي تمر بها والعمل المجهد الذي تقوم به والتضحيات التي تقدمها فقط لكي تنجز شيئًا بأكمل صورة وأروع نتيجة.. لا جدوى منه.

سحر القصص أنّها تجرّك إلى أعماق الجحيم دون أن تؤذيك في نهاية الأمر.

سحر القصص أنّها تجرّك إلى أعماق الجحيم دون أن تؤذيك في نهاية الأمر.

أما الأدب القصصي فيعيش في عالمٍ يختلف قليلا عن عالم الفن، لأن الوسيط الذي تنتقل من خلاله القصص هو اللغة، واللغة شيءٌ نتشاركه مع الآخرين من حولنا. إنها شيءٌ مشترك ومشاع للجميع. منذ اللحظة التي نتعلم فيها نطق الكلمات، ينمو بداخلنا جوعٌ للقصص. هؤلاء اللذين يستطيعون تذكر طفولتهم الآن سيتذكرون كيف كانوا يستمعون بشغف إلى القصص التي رويت لهم قبل النوم. حين كانت أمك – أو ربما أبوك – تجلسُ بجانبك في شبه الظلام لتقصّ عليك حكاية.

هؤلاء اللذين أصبحوا آباءً الآن لن يجدوا صعوبة في استحضار الانتباه المنتشي الذي يشع في عيون أطفالهم حين يقصون عليهم حكاية ما. لماذا إذن هذه الرغبة القوية للإنصات؟ القصص الأسطورية تكون عادة مملوءة بالقسوة والعنف، وبها كمٌ هائل من مشاهد قطع الرؤوس وأكل لحوم البشر والتحولات الغريبة وسحر الشر. قد يقول قائل أن مثل هذه المواد مرعبة جدًا بالنسبة لأطفال صغار، لكن مثل هذه القصص تمنح الطفل فرصة لأن يعيش هذا الجو، وبالتالي تسلّحه بقدرة على مقاومة مخاوفه وعذاباته الداخلية في بيئة محمية وآمنة بشكل كامل. هذا هو سحر القصص لأنها تجرّك إلى أعماق الجحيم دون أن تؤذيك في نهاية الأمر.

نحنُ نكبر يومًا بعد يوم، لكننا لا نتغير. كل ما في الأمر أننا نغدو أكثر تعقيدًا، ونبقى في داخلنا نشبه الطفل الأوّل الذي كناه يومًا، بنفس شغفه القديم لسماع قصة تلو أخرى وأخرى. على مدى سنوات كثيرة، وفي كل دولة من دول الغرب، نُشرت مقالات كثيرة ترثي الحقيقة التي تقول بأن معدل قراءة الناس للكتب مستمرٌ في الانخفاض، وأننا دخلنا في عصر “ما بعد القراءة والكتابة”. قد يكون هذا صحيحًا فعلًا، لكن وفي نفس الوقت لم يقلل هذا أبدًا من الحنين المشترك للقصص.

وفي نهاية الأمر، الروايات ليست المصدر الوحيد لهذا الحنين. الأفلام والتلفزيون وحتى الكتب المصورة تتمخض عنها الكثير من الروايات الخيالية، ولا زال الناس يتشربونها بنفس الولع القديم أو أكثر. هذا لأن الناس بحاجة إلى القصص. يحتاجونها كما يحتاجون الغذاء، وأيًا كانت طريقة تلقيها، مطبوعة على ورق أو مصورة على الشاشة، فهي قصص في آخر الأمر. قصصٌ يستحيل تخيّل الحياة دونها.

وحتى حين يأتي الحديث عن وضع الرواية الراهن ومستقبلها المتوقع فإنني أشعر بالتفاؤل. الإحصائيات لا تهم حين يتعلق الأمر بالكتب، لأنه يكفي أن يكون هناك قارئٌ واحد فقط. في كل مرة قارئ واحدٌ فقط. وهذا ما يفسر القوة التي تمتاز بها الرواية على وجه الخصوص ويفسر الأسباب التي تجعلني أرى أن الرواية لن تموت كشكل أدبي. لأن كل رواية هي تشاركٌ فريد من نوعه بين الكاتب والقارئ. إنها المكان الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع أن يجمع بين غريبين في حميمية مطلقة.

لقد قضيتُ عمري كله وأنا أتحدث إلى أناسٍ لم أرهم أبدًا، مع أناس لم ولن أعرفهم أبدًا، وأتمنى أن أبقى كذلك إلى اليوم الذي ينقطع فيه نَفـَسي.

إنها الوظيفة الوحيدة التي أحببتها في حياتي.

*من كلمة الروائي بول أوستر بمناسبة فوزه بجائزة “أمير أستورياس للآداب” عام 2006.
المصدر: صحيفة الغارديان.

كُتب في لماذا تكتب | الوسوم: | التعليقات مغلقة