سبعة نصائح في الكتابة من جنى الحسن

لا تجعل الكتابة وسيلتك لتصفية حسابك مع الحياة

لا تجعل الكتابة وسيلة لتصفية حسابك مع الحياة

جنى فواز الحسن

ربما لست الشخص الأمثل لإسداء النصائح – كونها شخصياً قد تستفزني وتدفعني إلى الاتجاه المعاكس ولا أتقبلها إلا من أشخاصٍ معدودين – لذا أفضّل أن أسمي ما يلي مشاركة بتجربة في تلمّس درب الكتابة الوعر.

1- لا تتعامل مع الكتابة كأنّها انتقام من الواقع، اعتراض ربما، ولكن لا تجعلها وسيلة لتصفية حسابك مع الحياة.

2- اكتب بدمٍّ بارد وتجنّب كثرة الانفعالات. غلِّب الكاتب الّذي فيك على الإنسان. ربما يكون هذا التحدي الأصعب، لكنّه ضروري لتصبح سيّد نصّك.

3- ابدأ من مكان ما وحاول مجدداً. واستمرّ بالمحاولة حتّى ترى باكورة عمل. ثمّ عاود المحاولة حتّى يصبح عملاً.

4- اقرأ بشكل مختلف. اقرأ لكي تعاين تقنيات السرد واللّغة والاستفادة من تجارب الآخرين وليس فقط لمتابعة أحداث الرواية أو النص الّذي تحمله.

5- لا تصدّق الكتاب الآخرين. أقلّه اعرف من يقرأ نصّك بصدق وينتقد بموضوعية عمّن يقرأه ليبدي ملاحظات فحسب. وخذ الملاحظات الحقيقية على محمل الجدية وليس كإهانة شخصية.

6- لا تشعر بالرضا. يمكنك أن تشعر بالفرح أو النشوة والفخر حين تعرف أنّك أنجزت خطوةً ما أو أعجبك مقطع كتبته. لكن حافظ على القلق، وحده سيحميك من التكرار.

7- استمع إلى نصائح الآخرين، لكن في نهاية المطاف حاول أن تجد إيقاعك الخاص. تبقى العلاقة الأمثل بينك وبين الكتابة تلك التي تصوغها أنت بحميمية وحب. والأهم من ذلك، كن شجاعاً. الكتابة تحتاج إلى الكثير من الشجاعة.

كُتب في نصائح الكتابة | إرسال التعليق

العنوان الناجح بحسب أمبرتو إيكو

"إن العنوان يجب أن يشوّش على الأفكار، لا أن يحوّلها إلى قوالب مسكوكة".

“إن العنوان يجب أن يشوّش على الأفكار، لا أن يحوّلها إلى قوالب مسكوكة”.

تحرير: بثينة العيسى

بسبب طبيعة اللغة التأويلية، ولأن الرواية نصٌ خصبٌ مولّدٌ للتأويلات التي تحاول تفسير العالم وفهمه، يعتقدُ إيكو بأن المسئولية التأويلية للنّص يجب أن تقع على عاتق القارئ وحده، من دون أي توجيه أو تدخل من المؤلف.

يقول إيكو:

“السارد، في رأيي، ليس ملزمًا بتقديم تأويلاتٍ لعمله، وإلا لما كانت هناك حاجة لكتابة رواية، فالرواية هي بالأساس آلات مولّدة للتأويل”.

ولكن ماذا عن العنوان وطبيعته التوجيهية في تأويل النّص بناءً على رؤية مؤلفه؟ يقول إيكو:

“.. مع ذلك، فإن كل هذه الكلمات المعسولة تنتهي بنا إلى حاجزٍ لا يمكن تخطّيه: يجب أن يكون للرواية عنوانٌ ما. والحال أن العنوان – ونحن نتأسّف لذلك – هو أحد المفاتيح التأويلية. فنحن لا نستطيع أن نفلت من الإيحاءات التي تشير إليها عناوين مثل: الحرب والسلم، الأحمر والأسود”.

ويرى إيكو بأن الخلاص يكون بالعثور على عنوانٍ لا يوجّه القارئ إلى تأويلٍ معيّن، فيقول:

“إن أكثر العناوين إثارة لاحترام القارئ هي تلك التي يتم تكثيفها في اسم دالٍ على البطل: ديفيد كوبرفيلد، أو روبنسون كروزو. وحتى في هذه الحالة، فإن الاسم / العنوان يمكن أن يؤوَّل على أنه تدخل مبالغٌ فيه من لدن المؤلف.”

على سبيل المثال، إذا اتخذنا رواية مارك توين “مغامرات توم سوير” كنموذج، يمكن القول بأن عنونة النص باسم أحد الشخصيات (توم سوير) فيه تهميش لشخصيات أخرى، مثل هلكبري فن، الذي خصص له مارك توين رواية أخرى. وهكذا.

وعليهِ فإن وصفة إيكو الناجحة لتجنّب توجيه القارئ إلى تأويلٍ بعينهِ، ومصادرة حقه في إنتاج تأويله الخاص للنّص، يكون بالعثور على “صورة رمزية مليئة بالدلالات لدرجة أنها تكاد تفقد في نهاية الأمر كل الدلالات”.

باختصار، يعتقد إيكو بأن العنوان الناجح ينبغي أن يبلبل ذهن القارئ، لا أن ينير له الطريق.

يقول إيكو:

“إن العنوان يجب أن يشوّش على الأفكار، لا أن يحوّلها إلى قوالب مسكوكة”.

المصدر: حاشية على اسم الوردة، ترجمة: سعيد بنكراد. 

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

اختر عدد الكلمات لتحقيق غرضٍ معيّن

كلمة واحدة، اثنتان، ثلاث أو أربع؛ كل منها يرسل رسالة سرية للقارئ

كلمة واحدة، اثنتان، ثلاث أو أربع؛ كل منها يرسل رسالة سرية للقارئ

روي بيتر كلارك
ترجمة: حمد عبود
مراجعة: بثينة العيسى

ليس للكاتب الواعي خيارٌ سوى أن يختار عددا من الأمثلة أو العناصر في الجملة أو الفقرة الواحدة. يختار الكاتب العدد، وإذا كان العدد أكبر من واحد، سوف يختار الترتيب.

إذا كنت تعتقد بأن ترتيب قائمة الكلمات ليس مهما، جرب تلاوة أسماء الإنجيليين الأربعة بهذا الترتيب: لوك، مارك، جون وماثيو. (1)

لغة الوحدة

دعونا نتفحص بعض النصوص بواسطة نظارات القراءة الكاشفة، لننظر إلى ما تحت المعني الظاهري، إلى الآلية النحوية في العمل التالي.

” تلك الفتاة ذكية “

في هذه الجملة البسيطة، الكاتب يصرح بخاصية تعريفية واحدة للفتاة: ذكاؤها. سنحتاج إلى أدلة للتحقق من ذلك. ولكن حتى الوقت الحالي، يجب على القارئ أن يركز على هذه الخاصية المحددة.

هذه هي خاصيّة لغة الواحد؛ التماسك، الفكرة المفردة، وغياب البدائل.

المسيح بكى
اتصل بي
ادعني اسماعيل
اذهب إلى الجحيم
أنا أفعل
الله محبة
إلفيس
إلفيس غادر المبنى
كلمة
صحيح
لدي حلم
لدي صداع
ليس الآن
اقرأ شفتيّ.

توم وولف حكى لويليام ف. باكلي جونيور بأنه إذا أراد الكاتب أن يفكر القارئ في أمرٍ ما على أنه الحقيقة المطلقة، فيجب عليه أن يعرضه في أقصر جملة ممكنة. ثق بي.

لغة الثنائيات

قيل لنا ” تلك الفتاة ذكية “، ولكن ماذا سيحصل عندما نعلم بأن:

“تلك الفتاة ذكية ولطيفة”.

لقد عدّلَ الكاتب وجهة نظرنا للعالم. خيار القارئ ليس بين جميلة ولطيفة. عوضا عن ذلك، الكاتب يُجبرنا على حمل هاتين الصفتين في تفكيرنا في الوقت نفسه، علينا أن نوازن بينهما، ونرى ثقلهما مقابل بعضهما البعض، مقارنةً وتبايناً فيما بينهما.

ماما و بابا / توم و جيري / لحم و بيض / آبوت و كاستيلو (2) / الرجال من المريخ. النساء من الزهرة
ديك و جين / روك اند رول / ماجيك جونسون و لاري بيرد (3)/ أنا وأنت

في كتاب أخلاقيات الخطابة، ريتشارد م.ويفر يشرحُ بأنّ لغة الثنائيات “تُقسِّمُ العالم”.

لغة الثلاثيات

بإضافة كلمة أخرى، قوة التقسيم الخاصة بالرقم اثنين تتحول إلى ما يدعوه أحد الباحثين بسحر الرقم ثلاثة المطوِّق.

“تلك الفتاة ذكية، لطيفة وقوية الإرادة.”

مع نمو هذه الجملة، نرى الفتاة بشكل متكامل أكثر فأكثر. بدلا من تبسيطها إلى ذكية فحسب، أو تقسيمها إلى ذكية ولطيفة، قمنا الآن بتثليث أبعاد الشخصية.

في لغتنا وثقافتنا، الثلاثية تعطي حسًا بالتكامل:

بداية، وسط ونهاية
الأب، الابن والروح القدس
ماو، لاري وكورلي (4)
تينكر إلى ايفرز إلى شانس (5)
تنفيذية، تشريعية وقضائية
نينا، بينتا وسانتا ماريا (6)
في نهاية رسالته المشهورة (7) عن طبيعة الحب، الحواري بولوس يكتب للكورنثيين (8):” أما الآن فيثبتُ الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة. ولكن أعظمهن المحبة.”

التحرك القوي يكون من الثالوث إلى التوحيد، من الاحساس بالكليّة إلى فهمِ ما هو مهم حقا.

لغة الرباعيات وما فوق

في الكتابة غير المعنية بالرياضيات، الرقم ثلاثة هو أكبر من الرقم أربعة. الرقم ثلاثة يعطي إحساسا بالكمال أكثر مما يحققه الرقم أربعة أو ما يزيد.

بمجرد إضافة التفصيلة الرابعة أو الخامسة نكون قد حققنا سرعة الاختراق، وكسرنا دائرة الاكتمال.

“تلك الفتاة ذكية، لطيفة، قوية الإرادة، وعُصابية”

نستطيع إضافة عناصر وصفية بشكل لا متناهٍ. أربعة تفاصيل أو أكثر في المقطع الواحد تستطيع أن تقدم تأثيرا أدبيا متدفقًا مثل الذي خلقه أكثر الكتاب براعة منذ كتب هوميروس أسماء قبائل اليونان.

انظر إلى بداية رواية جوناثان ليثيم “بروكلين يتيمة الأم”:

السياق هو كل شيء. ألبسني بشكلٍ مناسب وسترى. أنا منادي الكرنفال، السمسار، فنان الأداء وسط المدينة، المتحدث بعدة لغات، أنا عضو مجلس الشيوخ الثمل أثناء مماطلة تشريعية. أنا المصاب بمتلازمة توريت *.

إذا دققنا في هذه الجمل مقابل نظريتنا العددية، سوف تكشف هذا النمط: 1-2-5-1.

في الجملة الأولى يُصرح الكاتب بفكرة واحدة كحقيقة مطلقة. في الجملة التالية يعطي القارئ فعلين دلاليين. في الجملة التالية ينسج خمس استعارات. و في الجملة الأخيرة يعود الكاتب إلى التصريح المحسوم- التصريح المهم جدا الذي رأى أن يكتبه بخط مائل.

لذا جودة الكتابة الجيدة هي بسهولة واحد، اثنان، ثلاثة وأربعة.

الخلاصة:

- استخدم كلمة واحدة من أجل القوة.
– استخدم كلمتين للمقارنة والتباين.
– استخدم ثلاث كلمات للتكامل، الكلية، الاستدارة.
– استخدم أربع كلمات أو أكثر للتعداد، للجرد، للتجميع، والتوسع.

_________________________________________________________

(1) الترتيب الصحيح هو متى، مرقس، لوقا ويوحنا. و قول غير هذا الترتيب يعطي إشارة عن لاوعي القائل أوعدم فهمه.
(2) ثنائي كوميدي اشتهر برنامجهم في فترة 1940- 1950.
(3) من أشهر نجوم كرة السلة في التسعينات ارتبط اسم كل منهما بالآخر.
(4) The three stooges ثلاثي كوميدي اشتهر بين 1930 و 1975
(5) قصيدة كُتبت لثلاثة لاعبين فريق كابس للبيسبول الأمريكي
(6) أغنية تعليمية تحكي عن ثلاث سفن بترتيبها الحجمي
(7) الكتاب السابع و الثامن من العهد الجديد
(8) أتباع الكنيسة التي انشأها الحواري بولص في كورنيث في اليونان.

المصدر: Writing Tools 

كُتب في كيف أكتب | إرسال التعليق

ستة نصائح في الكتابة من جون شتاينبك

اكتب صفحة واحدة جيّدة كل يوم

اكتب صفحة واحدة جيّدة كل يوم

تم الإتفاق على اعتبار العام المنصرم، عام 2013، في أوساط القراءة والكتابة، هو عام للقراءة أكثر، وللكتابة بشكل أفضل، وللكاتب الأمريكي الراحل، جون شتاينبك، عدة نصائح لمحبي الكتابة، ولهواة الكتابة بشكل عام، لرفع مستوى كتاباته لشكل أكثر رقيًا و حرفية، حدد شتاينبك نصائحه المكثفة في ست نقاط. تحدث عنهم شتاينبك عام 1975 في مقابلة مع إحدى المجلات الأدبية الفرنسية الشهيرة، ننقلها لكم:

1- عند كتابة روايتك الخاصة، امنع عن نفسك دائمًا فكرة أنك اقتربت من النهاية، حتى لو كنت تستطيع كتابة 400 صفحة في اليوم، حاول أن تكون أكثر تركيزًا واكتب صفحة واحدة جيدة كل يوم، وحتى عندما تنتهي من كتابتها، حاول أن تكون بالتركيز الكافي بحيث أنك ستشعر بالدهشة عند الإنتهاء من الكتابة!.

2- عند كتابة المسودات الأولية لكتاباتك، حاول أن تحرر نفسك من كل القيود، واطرح أفكارك على الورق بأسرع ما يمكن، ولا تقُم بالتعديل أو بإعادة الكتابة حتى تنتهي تمامًا من تسجيل كل أفكارك، حتى لا تطير أفكارك وحتى لا تفقد الشغف، كما أن عادة ما تكون عملية الكتابة، حجة مستمرة من الكتاب تعوق تقدمهم في الكتابة.

3- حاول أن تنسى قرائك المفترضين، ففي المقام الأول، إن القراء الذين لا تعرف وجوههم، ولا أسمائهم، سوف يثيرون ذعرك حتى الموت، وفي المقام الثاني، وبعكس المسرح، ينبغي أن يكون جمهورك هو قارئ واحد، إنني قد وجدت أحيانا أنه من المفيد جدًا أن تنتقٍ لنفسك شخص واحد، شخص واحد و قارئ حقيقي، تكتب له.

4- إذا كان هناك فصلًا أو مشهدًا، يغالبك كتابته، وتعتقد أنك بحاجة إلى سرده، وتريد إضافته إلى العمل، حاول أن تنحّيه جانبًا بشكل مؤقت، وعندما تنتهي من بقية الكتابة، بإمكانك أن تعود مرة أخرى إليه، لربما تجد أن رغبتك الشديدة في إضافته، كان من الممكن أن تؤثر سلبًا في تماسك الحكاية، لأنه من الأساس لا يمكن أن ينتمي للقصة برمتها.

كن حذرًا من المشاهد أو المواقف الحكائية التي تكون مفضلة لديك جدًا

كن حذرًا من المشاهد أو المواقف الحكائية التي تكون مفضلة لديك جدًا

5- كن حذرًا من المشاهد أو المواقف الحكائية التي تكون مفضلة لديك جدا، فهي في كثير من الأحيان تبدو وكأنها خارج إطار النص، وليست متجانسة تماما مع بقية القصة أو الحكاية.

6- عندما تقوم بكتابة حوار ما بين الشخصيات، تحدثها بصوت عال أثناء الكتابة، وبهذا الحال، سوف يكتسب هذا الحوار طابع الحديث الحقيقي الواقعي.

ولكن ربما للمفارقة، قبل إثني عشر عامًا من هذه المقابلة، تحديدًا عام 1963، بعد حصول شتاينبك على جائزة نوبل في الأدب، لكتاباته الواقعية والخيالية ووعيه الإجتماعي الواضح في كتاباته، كان شتاينبك كان قد تحدث في خطاب تسلم الجائزة عن شيء مغاير تمامًا، يقول:

“لو كان هناك سحر في كتابة القصة، وانا مؤمن بذلك، لا يمكن لأي شخص على الإطلاق أن يقوم بإختزالها إلى شيء يشبه مقادير طبخة ما، ينقلها الفرد إلى الآخر، إن هذه المعادلة، معادلة الكتابة الإبداعية، تقع وحدها في كيان الكاتب الذي يشعر أنه ربما يحمل شيئًا ما مهمًا للقارئ. إذا ما امتلك الكاتب هذا الإلحاح للكتابة، إنه من الممكن أحيانًا، لكن ليس أبدًا من دائمًا، أن يجد طريقة لكتابة جيدة. يجب عليكم أن تدركوا هذا التفرد الذي يميز قصة جيدة من قصة أخرى سيئة مليئة بالاخطاء.”

بالتأكيد، رغم أن هذين الحديثين يناقضان بعضهما البعض، إلا أن شتاينبك ربما، بعد مرور 12 عامًا ، كان قد أصبح من النضج بمكان، كي يوجه نصائح سديدة وواضحة للكاتب الشاب. لا نعرف تحديدًا، ولكن نترك الرأيين للقارئ.

المصدر: موقع رفّي للكتب العربية. 

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: , | إرسال التعليق

تلاعب بالكلمات، حتى في القصص الجادّة

اختر الكلمات التي يتجنبها الكاتب العادي، ولكن القارئ العادي يفهمها.

اختر الكلمات التي يتجنبها الكاتب العادي، ولكن القارئ العادي يفهمها.

روي بيتر كلارك
ترجمة: رؤوف علوان

تمامًا كالنحّات الذي يعمل على الصلصال، يشكّل الكاتب عالمًا من الكلمات. في الحقيقة، لقّبَ شعراء الإنجليزية الأوائل بـ “الصانعين”؛ الفنانين الذين يشكّلون اللغة لخلق قصص، بنفس الطريقة التي قام فيها الرّب – الصانع الأعظم – بخلق السماء والأرض.

يتلاعب الكتّابُ الجيّدون باللغة، حتى لو كان الموضوع عن الموت.

“Do not go gentle into that good night” (لا تستسلم بوداعةٍ إلى تلك الليلة الهانئة)، يكتبُ الشاعر الويلزي ديلان توماس إلى أبيه الذي يُحتضر: “Rage, rage against the dying of the light.” (ثُرْ، ثُرْ! ضدّ موت الضياء).

قد تتعارض فكرة اللعب (بالكلمات) مع فكرة الموت، لكن الكاتب يجد سبلاً ليجمع بينهما. فللتعبير عن حزنه، يعزف الشاعر على اللغة، مفضّلًا كلمة “gentle” على كلمة “gently”، ويختار”night” لتقفّي “light”. ويكررّ من مفردة “Rage”. ولاحقًا سوف يستخدم التوريَةَ:

“Grave men, near death, who see with blinding sight”
“يا من على شفا حفرة الموت، يا من تنظر ببصرٍ معميّ.”

المعنى المزدوج لـ ” grave men” يقود مباشرةً إلى اجتماع اللفظتين المتناقضتين “البصر المعميّ Blinding sight”. تلاعب بالمفردات، حتى تحت ظل الموت.

في الصحف يُعدّ كاتب العناوين الرئيسية شاعرًا بين الصحفيّين، فهو يملأ مساحات صغيرة بمعانٍ عظيمة. خذ هذا العنوان الرئيسي أثناء الحرب في العراق:

Jubilant mob mauls
4 dead Americans

هتافات حشود مبتهجة بتمزيق
4 موتى أمريكان

بشاعة ظروف ملابسات الحادثة أنّ: مدنيّين هاجموا ضباط أمن أمريكان، حرقوهم حتى الموت في مركباتهم، وانهالوا عليهم ضربًا، مثّلوا بجثثهم المتفحمة، وثم جرّوها عبر الشارع، وعلّقوها على ما تبقى من جسر – كل هذا أمام حشود تهتف ابتهاجًا.

حتى تحت وقع مجزرةٍ كهذه، الذي كتَبَ العنوان الرئيسي تلاعب في اللغة. فالكاتب يكرّر الحروف الساكنة (B و R) للتأكيد، ويجعل مفردة “Jubilant هتاف البهجة” تتعارض مع مفردة “dead ” لتعطي تأثير مفاجئ. كلمة Jubilant””، هي من الفعل اللاتيني Jubilare الذي يعني حرفيًا “يرفع صيحات الابتهاج”.

كلمات مثل “حشد / غوغاء”، “موتى/ قتلى”، و “أمريكان” تظهر في تقارير الأخبار طوال الوقت. أما “يمزق” فهو فعل نجِدُهُ في قصة عن كلبٍ يهاجم طفلاً. بينما “هتافات الابتهاج” لفظة مميزة، يفهمها أغلب القرّاء، لكن نادرًا ما تأتي في سياق الأخبار.

كثيرًا ما يحبسُ الكتّابُ مفرداتهم اللغوية في محاولة ضالة لخفض نبرة اللغة كي يفهمها عامّة القرّاء. الكلمات غير الواضحة يجب أن يوضحها فحوى النصّ. فمخزون المفردات اللغوي في قراءة الفرد العادي أكثر من المفردات اللغوية عند المؤلف العادي في الكتابة. ونتيجة لذلك، المؤلفون الذين ينتقون مفرداتهم اللغوية من بحر اللغة العميق يجذبون إليهم اهتمام القرّاء الخاص فيكتسبون لقب “كُتّاب”.

إنّ كتابة المفردات الثريّة لا تتطلب كلمات مبهرجة رنّانة. فأحد أعظم كاتبات المقال في أميركا، وأعني فيشر M. F. K Fisher، عُرفتْ بكتاباتها عن الطعام، لكنها دائمًا تضيف نكهة من التلاعب باللغة إلى جميع أعمالها. خذ ذكرى الطفولة هذه المفعمة بالحياة والتي فيها تصف غرفةً صغيرة مؤثثة إلى جانب المرآب لتأوي أحد العمّال:

الغرفة مهيّئة لتخزين الأدوات، كما أفترض. كانت كبيرة بما يكفي لتأوي سريرًا صغيرًا، الذي كان على الدوام منضدًا، ومقعدًا بمسندِ ظهر متحرك، ومكتب متهالك. كانت الجدران جزءًا من المرآب، مغطّاةً بأوراق صحف لمنع التيارات الهوائية. كان هناك موقد صغير يعمل على الغاز، من النوع الذي يُستخدم في مخيمات لاغونا الصيفية، يتوهج منه ضباب على النافذة برائحة طيبة دافئة. كان هناك ضوء خافت يصدر من مصباح السقف. وهناك رفٌّ من الكتب، لكن ما هي هذه الكتب فهذا ما لن أعرفه أبدًا. تتدلّى بهدوء من عوارض السقف حِزمٌ من أوراق تبغٍ نصف مجففة. كان تشارلز حصل عليها في أحد صفقات بيع غريبة، في ولاية كنتاكي. كان قد جفّفها، وفي كل ليلة كان يحشو أكثر الأوراق هشاشة في غليون بحجم كف يده. كان يمدّ يده للأعلى مشرئبًّا، يقطف وريقة، وثم يجلس مسترخيًا في مقعده القديم ويتحدث إلينا: أنا وأختي آن والجديدة نورا. إلى أن يحين وقت نفث المزيد من الدخان الشهيّ. (من رواية: بين الأصدقاء).

لم تستخدم فيشر استعارات واضحة هنا أو توريات سهلة. إنما جاء تلاعبها باللغة على هيئة مجموعة من الكلمات والصور المحددة بدقة تنقلنا من زماننا ومكاننا إلى الزمن القديم لتلك الغرفة الصغيرة.

إنّ كبحَ فيشر لتلاعبها باللغة يقف على النقيض تمامًا من التلاعب بالكلمات الذي يصل لدرجة الهلوية في Act of the Damned، لـ أنتونيو لوبو أنتونيس:

عند الثامنة صباحًا في ثاني أربعاء من سبتمبر، 1975، انتزعني منبّه الساعة من منامي كما رافعة ميناء ترفع كتلة طحالب لزجة لا تعرف السباحة. طفوتُ على سطح الشراشف، الليل يتقاطر من منامتي وقدماي كأنهما مخالب حديد تحمل مفاصل جثتي على السجاد، بقرب الحذاء المفعم برائحة الأمس. فركتُ بقبضتي عينيّ المتورمتين وشعرتُ بنُدفِ صدأٍ تتساقط من الزوايا. كانت آن متزمّلة، كجثةٍ في مشرحة، ببطانية في أقصى جانب من السرير، لا يظهر منها سوى مقشة شَعر رأسها. هناك قطعة مثيرة للشفقة من الجلد تطلّ من طرف حشية السرير. اتجهتُ إلى الحمّام لأفرّش أسناني والمرآة القاسية تعرض لي العطب الذي زخرفته السنين، كما على كنيسة صغيرة مهجورة.

حتى هؤلاء الذين يفضّلون أسلوبًا أكثر وضوحًا يحتاجون بين الحين والآخر للسباحة في بحر اللغة السريالية – حتى لو للاغتسال من مفرداتنا التي نشعر بالرضا حيالها.

جميعنا يمتلك مفردات بحجم بحيرة اكتسبناها من القراءة لكننا لا ننهل إلا ما هو بحجم بِركةٍ صغيرة. الأمر الجيّد هو أن البحث والجَمْعَ دائمًا ما يُضاعفان عدد المفردات المستخدمة. الكاتب يرى، يسمع، ويدوّن. الرؤية تقودنا إلى اللغة.

“يجب أن يكون بمقدور الكاتب أن يشعر بحميمية تجاه الكلمات، كل واحدة على حدة”، يكتب الشاعر دونالد هول في Writing Well، “يجب أن يكون بمقدوره كذلك التراجع خطوة للوراء، داخل رأسه، للنظر إلى الجُمل المتدفقة. لكن عليه أن يبدأ من كلمة واحدة”.

يحتفي دونالد هول بالكُتّاب الذين هُم من “الأصالة، بما يجعلهم يرون الشيء كمن يراه لأول مرة، مع ذاك يدوّنون رؤاهم في لغةٍ يفهمها جميعنا. إذ فأول صفةٍ يحتاج إليها الكاتب هي الخيال؛ أما الثانية فهو يحتاج إلى الحرفة. خيال دون حرفة لا يصنع إلا فوضى عارمة؛ وحرفة دون خيال، ليس إلا نظام يخلو من حياة”.

تدريبات عملية

1. اقرأ عدة قصص في صحف اليوم، ضع دائرة حول أيّ كلمة مفاجئة، بخاصة الكلمات التي لم تعتد على رؤيتها في الأخبار.

2. اكتب مسودّة بغرض إطلاق العنان لمفرداتك اللغوية. اعرض المسودّة على قرّاءٍ تختارهم واسألهم حول اختياراتك للمفردات وعن مستوى فهمهم لها.

3. اقرأ عملًا لكاتبك المفضل. مُلقيًا اهتمامًا بالغًا على اختياره للكلمات. ضع دائرة على الكلمات التي تلاعبَ فيها الكاتب بخاصة عندما تكون مادة الموضوع جادة.

4. جِدْ كاتبًا، أو شاعرًا، اعتدت قراءة أعماله كمصدر إلهام لكتاباتك، ضع دائرة حول الكلمات التي تثير اهتمامك. حتى لو كنت تعلم معانيها مسبقًا، ابحث عنها في معجم تاريخيا بحث عن جذر وأصل المفردة. حاول تحديد متى كان أول استعمال معروف لها في اللغة المكتوبة.

كُتب في كيف أكتب | إرسال التعليق

سبعة نصائح للكتاب الواعدين من برنار ويربر

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك.

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك.

ترجمة: حسام الدين نوالي- المغرب

1- الإعاقات

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها في الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك. إذا لم يكن لديك ما تقوله للآخرين ولنفسك، فإن الكتابة تغدو مقياسا لشساعة الفراغ الداخلي. آسف، فلا فعل من دون رؤية. ولكي تصير كاتبا محترفا، هيئ نفسك لقضاء خمسة ساعات يوميا مربوطا – ووحيدا  -إلى آلة كاتبة أو مذكّرة. فهل تشعر أن هذا ممكن؟

2- الأصالة

كل كتاب وكل حكاية يجب أن تحمل جديدا. إذا كان ما تفعله هو تمديد لهذا أو ذاك، أو كتابة صدىً له، فتوقف عن العمل، لأن هذا أو ذاك أنجزه من قبل .. يجب أن تكون أكثر أصالة في الشكل والعمق: الحكاية ينبغي أن لا تشبه شيئا سابقا، والأسلوب ينبغي أن يكون جديدا كلّية. فإذا كنا نشغّل المطبعات وندمر أشجارا من أجل عجينة الورق، فلأن مخطوطاتنا يجب أن تحمل جديدا فيما تنقله.

3- موقع “سيد الكتابة”

أن تصير سيدا، يعني ألا تنسخ وألا تسرق. يعني أن تنغمس في روح وحرية وطريقة تطوير قصص هذا أو ذاك، فلا تناقض هنا مع قاعدة الأصالة، إذ بالقراءة يمكنك مثلا تفكيك محرك سيارة Mazeratti وفهم كيف تمّ تركيبه، وهذا بالمقابل سيمكّنك بطريقة مغايرة من بناء محرك لسيارة Lamborgini.

4- موقع صانع التحف

الكتابة صناعة تحف، ينبغي امتلاك ذوق لها، ثم صيانتها بانتظام. فلا وجود لكاتب جيد من دون إيقاع منتظم للعمل، على الأقل أسبوعيا. ثم إننا دائما داخل مدرسة، وكل كتاب من شأنه أن يعلّمنا سرّ مهارة صغير للكيفية التي يعدّ بها الحوار، أو التقطيع، أو إدماج شخصية جديدة، أو خلق مؤثرات التشويق، وتلك حرفة صناعة التحف.

واحذر أن تخدعك شخصيات الكتاب في التلفزيون أو حواراتهم، تلك مواقفهم فقط، إذ لا يمكن صناعة الكاتب الجيد هناك. ولا تنسَ أنه لا يمكن اعتبار الكاتب جيدا لمجرد حضوره على الشاشة بابتسامته الجميلة، إنه مجرّد نموذج مناسب للتلفزيون؛ وعموما فبقدر ما هم جدّيون بقدر ما يكبر تأثيرهم. فيما الطريق الوحيد لمعرفة قيمة كل كاتب هو “القراءة”، والطريق الوحيد لمعرفة مكانتك ضمن تُحفك الفنية هو أن تسأل القراء عما يعتقدونه بشأن كتاباتك.

5- لا تبحث عن الجميل.

الكثير من الروائيين وخاصة في فرنسا، يصنعون “الجميل” من أجل “الجمال”، إنهم ينضدون جملا مركّبة بمفردات معجمية ينبغي البحث عنها في القواميس كما لو ينضدون اللؤلؤ لتشكيل عِقد، وهذا مجرد حفنة من العبارات الجميلة وليس كتابا، والأفضل أن يصيروا شعراء، فهذا على الأقل سيبدو مقبولا. يجب أن يكون المشهد مقنعا وليس زخرفا، فالمتلقي لم يعد يتحمل قراءة صفحات وصفٍ حيث لا شيء يحدث، ولا حوارات طويلة لا تحمل جديدا؛ فالشكل ليس غاية، إنه يدعم المحتوى (العمق). ينبغي في البداية امتلاك حكاية جيدة، ثم في الداخل نستطيع تأثيث دوائر الزينة من غير الإساءة لصبر القارئ.

6- المعاودة

لا تخشَ البدء من جديد أبدا، فعادة ما تكون البدايات منقوصة، ونكون أمام خيارين، إما ترقيعها مثل قارب نعالج الثقوب التي في بدنه بقطع خشب، أو نصنع قاربا أخر من جديد. لا تتردد في اختيار الحل الثاني على الرغم من أن حاسوبك ومعالجة النصوص تسمح بالترقيع. إنها تقريبا مثل الـ “master mind” فأحيانا حين نخطئ في كل شيء نستخلص الطريقة الصائبة. لقد كتبتُ رواية “النمل” 120 مرة، وبصراحة لم تكن النماذج الأولى فظيعة.

7- القراء الاختباريون

جِدْ من يقرأ لك ولا يخشى قول الحقيقة، معظم الناس الذين تمنحكم مسوداتك يشعرون أنهم مضطرون للقول أنها سابع عجائب الدنيا. هذا غير مهم، ولا يلزمك بشيء، في المقابل فالقول للكاتب “البداية مفرطة الطول، والنهاية غير مقنعة” يعني في الغالب مصارحة الكاتب، ومن يمتلك القوة ليقول لك هذا هم من يساعدونك بحق. ولهم ينبغي منح مسوداتك لتتلقى وجهة نظرهم. تستطيع أيضا الاستماع للتهاني بشأن المقاطع الموفقة، لكن لا تكن ساذجا، اترك الأنا جانبا، وابتعد عن المتملقين الذين لا يستطيعون التبرير لماذا أعجبهم هذا العمل.

كُتب في نصائح الكتابة | إرسال التعليق

آن لاموت: الكماليّة سوف تدمّر كتابتك

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

آن لاموت *
ترجمة: أحمد الزبيدي
مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

أعتقد بأن الكمالية تنبعُ من ذلك الهاجس، بأنك إذا ركضتَ بحذرٍ كافٍ، ووطأت على كلّ حجرٍ بالشكل الصحيح، فلن تموت. الحقيقة هي أنك ستموت في جميع الأحوال، وأن كثيرًا من الناس ممن لا ينظرون إلى خطواتهم، سيبلون خيرًا منك، وسيقضون أوقاتًا ممتعة أكثر منك بكثير.

إلى جانب ذلك كله، الكمالية سوف تدمّر كتابتك، سوف تحجبُ عنك الزخم واللعب وطاقة الحياة. الكمالية تعني أنك تحاول باستماتةٍ ألا تترك وراءك أية فوضى أو أشياء زائدة لكي تتخلص منها، ولكن تلك الفوضى ترينا أن الحياة قيد العيش، فهي أرضٌ خصبة بشكل رائع، ويمكنك أن تكتشف كنوزًا بين تلك المخلفات؛ تتخلص من أشياء، وتمحو أخرى، وتثبّت أخرى، وتعثر على غيرها. الصرامة تعني أن النّص هو أفضل ما ستحصل عليه.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

عندما كنتُ في الحادية والعشرين، قمت بإزالة اللوزتين، كنت من أولئك الذين يصابون بالتهاب الحنجرة كل بضعة دقائق، وأخيرا قرّر الطبيب أنني بحاجة لإجراء عملية ازالة للوزتين. بقيت لمدة أسبوع بعد العملية أعاني الألم الشديد عند محاولة بلع أي شيء، حتى أنني كنت بالكاد أفتح فمي. أخذت وصفة طبية تشتمل على مسكنات للألم، ومع ذلك، وبعد أن نفدت الوصفية، لم يتوقف الألم. تحدثت مع الممرضة وقلت لها بأنّ من الضروري جدًا أن تصرف لي وصفة جديدة أقوى، وربما من الأفضل أن تحتوي على مزيج أدوية أكثر فاعلية، لأنني بدأت أشعر بالقلق نوعا ما، ولكنها لم تفعل. طلبت أن اتحدث مع مسئولتها، فأخبرتني بأنها تتناول الغداء، وأن ما أحتاج إليه هو شراء بعض العلكة قبل أي شيء، وأن أقوم بمضغها بقوة.

هذه الفكرة جعلتني أقبض على حلقي بإحكام. فشرحت لي كيف أن جسدنا حينما يصيبه جرح ما، فإن العضلات القريبة من الجرح تحيط به، لحمايته من أي تلوث أو عدوى، لذا فأنا بحاجة لاستعمال تلك العضلات إذا ما أردت أن أشعر بالراحة.
وأخيرًا، ذهبت صديقتي المفضلة بامي واشترت لي بعض العلكة، وبدأت ألوكها وأنا مستاءة ومرتابة. كانت أولى الحركات قد خلفت إحساسا فظيعًا في مؤخرة الحلق، ولكن الألم زال تمامًا خلال دقائق.

أعتقد بأن شيئاً مشابهاً لذلك يحدث لقوانا النفسية، فهي تضيّق الخناق على جروحنا -ذكريات الطفولة المؤلمة وهزائمنا وخيبات أملنا في مرحلة البلوغ والإذلال الذي عانيناه من كليهما، فهي تحمينا من عودة الآلام الى المكان ذاته مرة اخرى، وتلفظ الأشياء الغريبة خارجًا، وعليه فهي لا تسمح لتلك الجروح بأن تلتئم.

الكمالية هي أحد الطرق لتضييق الخناق على جروحنا. في بعض الحالات، نحن لا نعرف حتى أن الجروح والتشنّجات موجودة، إنّها تحدّ من قدراتنا، تجعلنا نواصل المسير ونكتب بأساليب صارمة وقلقة، تجعلنا نتراجع ونتقهقر أمام الحياة، وبطريقةٍ فجة ومباشرة تمنعنا من اختبار الحياة، فكيف يمكن لنا تجاوز كل ذلك والتقدم الى الأمام؟

حسنًا، سيكون ذلك أسهل، إذا ما كنت تؤمن بإله. ولن يكون مستحيلا إن لم تفعل. إذا كنت تؤمنُ بإله، فإن الإله الذي تؤمن به قد يكون قادرًا على تحريرك من الكمالية. رغم ذلك، فإن أحد أكثر الأشياء إزعاجًا أن تعرف بأن إلهك لن يمسّك بعصاه السحرية، مثلما تفعل الجنية الطيبة جليندا، ويعطيك ما ترغب به. ولكنه قد يمدّك بالشجاعة أو قوة التحمّل لكتابة المزيد والمزيد من المسوّدات الرديئة، وعندها ستتعلم أن المسودة الثانية المتقنة ستنبثق من ذلك، وستدرك قيمة تلك الفوضى والركام الرهيب الذي تركته خلفك.

والآن، قد يكون الإله الذي تؤمنُ به صارمًا ومطلق أحكامٍ وكماليّ، من النوع الذي يشبه بوب دول، أو يشبهني أنا. ولكنّ صديقًا قسّيسًا حذرني مرة لأبتعد عن إله المعايير في طفولتي، الذي يحبّك ويرشدك، ثمّ – إذا تصرّفت بسوء- سوف يشويك. إلهٌ مثل ناظر مدرسة ثانوية ببذلة رمادية، لا يتذكر حتى اسمك، ولكنّه دائمًا ما يقلّب أوراق ملفك بضيق. إذا كان هذا هو الإله الذي تؤمن به، فأنت بحاجة لأن تندمج مع شخصٍ يسليك قليلا، أقل وسوسة وتدقيقًا. ديفيد بايرن مثلا، قد يكون جيدًا، وكذلك غريس الين، ومستر روجر.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

إذا لم تكن تؤمنُ بإله، فقد يكون من المجدي أن تتذكّر الكلمات العظيمة لجنين روث:

“إن الوعي والإدراك يعلّمانك أن تصاحبَ نفسك وأن تكون صديقًا أكثر تعاطفًا معها، كما لو كنتَ شخصًا تحبّه وترغب بتشجيعه. أشكّ بأنك ستقرأ المسودة الأولى لصديقٍ مقرّب، بحضوره، وأنت تقلّب عينيك منزعجًا وساخرًا. أشكُّ بأنك سوف تقحمُ إصبعك في حنجرتك، أعتقدُ بأنك ربما ستقول شيئًا يشبهُ؛ أحسنت. يمكننا أن نعالج بعض المشكلات لاحقًا، ولكن حاليًا.. اعمل بكلّ طاقتك”.

وعلى أية حال، فإن الحقيقة هي أنك إذا أردت أن تكتب، فبإمكانك ذلك، ولكن من المحتمل أنّك لن تكون قادرا على التقدم إذا لم تتجاوز عائق الكمالية.

أنت تريد أن تروي قصة من نوع ما، تروي الحقيقة كما تشعر بها، لأن شيئا ما يدعوك لذلك.

إنه يدعوك كما في افلام الكارتون، عندما يرتفع من الفطيرة الساخنة – التي تركوها قرب النافذة لتبرد – إصبعًا من الدخان الرفيع، ينزلق تحت الباب، إلى جحر الفأر، أو أنف الرجل والمرأة النائمين على الكرسيّ المريح، فيلوي الدخان العبقُ إصبعه، ينهضُ الفأر، أو الرجل أو المرأة، ويتبعونه، بأنوفٍ ترتفع في الهواء.

ولكن في بعض الأيام، يكون الدخانُ خفيفًا، وعليك أن تلاحقه بأفضل ما تستطيع، وأن تتشمّمه. وحتى في تلك الأيام، يمكنك أن تحسّ بالمثابرة، وفي اليوم التالي قد تكون الرائحة أقوى، كما لو أنك تنمّي في داخلك غريزة كلبيّة. إنه أمرٌ لا يقدّر بثمن. في حين أن الكمالية، على الجانب الآخر، لن تأخذك إلا إلى الجنون.

إن يوم عملك قد يتحول الى فوضى تامة، ما الضير في ذلك؟ يقول فونيغت:

“عندما أكتب أشعر مثل رجلٍ بلا يدين، ولا ساقين، بقلمِ تلوينٍ شمعيّ في فمه”.

لذا، انطلق وأحدث الكثير من الخربشات والأخطاء. استخدم الكثير من الأوراق، الكمالية هي شكلٌ لئيمٌ وجامدٌ للمثالية، في حين أن الفوضى هي صديق الفنان الحقيقي.

ما ينساه الناس غالبًا، من دون دراية أنا متيقنة، أننا عندما كنا صغارًا، كنا نحتاج أن نخلق الفوضى لنكتشف من نحن، ولماذا نحن هنا، ومن ثمَّ.. ما الذي يفترضُ بنا أن نكتبه.

من كتاب: Bird By Bird

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

فضِّل ما هو بسيط على ما هو تقنيّ

عند مواطن التعقيد، استخدم كلمات وجمل وفقرات أقصر

عند مواطن التعقيد، استخدم كلمات وجمل وفقرات أقصر

 

روي بيتر كلارك
ترجمة: د. سمر طلبة – بثينة العيسى

رغم أننا نمتدح البساطة هنا، إلا أنه يجب التنويه بأن الكاتب الجيّد يستطيع أن يجعل البسيط معقدًا، ويحقّق تأثيرًا جيّدا. يتطلّب هذا تقنية أدبية خاصّة اسمها “التغريب”، وهي كلمة يائسة تصف العملية التي يقوم بها المؤلف بأخذ ما هو مألوف، وجعله غريبًا.

يحقق مخرجو الأفلام تأثيرًا مشابهًا من خلال تقريب الكاميرا جدًّا من الممثلين، أو بتصوير زوايا غريبة أو مشوّهة. صُنعُ هذا التأثير يبدو أكثر صعوبة على الورق، ويمكن له أن يسحر القارئ كما فعل (إي بي وايت) في وصفِ يومٍ شديد الرطوبة في فلوريدا.

“في بعض الأيام تغزو رطوبة الجو كل الحياة، وكل الأحياء. أعواد الثقاب ترفضُ أن تشتعل. المنشفة، إذا ما علقتها لتجف، تزداد بللًا مع كل ساعة. الصحف، بعناوينها التي تتحدث عن الاندماج، تذبلُ في يدك برخاوة وتسقط قصاصاتها في كوب القهوةِ وصحن البيض. الأظرف تلصق نفسها بنفسها، طوابع البريد تضاجع بعضها البعض بلا حياء كما تفعل الجداجد.” (من رواية خاتم الزمن).

ما الذي يمكن أن يكون مألوفًا أكثر من شاربٍ على وجهِ معلم؟ ولكن ليس هذا الشارب، كما يصفه (روالد دال) في مذكرات طفولته.

“رقمُ ثمانية مرعب؛ سياجٌ برتقاليّ كثيف نبت وأزهر بين أنفه وشفته العليا، ثم ركض عبر وجهه منذ منتصف خده وحتى منتصف خدّهِ الآخر. كان يلتفُّ إلى أعلى بطريقةٍ مدهشة، وكأنه يستخدم تمويجة دائمة، أو أنه يوضع صباح كل يوم فوق لهب صغير بواسطة لفافة لتجعيد الشعر.. الطريقة الوحيدة الأخرى للحصول على هذا التأثير الملتفّ، كما قررنا نحن الأولاد، كانت بتمشيطه إلى أعلى بفرشاة أسنان قاسية أمام المرآة كل صباح”.

إن كلًا من وايت ودال يأخذان العادي المألوف (اليوم الرطب والشارب) ويمررانهما من خلال فلتر أسلوبهما النثري، فيجعلانا نراهما بطريقة جديدة.

لكن في أغلب الأحيان، ينبغي على الكاتب أن يجد طريقة لتبسيط النثر للقارئ، ولنطلق على هذه الاستراتيجية اسم “التقريب” (في مقابل “التغريب”)، وتتمثل في أخذ الغريب أو الغامض أو المعقد وجعله مفهومًا، بل بسيطًا، وذلك من خلال الشرح والتفسير.

ما يحدث في الواقع هو أن الكتاب يميلون عادة ً إلى إيصال الأفكار المعقدة من خلال جمل وتراكيب معقدة، كما هو الحال في هذه الجملة التي اقتطفناها من مقالة افتتاحية عن الحكومة:

“ولتجنب تفعيل هذه التشريعات دون مراعاة تكاليفها المحلية وتأثيرها الضريبي، مع ذلك، توصي اللجنة بالاهتمام على مستوى الولاية بأية تفويضات مقترحة، وأن تعوض الولاية الحكومات المحلية جزئيًّا عن بعض التشريعات المفروضة من قِبَلِها وكليًّا عن التفويضات المختصة بتعويضات الموظفين وظروف العمل والمعاشات”.

إن التكثيف الذي تتسم به هذه الفقرة يحتمل أحد تفسيرين: إما إن الكاتب يكتب بهذه الطريقة لأنه يعرف أنه لا يخاطب جمهورًا غير متخصّص بل يوجه حديثه لجماعة المتخصصين في القانون والتشريع، والذين هم- بالتالي- على دراية بالقضية المطروحة، أو أنه يكتب هكذا لأنه يؤمن بأن الشكل ينبغي أن يتبع المضمون، أو- بمعنى آخر- أن الأفكار المقعدة تتطلب تراكيب معقدة.

يبدو أن كاتب هذا المقال بحاجة إلى الإصغاء لنصيحة (دونالد موراي) المتخصص في أصول الكتابة، والذي يؤكد أن القارئ يفيده كثيرًا أن يقرأ كلمات وعبارات قصيرة وجملا بسيطة حين تتعقد الأفكار إلى الحد الذي يهدّد إمكانية الفهم. فتخيل معي أن يستبدل كاتب المقال بالفقرة السابقة هذه الفقرة الشارحة المفسرة:

“تتولى ولاية نيويورك عادةً إصدار قوانين لتنظيم شؤون حكومات الولايات المختلفة، ولهذه القوانين اسم، فهي تسمي “تفويضات الولاية”، وفي كثيرٍ من الأحيان تؤدي هذه القوانين لتحسين ظروف معيشة المواطنين في تلك الولايات، لكن هناك ثمنٌ لذلك. على سبيل المثال، في كثير من الأحيان لا تأخذ حكومة ولاية نيويورك في اعتبارها ما تتكبده حكومات الولايات المختلفة من تكاليف، وما يُفرَض على مواطني تلك الولايات من ضرائب جراء تفعيل هذه القوانين. وبناء عليه نقترح أن تقوم ولاية نيويورك بتعويض حكومات هذه الولايات عن بعض ما تتكبده بسبب هذه القوانين”.

يذكرنا “جورج أورويل” بأهمية تجنب الكلمات الطويلة إذا كانت بدائلها الأقصر كافية. يمكن للغة البسيطة أن تسهّل قراءة الحقائق الصعبة.

انظر الفقرة الأولى من رواية “خطّ الطول”. لـ (دافا سوبيل).

“عندما كنت صغيرة، ذات نزهة يوم أربعاء، اشترى لي والدي كرةً من الأسلاك المطرزة، وقد أحببتها. كان بإمكاني، بلمسة واحدة، أن أجعل اللعبة تتحول إلى لفائف مسطّحة بين راحتيّ، أو أن أجعلها تثبُ منفتحة إلى كرة مجوّفة. بفضل استدارتها، بدت مثل كرة أرضية ضئيلة، لأن أسلاكها المعلّقة كان لها الشكل نفسه للدوائر المتقاطعة التي رأيتها على كرة الأرض في الفصل المدرسيّ، والخطوط السوداء الدقيقة للطول والعرض. كانت بعض الخرزات القليلة الملوّنة تنزلق على الأسلاك جزافًا، مثل السّفنِ في البحارِ العالية”.

البساطة لا تعطى للكاتب. إنها نتاج للمخيّلة والصنعة، إنها تأثيرٌ يُخلق.

تذكّر بأن النثر الواضح لا يتوقّف على طول الجمل واختيار الكلمات وحسب، إنه يعتمد في المقام الأول على وجود هدفٍ محدّد، على الإصرار على القول. ما يأتي لاحقًا هو الجهد الذي يتكبدّه الكاتب في التبليغ، والبحث، والتفكير النقدي. لا يمكن للكاتب أن يجعل الموضوع واضحًا للقارئ ما لم يكن واضحًا في رأسه. بعدها، وبعدها فقط، يمكن للكاتب أن يفتح علبة أدواته، مستعدًا لأن يشرح للقارئ؛ الأمر هو هكذا.

المصدر: Writing Tools 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | التعليقات مغلقة

ماركيز: كل قصةٍ تحمل معها تقنيّها الخاصة

أكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع.

أكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع.

كتبت: بثينة العيسى 

نظم غابرييل غارسيا ماركيز ورشات عمل لكتابة السيناريو في مكسيكو، كان يقوم فيها بدور المايسترو الذي يضبط إيقاع فريق من الكتّاب؛ يطرح الأفكار، يقترح التعديلات، يقدح نقاط الانطلاق، ويصحح مسار الحكايات التي يفترض تحويلها من فكرة عارية إلى سيناريو فيلم جاهز للتصوير.

في كتابِه “ورشة سيناريو” المكوّن من ثلاثة أجزاء (كيف تُحكى حكاية، نزوة القص المباركة، بائعة الأحلام) ينفذ ماركيز عميقًا في طبيعة العملية الإبداعية، وما تتطلبه كتابة قصة جيّدة. انتخبنا من الكتاب جملة من المقاطع التي نأمل أن تساعد الكاتب المبتدئ، وغير المبتدئ حتى!، في تحسّس طريقه داخل مشروعه الإبداعي بثقة وبصيرة أعلى.

ففيما يتعلق بالعوامل الخاصة بنجاح ورش الكتابة الإبداعية، يقول ماركيز:

” لا بدّ من إبداء الرأي بصراحة مطلقة؛ فعندما نرى شيئًا غير جيّد، يجب أن نقول ذلك؛ يجب أن نتعلم قول الحقيقة لبعضنا البعض وجهًا لوجه، وأن نعمل كما لو أننا نقوم بإجراء علاجٍ جماعيّ”.

وفيما يخصّ العملية الإبداعية، يقول:

“أكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع. أي سرٍ هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوىً يمكن لكائن بشريٍ أن يموت من أجله، أن يموت جوعًا، أو بردًا، أو من أي شيء آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه، وهو شيء في نهاية المطاف، إذا ما أمعنّا النظر، لا ينفع في أي شيء؟ لقد اعتقدت يومًا – أو توهمت بأنني اعتقدتُ – بأنني سأكتشف فجأة سرّ الإبداع.. اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة. ولكن حدوث ذلك راح يبدو لي أصعب فأصعب. فمنذ أن بدأت بإدارة هذه الورش استمعت إلى ما لا حصر له من التسجيلات، وقرأت ما لا يحصى من النتائج محاولاً أن أرى إذا ما كان بمقدوري اكتشاف اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة. ولكن لا شيء. لم أتوصل إلى تحديد ذلك. ولكنني بالمقابل صرتُ مؤيّدًا للعمل في ورشة. وقد تحول ابتداع قصص جماعية إلى نوعٍ من الإدمان..

ويؤكد ماركيز على ضرورة المحافظة على حسٍ عمليّ أثناء الكتابة، فيقول؛

“يجب على أحدنا ألا يقلق كثيرًا؛ فإذا كان هناك مشهد لا ينفع أو يسقط، فماذا يمكننا أن نفعل؟ يجب علينا البحث عن مشهد آخر. والمثير للفضول أن المرء يجد على الدوام تقريبًا مشهدًا آخر أفضل. ولو أن أحدنا أبدى رضاه عن المشهد الأول، لخرج خاسرًا. والمشكلة الجدية تظهر عندما يجد أحدنا المشهد الأفضل منذ البداية. عندئذ لا يكون هناك ما يمكن عمله.

كيفَ تعرف بأنك انتهيت من كتابة نصّك؟ يقول ماركيز:

“كيف نعرف ذلك؟ مثلما نعرف متى يكون الحساء جاهزًا. فليس هناك من يستطيع معرفة ذلك ما لم يتذوّقه.”

وعن الأفكار المتشابهة بين الكتّاب، يقول:

“يجب ألا نسمح للتشابهات بأن تخيفنا، طالما هي غير مرتبطة بالمظاهر الجوهرية للقصة. لأن الصحيح أن هناك قصصًا مختلفة جدًا ولكنها تتضمن مع ذلك الكثير من الأمور المشتركة”.

وعن ضرورة أن يمتلك الكاتب القدرة النفسية على استبعاد بعض المقاطع والمشاهد، وعلى حذف أجزاءٍ مما يكتب، يقول ماركيز:

“يدب أن نتعلم الاستبعاد. فالكاتب الجيد لا يُعرف بما ينشره بقدر ما يُعرف بما يلقيه في سلة المهملات. الآخرون لا يعرفون ذلك؛ ولكن أحدنا يعرف ما يلقيه إلى القمامة، وما يستبعده وما سيستفيد منه. وإذا كان يستبعد فإن هذا يعني أنه يمضي في الطريق السليم”.

وعن الخصائص النفسية الأهم للكاتب، يقولُ:

“يجب على أحدنا حين يكتب أن يكون مقتنعًا بأنه أفضل من ثيربانتس؛ أما عكس ذلك، فإن المرء سينتهي لأن يكون أسوأ مما هو في الواقع. يجب التطلع عاليًا ومحاولة الوصول بعيدًا، ويجب امتلاك وجهة نظر، وكذلك شجاعة بالطبع لشطب ما يتوجب شطبه ولسماع الآراء والتفكير فيها بجديّة. خطوة أخرى وسنكون في ظروف تمكننا من الشك حتى بتلك الأشياء التي تبدو لنا جيدة وإخضاعها للاختبار. بل أكثر من ذلك أيضًا، فحتى لو بدت للجميع جيدة، يتوجب على أحدنا أن يكون قادرًا على إخضاعها للشك. ليس الأمر سهلا، فردة الفعل الأولى التي تراود أحدنا عندما يبدأ بالشك بوجوب تمزيق شيء ما، هي رد فعلٍ دفاعي: كيف أمزق هذا، مع أنه أكثر ما يعجبني؟ ولكن أحدنا يمعن في التحليل وينتبه إلى أن ذلك الأمر لا يستقيم ضمن القصة بالفعل، وإنه يشوش البنيان ويتناقض مع طبيعة الشخصية، وأنه يمضي في طريق آخر.. يجب تمزيقه، ويؤلمنا ذلك في الروح.. في اليوم الأول. وفي اليوم التالي يكون الألم أقل؛ وبعد يومين يصبح أقل؛ وبعد ثلاثة أيام، أقل أيضًا، وبعد أربعة أيام لا يتذكر أحدنا شيئًا”.

الكاتب الجيد لا يُعرف بما ينشره بقدر ما يُعرف بما يلقيه في سلة المهملات.

الكاتب الجيد لا يُعرف بما ينشره بقدر ما يُعرف بما يلقيه في سلة المهملات.

ويحذر ماركيز من الاعتياد عن الاحتفاظ بالأجزاء المستبعدة بدلاً من تمزيقها:

” حذار حذار من الاعتياد على الاحتفاظ بالأشياء بدلا من تمزيقها، لأنه في حال بقاء المادة المستبعدة في متناول اليد، يكون هناك خطر أن يعمد أحدنا إلى إخراجها ليرى إذا ما كانت مناسبة في لحظة أخرى”.

وعن إمكانية أن يضلّ الكاتب طريقه عبر الكتابة، رغم وجود فكرة متكاملة للقصة، يقولُ ماركيز:

“تكون لدينا القصة ونظن أن كل شيءٍ صار محلولاً، ولكننا ما إن نبدأ بالكتابة حتى نخطئ بالنبرة، أو بالأسلوب. وقد يحدث أن نجد أنفسنا في طريق مسدود. ولحسن الحظ، هناك في داخلنا جميعًا أرجنتينيّ صغير يقول لنا ما يتوجب علينا عمله”.

وعن عدم جدوى وجود منهج للكتابةِ، يقول:

“كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة. والأمر المهم بالنسبة للكاتب هو اكتشاف تلك التقنية”.

الكتاب صادر عن دار المدى، من ترجمة صالح علماني، ويقع في 584 صفحة من القطع المتوسّط.

 

 

كُتب في عن الكتابة, كيف أكتب | الوسوم: , , , , | التعليقات مغلقة

22 نصيحة في الكتابة من ستيفن كينغ

في كثير من الأحيان، عليك أن تستمر في الكتابة حتى عندما لا تكون لديك رغبة بذلك

في كثير من الأحيان، عليك أن تستمر في الكتابة حتى عندما لا تكون لديك رغبة بذلك

ترجمة: جهان سمرقند

تأسر الروايات التي يكتبها الكاتب المعروف ستيفن كينغ ملايين الأشخاص حول العالم وتجرّ عليه أرباحا تقدر بسبعة عشر مليون دولار في العام. في مذكراته ” عن الكتابة”، طرح كينغ رؤى قيّمة عن الكيفية التي يصبح فيها المرء كاتبا جيدا، فلم يجمّل الأمر، و كتب قائلا:” لا أستطيع أن أكذب و أقول؛ لا يوجد كتاب سيئون. أنا آسف! لكن هناك الكثير منهم”.

لا تكن واحدا منهم؟ إليك 22 نصيحة مهمة من كتاب كينغ حول كيف تصبح كاتبا عظيما.

1. توقف عن مشاهدة التلفاز، و بدل ذلك، اقرأ قدر الإمكان.

إن كنت قد بدأت الكتابة للتو، فأول شيء عليك التخلص منه هو تلفازك، فالتلفاز “مسمم للإبداع” على حد قوله. يحتاج الكتّاب إلى إحالة نظرهم إلى أنفسهم و الانتقال إلى حياة الخيال. للقيام بذلك، عليهم أن يقرؤوا قدر الإمكان. يحمل كينغ كتابا معه حيثما ذهب، و يقرأ حتى خلال الوجبات. ” يقول: ” إذا أردت أن تصبح كاتبا، عليك القيام بأمرين قبل كل شيء: اقرأ كثيرا واكتب كثيرا”. اقرأ على نطاق واسع، و اعمل باستمرار على صقل وإعادة تحديد عملك الخاص أثناء قيامك بذلك.

2. استعد لمزيد من الإخفاقات والأزمات أكثر مما تتصور أن بإمكانك التعامل معه.

ويشبّه كينغ كتابة الرواية بعبور المحيط الأطلسي في حوض استحمام، لأنه في كلتا الحالتين “هناك الكثير من احتمالات الشك في النفس”. وأنت لن تشك في نفسك فقط، حتى الآخرين سيشكون فيك أيضا. كتب كينغ” إن كنت تكتب (أو فرضا ترسم أو ترقص أو تنحت أو تغني)، فهناك شخص يحاول أن يجعلك تشعر بالرداءة حيال ما تكتبه، هذا كل ما في الآمر.” في كثير من الأحيان، عليك أن تستمر في الكتابة حتى عندما لا تكون لديك رغبة بذلك”. يقول كينغ :” إيقاف جزء من العمل فقط لأنه صعب، سواء عاطفيا أو خياليا، هو فكرة سيئة”. و عندما تفشل، يقترح كينغ أن تبقى إيجابيا. ” التفاؤل هو الرد المشروع على الفشل”.

3. لا تضيع وقتك في محاولة إرضاء الناس.

حسب كينغ، يجب أن تكون الفظاظة آخر ما يشغلك. حيث كتب “إذا كنت تنوي أن تكتب بصدق قدر الإمكان، فاعلم أن أيامك كفرد في المجتمع المؤدب قد أصبحت معدودة على أية حال”. كان كينغ يستحي مما يكتب خاصة بعدما تلقى رسائل غاضبة تتهمه بأنه متعصب، وكاره للمثليين، وقاتل وحتى مضطرب عقليا. عندما بلغ كينغ الأربعين، أدرك أن كل كاتب لائق قد اتهم بأن الموهبة تنقصه. وقد اكتفى كينغ حتما من هذا الأمر، فكتب قائلا: ” إن كان لديك اعتراض، فأنا لا أستطيع سوى أن أتغاضى عن الأمر، هذا كل ما أملك” لا يمكنك أن ترضي كل قراءك في جميع الأحيان، و لذا ينصح كينغ بعدم الاكتراث للأمر.

4. اكتب مبدئيا لنفسك.

يجب أن تكتب لأن الكتابة تجلب لك السعادة وتحقيق الذات. كما يقول كينغ:” كتبت من أجل البهجة الخالصة للكتابة، فإن استطعت أنت فعل ذلك من أجل البهجة، فإنك ستفعله للأبد”. ويزودنا الكاتب كيرت فونيغت برؤية مشابهة حيث قال “جد لنفسك موضوعا تهتم به وتحس في قلبك بأن على الآخرين الاهتمام به أيضا”. ” إنه ذلك الاهتمام الحقيقي، و ليس تلاعبك باللغة، ما سيكون العنصر الأكثر إقناعا وإغراء في أسلوب كتابتك”.

5 .عالج أكثر الأمور المستعصية في الكتابة.

يقول كينغ:” إن الأمور الأكثر أهمية هي الأصعب أن نقولها”. وأضاف ” هي الأمور التي تخجل منها، لأن الكلمات تعجز عن وصف مشاعرك”. و تكون الجزء الأكبر في الكتابة مسبوقة بساعات من التفكير. وفي ذهن كينغ ” الكتابة هي صقل للتفكير”. عند معالجة القضايا المستعصية، تأكد من الحفر بعمق. يقول كينغ: ” القصص كالمستحثات، أشياء نعثر عليها.. القصص هي آثار، أجزاء من عالم وجد سابقا ولم يكتشف بعد” يجب أن يكون الكتّاب كعلماء الآثار، عليهم التنقيب على أكبر قدر من القصص التي يمكنه إيجادها.

إذا كنت تنوي أن تكتب بصدق قدر الإمكان، فاعلم أن أيامك كفرد في المجتمع المؤدب قد أصبحت معدودة على أية حال

إذا كنت تنوي أن تكتب بصدق قدر الإمكان، فاعلم أن أيامك كفرد في المجتمع المؤدب قد أصبحت معدودة على أية حال

6. أثناء الكتابة، انفصل عن باقي العالم.

يجب أن تكون الكتابة نشاطا حميميا. ضع مكتبك في زاوية الغرفة، واقصِ كل ما يمكن أي يشغلك، من الهاتف إلى النوافذ المفتوحة. ينصح كينغ” اكتب و الباب مغلق، أعد الكتابة و الباب مفتوح”. يجب أن تحافظ على خصوصية تامة بينك وبين عملك. كتابة مسودة أولى هو “أمر أوليٌّ بالكامل، وهذا النوع من الأمور التي لا أتردد في القيام بها والباب مغلق؛ فكأن القصة تقف عارية من كل شيء سوى الجوربين و السروال التحتي.”

7. لا تكن مدّعيًا.

يقول كينغ “إحدى أسوأ الأمور التي قد تلحقها بكتاباتك هي تنميقك للمفردات، والبحث عن الكلمات الطويلة لأنك ربما خجل بعض الشيء من كلماتك القصيرة”. ويشّبه هذا الأمر بإلباس ثياب تنكرية للحيوان الأليف، حينها يكون المالك والحيوان محرجان لأن الأمر مبالغ فيه تماما.

كما كتب رجل الأعمال الشهير ديفيد أوغيلفي في مذكرة لموظفيه: “لا تستخدم أبدا ألفاظًا من اللغة الاصطلاحية مثل “إعادة تشكيل المفهوم”، “التشتيت” ، “اتجاهيّ”، “حُكميا” فهي سمة أحمقٍ مدعٍ.” فضلا عن ذلك، لا تستخدم الرموز إلا عند الضرورة. و يقول كينغ: “الرمزية موجودة للتزين والإثراء، وليس لخلق إحساس زائف للعمق”.

8. تجنب استعمال الحال و الفقرات الطويلة.

كما أكد كينغ أكثر من مرة في مذكراته “الحال ليس صديقك”. في الواقع، هو يعتقد ” بأن الطريق إلى جهنم محفوف بالأحوال” ويُشّبه الأمر بالهندباء التي تخرّب حديقتك. و الأسوأ أن يأتي الحال بعد “قال” أو “قالت”، إذ يستحسن ترك العبارتين دون تنميق.
يجب عليك أن تنتبه لفقراتك أيضا، و بذلك تتدفق حسب اتجاهات وإيقاعات قصتك. ويقول كينغ “الفقرات تكون تقريبا مهمة دائما من ناحية شكلها أكثر مما هي عليه من ناحية مضمونها”.

9. لا تبالغ في الاهتمام بالقواعد.

بحسب كينغ، فإن الكتابة هي مسألة إغواء وليست مسألة دقة، حيث كتب “ليس على اللغة أن ترتدي دائما ربطة عنق و حذاءً بالرباط” وأضاف ” فالغرض من الرواية ليس الدقة اللغوية إنما هو الترحيب بالقارئ ثم إخباره بالقصة”، فاحرص على أن تجعل القارئ ينسى تماما أنه بصدد قراءة قصة.

10. إتقان فن الوصف.

“يبدأ الوصف في خيال الكاتب وينتهي في خيال القارئ”. هذا ما عبّر عنه كينغ. ليس الأهم أن تكتب بما فيه الكفاية وإنما أن تضع حدا لما تقوله. أن تقوم بتصوير ما تريد لقارئك أن يختبره أولا، ثم تترجم ما تراه في ذهنك إلى كلمات على الصفحة. تحتاج إلى أن تصف الأشياء ” بطريقة تجعل قارئك يقر لك بذلك” على حد قوله. مفتاح الوصف الجيد هو الوضوح، في الملاحظة كما في الكتابة. استعمل صورًا جديدة ومفردات بسيطة لتفادي إنهاك قارئك. ويشير كينغ إلى أنه “في كثير من المرات عندما يضع القارئ القصة جانبا لأنه أصيب بالملل، فمرد هذا الملل إلى أن الكاتب قد كَبُر مأخوذا بقدرته على الوصف ففقد بالتالي إدراكه لما هو أولوي بالنسبة له وهو المحافظة على الاستمرارية.

11. لا تعطي معلومات أساسية أكثر من اللازم.

كتب كينغ:” ما تحتاج لتذكره هو أن هناك فرقا بين أن تحاضر حول ما تعرفه وبين أن تستعمله لإثراء قصتك” وأضاف ” هذا الأخير أمر جيد، أما ما سبقه فلا” عليك التأكد من إدراج تفاصيل تدفع بقصتك إلى الأمام وتقنع القارئ بمواصلة القراءة. إن احتجت لإجراء بحث، فتأكد أنه لن يطغى على القصة. وحسب كينغ فإن البحث يعود “على الخلفية وما على وراء القصة بقدر ما يمكنك فهم ذلك”. بإمكانك أن تُسحر بما تقرأ، لكن قراءك سيهتمون أكثر بشخصياتك وقصتك.

"ليس على اللغة أن ترتدي دائما ربطة عنق و حذاءً بالرباط"

“ليس على اللغة أن ترتدي دائما ربطة عنق و حذاءً بالرباط”

12.اسرد قصصا حول ما يفعله الناس في الواقع.

تعتبر الكتابة السيئة مسألة أكبر من مجرد تركيب مقرف وملاحظة خاطئة، لكنها تنشأ عادة من الرفض المتصلب لسرد قصص عما يفعله الناس في الواقع. يقول كينغ “لمواجهة الواقع، دعنا نقل، أن القتلة أحيانًا يساعدون العجائز على عبور الشارع”. الناس في قصصك هم أكثر ما يثير اهتمام القراء، لذا عليك أن تقر بكل الأبعاد التي بالإمكان أن تكون في شخصياتك.

13. خض المخاطر، لا تبقَ في دائرة الأمان.

أولا وقبل كل شيء، عليك التوقف عن استخدام صيغة المبني للمجهول، إنها أكبر مؤشر على الخوف. يقول كينغ “أنا مقتنع أن الخوف هو مصدر كل كتابة سيئة”. على الكتاب إلقاء مخاوفهم خلفهم، و استجماع قواهم، و ينكبوا على الكتابة. ويضيف “جرب أي شيء لعين تريده، مهما كان فاحشا أو كان طبيعيا بشكل ممل، إن نجح الأمر، فهذا جيد، و إن لم ينجح فارمه”.

14. عليك أن تعي أنك لست بحاجة للمخدرات حتى تكون كاتبا جيدا.

“فكرة أن المسعى الإبداعي والمواد المنشطة متلازمان هي واحدة من أكبر الأساطير الفكرية الشائعة في وقتنا الحالي” يقول كينغ. وفي نظره، الكتاب الذين يتعاطون المخدرات هم ببساطة مدمنون. ويضيف “أي مزاعم تدعي أن تعاطي المخدرات والكحول ضروري للتخفيف من الحساسية المرهفة ليست سوى هراء معتاد لخدمة المصالح الذاتية”.

15. لا تحاول سرقة صوت شخص ما.

كما قال كينغ “لا يمكنك أن تقذف كتابا كصاروخ كروز”. عندما تحاول تقليد أسلوب كاتب آخر لأي سبب عدا الممارسة، فإنك لن تنتج سوى ” تقليد شاحب”. هذا لأنه لا يمكنك إطلاقا محاولة تكرار الطريقة التي يحس بها شخص ما ويواجه بها الحقيقة، خاصة عبر إلقاء نظرة سطحية للمفردات والحبكة.

16. عليك أن تعي أن الكتابة هي نوع من التخاطر.

يقول كينغ “كل الفنون تعتمد على التخاطر إلى حد ما، لكنني أؤمن أن الكتابة هي الخلاصة الأنقى”. و يعتبر النقل عنصرا مهما في الكتابة، فمهمتك ليست كتابة كلمات على الصفحة، إنما هي نقل الأفكار من رأسك إلى رأس قرّائك. و يضيف كينغ “الكلمات هي مجرد وسيط تحدث عبره عملية النقل”. وينصح فونيغوت أيضا في “نصائح عن الكتابة” الكُتَّاب قائلا “استهلك وقت من هو غريب عنك تمامًا بطريقة لا تجعله يشعر أنه قد أضاع وقته”.

17. خذ كتابتك على محمل الجد.

يقول كينغ: “يمكنك الاقتراب من فعل الكتابة بعصبية، أو بإثارة، أو بأمل أو يأس” وأضاف ” اذهب إليها بأية طريقة، المهم أن تكون على محمل الجد”. و إن لم ترغب في أخذ كتابتك على محمل الجد، فإنه يقترح أن تغلق الكتاب وتجد لنفسك شيئا آخر تفعله. و كما قالت الكاتبة سوزان سونتاغ: “يجب على القصة أن تضرب على الوتر في نفسي. ويجب أن يبدأ قلبي بالخفقان بشدة عند سماع أول سطر منها في رأسي. وأبدأ بالارتجاف من الخطر”.

18. اكتب كل يوم.

يقول كينغ “بمجرد أن أبدأ العمل في مشروع، فإنني لا أتوقف، و لا أتباطأ إلا لضرورة قصوى” ويضيف “إذا لم أكتب كل يوم فإن الشخصيات تبدأ بالتلف في ذهني.. و أبدأ بفقدان سيطرتي على حبكة القصة و وتيرتها.” إذا فشلت في الكتابة باستمرار، فبإمكان فكرتك أن تفقد إثارتها. عندما يصبح العمل يبدو وكأنه عمل، يصف كينغ هذه اللحظة بأنها “قبلة الموت”. وأفضل نصيحة يقدمها هي أن تكتب “كلمة واحدة كل مرة”.

19. انهي المسودة الأولى خلال ثلاثة أشهر.

يفضل كينغ كتابة عشرة صفحات في اليوم. وعلى مدى ثلاثة أشهر، يصل هذا إلى حوالي 180.000 كلمة. ويقول ” لا يجب أن تستغرق المسودة الأولى – و إن كانت طويلة – أكثر من ثلاثة أشهر، وهي مدة فصل من السنة”. و يؤمن كينغ بأنه إذا قضيت وقتا طويلا على مسودتك، فإن القصة قد بدأت تأخذ شعورا أجنبيا غريبا.

20. عند الانتهاء من الكتابة، ارجع خطوة كبيرة للوراء.

يقترح كينغ ستة أسابيع “نقاهة” بعد الانتهاء من الكتابة، فيكون ذهنك صاف لرصد أية ثغرات واسعة في الحبكة وفي تطور الشخصيات. كما يؤكد أن نظرة الكاتب الأولية للشخصية يمكن أن تكون ذات نقائص تماما كنظرة القارئ. و يشبه كينغ عملية الكتابة والمراجعة بالطبيعة حيث كتب “عندما تؤلف كتابا، فإنك تقضي وقتك يوما بعد يوم في فحص وتعيين الأشجار” وأضاف “وعندما تنتهي عليك التراجع للخلف لتنظر إلى الغابة”. وعندما تكتشف أخطاءك يقول “لا يجب أن تشعر بالاكتئاب منها أو تقسو على نفسك، فالإخفاقات تحدث لأفضلنا”.

"إذا لم أكتب كل يوم فإن الشخصيات تبدأ بالتلف في ذهني.. و أبدأ بفقدان سيطرتي على حبكة القصة و وتيرتها."

“إذا لم أكتب كل يوم فإن الشخصيات تبدأ بالتلف في ذهني.. و أبدأ بفقدان سيطرتي على حبكة القصة و وتيرتها.”

21. امتلك الشجاعة للقص.

عند المراجعة، يواجه الكتّاب وقتا صعبا في التخلي عن كلماتٍ قضوا وقتا طويلا في كتابتها. لكن، كما جاء في نصيحة كينغ “اقتل أحباءك، اقتل أحباءك، حتى عندما يُكسر قلب خربشتك الأناني الصغير اقتل أحباءك”. رغم أن المراجعة هي واحدة من أصعب أجزاء الكتابة، فإنك تحتاج إلى إزالة الأجزاء المملة للتقدم بالقصة. وفي ” نصائح حول الكتابة”، يقترح فونيغت: “إن لم تضِئ الجملة، مهما كانت ممتازة، موضوعك بطريقة جديدة و مفيدة، فاشطبها”.

22. ابق متزوجا، انعم بصحة جيدة وعش حياة جيدة.

يُرجع كينغ نجاحه إلى أمرين: صحته الجسدية وزواجه، حيث كتب “الجمع بين جسم صحي وعلاقة مستقرة مع امرأة مستقلة بذاتها لم تأخذ أي شيء مني أو من أحد غيري، جعل استمرارية حياتي العملية ممكنة”. من المهم أن يكون هناك توازن قوي في حياتك، وبالتالي لا تستهلكها الكتابة ككل. وينصح الكاتب و الرسام هنري ميلر في ” أحد عشرة نصيحة للكتابة” قائلا: ” حافظ على الإنسانǃ التق بالناس، زر أماكن، و اشرب إن رغبت في ذلك”.

اسم الكاتب : ماجي زانج

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: , , | التعليقات مغلقة