كيف يكتبُ إيتالو كالفينو؟

 أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب.

أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب.

ترجمة: لطفية الدليمي – المدى

- أية منزلة يمكن ان تكون للذهول Dilirium في حياتك العملية ؟

- الذهول؟!! انا عقلاني دوما وكل ما أقوله او أكتبه يخضع كلية لمعايير العقلانية والوضوح والمنطق. ما الذي تظنه في؟ هل تتوقع ان استحيل انسانا مسكونا بالبارانويا، عندما يتعلق الأمر بي في الكتابة فإنني أصير اعمى عندها ، لو كنت أجبتك مثلا ( نعم انا أنفعل كثيرا و أصاب بذهول عظيم اثناء الكتابة و اشعر بنشوة عظمى في هذا الفعل ) فلا اعرف حقا كيف يمكن لي ان اكتب هكذا اشياء مجنونة و لكنت أنت نفسك رأيتني رجلا اخرق بلا أية معقولية مقبولة . ربما كان السؤال الأفضل الذي نبدأ به حوارنا هو كم أضع من نفسي فيما اكتبه؟ ولو كنت سألتني هذا لأجبتك : أضع رؤيتي المعقلنة وإرادتي وذائقتي وخلفيتي الثقافية و لكن بلا تحكم كامل بما افعل وربما جاز لنا ان نرى في هذا شكلا من أشكال العصاب او الذهول الذي يرافقني في الكتابة .

- ما طبيعة أحلامك ؟ هل أنت مهتم بـ ( يونغ ) أكثر مما تفعل مع ( فرويد)؟

- ان إيضاح طبيعة احلامي لن يرضي محللا فرويديا أكثر مما يمكن ان يفعل مع نظيره اليونغي . أقرأ ( فرويد ) لأنني أراه كاتبا ممتازا وكتاباته اقرب الى المغامرات البوليسية المثيرة التي يمكن متابعتها بشغف عظيم ، كما اقرأ ايضا لـ ( يونغ ) الذي يبدي اهتماما بمفردات في غاية الأهمية لأي كاتب مثل الرموز و الأساطير مع انني لا أرى في ( يونغ ) كاتبا جيدا مثل ( فرويد ) لكنني مولع بالاثنين معا .

- تتكرر مفاهيم ( الحظ ) و ( الصدفة ) كثيرا في أعمالك، و تتنقل من خلط أوراق لعبة ( التاروت ) الى التوزيع العشوائي لأوراق مسودات الكتابة . كيف يلعب مفهوم الصدفة دورا في تشكيل اعمالك ؟

- كتابي الخاص بورق لعب ( التاروت ) والمعنون ( قلعة المصائر المتقاطعة Castle of Crossed Destinies ) هو الأكثر من بين كتبي الذي أجريت فيه حسابات و احتمالات و ما من شيء فيه ترك عرضة للصدفة . لا أعتقد أن الصدفة يمكن أن يكون لها ذلك الأثر البالغ في الأدب الذي أكتب .

- كيف تكتب؟ أعني الإشارة الى تفاصيل الفعل الفيزيائي للكتابة ذاتها؟

- أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب. أرى نفسي أبحث عن الكلمات عندما أتكلم وتلك ذات الصعوبة التي أعانيها عندما أكتب، ثم اقوم بعمل عدد من الإضافات والتعديلات. أكتب في العادة بحرف صغير لذا تمر علي لحظات أعجز فيها عن قراءة ما كتبت بنفسي، فألجأ الى عدسة مكبرة تعينني على قراءة ما سبق أن كتبته بخط يدي. أكتب في العادة أيضا بخطين مختلفين: الاول كبير الحجم ويحصل هذا عندما اكون واثقا كل الثقة مما اكتب، أما الثاني فصغير الحجم وهذه أستخدمها عندما أكون في حالة عقلية أقل وثوقية، وفيها يكون صعبا علي أنا ذاتي ان أفك شفرة ما كتبت. تمتلئ صفحاتي دوما بسطور ملغاة و تعديلات، وعندما أبدأ بطباعة مسودات مأخوذة عن نصوصي الأولية المليئة بالخربشات بعد فك تشفيرها أرى نفسي قد أنجزت نصًا مغايرا لما بدأت به وهو الآخر أجري عليه تعديلات لاحقا. أشعر بحسد هائل فعلا تجاه هؤلاء الكتاب الذين يمضون في الكتابة بلا تصحيحات وفك تشفير لما يكتبون.

- هل تعمل يوميا أم في ساعات محددة و لأيام محددة؟

- نظريا أود لو كان بإمكاني العمل كل يوم ولكن يحصل أنني أجد دوما لنفسي أي عذر ممكن لكي لا أبدا العمل صباحا اذ علي الخروج و إتمام شراء بعض المشتريات والصحف، و كقاعدة يحصل دائما انني أستهلك كل صباحاتي في أعمالي الروتينية وأجلس للكتابة من بعد ظهر كل يوم. أنا في العادة كاتب نهاري ولكن لما كنت أضيع فترة الصباح من كل يوم دوما أمكن لي أن أصف نفسي كاتبا لفترة ما بعد الظهيرة كما يمكن لي احيانا ان اعمل ليلا ولكن لو فعلت سيكون صعبا علي ان أنام الليل لذا احاول تجنب هذا الامر على قدر ما استطيع.

- هل تشرع في أعمالك ابتداء من حزمة أفكار صغيرة غير مترابطة أم من مفهوم واحد طاغ ثم تقوم لاحقا بالاشتغال عليه؟

- أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

- كتب ( تورجينيف ) مرة : ” أفضّل أن أملك القليل من العدة المعمارية التي أتعامل بها في هيكلة الرواية على امتلاك الكثير منها خشية ان يتداخل المعمار مع صدقية ما اكتب”. هل يمكنك ان تعلق على هذه الملاحظة بالإشارة الى ما تكتب ؟

- يمكنني القول ان في السنوات العشر المنصرمة كان لمعمارية ما أكتب اهمية ربما يمكنني وصفها بانها مبالغ بها وكمثال على هذا عندما بدأت كتابة ( مدن لامرئية ) كانت لدي فكرة ضبابية عن هيكل ومعمارية النص ثم استحالت المعمارية شيئا فشيئا لتكون هي قلب الرواية وعقدتها في كتاب أعددته أصلا دون ان تكون له عقدة واضحة الملامح ويمكننا قول الشيء ذاته بحق عملي الاخر ( قلعة المصائر المتقاطعة ): الهيكل المعماري أضحى متطابقا مع الرواية ذاتها، و منذ ذلك الحين وأنا مسكون بالأهمية الطاغية لهيكل ومعمارية أي كتاب اكتب الى حد انني اصبحت مجنونا بها، و يصدق نفس الرأي مع كتابي الاخر (لو ان مسافرا في ليلة شتاء) الذي ما كان له ان يوجد اصلا لولا انني وضعت له هيكلا دقيقا ومصنوعا بحرفية عالية. أظن أنني نجحت في هذا الجهد وهو مبعث سعادة كبيرة لي ولكن لا بد من الاشارة إلى أن القارئ ليس معنيا بهذه التفاصيل أبدا فالمهم لديه هو الاستمتاع بقراءة اي كتاب باستقلالية كاملة عن الجهد الذي وضعته فيه .

أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

- تعيش في مدن كثيرة و تتنقل في العادة بين روما وباريس وتورين ثم تعود بعدها الى هذا المنزل الساحلي قرب البحر حيث نجري هذا الحوار. هل ثمة من تأثير ما للمكان على ما تكتب؟

- لا أظن ذلك . ربما كان لتجربة الحياة اليومية في مكان ما تأثير على ما اكتب ولكن ليس لأنني أقيم في هذا المكان او ذاك. أعمل في الوقت الحاضر على كتاب يرتبط الى حد ما بالمنزل الذي اقيم فيه هنا في توسكانيا حيث اعتدت أن امضي ايام الصيف لبضع سنوات خلت، لكن بإمكاني ان أمضي قدما في إتمام العمل لو انني أقمت في مكان اخر.

- هل يمكنك ان تكتب في غرفة فندق ؟

- اعتدت القول أن غرفة الفندق هي مكان مثالي للكتابة لأنها في العادة هادئة ومجهولة العنوان فلا أكوام رسائل تتكدس أمامك تنتظر الاجابة عليها ولا مهمات اخرى بانتظارك سوى ان تجلس وتكتب، و مع أني ارى في غرفة الفندق مكانا مثاليا للكتابة لكن احتاج الى مكان خاص بي اقرب ما يكون الى مخبأ، ولو ان فكرة ما اختمرت في ذهني وكانت واضحة لي تماما فلدي دوما القدرة على كتابتها اينما كان حتى لو كنت في غرفة فندق.

- هل تسافر في العادة مع دفاتر ملاحظاتك وأوراقك ؟

- نعم احمل معي في العادة ملاحظاتي و ملخصات لما اريد ان اكتب، و للسنوات العشر المنصرمة صرت مسكونا بفكرة ان احمل معي دوما ملخصات عن وقائع حياتي اينما رحلت.

- كان والداك عالمين كما نعرف. أ لم يفكرا بأن يجعلا منك عالما؟

- كان والدي عالما في تحسين المزروعات ووالدتي كانت عالمة نبات وكان كلاهما مغرمين بعالم الخضار والطبيعة والعلوم الطبيعية وكانا يعرفان منذ البدء بعدم ميلي الى اي من اختصاصاتهما أو اهتماماتهما مع اني في الواقع اشعر بأسف شديد اليوم لأنني لم أتمثل تجربتهما العلمية كفاية كما كان ينبغي، و ربما كان عزوفي عن اهتماماتهما العلمية يعود الى انهما كانا اكبر مني بكثير فوالدتي كانت في الاربعين عندما ولدت و والدي كان في الخمسين و لذا كانت بيننا هوة واسعة كما ترى .

- متى بدأت تكتب؟

- عندما كنت يافعا لم تكن لدي أية فكرة عما أريد ان أكونه. بدأت الكتابة مبكرا نوعا ما و لكن قبل ان أخوض في أية تجربة كتابية كان شغفي الاول في الرسم، فقد رسمت بضعة رسوم كاريكاتيرية لأصدقائي التلاميذ واساتذتي في المدرسة لكنها ظلت رسوما خيالية أنجزت بلا اي تدريب. عندما كنت صبيا سجلتني والدتي في مدرسة تدير برنامجا لتعليم الرسم بالمراسلة وكنت وقتها في الحادية عشرة عندما ظهر لي احد رسوماتي في مجلة كانت تنشرها مدرسة الرسم التي سجلت فيها وقد اشاروا فيها الى انني كنت تلميذهم الأصغر، واذكر أيضا انني كتبت بضعة اشعار في تلك المرحلة وعندما بلغت السادسة عشرة جربت كتابة بعض الاشياء للمسرح الذي كان شغفي الاول حينها ربما لان علاقتي بالعالم الخارجي وقتذاك كانت عبر المذياع فحسب والذي اعتدت سماع الكثير من النصوص المسرحية عبر اثيره.

- من الكتاب الذين كان لهم اعظم الأثر في حياتك؟ أعني الكتاب الذين قرأتهم باعظم متعة متصورة؟

- ثمة كتاب من الذين قرأتهم وأنا في سن الصبا مثل (ستيفنسون) لا زالوا يمثلون لي نماذج معتبرة في الطلاقة والدافع السردي والطاقة على العمل، و لا يزال كتاب مثل كيبلنغ وستيفنسون نماذجي المفضلة بين الكتاب وأضع بعدهم ستاندال.

- متى تخليت عن الكتابة للمسرح؟

- بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن في المسرح الايطالي نماذج واعدة في وقت كانت الرواية تشهد فيه انطلاقة متفجرة لذا عكفت على كتابة القصة ثم بدأت بعدها بكتابة الرواية وتلك محض آليات عقلية في كيفية التعبير عن ذاتك و أملك طريقتي في كتابة النثر وهي أقرب لما يفعله الشاعر عندما يكتب قصيدة ولست من ذلك النوع الذي يكتب روايات طويلة بل اضغط فكرة او تجربة ما في نص تركيبي قصير يقف في النهاية مع غيره من النصوص القصيرة لتكون في النهاية سلسلة .

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ. أرى مثلا ان كتاب (مدن لا مرئية ) يقع في منزلة بين الشعر و الرواية .

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ.

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ.

- هل ترى ان شباب اليوم يمتلك سمات مختلفة عن تلك التي كانت لجيلكم ؟

- يحصل بين الحين والآخر ان اغضب لدرجة الجنون بشأن الجيل الشاب ولكن لم يحصل ان ألقيت مواعظ في أي محفل شبابي لأنني لا أطيق الوعظ كما ان أحدا لن يستمع لي.

لا بد ان شيئا ما قد حصل بين جيلي وجيل الشباب محدثا انقطاعا في استمرارية التجربة وربما كان هذا بسبب افتقادنا الى نقاط التقاء مرجعية ولكن عليّ القول انني عندما كنت شابا لم القِ بالا أبدا لأي نقد او توبيخ لذا لا أجدني املك الحق في نقد او توبيخ الشباب اليوم .

- هل الروائيون ملفقو أكاذيب؟ واذا لم تكن تراهم هكذا فعن أي نوع من الحقيقة يكتبون؟

- الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة، وبالنسبة للروائي كما للمحلل النفسي ليس بالأمر المهم النظر فيما اذا كنت تقول صدقا او كذبا لأن الأكاذيب يمكن لها ان تكون ممتعة وبليغة وكاشفة، شأنها شأن أية حقيقة ندعي قولها بصدق.

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم، ففي عملي ( لو أن مسافرا في ليلة شتاء) على سبيل المثال، وهي رواية مؤسسة بالكامل على الفانتازيا، كان هدفي ان أتحدث عن حقيقة لم يكن بوسعي أن أرويها بأية طريقة أخرى.

- هل ترى ان الكتاب يكتبون ما يتمكنون من كتابته ام ما ينبغي لهم كتابته ؟

- الكتاب يكتبون في العادة ما يستطيعون، لأن لفعل الكتابة وظيفة تكون مؤثرة متى ما اتاح لها المرء أن تعبر عن عالمه الداخلي. يعاني الكاتب غالبا من محددات عديدة: محددات أدبية مثل عدد السطور في السوناتا الغنائية او قواعد التراجيديا الكلاسيكية وثمة محددات اجتماعية تستوجبها انشغالات دينية او اخلاقية او فلسفية أو سياسية و مع أن هذه المحددات لا يمكن فرضها مباشرة على الكاتب لكن لابد له من ( فلترتها ) عبر ذاته الجوانية.

- هل كان لـ ( جويس ) أو غيره من الكتاب المحدثين من تأثير ما عليك ؟

- المؤلف المفضل لي بين المحدثين هو كافكا والرواية المعاصرة المفضلة لي هي ( اميركا ) .

- تبدو اقرب الى الكتاب الذين يكتبون بالانكليزية: كونراد وجيمس وستيفنسون اكثر من الكتاب الذين يكتبون النثر الايطالي التقليدي. هل ترى الامر هكذا؟

- لطالما رأيت نفسي مشدودا الى ( جياكومو ليوباردي ) فإضافة إلى أنه شاعر لامع فهو كاتب ممتاز و يكتب نثرا عظيما مفعما بالفكاهة و الخيال و العمق .

الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة.

الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة.

- كيف رأيت العمل مع ناشرك الايطالي (اينودي Einaudi)؟ هل عطل شيئا من قدرتك الابداعية؟

- إينودي ناشر متخصص في التاريخ والفلسفة واللغة والعلم و لسوسيولوجيا والكلاسيكيات وتحتل الرواية مؤخرة قائمة منشوراته لذا فان العمل لدى اينودي كان بمثابة العيش في عالم موسوعي.

- يبدو صراع الانسان مع العالم حوله وهو ويحاول ان يرى النظام وسط الفوضى ، ثيمة رئيسية في الكثير من اعمالك، أذكر هنا خاصة ما ورد في كتابك ( لو ان مسافرا في ليلة شتاء ) الذي يحاول قارئه ان يفكك أسرار الفصل الذي يلي كل فصل يقرؤه؟

- الصراع بين الخيارات التي يفرضها العالم مع نزوع الانسان المتواصل والمسكون بفكرة ايجاد معنى ما في هذه الخيارات هو نموذج لما يتردد غالبا في كل ما اكتب.

- تتقلب في كتاباتك بين نمطي الكتابة الواقعية و الفنتازيا. هل تهوى الاثنين بنفس القدر ؟

- عندما أكتب كتابا هو نتاج اشتغال كامل للكشف الشخصي أجد في نفسي لهفة وتوقا عظيمين لاستخدام لغة الحياة اليومية جنبا الى جنب مع نشاطاتي وأفكاري، ولكن عندما أكتب شيئا يميل الى الجانب السِيري Autobiographical و أرى نفسي مقيدا الى الخصوصيات الدقيقة للحياة اليومية حينها تكون لهفتي الى لغة ليست لها روابط واضحة مع جوانب كينونتي الذاتية وتكون اكثر قدرة في اداء الغرض المطلوب .

- كيف استقبلت اعمالك في امريكا؟

- مدن لامرئية ” هو عملي الذي حظي بأكثر المعجبين هناك رغم انه – ولدهشتي – ليس واحدا من كتبي السهلة، فهو ليس رواية بل مجموعة قصائد في قالب نثري . كتابي الاخر ” حكايات فلكلورية ايطالية ” كان قصة نجاح اخرى في امريكا بعد ان ظهرت ترجمته الانكليزية الكاملة عقب خمس و عشرين سنة من نشره بالايطالية. كان نجاح “مدن لامرئية ” نخبويا أذ امتدحه محبو الادب و الطبقة المثقفة بينما كان نجاح الحكايات اكثر جماهيرية. في الولايات المتحدة تبدو صورتي كاتبا للفنتازيا و الحكايات .

- هل ترى ان أوروبا قد تسيدتها الثقافتان البريطانية و الامريكية؟

- لا. ليست لدي أية ردود أفعال شوفينية بخصوص هذه المسألة . ان معرفة الثقافات الاجنبية عنصر حيوي في أية ثقافة وارى أننا لا يمكن ان نرتوي من هذه المعرفة يوما ما، وينبغي لكل حضارة ان تبقي أبوابها مفتوحة لكل التأثيرات الثقافية اذا ما ارادت ان تحافظ على توقد شعلتها الابداعية. في ايطاليا كان المركب الحضاري الفاعل في الأغلب هو الأدب الفرنسي مع ان الأدب الامريكي ترك بصمته عليّ طوال حياتي. ( ادغار آلان بو ) كان واحدا من اهتماماتي المبكرة و علمني ما هي الرواية ثم اكتشفت لاحقا أن (هوثورن) أعظم منه، و في سنوات ارتقائي الادبي مبكرا في الاربعينات كان الادباء المهيمنون هم: همنغواي وفوكنر وفيتزجيرالد، وكان لنا في ايطاليا على الدوام ولع شديد بالأدب الأمريكي حتى ان مؤلفين أقل قامة من السابقين ( من أمثال سارويان و كالدويل ) كان ينظر لهم على انهم نماذج تصلح للاقتداء في الاسلوب رغم ظهور نابوكوف لاحقا الذي أكن له – و لا أزال – قدرا كبيرا من الاعجاب .

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم

- في الايام الحرجة الاولى بعد الحرب العالمية الثانية مكثت بشكل متواصل في ايطاليا و لم نر انعكاسا للأوضاع السياسية في رواياتك باستثناء روايتك القصيرة ( المراقب The Watcher ) مع أنك كنت شخصا منغمسا في السياسة . ما تقول في هذا ؟

- كنت في السنوات اللاحقة للحرب أرمي الى استيعاب معاني المعاناة والجروح البليغة التي أحدثتها في نفسي سنوات الحرب وبخاصة بعد الاحتلال الالماني لايطاليا، لذا انغمرت كشاب في العمل السياسي وانضممت الى الحزب الشيوعي الايطالي والذي أراه مختلفا عن كل الاحزاب الشيوعية في بلدان أخرى، ثم أدركت لاحقا وبصورة متعاظمة صعوبة تحقيق فكرة إقامة ديمقراطية حقيقية في ايطاليا باستخدام النموذج – او لنقل الاسطورة – السوفيتي وقد نمت القطيعة داخلي حتى وجدتني اقطع كل صلاتي مع الشيوعية ومن بعدها السياسة، وكان هذا لحسن حظي فانا ارى اليوم اننا نرتكب خطا جسيما بوضع الأدب في مقام بعد السياسة، لان الاخيرة تفشل دوما في انجاز اهدافها في حين ان الأدب ينجح على الاقل في أنجاز شيء ما و مكن ان يكون له في المدى البعيد شيء من تاثير عملي. بتُّ أدرك الآن ان الأهداف الثمينة في الحياة لا يمكن إنجازها الا عبر صيرورات بطيئة للغاية .

- تنتمي لبلد كتب كل من كتابه الكبار للسينما أو حتى قام بإخراج فلم سينمائي بينما تبدو انت مقاوما لغواية السينما . لماذا وكيف هذا ؟

- في صباي كنت احد المولعين الكبار بالسينما ولكنني حرصت ان اكون متفرجا على الدوام ولم انجذب ابدا يوما ما لفكرة ان أغادر موقعي كمتفرج وانتقل الى الجانب الاخر من الشاشة . إن معرفة دقائق عمل السينما ستقتل حتما في داخلي ذلك الانبهار الطفولي الذي لطالما شعرت به تجاه السينما .

- هل اثقل الضجر حياتك و خيم عليها يوما ما ؟

- نعم في طفولتي و هنا لا بد ان اشير الى أن الضجر الطفولي هو من طراز خاص لأنه ضجر مليء بالأحلام و هو في حقيقته عملية إسقاط Projection لتبني مكان اخر او فكرة اخرى.

في الطفولة يتأسس الضجر على فعل التكرار وينطلق من استمرارية حال لا نتوقع معها اية دهشة. أعاني اليوم شيئا مختلفا عن الضجر: إنه الخوف من تكرار نفسي في عملي الأدبي وهذا يمثل لي على الدوام تحديا متواصلا كل يوم لذا ينبغي لي ان اجد شيئا يبدو جديدا تماما و يكون في ذات الوقت ابعد قليلا من المدى الذي تبلغه قدراتي التي اعرفها.

18 يوليو,2014 - takween
كُتب في روتين الكتابة, كيف أكتب | الوسوم: , | إرسال التعليق

جيم هاريسون: الروايات السيئة مليئة بالآراء

البلبنتناليبي

لا يمكنك الذهاب إليه، هو يأتي إليك.. عليك إيجاد على صوت الشخصية.

جو فاسلر
ترجمة: ميادة خليل

يقول الكاتب المخضرم أن شعر ثيودور رثكا هو تذكير بأننا: أحياناً نكون متحمسين وأحياناً أخرى لا.  في عمر السادسة والسبعين، حاكى هاريسون كل نوع أدبي معروف في أمريكا. كتب 10 روايات، 17 مجموعة شعرية، مقالات كلاسيكية عن الغذاء والبرية، سيناريوهات لأفلام مميزة أبطالها جاك نيكلسون وكيفن كوستنر. بعض من أفضل أعماله، على ما أعتقد، كانت في نوع أدبي غير مشهور، القصة الطويلة ــ شكل أرتبط به بعد نجاح مجموعة من ثلاث قصص طويلة في 1979، “أساطير الخريف”.

المجموعة القصصية الجديدة لـهاريسون ــ الثامنة ــ تتميز بشخصية عادت ثانية في عمله منذ أكثر من 20 عاماً: براون دوغ، رجل ضخم صعب، مدمن على الكحول من شبه جزيرة شمالية في ميشيغان. قدمه لأول مرة في التسعينات في “The Woman Lit By Fireflies” ــ تتناول القصة حقيقة تعافي جسد زعيم هندي والاحتفاظ به بشكل مثالي في أعماق بحيرة سوبيريور ــ براون دوغ أصبح واحداً من شخصيات هاريسون الأكثر شهرة. هذه المجموعة تجمع خمس قصص طويلة لـبراون دوغ في مكان واحد لأول مرة، وتنتهي بقصة جديدة.

عندما سألته عن نصه الأدبي المفضل لديه، اختار هاريسون أبيات من قصيدة لــ ثيودور رثكا ليشاركنا رؤيته في الكتابة. طبيعته، مثل طبيعة بطل قصته، غير مثقف، همجي وعنصري. يوضح هاريسون سبب انتظاره لسنوات قبل كتابة كلمة واحدة، وكيف يساعد الإيقاع على تحرير شخصياته.

تحدث جيم هاريسون لي من بيته الشتوي في باتاغونيا، ولاية أريزونا حيث ينتظر البرد قبل أن يعود، في الربيع، الى ولاية مونتانا.

جيم هاريسون:

قرأت لـثيودور رثكا في وقت مبكر من حياتي لأنه كان مثلي، من ولاية ميشيغان. عاش في بيت كبير ورثه من أبيه. كان تابعا كبيرا ــ أو أحمقا، إذا فهمت ما أعنيه. ربما كان ينبغي أن يستمر أكثر من ذلك بالنسبة لي، يُظهر عمل رثكا بوضوح قوة اللغة، خاصة من خلال سيطرته على الإيقاع. يمكنك أن تلاحظ بأن موهبته تكشف ما هو مفضل لدي، “عرفت امرأة”:

عرفت امرأة، جسدها رائع
عندما تنهدت العصافير الصغيرة، تنهدت لهن،
آه، عندما مشت، مشت في أكثر من طريق
الأشكال ممكن أن تحوي وعاء نور
لفضائلها يجب أن تتحدث لها الآلهة.
أو شاعر أنكليزي نشأ في اليونان.

(أحب أن أراهم يغنون في جوقة، جنباً الى جنب)

لماذا هذه الأبيات ظلت معي؟ لا أعرف. لا أحفظ القصائد عادة. ليست الأمر مثل طريقة الحفظ التي تعلمناها في المدارس، عندما حفظنا كيبلينغ “إذا”. أو أبيات أخرى من الشعر الركيك. “أغنية من هياواثا” لــ لونغفيلو. أنت تعرف ما أقصد:

قرب شواطئ غيتشا غامي*
قرب مياه البحر المشرقة
هناك كوخ لفوكوميس
ابنة القمر، فوكوميس.

قافية القصيدة يجب أن تُقرأ مثل النقر على صندوق. لكن الناس يعتقدون أن شعر لونغفيلو جيد لتعليم الأطفال اللغة الإنكليزية، حتى أن الناس يفرضون هذه القصيدة السخيفة على أطفالهم الى يومنا هذا. إغراء الشعر الجيد أكثر سحراً. يمكنني أن أتذكر عبارات كاملة من “عوليس” و”إستيقاظ فينغانز”، فقط لجمال استخدام جويس للغة. نفس الشيء مع رثكا. تلك الأبيات تلتصق بنا لأسباب جمالية، مثلما تتذكر أغنية. أنت تسترجع موسيقاها في عقلك. كل هذا يحدث في عالم ماوراء التفكير. لماذا موزارت أفضل من الآخرين؟ لا يوجد سبب منطقي لذلك. وهذه الحقيقة تصح على الكتابة. بعض الناس يمتلكون الموهبة فقط. أستطيع أن أدرك هذه الميزة عندما أراها على الصفحة. أنت تعرف كيفية تشغيلها. هذه الموهبة فيها شيء من ما قاله ماثيو ارنولد: “الشاعر الجيد يمكنه أن يجعل جلد عنقك يرتعش.” لكن ليس هناك جواب منطقي لهذا.

ماثيو آرنولد: الشاعر الجيد يمكنه أن يجعل جلد عنقك يرتعش

ماثيو آرنولد: الشاعر الجيد يمكنه أن يجعل جلد عنقك يرتعش

كيف أعرف أن كتاباتي تمتلك هذه الموسيقى؟ أخشى أن ذلك سيظل غامضاً. منطق الحس الجمالي لا يُعرّف نفسه. لم أرَ نفسي أبداً عالم رياضيات. أذهب مع عقيدة “أحياناً متحمس وأحياناً اخرى لا” هذا ما أشعر به أحياناً ولكن لا أستطيع توضيحه. لا أعرف مع الرواية إن كانت ستكون جيدة أم لا حتى كتابة 50 صفحة. مع القصة الطويلة، يستغرق الأمر حوالي 20 صفحة إذا كنت بالفعل نشطاً.

روايتي الأولى “وولف” بدأت بصفحتين. كان قراراً تافهاً. أردت أن أثبت أن بأمكاني فعل ذلك. كنت كاتباً شاباً، متعطشاً للكتابة. لكني كنت متحمسا في ذلك اليوم، وشعرت بذلك. بالطبع، الحماس يتضاءل قليلاً بعد ذلك. لكن لا يذهب الحماس بعيداً جداً. هل تعرف؟

اقتربت من الشعر والنثر بشكل مختلف تماماً. هذا صعب لأني أكتب الشعر والنثر طوال الوقت. غالباً ما أبدأ يومي بكتابة قصيدة. ثم أتصارع مع أي نثر كتبته في ذلك الوقت. لا أفصلهما في ذهني. مجرد أن لدي طريقة مختلفة جذرياً للتعامل معهما.

الشعر تضرعٌ رائع. بينما النثر هو كل شيء عن الشخصيات. يتطلب الشعر الكثير من التركيز والتنقيح بينما النثر لايحتاج الى ذلك. كتبت “أساطير الخريف” في 9 أيام وعندما أعدت قراءتها، غيّرت كلمة واحدة فقط. لم يكن هناك أي عملية مراجعة. لا شيء. فكرت كثيراً في الشخصية التي تكتب كتاب كما تتبنى أسلوب. شعرت بالإرهاق بعد انتهائي منها، وشعرت بحاجة الى إجازة. لكن الكتاب قد انتهى بالفعل.

أفكر في رواياتي لوقت طويل قبل أن أبدأ في كتابتها ــ سنة أو أكثر، وأحياناً عدة سنوات. نصفي سويدي، والسويديون يميلون الى الكآبة. أجلس فقط للتفكير. الكثير من هذا يحدث أثناء المشي أو قيادتي السيارة. يستغرق الأمر معي وقتاً طويلاً، أقود السيارة بلا وجهة محددة فقط من أجل أن أُجرب وأرى أين هو عقلي. عادة، القصة تبدأ مع مجموعة من الصور. أقوم بكتابة بعض الملاحظات في يومياتي، لكن ليس كثيراً. غالباً، ليس أكثر من مجرد مخطط غامض. زخرفة، رسم بياني.

هكذا جاءت لي قصة “براون دوغ” ــ من صورة. زرت متحف السفن الغارقة في البحيرات العظمى في سولت سانت ماري، ميشيغان. لديهم صور الطباخ في مطبخ السفينة التي غرقت في التسعينات من القرن الثامن عشر. البحيرات تصل الى برودة بحيث أن الطباخ يبدو جسده سليماً تماماً وهو يطوف في المطبخ ــ ما عدا أن ليس لديه عينين. هكذا بدأت القصة.

بمجرد أن أبدأ، نادراً ما أغيّر رأيي حول طبيعة القصة.

بمجرد أن أبدأ، نادراً ما أغيّر رأيي حول طبيعة القصة.

بمجرد أن أبدأ، نادراً ما أغيّر رأيي حول طبيعة القصة. وعندما أبدأ الكتابة، يبدو كما لو أن اللغة هي من تقودني وليس الحبكة. الحبكة ممكن أن تكون مبالغة. ما أحرص عليه دائماً هو الإيقاع. عندما تمتلك إيقاع الشخصية تصبح كتابة الرواية مثل تأليف قطعة موسيقية. مثل تنفيذ الأوامر، عندما تتناغم أنت بالفعل مع إيقاع ذلك الصوت.

لا يمكن الذهاب إليه. هو يأتي لك. عليك إيجاد صوت الشخصية. صوتي الشخصي يجب أن ينفصل عن الرواية. الروايات السيئة مليئة بالآراء، وتطفل الكاتب، في حين عليك أن تتركها الى شخصياتك.

الخطر عندما لا تكتب بصيغة الشخص الأول على أنه شخصية الراوي، هو أن هناك الكثير جداً من الإغراء لأجل التباهي. والكثير من الكتّاب يفعلون ذلك. يجدون أن ما يفكرون به هو رسالة مهمة، ثم يستمرون في إطلاق النار عليها.

أُحب ما قالته ديبورا تريسمان في صحيفة النيويوركر: “لابد أن يكون لديها قصة، لا يكفي أن تمتلك التأثير فقط.” يجب أن يكون هناك ما هو أكثر من التأثير. وهذا حقيقي. لا أحد يحب التباهي.

ولهذا، يجب أن تفكر مثل الشخصية، تتحدث معها. بُنية “وولف” نمت من الإيقاع أكثر من أي حس تقليدي للحبكة. في حالة رواية “دالفا” شعرت أن بأمكاني أن أحلم بالشخصية. كما لو أن لديك صوت آخر في دماغك بينما أنت تكتب. وهذا شعور رائع. ولا يحدث دائماً.

نشرت في آراء. 

 

16 يوليو,2014 - takween
كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , | إرسال التعليق

يان مارتل: الكاتبُ هو الذي يعمل على إحياء الانفعال

عليك أن تبتكر منهجك الخاص

الأدب والفن ليس فقط للمتعة بل أيضا للانفعال ، فبهما معا يحيا المجتمع، وبصفتي كاتب فأنا أعمل على إحياء ذلك

ترجمة: هيفاء الجبري 

في عام 2001، كان من النادر أن تجد من سمع باسم “يان مارتل” حتى من بين القراء النهمين، وما أن حل عام 2002، وحازت روايته الثانية “حياة باي ” جائزة المان بوكر” حتى صار بالكاد أن تجد قارئا في أي مكان كان لم يسمع به. وفي حين أن الفوز بجائزة البوكر ليس بالضرورة تذكرة ذهاب دون عودة للشهرة والثروة، إلا أنها لفتت القراء إلى كتاب لمؤلف كندي غير معروف نسبيا، وهو الكتاب الذي – كما اتضح فيما بعد- خاطب عددا كبيرا من الأشخاص حول العالم بطريقة وفي فترة زمنية لم يستطع بها أي عنوان معاصر أن يفعل الشيء ذاته. والقصة التي تتحدث عن فتى عاش على متن قارب بعد أن كان الناجي الوحيد مع النمر البنغالي من تحطم سفينة ألهمت القراء للتفكر والتحدث والكتابة في القضايا الشائكة كمعنى الحياة. وهكذا ما إن انطلقت الرواية إلى العالم حتى أصبحت ظاهرة فريدة بحد ذاتها، وبعبارة أخرى أصبحت من الكلاسيكيات الذائعة.

ثم اكتسح اسم “يان مارتل” وسائل الإعلام، وكأي ابن من أبناء الدبلوماسيين، عاش مارتل طفولته متنقلا بين البلدان، وبعد أن حصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة وقضى بعدها سنوات متنقلا بين المهن أصبح كاتبا ومفكرا ذا شأن، وأصدر مجموعة قصص قصيرة تحت عنوان “حقائق وراء روكاماشيوز هلسنكي” ورواية “الذات” ولكن لم تحظيا بشعبية في مرحلة التسعينات. وحاليا يتنقل مارتل من مكان لآخر لترويج روايته “حياة باي” كما سيقوم بانتقاء الرسوم المناسبة لإخراج نسخة مزودة بالصور للرواية.

وظل مارتل صادقا مع ذاته ووفيا لبلاده إذ أنشأ مشروعا تحت عنوان “ماذا يقرأ ستيفن هاربر؟” دعما منه للأدب والفن، ويقوم في هذا المشروع بإرسال كتاب و إرفاق رسالة شخصية به إلى رئيس الوزراء كل أسبوعين، وكان ينشر الرسائل وعنوانين الكتب التي يبعث بها إلى الرئيس في هذا الموقع whatisstephenharperreading.ca).) حيث يطالع القراء نادٍ للكتب ربما يعد من أكثر الأندية تحيزا ومدعاة للحسد.

ثم شرع بعد ذلك في كتابة كتاب جديد. والآن كثر الحديث حول عودة مارتل المرتقبة منذ وقت طويل ليطالعنا براويته الجديدة الرمزية “بياترس وفرجيل”، ولكن مارتل ذاته قالها بصراحة في حواره المنشور بصحيفة “رايترز دايجست” قبيل إصدارها في أبريل: ” لا أجزم إن كانت الرواية ستفي بالتوقعات بعد ما حققته رواية “حياة باي” من النجاح فقد وصلت مبيعاتها إلى سبعة ملاييين نسخة وما زالت تباع، وسيتم تحويلها إلى فلم من إخراج آنغ لي وترجمت على ما يبدو إلى 41 لغة، وهذا النوع من النجاح استثنائي فليس هناك أي مجال للمقارنة.

وتستهل رواية بياترس وفرجيل بشخصية الكاتب “هنري” الذي يناضل من أجل مشروعه القادم بعد أن أحدث كتابه السابق ضجة هائلة كتلك التي أحدثتها رواية “حياة باي”، والنتيجة هي حكاية تناولت المحرقة بأسلوب مارتل الخاص: مستعينا بمحنط الحيوانات، والحمارة، والقرد.

ولك أن تقرأ عن حياة مارتل وشغفه بالكتابة والقراءة، وكيف أن الأدب والفن حياته ومتنفسه.

• لديك خلفية عن الفلسفة، ويبدو أنك تخلق فلسفة كاملة جديدة في قصصك؛ فلسفة تعتم الخطوط الفاصلة بين القصة والقاص.. بين الراوي والمؤلف بل حتى بين الخيال والحقيقة، هل هذا حقا ما تسعى إليه؟

لا، لأن ذلك الفعل يقتضي وعيا بالذات وهو الأمر الذي لست أمتلكه بعد. وكما تعرف، فالأعمال الإبداعية تختلف عن الطهي مثلا حيث يكون لديك مجموعة من المقادير وما عليك إلا أن تتبع الأساليب المعهودة في الإعداد، بخلاف الأعمال الإبداعية التي لا تفرض عليك إتباع الأساليب المعهودة، لذلك عليك أن تبتكر منهجك الخاص وهذا ما يحدث بطريقة عفوية هي أن تبدأ الكتابة ثم بعد ذلك تسير بك الأمور إلى مسار محدد.

ما أفعله عن وعي ومعرفة هو أنني في كل كتاب أتناول قضية من القضايا التي تشغل اهتمامي. فكل كتاب من كتبي يعد سيرة ذاتية فكرية، ففي كتاب “هلنسكي” حاولت استكشاف ما يمكن أن تفعل القصص، وفي رواية “الذات” كنت أستكشف الهوية الجنسية، وفي رواية “حياة باي” حاولت سبر أغوار الدين والإيمان وعلاقتهما بالحقائق، وفي كتاب “بياتريس وفرجيل” كنت أنظر إلى المحرقة نظرة المتأمل، وكل هذه القضايا كانت تشغل تفكيري في مرحلة أو أخرى من مراحل حياتي، وكان الأسلوب المفضل لدي في تناول مثل هذه القضايا هو الخيال– تحويلها إلى قصص، وهذا ما يجعل الأمر ذا معنى ومتعة بالنسبة لي.

• في رواية “حياة باي” ذكرت أنك أردت أن يحار القراء في ما إذا كانت القصة حقيقة أم غير ذلك، ويبدو أنك نحوت المنحى نفسه في كتاب “بياترس وفرجيل”، برأيك لم يمنح ذلك المنحى القصة هذه القوة؟

لأنها تشرك القارئ، فمثلا رواية “حياة باي” تستدعي أن يتساءل القارئ أي القصتين هي الحقيقة: القصة بالحيوانات أم بدون الحيوانات؟ وهنا يأتي دور القارئ في اتخاذ القرار، وهكذا يصبح شريكا في القصة.

أما كتاب “بياترس وفرجيل” فهو ينحو منحى مختلفا من الغموض إذ يستحث القارئ على التفاعل مع “المحرقة” بطريقة مغايرة لتفاعله معها في سياق السرد التاريخي، كنت أريد أن يشعر القراء بهذه المأساة بطريقة جديدة، لأنني لم أر طرحا مختلفا لهذا الحدث، فكل ما سبق طرحه لا يتجاوز السرد الوقائعي والمذكرات والتوثيق التاريخي، ولا يعد ذلك خطأ بطبيعة الحال – فنحن نحتاج إلى معرفة ما حدث فعلا قبل أن نضمه إلى حراكنا المعرفي – ولكن ليس لدينا إلا القليل نسبيا مما كتب عن المحرقة بالأسلوب القصصي الخيالي، وهذا ما يحتم علينا أن نطلق العنان كله للخيال في تصوير “المحرقة” تماما كما كتب عن الحرب، فموضوع “الحرب” مثلا قد حظي بكافة أنواع الكتابة القصصية الخيالية بينما لا تزال الكتابة عن المحرقة تفتقر إلى ذلك ولهذا حاولت أن أتجاوز الحرفية والواقعية في الكتابة عنها.

وأنا أرى أن “بياترس وفرجيل” أقل غموضا من “حياة باي”، ولكني أردت أيضا أن يشعر القارئ بالمفاجأة، تماما كما تفاجأ اليهود في أوروبا بالمحرقة إذ لم يتوقعوها أو كانوا ينكرون حدوثها.

• في رأيك، ما ذا يمكن أن يتعلم الكُتَّاب إبداعيا من خلال إعادة التفكير بالحدود بطريقة مشابهة لما فعلت أنت؟

حسنا، أعتقد أن على كل كاتب أن يفعل ذلك، إلا إذا كان من كتاب قصص الخيال الشعبي، التي تحتم عليه أن يلتزم بالمنهجية الخاصة بهذا النوع من الكتابة، لأن القارئ يتوقع ذلك، وبالنظر إلى نقاط القوة والضعف، فإني أرى أن قصص الخيال الأدبي ليس لها منهجية محددة تستدعي الالتزام بها، ولذلك قد نرى عملا روائيا ضخما مخالفا تماما للتوقعات، وهذا ما يجعل هذه الأعمال صعبة القراءة، لكنها بذلك تكتسب أصالة كبيرة ، لذلك على الكاتب نفسه أن يحدد مكانه في المساحة الممتدة ما بين الخيال الشعبي والخيال الروائي، ولا يمكن فعل ذلك إلا باتباع المنهجية ثم مخالفتها حتى يجد الكاتب المكان المريح له، ولن يرتاح إلا أذا عرف جيدا لم يكتب وماذا يكتب، لذا فعليه أن يتحرك هنا وهنا حتى يجد المكان الملائم له.

كل كتاب من كتبي يعد سيرة ذاتية فكرية

كل كتاب من كتبي يعد سيرة ذاتية فكرية

• تعتبر رواية حياة باي عملا ضخما وهي أول تجربة تحتم عليك متابعة العمل السابق مع مراعاة التوقعات الخارجية، ما ذا تمثل لك هذه التجربة لك؟

كنت أفكر في قصة “بياترس وفرجيل” قبل أن يتحقق ما تتحقق من النجاح لرواية حياة باي، والآن يبدو لي أن الأخيرة هي العمل الأبرز، ولكنني في طور كتباتها كنت كاتبا فقيرا يعيش في مونتريال، وكان دخلي في السنتين السابقتين لإتمامي كتابة الرواية لا يتجاوز 6000 دولار في العام أي أنني كنت أعيش تحت خط الفقر، وكنت أسكن مع رفقاء، ولا أدخن، ولا أشرب، ولا أمتلك سيارة ولا أحتاج كثيرا من المال. فأمي وأبي يسكنان قريبا من هنا، وأقوم عندهما بغسيل الملابس وتناول الطعام في بعض الأحيان، وهكذا جرت الأمور على نحو مرض تماما وكنت سعيدا جدا.

في هذه الرواية صوّرتُ حديقة الحيوان على الرغم من أن معظم القراء لا يحبون هذه الحدائق باعتبارها سجونا، وكتبت عن الدين الذي يحترم الدين، وعن مفهوم الإيمان الذي يعد في التيار الكندي السائد موضوعا قديما.

إنها في نظري رواية تقليدية بجدارة، وما حققته من نجاح كان معجزة، صحيح أنني أحببته ولكنه لم يكن بمحض جهدي، أنا حقيقة لا أشعر أنني وحدي من صنعت هذا النجاح ولكن من حسن الحظ أن العمل ضرب على وتر حساس عند كثير من الناس، وكان الناشر موفقا في إصداره في الوقت المناسب ثم حالفني الحظ بلجنة تحكيم جائزة البوكر المكونة من خمسة محكمين ومن حسن حظي أيضا أن نالت الرواية استحسانهم من بين الكتب المرشحة، ولو تغير هؤلاء المحكمون الخمسة فلربما فاز كتاب آخر، لذلك أرى أن عامل الحظ كان له دور في هذا النجاح.

وبالتالي لم أشعر بالضغط فالنجاح كان محفوفا بعوامل خارجية تماما؛ باطنيا حياة باي عمل يروي قصة فتى على متن قارب نجاة بصحبة نمر، وهي عن الإيمان وكيفية قراءة الواقع وأن الحياة تأويلات، وكل ما تحقق من نجاح كان شيئا مبهجا لكنه أيضا كان بفضل عوامل خارجية، ولذلك عندما أردت كتابة “بياترس وفرجيل” أغلقت الأبواب أمام كل هذه الضجة، فلكل كتاب عالمه المختلف واحتياجاته التي يفرضها عليك، وفي كل كتاب تسأل نفسك: “هل بإمكاني إنجاز هذا العمل ؟ هل أنا على وعي بما أفعله؟ هل هذا العمل سينجح؟! وإن كنت تعتقد أنه لن ينجح، فكيف يمكن إصلاحه؟ هذه العملية غير مرتبطة بما قبله من الكتب أو ما سيأتي بعده.

أنا من جهة لا أهتم كثيرا لما سيجري لكتاب “بياترس وفرجيل” من حيث المبيعات أو الجوائز، فقد كتبت هذا الكتاب لفهم “المحرقة” ولا أجزم أنه سيفي بالتوقعات بعد ما حققته رواية “حياة باي” من النجاح فقد وصلت مبيعاتها إلى سبعة ملاييين نسخة وما زالت تباع، وسيتم تحويلها إلى فلم من إخراج آنغ لي وترجمت إلى ما يقارب 41 لغة وهذا النوع من النجاح استثنائي فليس هناك أي مجال للمقارنة. صحيح أنني سعيد لاهتمام القراء بكتاب “بياترس وفرجيل” على إثر رواية “حياة باي” ولكن هذا الكتاب مختلف تماما، فإن حظي بإعجاب القراء فسيسرني ذلك وإن كان العكس فسيؤسفني – لكن سأظل على أمل أن ينال العمل القادم إعجابهم وهكذا تستمر الحياة.

• يستهل كتاب “بياتريس وفرجيل” بتصوير إحباط أحد الكتاب من الناشر، تُرى هل من الممكن أن يكون الجانب التجاري من الكتابة سببا في قمع الكاتب كما هو الحال مع شخصية الكاتب “هنري”؟

نعم من الممكن، ولطالما كان الحال كذلك في وجهة نظري، وكأن العالم يُصرّح لك باستمرار أنه لا يريد المزيد من الروايات، أو من القصائد، أو من المسرحيات أو من اللوحات الفنية، وهذا ليس صحيحا فالواقع أنه يحتاج ، بل يحتاج الكثير.

نحن نعيش في عالم رأسمالي رهيب حيث اللهث وراء الربحية والمادية وما أشبه ذلك، وهذا ما يجعل الناس يرغبون في الهروب من هذا العالم، وفي رأيي أن عالم الأدب والفن عالم رائع يحتوي كينونتك، والأدب والفن ليس مهنة يومية كما هو الحال مع المحاسب والطبيب والمحامي وسائق الحافلة، فهؤلاء يستطيعون تغيير المهنة عندما يشعرون بعدم الرغبة في الاستمرار، أما الأدباء والفنانون فلا يستطيعون إذ إن الأدب والفن يحيطهم من كل النواحي وهذا ما يفسر كيف يتضرر أحدهم حين لا يكون أداؤه على ما يرام، ولو قارنا حال الأديب أو الفنان مثلا بطبيب الأسنان لوجدنا أن طبيب الأسنان لا يقلق كثيرا عندما لا يرضى المريض عن أدائه، لأنه يعلم أن مريضا آخر سيأتي في اليوم التالي، أما الكاتب فحين لا يحظى كتابه بمراجعة جيدة فسيواجه بالرفض من جميع النواحي ، وهذا ما يُشعر بالألم حقا، سواء كان الكاتب في بداياته أو في أي مرحلة من المراحل اللاحقة.

وبالتالي فإن الجانب التجاري قد يكون بالتأكيد قاتلا لذات الكاتب، إذ لا يوجد في الواقع ما يفرض عليك أن تشتري كتابا معينا، وعندما يكون هناك تراجع اقتصادي فإن أعمال النشر تتضرر.

والأمر الآخر هو استيلاء الشركات على دور النشر، وخير مثال على ذلك “ألفريد كنوبف” وكانت في الأصل دار نشر تقع في نيويورك، ومؤسسها ألفريد كنوبف الذي لم يكن يجني الكثير من المال، كل ما في الأمر أنه قرأ كتبا ومخطوطات جيدة ثم قام بنشرها، وكانت لديه ذائقة عالية، و اكتسب شهرة كبيرة فيما بعد، ولم يكن يجني الكثير من الأرباح فهو لم يكن إلا ناشرا فقط. ولكن الآن لدينا شركات ضخمة يجني من ورائها ذوو المستويات العليا ثروات معتبرة، ومن يدفع الثمن في ذلك ؟ الكُتّاب هم من يدفع الثمن.

إنها سوق مرهقة، ولكنّ لا يعني ذلك أن يتوقف الكاتب، كل ما عليه أن يجد عملا نظاميا ثم يحاول التوفيق بين ساعات العمل والساعات المخصصة للكتابة، وإن وُفّقَ في ذلك فهذا عظيم، وإن لم يوفق فلا بأس، عليه أن يتصرف كبوذي ويتخلى عن التوقعات.

عندما بدأت الكتابة في بداية العشرينات من عمري بينما كنت على مشارف إنهائي الدراسة الجامعية، كنت فقط أترقب أن تبدأ الحياة؛ أن يشير إلي أصبع قادم من السماء مخترقا الغيوم ويقول: “ستصبح محاميا” أو “ستصبح سائق حافلة” ولكني لم أر هذا الإصبع وحينها بدأت أكتب قصصا قصيرة فقط لأقضي الوقت، وكنت بشكل قسري أراجع تقاويم الجامعة “حسنا سأعود إلى الجامعة” ما ذا سأفعل؟ سأضطر للالتزام بأبجديات المهنة ولكن ليس هذا ما أريده، ولذلك عكفت على كتابة هذه القصص القصيرة حتى تحسن الحال بشكل بطيء.

ولكن لم أتوقع أبدا أن أمتهن الكتابة، وما زلت لا أرى ذلك، فحين يحقق أحد كتبك نجاحا هائلا فهذا أمر مقدر، لكن أن تكون الكتابة مهنة يُخطط لها كما يُخطط لأي مهنة أخرى فهذا ما لا يمكن، والأمر ينطبق على كافة مجالات الأدب الفنون، فالكاتب مضطر إلى أن يكتب خضوعا للرغبة الملحة في داخله، فهو لا يستطيع أن يتنفس دون الكتابة، ولكن من الصعب التنبؤ بالنجاح أو عدمه. صحيح أن النجاح يجعلك أكثر ثقة ويفتح الأبواب أمامك، ولكن هذه الأبواب قد تقفل، وتفتح أبواب أخرى لأشخاص آخرين.

منذ أعوام قلائل، تحدثت علانية عن إصدار (Flip book) تماما مثل ما فعل “هنري” الذي قوبل بالرفض من قبل الناشرين في قصة “بياتريس وفرجيل”، هل هذا المشهد مستقى من تجربتك – هل سبق أن قوبل أحد كتبك بالرفض من قبل المحررين؟

نعم حصل، على أن التفاصيل تختلف قليلا إلا أن النتيجة مماثلة، فقد كتبت مقالا مطولا استغرق مني سنتين في الكتابة لكن الناشرين لم يتقبلوه وتبريرهم جدير بالاعتبار، فهم يرون أن الجمع بين رواية ومقال في كتاب واحد وتحت عنوان واحد – فالمقال يتحدث بمباشرة عن المحرقة، والرواية تتناول تجليات المحرقة – فإن ذلك بالضرورة سيؤثر على تلقي القراء للرواية، والأرجح أنهم سيقرؤونها على ضوء ما كتب في المقال.

وهذا لم يشكل لدي مشكلة ولكنهم بخلاف ذلك يرون أنني بهذه الطريقة أضع الرواية في صندوق، فهل هذا تبرير منطقي؟ لا أعلم. ولكن على أية حال تنازلت عن المقال، ومن الصدفة أن الكتاب جاء على طريقة Flip book من حيث تعاكس الغلافين، وكأنه يشير إلى ما جرى من النقاش بين هنري والناشرين.

وكما أنك في مجال الفنون لا بد أن تؤمن بذاتك وبما تفعل، إلا أن الموازنة مطلوبة، فالفن والأدب نشاط اجتماعي، وفيه تواصل مع القراء أو المشاهدين، أو المستمعين، ولا بد من الاستماع إليهم، ولذلك لا بد من المقاربة: أن تؤمن بذاتك وتحاول مراعاة الجمهور، وهذا ما دفعني للتنازل عن المقال ولكن لا يزال لدي أمل أن أراه في إصدار.

فالكاتب مضطر إلى أن يكتب خضوعا للرغبة الملحة في داخله، فهو لا يستطيع أن يتنفس دون الكتابة، ولكن من الصعب التنبؤ بالنجاح أو عدمه.

الكاتب مضطر إلى أن يكتب خضوعا للرغبة الملحة في داخله، فهو لا يستطيع أن يتنفس دون الكتابة، ولكن من الصعب التنبؤ بالنجاح أو عدمه.

هذا هو سؤالي التالي.

لم يكن الناشرون متحمسين على وجه الخصوص للمقال، فالسوق الاقتصادية تعتبر المواد غير القصصية مواد متخصصة، وأتصور أن مقالا عن المحرقة في نظرهم لا يعد من الأشكال الكتابية التي قد تحقق أعلى المبيعات، وهذا ما صرف نظرهم عن المقال. فالكتب التي تحقق أعلى المبيعات تدر عليهم الكثير من الأرباح إلى جانب الدعاية، أما الكتب المصنفة على أنها “متوسطة” فهي تلك التي تُنحَّى جانبا.

عندما فرغت من هذا الكتاب، كم في تقديرك أمضيت من الوقت في كتابته؟

قضيت وقتا طويلا في التفكير بالطريقة التي يمكن أن أنتهجها في الكتابة عن “المحرقة” من منظور شخص ليس يهوديا، ولا ألمانيا ولا حتى من أوروبا الشرقية، شخص خارج عن هذه الحدود تماما، ولكن المحرقة قد أزعجته بما يكفي للكتابة عنها، وقد أبدع كتاب آخرون في الكتابة، وكنت أتساءل كيف يمكنني أكتب قصة عن المحرقة؟ فالقضية أكبر من أن تختصرها قصة، إن جريمة قتل واحدة قد تكتب عنها ستة ملايين قصة، ولكن كيف لستة ملايين جريمة قتل أن تحتوى في قصة واحدة فقط.

عندما فزت بجائزة البوكر عام 2002، كنت حينها أُدَرِّس فصلا دراسيا في جامعة فري في برلين، وكنت أراها فرصة ممتازة أن أكتب عن المحرقة في برلين، وأي مكان أفضل من برلين وهي قلب الحدث الذي حصلت فيه هذه المأساة البشعة، وكنت أفكر وأخطط أن أجري الكثير من البحوث والكتابات، ثم جاءت جائزة البوكر وما صاحبها من الضجة وتوقفت، ولكني لم أتوقف عن التفكير بها، وربما أقول أنني أمضيت سبع أو ثمان سنوات، على الرغم من أن الرواية ليست طويلة.

أتصور أنك تلقيت – كهنري – عددا كثير من الرسائل الإلكترونية بما فيها رسالة من الرئيس أوباما وقد حظيت بتغطية إعلامية متميزة، هل ترد على رسائل قرائك؟

نعم أرد، ومن الطريف أنني إلى الآن لم أرد على رسالة الرئيس أوباما – لك أن تسميها سذاجة – لكن لا بد أن أرد …أنا أرد على جميع القراء.

ما هو أفضل الرسائل في رأيك؟

جميعها رائعة، فأن يقرأ أحدهم كتابك ثم يكتب إليك، فهذا بحق أمر مدهش والرسائل عموما تختلف عن الكتب التي تحمل عناوين مؤلفيها على الصفحة الأمامية، بخلاف الرسائل التي تتخذ أساليب ملتوية، وتخيل موقف الكُتّاب، ربما يرى بعضهم – كما ذكرت في الرواية – أنه كمن يرمي رسالة في زجاجة في المحيط ثم يأتي من يهتم بهذا العمل ويكلف نفسه الكتابة إلى المؤلف. هذا ما يؤثر في نفسي حقيقة.

لكل كاتب فكرة معينة في ذهنه وحين يترجمها إلى كتاب ثم يأتي هؤلاء الغريبون عنك ويبدون اهتمامهم بالكتاب فهذا مؤثر حقا، لذلك أرى أن أقل ما أفعله هو أن أرد على رسائلهم.

بمناسبة الحديث عن الرسائل، أنت أمضيت الآن ما يقارب ثلاث سنوات في مشروعك “ما ذا يقرأ ستيفن هاربر”، وقد قابلتُ شخصيا بعض الأشخاص الذين اعتبروا عدم رده على رسائلك أمرا محبطا، هل تراه كذلك؟

أنا أراه مفاجئا، فقد أرسلت إليه 76 كتابا، و76 رسالة، ولم أتلق منه ردا واحدا. تلقيت خمسة ردود من موظفيه لكنها كانت ردود عامة جدا وهي موجودة على الموقع، مثل “العزيز مارتل شكرا لهذا الكتاب، نقدر لك هذه الرسالة، شكرا جزيلا للطفك، مع فائق الاحترام” وفي آخر الرسالة اسم الشخص المرسل. وكوني من أصحاب الأدب فأنا متفاجىء بعدم رده، وأظن أنه لم يقرأ كتابا قصصيا منذ انتهائه من المرحلة الثانوية حيث يطلب كجزء من متطلبات المنهج الدراسي، وربما أنه يشعر بشيء من الخجل وشيء من الرغبة والافتقار في هذا الجانب ولكنه لا يريد الاعتراف، لأنه لو كتب إلي ردا صريحا كأن يقول مثلا : ” السيد العزيز مارتل، أنت على حق تماما، أنا لم أقرأ الكثير، وأجدني غير مهتم، ربما لم أوفق في قراءة الكتب الصحيحة، وقد تكون محقا ولكن هذه هي طريقتي، وبصفتي رئيس الوزراء فأنا مشغول جدا، ولكن بعض الكتب التي أرسلتها إلي استوقفتني، وعندما أجد الوقت الملائم فسأحاول قراءتها. هذا كل ما بوسعي فعله، وتقبل تحياتي، ستيفن هاربر” لو تلقيت هذا الرد الصريح منه، لتراجعت تماما عن مشروعي لأنني لو واصلت بعد ذلك فسيقول الناس هذا شخص متعجرف ولسان حالهم يقول : ” أخبرك الرجل أنه مشغول جدا وأعتذر عن القراءة ولكنه سيحاول إن أمكن، ما ذا تريد منه أكثر؟”

لكنه لم يفعل، وكلما طال هذا الصمت، فسيكون الحال أكثر حرجا وأكثر افتضاحا فهناك شاهد عام على ذلك وهو الموقع الإلكتروني، والعبرة أن نسأل الناس ونستمع إلى ما يقولون: هل نريد أن يقود المجتمع رجل أبيض البشرة في منتصف العمر لا يفقه شيئا في الآداب والفنون ؟ إذا كان هذا الحال، فأنا أتساءل من أين يستمد هذا القائد رؤاه القيادية؟

خذ مثلا كتاب ” العين الأكثر زرقة” للكاتبة توني موريسن، وهو أحد الكتب التي بعثت بها إليه. هذا الكتاب لا يرتبط بواقع ستيفن هاربر، ولا بواقعي شخصيا، ولكن إذا لم يقرأ السياسيون أو أصحاب السلطة أبدا هذا النوع من الكتب، فكيف سيصلون إلى مشاعر الآخرين؟  والمشكلة أنه إذا رضي الناس بعدم الحاجة إلى قراءة مثل هذه الكتب، فمعنى ذلك أن حياتهم منغلقة، وأنهم معرضون للأدلجة بشكل أكبر وهذا بالضبط ما ينطبق على ستيفن هاربر.

بعد انقضاء فترة رئاسة هاربر، هل ستستمر في إرسال الكتب إليه ؟

هل تمزح؟ لا قطعا، لا يمكن أن أستمر، فأنا بكل شغف أترقب خسارته في الانتخابات، فقد بذلت جهدا مضنيا، صحيح أنني قضيت وقتا ممتعا إذ اكتشفت كتبا جديدة وأعدت قراءة أخرى، وهذا رائع – لكني متشوق لخسارته لأن ذلك لن يكون لصالح البلد فحسب بل أيضا لصالحي.

يبدو من خلال أفعالك وأيضا من خلال ما تطرحه من القضايا في قصصك أنك حريص جدا على التصدي للامبالاة، هل لك أن تخبرنا ما الذي يدفعك لذلك؟

اللامبالاة سلوك غير لائق في جميع الميادين، ولاسيما في ميدان الأدب والفنون، وربما يُعذَرُ من لا يهتم بمجال العلوم مثلا لأنها علوم غير شخصية لا ترتبط بذاتك، فأنت حين تقود سيارتك لا تهتم أن تعرف كيف تعمل، كل ما يهمك أن تكون آمنة عند القيادة.

أما مجال الأدب والفن فمختلف تماما، إذ هو الأداة الكبيرة للتأمل والتفكر واختبار الحياة، لذلك فهو مرتبط بالذات ارتباطا كليا، بل هو متغلغل فيها، ومن يقل أنه لا يهتم فبالأدب فقد خالف الصواب، إذ إن طريقة ملبسك، ومأكلك، واللغة التي تتحدث بها، كل هذه انبثاقات ثقافية، فإن لم يسبق لك أن قرأت كتابا أو شاهدت مسرحية أو قرأت قصيدة، أو شاهدت فيلما ليس من الأفلام الهوليودية التقليدية الرائجة فهذا حتما يعني أنك لا تقدر التجربة الإنسانية.

ومن ناحية عملية أكثر، فالأدب والفن يجعلك تفكر، وتتمرد، وإذا لم تكن ثائرا، فإنك ستغرق في السائد، وهذا بالنسبة لي ما يجلب الشقاء للمجتمع.

فالأدب والفن ليس فقط للمتعة بل أيضا للانفعال ، فبهما معا يحيا المجتمع، وبصفتي كاتب فأنا أعمل على إحياء ذلك، وأعتقد أن كل كاتب يفعل كما أفعل، فكل كاتب يحاول بطريقة أو بأخرى أن يستنهض الناس قليلا وكأنه يقول: “هل فكرتم في هذا الأمر، هل استوعبتموه ، هل أحسستم به؟

اللامبالاة سلوك غير لائق في جميع الميادين، ولاسيما في ميدان الأدب والفنون

اللامبالاة سلوك غير لائق في جميع الميادين، ولاسيما في ميدان الأدب والفنون

هل ترى أنه من المسؤولية الاجتماعية أن يطرح الكاتب هذه الأسئلة؟

لا أرى ذلك ، فالأمر متروك للكاتب وهو من يقرر لم يفعل ما يفعل، وما يميز الأدب والفن أيضا حرية التصرف، فالكاتب ليس له مدير، صحيح أن هناك ناشرون ولكن مهمتهم تقتصر على إصدار الكتب لا كتابتها، ولهذا فأنت عندما تكتب أو ترسم أو تعزف أو ترقص، فإنك تتمتع بحرية كاملة. إنك تفعل ما تشاء.

وفي ذلك ما يبرر كون الأدب خطيرا إذ تتسع مساحته إلى أقصى درجات الحرية، ولذلك يمكن القول بأن الأدب قد يربك الأنظمة السياسية، فالأديب لا يدين لأي شخص. وهذا ما يمنح الكُتّاب الحرية في النقد، ولكن لا ينبغي إجبارهم، فالإجبار يقيد مساحة الحرية لدى الكاتب، لذلك فهو صاحب القرار فيما يريد أن يكتب.

هل تعمل حاليا على مشروع جديد؟

لدي مشروع الآن كان في الواقع يشغل تفكيري منذ عشرين عاما: رواية تصور ثلاثة من قردة الشمبانزي في البرتغال. وستكون حول دور المعلمين العظماء في حياتنا. لكل منا معلمه إما بالمعنى الحرفي وأقصد بذلك معلمي المدرسة المُلهِمين أو الموجهين كالأبوين أو المرشدين في فترة الشباب؛ ما ذا يحدث لأحدنا حين يُتوفى قائده الروحي؟ أنا مفتون نوعا ما بذلك: ظاهرة رحيل المعلم العظيم. وسأبدأ بحثي هذا الخريف بعد الانتهاء من رحلاتي.

وكم ستستغرق رحلاتك؟

ستستغرق سبعة أسابيع في أمريكا الشمالية.

وهل لك دور فعلي في فيلم “حياة باي”؟ لاحظت تغيير المخرجين عدة مرات

نعم، والمخرج الآن هو آنغ لي ولكنه لم يُعطَ الضوء الأخضر بعد في هوليود، ولكني مؤخرا سمعت أنهم سيبدؤون التصوير في سبتمبر في تايوان، وعلى حد علمي أنه بدأ فعليا. ومشاركتي في الفلم غير رسمية إطلاقا، هم من اقتنى الكتاب ولهم أن يفعلوا ما يشاؤون، ولكنهم كانوا لطفاء جدا ووضعوني في الصورة، وكانت تجربتي معهم إيجابية جدا، وكانوا حريصين جدا “نريد أن نفعل ما بالإمكان لإخراج الفلم في أفضل صورة بناء على الكتاب” وكانوا في الحقيقة أكثر مني حزما ودقة في الإخراج.

* نشرت في آراء. 

 

9 يوليو,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | إرسال التعليق

راي برادبيري: الكتابة متعة خلابة، وهي الجنون في حياتي

الخيال العلمي ليس فنّ الممكن وحسب، بل هو فنّ الواضح.

الخيال العلمي ليس فنّ الممكن وحسب، بل هو فنّ الواضح.

ترجمة: بثينة العيسى

 راي برادبيري روائي أمريكي (1920 -2012) كتبَ في مجال أدب الرّعب والخيال العلمي، ليس الخيال العلمي الذي بالكادِ يلامس اهتمامات راهننا الإنساني والثقافي، بل النوع الآخر الذي يضيء ببصيرة نافذةٍ مصير الإنسانية ومستقبلها. كاتبٌ مجنون، وعندما أقولُ “مجنون” فأنا أمعنُ في المديح، بدأتُ في ترجمة حوارِه الذي أجراه معه سام ويلر في صحيفة ذي باريس ريفيو، ثم توقفت لأشهر حتى أقرأ عمله الأشهر (451 فهرنهايت) وعدتُ إلى ترجمة بقية الحوار بكلّ الحماسة الممكنة.

أهمية برادبيري لا تقتصر على قدرته المذهلة على إثارة الأفكار في ذهنية المتلقي وحسب، بل لكونه من القلة القليلة التي تتعاطى مع الكتابة بصفتها غبطة، واحتفالٌ أبدي، ومشروع لذة لا متناهية. راي يكتبُ وكأنه يلعب، وهو لا يؤمن بالمعاناة، ويستخدم مخيلته الخلاقة لسبرِ وكشف مستقبلنا أمامنا، ليسألنا: ما الذي سنفعله بشأن سعينا الجماعي الدؤوب نحو القضاء على العالم؟

لماذا تكتب الخيال العلمي؟

الخيال العلمي هو خيالُ الأفكار. الأفكار تثيرني، وبمجرد ما أشعر بالإثارة يفعل الأدرينالين فعله، والشيء اللاحق الذي أعيه هو أنني أستعير الطاقة من الأفكار نفسها. الخيال العلمي هو أية فكرة تطرأ في الرأس ولا تكون موجودة بعد. ولكنها ستوجد قريبا، وستغير كل شيء لكل شخص، ولن يعود أي شيء كما كان عليه. بمجرد ما تكون لديك فكرة تغير جزءا صغيرا من العالم، فأنت تكتب الخيال العلمي. إنه دائما جزءٌ من الممكن، وليس أبدا جزءًا من المستحيل.

تخيل لو أنني، قبل ستين سنة، في بداية عملي ككاتب، فكرت أن أكتب قصة عن امرأة تبتلع حبّة دواء وتدمّر الكنيسة الكاثوليكية، وتتسبب في مجيء حرية المرأة. الأرجح أن القصة ستقابل بالضحك، ولكنها كانت في حقل الممكن، وكان يمكن أن تصنع خيالا علميًا عظيمًا. لو أنني عشتُ في أواخر سنوات الـ 1800، لربما كتبت قصة تتنبأ بأن عربات غريبة سوف تتحرك عبر أراضي الولايات المتحدة قريبًا، وسوف تقتل مليوني نسمة خلال سبعين سنة.

الخيال العلمي ليس فنّ الممكن وحسب، بل هو فنّ الواضح. بمجرد أن ظهرت السيارات، كان بإمكانك أن تتنبأ بأنها ستدمّر الكثير من الأشخاص، كما فعلت.

هل يحقق الخيال العلمي أمراً لا تحققه الكتابة السائدة؟

 نعم، إنه يفعل. لأن الكتابة السائدة لم تهتم بالتغيرات في ثقافتنا خلال السنوات الخمسين الأخيرة. الأفكار المهمة في زمننا – التطورات في الطب، أهمية اكتشاف الفضاء لتطوير جنسنا البشري – تم تجاهلها. النقّاد هم عادةً على خطأ، أو أنهم متأخرون لـ 15 أو 20 عامًا. إنه عارٌ عظيم. إنهم يفوّتون الكثير. أما تساؤل: لماذا يتم تجاهل خيال الأفكار، فهو سؤالٌ يتجاوزني. لا أستطيع تفسيره، إلا من حيث كونه عجرفة فكرية.

هل يقدّم الخيال العلمي طريقًا أسهل للكاتب لاكتشاف الأسس الفكرية؟

 خذ “451 فهرنهايت[i]” على سبيل المثال. أنت تتعاطى مع حرق الكتب، موضوعٌ جادٌ جدًا. يجب أن تتوخى الحذر بشأن وعظ الناس. وعليهِ تضع قصتك في المستقبل بعد بضع سنوات، وتخترع إطفائيًا اعتاد أن يحرق الكتب بدلا من أن يطفئ النيران، وهي الفكرة العظيمة بذاتها، ثم تأخذه في مغامرة لكي يكتشف بأنه.. ربما لا ينبغي حرق الكتب. إنه يقرأ كتابه الأول، ويقع في الحب. ثمّ يرسله إلى العالم لكي يغيّر حياته. إنها قصة شديدة التشويق، وفي داخلها توجد الحقيقة العظيمة التي ترغب بقولها، بلا وعظ.

عادة ما أشير إلى رمزية “فرساوس” ورأس “ميدوزا” عندما أتحدث عن الخيال العلمي. فبدلاً من أن تنظر إلى الحقيقة في وجهها، تنظر من فوق كتفك إلى السطح البرونزي لدرعٍ عاكس، ثم تعود بسيفك وتقطع رأس ميدوزا. الخيال العلمي يتظاهر بأنه ينظر إلى المستقبل، ولكنه في الحقيقة ينظر إلى انعكاسٍ لما هو موجودٌ بالفعل أمامنا.  إذن لديك رؤية مرتدة، مرتدة بحيث تمكنك من أن تستمتع معها، بدلا من أن تكون ذاتيّ الإدراك وخارق الذهن.

 متى بدأت الكتابة؟

 لقد بدأتُ مع إدغار آلان بو. قمتُ بمحاكاته مذ كنت في الثانية عشر وحتى الثامنة عشرة. لقد أغرمتُ بمجوهرات بو. إنه منقّب مجوهرات، أليس كذلك؟ وكذلك إدغار رايس بوروغز وجون كارتر. كنتُ أكتب قصص رعب تقليدية، وهو ما أعتقدُ أن كل من يدخل هذا الحقل سيبدأ به. أنت تعرف، أشخاص يحتجزون في أضرحة. لقد رسمتُ متاهات مصرية.

كل شيءٍ اختمر حتى تلك السنة، 1932، عندما كنتُ في الثانية عشر. كان هناك بو، كارتر، بوروغز، والرسومات الهزلية. لقد استمعت إلى الكثير من برامج الراديو الخيالية، وبخاصة “الساحر شاندو”. أنا متأكد من أنه كان رديئا جدا، ولكن ليس بالنسبة لي. كل ليلة، بعد أن ينتهي البرنامج، كنت أجلس وأكتب النّص كاملا من الذاكرة. لم أستطع منع نفسي. شاندو كان ضدّ جميع مجرمي العالم، وأنا كذلك. لقد استجاب إلى استدعاء للتخاطر، وكذلك أنا.

 لقد أحببتُ الرسم أيضا. كنتُ أرسم رسومات الكارتون. لطالما أردتُ مسلسلي الهزلي الخاص. وبناء على ذلك لم أكن أكتب عن طرزان وحسب، بل كنتُ أرسم بطاقات الأحد التي تخصّني. لقد كتبتُ قصص المغامرات المعتادة، جعلتها في أمريكا الجنوبية، أو بين شعب الآزتيك، أو في أفريقيا. كان هناك دائما العذراء الجميلة والقربان. وعليه فقد عرفتُ بأنني متوجه إلى أحد الفنون. كنت أرسم، أمثل، وأكتب.

لا تستطيع تعلم الكتابة في الكلية. إنه مكان سيءٌ جدًا للكتاب

لا تستطيع تعلم الكتابة في الكلية. إنه مكان سيءٌ جدًا للكتاب

قلتَ بأنك لا تؤمن بالذهاب إلى الكلية لتعلم الكتابة. لماذا؟

لا تستطيع تعلم الكتابة في الكلية. إنه مكان سيءٌ جدًا للكتاب، لأن الأساتذة يعتقدون دائما بأنهم يعرفون أكثر مما تعرف، وهذا غير صحيح. لديهم تعصبات. قد يعجبهم هنري جيمس، ولكن ماذا لو لم تكن تريد الكتابة مثل هنري جيمس؟ يمكن أن يعجبهم جون إيرفنغ، على سبيل المثال، وهو الشخص الأكثر إملالا على مرّ العصور. معظم الناس الذين دُرِّست أعمالهم في المدارس في السنوات الثلاثين الأخيرة.. لا أفهم لماذا تتم قراءتهم، ولماذا يتم تعليمهم. المكتبة، من ناحيةٍ أخرى، ليس لها انحيازات. المعلومات كلها متوفرة لك حتى تؤوّلها. ليس هناك شخص يخبرك بما يجب أن تفكر فيه. إنك تكتشف ذلك بنفسك.

 ولكنّ كتبك تدرّس بتوسّع في المدارس ..

هل تعرف لماذا يختارني المدرّسون؟ لأنني أتحدث بألسنة كثيرة. أكتب استعارات. كل واحدة من قصصي هي استعارة يمكنك أن تتذكرها. جميع الديانات العظيمة هي استعارات. نحن نقدر أشياء مثل “دانييل وعرين الأسد” و”برج بابل”. يتذكر الناس هذه الاستعارات لأنها حية جدا، ولا يمكنك التحرر منها، وهذا هو ما يعجب الأطفال في المدرسة.

 إنهم يقرؤون عن الصواريخ والاشتباكات في الفضاء، قصص عن الديناصورات. لقد كنتُ طوال حياتي أركض حول الحقول وأقطف المواضيع المشرقة. أقلّب واحدة بيدي وأقول: نعم، ها هنا قصة. وهذا هو ما يعجب الأطفال. قصصي اليوم موجودة في آلاف المجموعات القصصية المختارة، وأنا برفقةٍ جيدة. الكتاب الآخرون الذين كتبوا الاستعارات هم في الغالب أموات: إدغار آلان بو، هيرمان ميلفل، واشنغتون إيرفنغ، ناثانيل هاوثورن. كل هؤلاء كتبوا للأطفال، ربما تظاهروا بعكس ذلك، ولكنهم فعلوا.

 إلى أيّ حدٍ يهمّك أن تتبع غرائزك؟

آه. يا إلهي. إنها كل شيء. لقد عرض عليّ أن أكتب سيناريو “الحرب والسلم” قبل بضعة عقود. النسخة الأمريكية من ]الحرب والسلم[ مع المخرج كينغ فايدور. لقد رفضتُ العرض. قال لي الجميع: كيف يمكنك أن تفعل هذا؟ هذا سخيف، فهو كتابٌ عظيم! قلتُ: حسنًا، إنه ليس لي. لا أستطيع أن أقرأه. لا أستطيع التوغّل فيه. لقد حاولت! هذا لا يعني بأن الكتاب رديء. أنا فقط غير مستعدٍ له. إنه يجسّد ثقافة شديدة الخصوصية. لقد طوّحتني الأسماء. زوجتي أحبّته. لقد قرأته مرّة كل ثلاث سنواتٍ طوال عشرين عامًا. لقد عرضوا عليّ المبلغ المعتاد لكتابة سيناريو كهذا، مئة ألف دولار. ولكن، في هذا العالم، لا يمكنك أن تفعل الأشياء لأجل النقود. لا يهمني ما يعرضونه عليك. ولا يهمني إلى أيّ حدٍ أنت فقير. هناك عذرٌ واحد فقط لأخذ النقود تحت هذه الظروف: إذا كان هناك شخص مريض جدًا في عائلتك، وفواتير الطبيب تتراكم عاليًا إلى الحدّ الذي سيدمّرك. عندها أقول: اذهب وقم بالأمر. اكتب (الحرب والسلم) بطريقة رديئة، واندم لاحقًا.

 المشكلة في الرواية هي أن تبقى صادقًا. إذا كنتَ تشعر بكثافة ولديك فكرة مثيرة، فإن القصة القصيرة تكتب نفسها في ساعات قليلة.

المشكلة في الرواية هي أن تبقى صادقًا. إذا كنتَ تشعر بكثافة ولديك فكرة مثيرة، فإن القصة القصيرة تكتب نفسها في ساعات قليلة.

 هل تمثل الرواية والقصة القصيرة مشكلات مختلفة بالنسبة لك؟

نعم. المشكلة في الرواية هي أن تبقى صادقًا. إذا كنتَ تشعر بكثافة ولديك فكرة مثيرة، فإن القصة القصيرة تكتب نفسها في ساعات قليلة. أحاول أن أشجع أصدقائي التلاميذ وأصدقائي الكتّاب على أن يكتبوا القصة القصيرة في يومٍ واحد، حتى ينمو غشاءٌ حولها. حول كثافتها، حول حياتها، حول سبب وجودها. ثمة سببٌ وراء أن تخطر الفكرة في رأسك في تلك الساعة على أية حال. لذا امضِ مع هذا الأمر وتحرّ عنه. اكتبه. ألفين إلى ثلاثة آلاف كلمة في بضع ساعات ليست بالأمر الصعب. لا تدع الناس يتدخلون. اركلهم خارجًا، أغلق الهاتف، اختبئ بعيدًا. إذا أخذت قصة قصيرة معك إلى اليوم التالي، فقد تفكّر بشيءٍ حيالها بين عشية وضحاها، وتحاول أن تجعلها مزخرفة أكثر مما ينبغي، أو تحاول إرضاء شخصٍ ما.

 أما الرواية، ففيها كل أنواع المزالق، لأنها تأخذ وقتا أطول وأنت تدور حولها. وإذا لم تكن حذرًا فسوف تتحدث عنها. وأيضا، من الصعب كتابة الرواية من ناحية إبقاء محبّتك كثيفة. من الصعب أن تبقى منتشيا لمئتي يوم. إذن.. أخرِج الحقيقة الكبيرة أولا. إذا أخرجت الحقيقة الكبيرة، فإن الحقائق الصغيرة ستتراكم حولها. دعها تنجذب إليها مغناطيسيا، تتجه إليها، ومن ثم تتشبث بها.

 هل من مشكلات محددة واجهتها مع أيٍ من رواياتك؟

 في رواية (فهرنهايت 451)، جاءني “مونتاغ” وقال لي: إنني أفقد صوابي. قلتُ له: ما الخطب يا مونتاغ؟ قال: كنت أحرقُ الكتب. قلتُ: حسنا، ألا ترغب بذلك بعد الآن؟ قال: لا، أنا أحبُّها. فقلتُ: اذهب وافعل شيئًا بهذا الشأن. فكتبَ لي الكتاب في تسعة أيام.

هل تحافظ على جدولٍ زمنيّ ضيّق؟

 شغفي يأخذني إلى الآلة الكاتبة في كلّ يومٍ من حياتي. وقد أخذني إلى هناك مذ كنت في الثانية عشرة من عمري. لذا.. لستُ مضطرا لأن أقلق بشأن الجدول الزمني. دائمًا هناك شيءٌ جديد ينفجر في داخلي، وهو الذي يجدولني. أنا لا أجدوله. إنه يقول: اذهب إلى الآلة الكاتبة الآن وأنهِ الأمر.

 أين تنجز كتاباتك؟

 أستطيع أن أعمل في أيّ مكان. لقد كتبتُ في غرف النوم وغرف المعيشة عندما كنتُ يافعًا مع والديّ وأخي في بيتٍ صغير في لوس أنجلوس. لقد عملتُ على آلتي الكاتبة في غرفة المعيشة، بوجود الراديو، وأمي وأبي وأخي يتحدثون في نفس الوقت. ولاحقًا، عندما أردت أن أكتب (فهرنهايت 451) ذهبت إلى جامعة كاليفورنيا وعثرتُ على غرفة طباعة في السرداب. إذا أدخلت في الآلة الكاتبة 10 سنتات، تشتري نصف ساعة من وقت الطباعة.

 هل استخدمت الكمبيوتر؟

 لحين إصابتي بالجلطة، كتبتُ على الآلة الكاتبة طراز IBM سيليكترك. لم أكتب على الكمبيوتر أبدًا. الكمبيوتر هو آلة كاتبة، لماذا أحتاج إلى آلة كاتبة أخرى؟ لديّ واحدة.

غالبية الناس يرون بأن الكمبيوتر يجعل عملية المراجعة أسهل بكثير. بالإضافة إلى التدقيق الإملائي..

 إنني أكتبُ منذ سبعين عامًا، إن لم أكن قادرًا على التهجئة الإملائية الآن فـ ..

 أستطيع أن أعمل في أيّ مكان.

أستطيع أن أعمل في أيّ مكان.

هل تحتفظ بدفتر؟

لا. بمجرد ما أحصل على فكرة، أكتب قصة قصيرة، أو أبدأ رواية، أو أنجز قصيدة. وعليه فلا حاجة بي لدفتر. ولكنني أحتفظ بملفات لأفكارٍ لم تنجح في السنة الماضية، في السنوات الخمس الماضية، في السنوات العشر الماضية. أعود إليها لاحقًا وأنظر إلى العناوين. الأمر يشبه أن يعود الطائر الأب ]إلى العش[ بدودة. فأنت تنظر إلى تلك المناقير الجائعة - كل هذه القصص تنتظر أن يتم إنهاؤها - ومع هذا فأنت تقول لها: أيكم يحتاج إلى إطعام؟ أيكم يحتاج أن ينتهي اليوم؟ والقصة التي تصرخ بصوتٍ أعلى، الفكرة التي تقفُ وتفتح فمها، هي التي يتمّ إطعامها. فأسحبها خارج الملف، وأنجزها خلال ساعات قليلة.

 في كتابك (الزِن في فنّ الكتابة) ذكرت بأنك - في عمرٍ مبكرة - صنعتَ قوائم بأسماء، كطريقة لتوليد أفكار للقص: الجرّة، الحوض، البحيرة، الهيكل العظمي. هل ما زلتَ تفعل ذلك؟

ليس كثيرًا، لأنني بتُّ أولّد الأفكار تلقائيًا. ولكن في الأيام الخوالي كنتُ أعرف بأن عليّ أن أحفرَ في عقلي الباطن، وقد فعلتْ (الأسماء) ذلك. تعلمت هذا في وقتٍ مبكّر؛ هناك ثلاثة أشياء في رأسك: أولاً، كل شيءٍ اختبرته منذ يوم ولادتك وحتى الآن؛ كل ثانية، كل ساعة، كل يوم بذاته. ثمّ هناك الكيفية التي تفاعلت فيها مع هذه الأحداث في دقيقة حدوثها، سواء كانت كارثية أو مبهجة. هذان شيئان موجودان في رأسك ويمنحانك مادّة. ثمّ، بمعزلٍ عن تجاربك الحياتية، هناك التجارب الفنية التي اختبرتها، الأشياء التي تعلّمتها من كتّابٍ آخرين، فنانين، شعراء، مخرجي أفلام، وملحّنين. إذن، كل هذا موجودٌ في عقلك، كمهادٍ رائع، عليك أن تقوم بإحضاره خارجًا. كيف تقومُ بذلك؟ أنا قمتُ بذلك عن طريق إعداد قوائم بأسماء، وسألتُ نفسي عما يعنيه كلّ اسم منها. يمكنك أن تذهب الآن وتعدّ قائمتك الخاصّة وستكون مختلفة عن قائمتي؛ الليل، الصراصير، صافرة القطار، السرداب، العلية، حذاء التنس، الألعاب النارية. كل هذه الأشياء شخصيّةٌ جدًا، ثمّ عندما تنتهي من تدوين قائمتك، تبدأ بإقامة علاقة مع تلك الكلمات. تسأل: لماذا دوّنتُ هذه الكلمة؟ ما الذي تعنيهِ بالنسبة لي؟ لماذا دوّنتُ هذا الاسم وليس الاسم الآخر؟ افعل ذلك، وستكون في طريقك لأن تصبح كاتبًا جيّدًا. لا يمكنك أن تكتب لأناسٍ آخرين، لا يمكنك أن تكتب لليمين أو لليسار، لهذا الدين أو ذاك، لهذا المعتقد أو ذاك. عليك أن تكتبَ الطريقة التي ترى فيها الأشياء. أقولُ للناس: اكتبوا قائمة بعشرة أشياء تكرهونها ثم مزقوها في قصة قصيرة أو قصيدة. اكتبوا قائمة بعشرة أشياء تحبونها واحتفلوا بها، عندما كتبتُ (451 فهرنهايت) كرهتُ حرّاق الكتب وأحببتُ المكتبات، وها نحن هنا.

إذا أعددت قائمتك الخاصة بالأسماء، فأين تذهب من هناك؟

 أبدأ بكتابة بعض الأفكار ((pensées عن الأسماء. إنها نثرٌ شعري. إنها استذكار. إنها تحاولُ أن تكون مجازية، سان جون بيرس نشر عدة مجلدات ضخمة من هذا النوع من الشعر على ورق جميل بطباعةٍ جميلة. كان لدواوينه الشعرية عناوين مثل: أمطار، ثلوج، عواصف، علامات البحر. لا يمكنني تحمّل شراء كتبه، لأنها لابدّ وأن تكلّف عشرين إلى ثلاثين دولار - وكان هذا قبل خمسين سنة. ولكنه أثر علي، لأنني قرأتهُ في متجر الكتب، وبدأت أكتبُ فقرات وصفية قصيرة، 200 كلمة للفقرة الواحدة، وفي تلك الفقرات بدأتُ أختبر (أسمائي). ثمّ أحضر بعض الشخصيات لكي تتحدث عن ذلك الاسم، وعن ذلك المكان، وفجأة، صار عندي قصة تحدث. اعتدتُ أن أفعل الشيء نفسه مع فقرات أمزقها من المجلات اللامعة، كنتُ آخذ الفقرات وأكتب قصائد نثرٍ عنها.

 بعض الصور تثيرُ في نفسي أشياء من حياتي الماضية. عندما أنظرُ إلى لوحات إدوارد هوبر، فهي تفعل ذلك بي. لقد رسم لوحات رائعة عن المدن؛ مقاهٍ فارغة، مسارح فارغة بعد منتصف الليل، ربما بوجودِ شخصٍ واحد. الإحساس بالعزلة والوحدة رائع. سوف أنظرُ إلى تلك اللوحات وأملأها من مخيّلتي. لا زال لديّ كل تلك الأفكار. كانت هذه هي بداية استخراج ما كان لي.

 لماذا تفضّلُ القصص القصيرة على الروايات برأيك؟ هل هي مسألة صبر؟ إنهم يدعونه اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط هذه الأيام.

 أعتقدُ بأن هناك بعض الحقيقة في ذلك، حوّل التزامًا ( (Liabilityإلى أصل (Asset). انتباهي ليس هناك، وعليه فأنا أكتب ما أستطيع كتابته: القصص القصيرة.

إذا كانت المسودة الأولى - كما تقولُ غالبًا - هي لا وعيك متحدّثًا للورقة، فهل تقوم بمعالجته ذهنيًا في مرحلة إعادة الكتابة؟

 بالتأكيد. أمضي داخلاً وأقطع. معظم القصص القصيرة هي أطول مما ينبغي، عندما كتبتُ رواية (شيءٌ شرير يأتي من هذا الطريق)، كانت المسودة الأولى تتألف من 150 ألف كلمة، لقد مضيتُ خلالها وتخلصت من 50 ألف كلمة، من المهم ألا تعترض طريقك الخاص، أزل النشارة، والقمامة. اجعلها واضحة.

أنت كاتبٌ سريع، فهل أنت محرّرٌ سريع؟

لا. أنا أكتبُ مسودتي الأولى بسرعة، بعد عدة أيام أقوم بإعادة طباعة النص كاملا، ويقوم لا وعيي، فيمَ أنا أطبع، بإعطائي كلمات جديدة. ربما يتطلب الأمر إعادة الطباعة عدة مرات حتى ينتهي الأمر. أحيانًا يتطلب الأمر قدرا قليلا من المراجعة.

في أي وقتٍ من اليوم تقوم بمعظم كتاباتك؟

إنني أكتبُ طوال الوقت، أنا أستيقظ في الصباح ولا أعرف ما الذي سأفعله. عادة ما يكون لديّ تصور عن الفجر عندما أستيقظ. لديّ هذا الذي أدعوه (مسرح الصباح) داخل رأسي، كل تلك الأصوات تحدّثني. عندما يخترعون استعارة جيدة، أقفز من السرير وأصطادهم قبل أن يختفوا. هذا هو السرُّ كله: أن تفعل الأشياء التي تثيرك. وأيضًا، أنا غالبًا ما آخذ قيلولة، بهذه الطريقة سوف أحصلُ على صباحيْن.

هذا هو السرُّ كله: أن تفعل الأشياء التي تثيرك.

هذا هو السرُّ كله: أن تفعل الأشياء التي تثيرك.

 هل تضع خطوطا عريضة؟

 لا، أبدًا. لا يمكنك أن تفعل ذلك. تمامًا كما أنك لا تستطيع أن تصمم حبكة ليوم الغد، أو للسنة القادمة، أو لما بعد عشر سنوات. عندما تخطط الكتب مسبقًا فأنت تتخلص من كل الطاقة والحيوية فيها، لن يكون هناك دم. يجب أن تعيش ]الكتاب[ يومًا بيوم وأن تسمح لشخوصك بفعل الأشياء.

 هل سبق لك العودة لإعادة قراءة كتبك وقصصك القصيرة؟

 في أحيانٍ كثيرة، في وقتٍ متأخر من الليل، أنزل إلى الطابق السفلي، أفتح أحد كتبي، أقرأ فقرة وأقول "يا إلهي!"، أجلسُ وأبكي لأنني أشعرُ بأنني لستُ مسئولاً عن أي شيءٍ من هذا. إنها من عند الرّب. وأنا ممتنٌ للغاية، ممتنٌ جدًا جدًا.  أفضل وصفٍ لمسيرتي ككاتب هو (في مسرحية في حقول الرّب)، لقد كانت متعة رائعة، وسأكون ملعونًا من أيّ مكانٍ جاءت منه، لقد كنت محظوظًا، محظوظًا جدًا.

 أفترض أنه لا داعي لسؤالك إذا ما كنتَ تستمتع بالكتابة ..

من الواضح أنني أفعل. إنها متعة خلابة، وهي الجنون في حياتي، وأنا لا أفهم الكتّاب ممن عليهم أن يعلموا عليها. أحب أن ألعب، أنا أستمتع باللهو مع الأفكار، أن أقذف بها في الهواء، مثل قصاصات الورق الملون، ثمّ أركض تحتها. إذا كان عليّ أن أعمل عليها فسأتخلى عنها، العمل لا يعجبني.

 هل تكتبُ لقارئٍ مثالي، أم لجمهور معين؟

 في كلّ مرة تكتب لأحد، بغض النظر عمن يكونون، مهما كانت القضية التي تؤمن بها صحيحة، فأنتَ تكذب. شتاينبك هو واحدٌ من عدد قليل من كتاب الثلاثينات ممن لا زال يُقرأ، لأنه لم يكتب لقضايا على الإطلاق. لقد كتب قصصًا إنسانية تمثّل قضايا بشكل غير مباشر، (عناقيد الغضب) وكتبه الأخرى ليست أطروحات سياسية. (451 فهرنهايت) هي بشكلٍ ما أطروحة سياسية، ولكنها ليست كذلك، لأن كلّ ما تقوله، عاطفيًا، هو: ليترك الجميعُ الجميعَ وشأنهم.

هل للأدب، إذن، أية مسئولية اجتماعية؟

ليس بشكلٍ مباشر. يجب أن يكون ذلك من خلال الانعكاس، والمراوغة. يقول نيكوس كازنتزاكيس (عِش للأبد). هذا هو التزامه الاجتماعي، (الأدويسة: منقذو الرّب[ii]) تحتفلُ بالحياة في العالم. أيّ عملٍ عظيم يحقق ذلك لك. كل ما يقوله ديكنز هو: عِش الحياة في قمّة طاقتك. لم يكن إدغار رايس بوروز لينظر لنفسه على أنه ناشط اجتماعي، أو أنه خضّاض بالتزامات اجتماعية. ولكن كما يتضح – وأحب قولها لأنها تضايق الكثيرين بشكلٍ رهيب، بوروز على الأرجح هو الكاتب الأكثر تأثيرًا في تاريخ العالم.

[i] الرواية صادرة باللغة العربية عن دار الساقي، ترجمة: سعيد العظم، الطبعة الأولى 2014، وحائزة على جائزة بوليتزر للعام 2007.
[ii] Ascesis: The Saviors of God، سلسلة تمارين روحية كتبها الروائي والكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس، لم تترجم للغة العربية.

- نشرت في آراء. 

6 يوليو,2014 - takween
كُتب في حياة الكاتب, عن الكتابة, كيف أكتب | الوسوم: | إرسال التعليق

علي الشوك: قصتي مع الكتابة

 كنت أريد أن أكتب اللامكتوب

كنت أريد أن أكتب اللامكتوب

أنت لا تستطيع أن تكتب ما لم تكن لديك خلفية من القراءة. في الغرب يبدأ التلاميذ بقراءة الكلاسيكيات منذ مرحلتي الدراسة المتوسطة والثانوية. ويعدّونهم لممارسة الكتابة منذ هذه المرحلة. أما نحن، ففي أيامنا كنا نقرأ ما يسمى بالمطالعة العربية، فيها مقالات مثل «فتح الأندلس» أو ما الى ذلك. هذه كانت كلاسيكياتنا. وكان درس الإنشاء ربما من أكثر الدروس إملالاً لدى المدرس أو المدرسة، لأنهما لا يحبان أن يضيعا وقتهما في قراءة ما يكتبه التلاميذ. ولعلهما، في أفضل الأحوال، يقرآن أول جملة وآخر جملة.

الإنشاء كان درساً مملاً، وأنا كنت، لذلك، ضعيفاً في هذه المادة. لم أتعلم الكتابة في المدرسة. ولعل هذا كان عيباً أو خللاً عندي. أنا لم أولد صاحب موهبة في الكتابة. لكنني ولدت ولدي استعداد للقراءة! القراءة، وليس الكتابة، كانت موهبتي! أقول ذلك مع إن القراءة متاحة لكل من تعلم الأبجدية. إنما هي معي كانت شيئاً آخر. كانت عندي يوتوبيا، لأنك تقف على أجمل الأشياء من خلال القراءة. وستبقى الكتابة شيئاً مؤجلاً، لأنها لا تضاهي القراءة. لكن القراءة ستبقى أيضاً حافزاً للكتابة. وهذا هو سر العلاقة الديالكتيكية بينهما. فأنت حين تقرأ شيئاً جميلاً ينشأ لديك إحساس بامتلاك هذا الشيء الذي تقرأه. إنه سيصبح شيئاً منك، من كيانك. عندما تقرأ عن رغبة البطل في رواية «المقامر» لدوستويفسكي في تقبيل قدمي البطلة بولين، تشعر ان هذه هي رغبتك، وأن بولين هي بولينك. وأنا عندما قرأت رواية «الأحمر والأسود» لستندال، شعرت أن هذه الرواية هي روايتي، وأن ماتيلد هي المرأة التي تجعل لحياتي معنى. لا أدري كيف أعبر عن ذلك. ماتيلد بقيت من أروع النساء في حياتي، حتى بعد أن دخلت نساء في حياتي نشأ بيني وبينهن حب، وأنا هنا أكاد أذهب الى القول إن القراءة أجمل من الكتابة، لكن مع استدراك.

بالنسبة إلي بدأت أجد لذة في الحياة، منذ دخولي الجامعة، أو ربما قبل ذلك بقليل. كانت مفردات سعادتي: الرياضيات، والموسيقى، والقراءة، والمرأة. الترتيب ليس مهماً هنا. كانت تلك مرحلة الاكتشاف. المرأة كانت بعيدة المنال. كانت نسائي بطلات كتب. من هنا شغفي بالقراءة. دوّختني نساء تورغينيف، لا سيما بطلة «الحب الأول». ودوختني «الراقصة الأندلسية» في قصة أندريه تيرييه، مع أنني كنت أخاف من الراقصات. ومزقتني ليزا بطلة «رسالة من إمرأة مجهولة» لستيفان زفايغ. وحيرتني زينايدا بطلة «قصة رجل مجهول» لأنطون تشيخوف، بسبب ترددها في اتخاذ موقف حاسم من الرجل الذي نذر نفسه لها. ولم أكن قد قرأت بعد رواية «الأحمر والأسود» التي ستصبح روايتي المفضلة على الإطلاق بعد أن تأسرني شخصية بطلتها ماتيلد بسحرها الهائل. وسأنحني أمام براعة ستندال في رسم شخصية أروع بطلة رومانسية. أنا الآن في العام 1947. كانت دراستي تتيح لي الفرصة للقراءة المسعورة. كنت أريد أن أقرأ كل شيء لئلا يفوتني القطار. فهناك مئات وآلاف الكتب تنتظرني قبل أن أجرب حظي مع الكتابة، فأنا لا أعتقد أنني سأكون جاهزاً للكتابة قبل قراءة «رسالة الغفران»، و «كتاب الأغاني» لأبي الفرج، و»الأخوة كارامازوف»، و «آنا كارانينا»… آه، و «الأحمر والأسود».

مع ذلك كنت متعجلاً على ما يبدو. ففي لحظة ما، عندما كنت أتمشى وحدي في حرم جامعة بيروت الأميركية، في يوم من أيام 1947، اتخذت قراراً في أن أصبح كاتباً! أما الرياضيات التي كنت أدرسها، فستكون وسيلة لحصولي على شهادة. وستكون نزهتي في حياتي، ووسيلة لتفرغي للقراءة، ثم الكتابة.

اتخذت هذا القرار وأنا لا أملك زمام اللغة. لقد بدأ زميل لي في الكتابة مذ كان في الصف السادس الابتدائي، وأنا لم أكن قادراً على كتابة إنشاء مقبول. كنت بارعاً في كل شيء عدا الإنشاء. وكنت لا ألحن عند القراءة، بمعنى أنني كنت بارعاً في قواعد اللغة العربية. وهذا كانت وراءه قصة: في أحد دروس المطالعة العربية كان الموضوع الذي تعين علينا أن نقرأه تحت عنوان «فتح الأندلس». جاء في مقدمته: «لما بلغ لذريقَ دنوُ طارقٍ بن زياد». انتبهت فوراً إلى أن كلمة (لذريقَ) مفعول به متقدم، وكلمة (دنو) فاعل متأخر. فاتخذت قراراً منذ تلك اللحظة بألا أقرأ شيئاً، حتى الإعلان، من دون أن أحرك كلماته. وكان هذا قراراً متعباً، لكنه مكنني من أن أتقن قراءتي. لكن هذا القرار لم يعلمني كيف أكتب، بل كيف أقرأ.

وعندما جربت الكتابة لاحظت أن لدي أسلوباً جميلاً، أسلوباً متميزاً، لكن لغتي التعبيرية كانت ضعيفة أو ضعيفة جداً. بدأت أكتب إلى صديق ونحن كلانا نقيم في بغداد. أنا أكتب إليه وهو يقرأ. بدأت رسالتي الأولى باعترافي له بأنني بدأت أغرم بإحدى أخواته. كان لديه أربع أخوات لم يكن متزوجات بعد. وكانت التي أغرمت بها الثانية من حيث تسلسل العمر. كانت تشبه صورة إفروديت في لوحة بوتيشيللي «إفروديت خارجة من القوقعة». وألصقت تلك الصورة المكبرة على جدار غرفتي. قلت له أنا لم أستطع النوم بعد أن رأيتها. وكتبت إليه أشياء أخرى، ربما عن مشاريعي في الكتابة. كان هو طبيباً ومتحرراً جداً في أفكاره. قال لي هناك مشكلة لأن والديَّ لن يفكرا في زواجها قبل أختها الأكبر. وبقيت أكتب إليه، وأصبح هو قارئي الوحيد، فأنا لست في حاجة إلى قراء آخرين، ما دام هو أخا إفروديت. كتبت إليه عشرات الرسائل. وعندما تقرر إرسالها لدراسة الرياضيات في بريطانيا على حساب الدولة، رأيت أن يفاتح أبويه بخطبتي. وهنا ثارت ثائرة أختها الأكبر، التي تعرفني، لأنني تجاوزتها وفضلت عليها أختها الأصغر، والظاهر أن رسائلي إلى أخيها لم تكن في حرز حريز، فحملتها وأعطتها إلى أبيها ليقرأها بعد أن قالت له: «أنظر، أبي، كيف يتغزل فلان بأختي بكل صراحة، وأخي يتقبل ذلك». وانهار كل شيء.

قررت أن أقرأ كتاب «الأغاني» بأجزائه التي تتجاوز العشرين لكي أتحمل محنتي. وكففت عن الكتابة. قصتي مع (ر) كانت دامية جداً للقلب. وكنت أود أن تكون تجربتي الأولى في الكتابة الروائية، لكنني لم أفعل ذلك، لأنني كنت منجرحاً، ولأن القصة أصبحت مكشوفة (وإن في إطارها المحدود). كان ذلك في 1958، عندما بدأت أكتب لغير قارئ واحد. وأصبحت أحد كتاب مجلة «المثقف» المهمين. لكن طريق الكتابة طويل ووعر. نحن كلنا، في عالمنا العربي، لم نكن كتاباً نملأ العين، باستثناء نجيب محفوظ في ثلاثيته وفقط. ليرمنتوف كتب رائعته «بطل من هذا الزمان» وعمره خمسة وعشرون عاماً.

أنا أكتب عن نفسي الآن بعد أن أصبحت كاتباً معروفاً. وأنا أعترف بأنني بقيت على مدى سنوات محدود الإنتاج. كتابة المقالات في الدوريات لا تعني شيئاً. بقيت أسائل نفسي: ماذا أنا؟ كنت قد أصبحت غزير الثقافة، وما زلت أراكم معلوماتي في ذهني وعلى الورق. جمعت معلومات واسعة عن الرواية، بأمل أن أؤلف كتاباً عن الموضوع. تلك كانت عملية التفاف إذ كنت عاجزاً عن كتابة الرواية. لم أكتب هذا المشروع، لأن انقلاب 1963 أحرق كل شيء، بما في ذلك أوراقي وكل ما أحتفظ به من كتابات. وكاد يقضي علي أيضاً، لكنني أمضيت عامين في الاعتقال أحالا حياتي جحيماً. هل ألقي السلاح؟ حاولت الحصول على جواز سفر مزور للسفر الى خارج العراق، ففشلت المحاولة. كان عليّ منعان من السفر. ولم أسترجع أنفاسي إلا بعد سنوات. وتخليت عن كل شيء «طبيعي». وأصبحت أبحث عن اللاطبيعي، بما في ذلك الموسيقى الإلكترونية. وقررت أن أكتب عن الدادائية. وكتبت عنها شيئاً، وذلك بدافع الفضول، لأنني كنت أريد أن أعرف ما هي. واكتشفت أن في آدابنا القديمة أشياء لا تختلف عن «الحماقات» الدادائية. فتطرقت إلى ذكرها.

وفي تلك السنة، 1970، شطحت مخيلتي كثيراً. كنت أريد أن أكتب اللامكتوب. كنت ما أزال أحيا في أجواء الدادائية. قلت فلأكتب شيئاً بلغة الرياضيات، لغة المعادلات والمنحنيات الهندسية. وأتعامل مع الأشياء من خلال مضاداتها، من خلال المنفي آتي بالموجب، وبالعكس. هل أستطيع، مثلاً، أن أحدث انطباعاً منحنياً من خطوط مستقيمة فقط؟ نعم في وسعي ذلك! أستطيع، مثلاً، أن أرسم وجه إنسان من خطوط مستقيمة فقط. ورسمت عينين، وأنفاً، وشفتين، من خطوط مستقيمة فقط. هورا. سأكتب كتاباً من مثل هذه المغامرة. وكتبت «الأطروحة الفنطازية». كانت أجمل من قوس قزح. وكنت في حال غير منقطعة من الضحك. كنت أريد أن أؤلف كتاباً من الضحك بلغة المعادلات. ورحلت الى مملكة اللامكتوب. وصرت أنتقل من شطحة الى أخرى، الى أن وجدتني في مخزن أوروزدي باك. (لم أكن أعلم يومذاك أن كلمة أوروزدي باك من الإنكليزية our day’s bag). كانت جولتي في مخزن أوروزدي باك أجمل شطحة من شطحات حياتي، لا سيما بعد دخولي الجناح الميتاأوروزديباكي، حيث استحال كل شيء الى «meta». كنت أريد أن لا أكف عن الضحك. الصور كانت تتلاحق. في الجناح الأوروزديباكي كان كل شيء طبيعياً، ربما باستثناء الكلمات المائلة. أما في الجناح الميتاأوروزديباكي فقد أصبح كل شيء ينتمي الى عالم آخر. المرأة التي ألفيتها تعلك بإيقاع المتدارك (من أوزان الشعر)، صارت تعلك بإيقاع الميتامتدارك في الجناح الميتاأوروزديباكي. كنت أريد أن ألبد في مخزن أوروزديباك إلى الأبد، لأهرب من آيديولوجيا الواقع، لكنني لم أستطع سوى أن أكتب كتاب «الأطروحة الفنطازية»، الذي قرأ أدونيس مخطوطته بسرور. كنت أريد أن أشير فقط إلى معادلة الابتسامة قبل أن أودع هذا الكتاب، لكن الجريدة لا تحبذ التعاطي بلغة المعادلات.

ولأنك لا تستطيع أن تكتب أكثر من أطروحة فنطازية واحدة، فقد تعين عليّ أن أعود فأكتب بلغة المكتوب. والآن إلى ملكوت اللغة. سأعترف بأن دراستي الجامعية هي التي قررت مصيري ككاتب، وليس كمهندس كما أريد لي. فالدكتور أنيس فريحة الذي درّسنا التأريخ الإسلامي باللغة الإنكليزية، هو الذي غرس فيّ الرغبة في اشتقاق الكلمات. وهذا في الإطار الأكاديمي يتطلب أن تتعلم اللغات القديمة. لكنني اكتفيت بالتعامل مع القواميس. وتوصلت إلى أشياء ظريفة جداً. أرجعت الهللويا في الغناء الكنسي إلى تهليلة «ألالو» السومرية، وربطتها بتهليلة الزغرودة في ممارساتنا الشعبية. وتوصلت إلى أشياء كثيرة في هذا الحقل، نُشرت في كتب. وكان في ودي أن أشير إلى الألفاظ الدالة على النخلة، مثلاً، في عربيتنا، واللغات السامية الأخرى، وحتى السومرية، لكنني لا أستطيع الاستطراد في هذه الكلمة. (يمكن الرجوع إلى ذلك في كتابي «جولة في أقاليم اللغة والأسطورة»).

على أنني سأذكر قصتي مع عالم اللغات الذي طلقته إلى غير رجعة. لقد استدرجني هذا العالم كما تستدرج السعلاة الرجال إلى أعماق النهر. انصرفت إلى هذا الموضوع زهاء ربع قرن. ثم تركته على حين فجأة، لأن جهدي لن يُعترف به. لقد توصلت إلى بعض النتائج من خلال عملي والتي كنت مقتنعاً بأنها ربما كانت صحيحة. لكن من سيعيرها قلامة ظفر؟ كانت الأبحاث حول أصل الأقوام الهندية-الأوروبية ترجع بهم إلى الألف الرابع ق.م. وكنت أنا أميل إلى الاعتقاد بوجود صلة قربى بين الأقوام الهندية- الأوروبية والأقوام السامية. هذا الرأي يستند إلى العامل الزراعي، وبالذات الحنطة التي وجدت في الهلال الخصيب قبل عشرة آلاف سنة. وكتبت دراسة في التسعينات تحت عنوان «هل كان الوطن الأم للأقوام الهندية- الأوروبية في شمال وادي الرافدين؟» ثم توقفت هنا عن مواصلة اهتماماتي هذه لأن أوراق اعتمادي لا تزكيني كواحد من أبناء الجالية اللغوية… ثم قرأت أخيراً خبراً في الإنترنت جاء فيه :»معظم البريطانيين والإرلنديين تحدروا من فلاحين ذكور تركوا العراق وسورية قبل عشرة آلاف سنة». فأنا لم أتكلم عن هوى. لكنني تركت اهتماماتي اللغوية، لأنصرف إلى الموسيقى والفيزياء. وأنجزت كتابين في الموسيقى، وكتابين في الفيزياء. (لكن ابنتي رباب قالت لي إنها لم تفهم شيئاً من كتاب «أسرار الموسيقى»!).

ثم جاء موسم الرواية. كانت دنياي الروائية ممحلة طوال كل تلك السنين، ثم هطلت عليّ سيول الرواية على حين فجأة. اتركوني، إذاً، مع الرواية، حتى لو كتبتها لنفسي فقط. ولعل هذا انطباع كثير من القراء. لا ضير. لكنني أريد أن أكتب عملاً روائياً متألقاً. عملاً واحداً متألقاً يكفي. ودخلت في دورة من التجريب. لكن النقاد (كانوا) يتحدثون عن الأبطال النموذجيين في الرواية (المتميزة)، مثل جوليان سوريل في رواية «الأحمر والأسود». فهل الفتاة المتألقة جداً في مادة الفيزياء شخصية نموذجية؟ أنا لا أستطيع أن أختلق شخصية نسائية مذهلة في جنونها الرومانسي، كماتيلد. فلجأت إلى الفيزياء، والجمال أيضاً. كل البطلات المذهلات جميلات. وكتبت رواية «فتاة من طراز خاص». وبكيت لمحنتها النفسية عندما «خانت» شريك حياتها مع صديق لها ولشريك حياتها. لكن الرواية مرت ولم تترك أثراً، سوى أنها أذهلت أخي وابنتي زينب. وتمنى أخي لو تترجم إلى لغة أجنبية.

طيب، ما زال في القوس منزع. وأنا لا أزال أريد أن أكتب عن المرأة كقوة هائلة في سحر جمالها. هذا الموضوع شغل بالي منذ أن قرأت رواية «تاييس» لأناتول فرانس، التي ذكر فيها أن الجمال أكبر قوة على وجه الأرض. المرأة تدوخ، الجميلة طبعاً. وسيزداد سحرها إذا كانت راقصة. لكنني لن ألجأ إلى الرقص، الآن، لأنني لم أرد أن أصبح ذكورياً فأجعل من المرأة ساحرة تذهب بعقول الرجال، بل إنها هي أيضاً يمكن أن يصرعها الرجل. وكتبت رواية «تمارا»، أكدت فيها أن المرأة هنا كانت صارعة ومصروعة. وأظهرت فيها أن الحب أخطر قوة على وجه الأرض. ونُشرت هذه الرواية. لكنني اكتشفت أنني جعلت المرأة أكثر انسحاقاً أمام الرجل. وهذا لم أرده. فقررت أن أكتب العمل من جديد في صيغة ثانية أنتصر فيها للمرأة. وأنا أصبحت قادراً على أن أتوسع في هذا الموضوع. وسأبقى أضرب على وتر مَنْ الأقوى في الساحة، المرأة أم الرجل؟ ودخل في روعي أنني سأكتب الرواية التي كنت أحلم في كتابتها.

هناك إمرأة، وهناك رجل. إمرأة أمام رجال. هذا هو مشروعي الجديد. أردت أن أعود إلى مقولة أناتول فرانس، لكن في إطار آخر. عند أناتول فرانس يتحول القديس الذي دوخته تاييس إلى مسخ. وتتطهر هي بتحولها إلى قديسة. أنا لا تهمني هذه الخلفية أو الثقافة المسيحية، مع إعجابي الكبير بها، أنا أردت أن تبقى تمارا شامخة، وتنتصر على الرجال حتى في سقوطها. وفي فترة سقوطها تتعلم فن الرقص الشرقي وتصبح أعظم فنانة في العالم. لكن تمارا، التي انتصرت على الرجال، لم يهدأ لها بال، لأنها مارست السقوط يوماً ما. ولم يهدأ بالي أنا أيضاً. يا إلهي، كيف أعالج هذه المشكلة التي ستنال من قدر تمارا في آخر المطاف، مع أنني أردت لها أن تبقى شامخة؟ بعد أن أنهيت كتابة الرواية، وسأعترف بأنها جاءت ملبية لطموحي، رحت أكتب خاتمة في إثر خاتمة لكي أرد الاعتبار إلى تمارا التي ظلمتها، مع أنني كنت أريد لها الرفعة. ومن بين الحلول جعلتها تبتلى بداء الكآبة، لكنني لم أقتنع تماماً بذلك. وقبل أيام وجدت أمامي حلاً مذهلاً لهذه المعضلة. فتبنيته، وأنهيت الرواية. سيكون عنوانها «فرس البراري».

- الحياة. 

3 يوليو,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | إرسال التعليق

كيرت فونغيت: الكتّاب ليسوا هامشيين

لم أفهم إلا مجدداً أن الكُتّاب ليسوا هامشيين نسبةً إلى المجتمع

لم أفهم إلا مجدداً أن الكُتّاب ليسوا هامشيين نسبةً إلى المجتمع

ماريا بوبوفا
ترجمة: سارة أوزترك 

“لَنَا ثقافةٌ فيها من الصِّبا ما يتيح الفُرصةَ لأنْ يُساهَم فيها بأساطيرَ رائعةٍ ستنال القبول.”

إنَّ كيرت فونيجت باقٍ ليس فقط من حيث كونه أحد أكثر الكُتَّاب المُحَبَّبين، بل أيضاً من حيث كونه، إلى حدٍ ما، رجل حكمةٍ حديثٍ، ذو حكمةٍ تتنوع ما بين تَبَصُّره أشكالَ القَصص، وقواعده الثمان للكتابة برُقِيّ، والنصيحة الحياتية التي وجهها لأولاده.

في شهر يونيو من عام ١٩٧٤، بعد مدة قصيرة من نشر فطور الأبطال، وهي قصة “رَجُلَين وحيدَين نحيلَين أبيضَين عجوزَين بَعض الشيء،” جلس والتر جيمس ميلر، مقدم برنامج “روزنامة القارئ” في WNYC، مع الكاتب المشهور لإجراء مقابلة اُستُجلِيَت من قِبَل وليام رودني آلان، محرر الأنطولوجيا العجيبة حوارات مع كيرت فونيجت (المكتبة العامة) التي نُشِرَت في ١٩٨٨.

يتحدث فونيجت مع ميلر في هذه المحادثة واسعة النطاق من سجلات WNYC عن كل شيء من الرواية إلى همنغواي وتوين إلى مسؤولية الكُتَّاب وأصلِ الكَون. أجزاءٌ مُهِمَّةٌ مُكتَتَبَةٌ فيما يلي—تَمَتَّعوا.

عن مسؤولية الكاتب في المجتمع، متطرقاً إلى حكمة ألفِن بروكس وايت الخالدة، وعن كيف يُشكِّلُ اختلاقُ الأساطيرِ المجتمعَ—وذلك أمرٌ من شأنه أن يوقِفَ المرء داعياً إياه إلى التفكير وسْطَ عصر BuzzFeed حيث الأساطير تُختَلَق لتحقيق الأرباح:

“لم أفهم إلا مجدداً أن الكُتّاب ليسوا هامشيين نسبةً إلى المجتمع، أنَّهم، في الحقيقة، يقومون بالتفكير كلّه عنَّا، أننا نكتب أساطيراً وأساطيرُنا تُصَدَّق، أنَّ الأساطير القديمة تُصَدَّق حتى يكتب أحدٌ أسطورةً جديدة.

[. . .]

أعتقد أنَّ على الكُتَّاب أن يكونوا ذوي مسؤولية أكثر مما هم عليه، إذّ خُيِّل إلينا زمناً طويلاً أنَّه لا يهُم ماذا قلنا. إنني أعاني كذلك من فُصام التعديل الأول – هناك الكثير مما أتمنى لو لم يكن دارجاً ومُتَدَاوَلاً. أعتقد أنه يوجد الكثير من المواد المؤذية فيما هو مُتداوَل… أعتقدُ أنَّ إقرار الكُتَّاب بأنهم خَلّاقوا أساطيرَ يُعَدُّ بدايةً لهم وأنهم إذا ما قُرِئت كتاباتُهم على نطاقٍ واسع، سيكون لهم تأثيراً سيستمر سنينَ عَدَداً - لا أظن أن هناك وعياً قوياً بذلك حالياً، ولَنَا ثقافةٌ فيها من الصِّبا ما يتيح الفُرصةَ لأنْ يُساهَم فيها بأساطيرَ رائعةٍ ستنال القبول.

نشرت في آراء. 

2 يوليو,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | إرسال التعليق

محمد بنيس: دهشة القراءة، مستحيل الكتابة

الكتابة لا تأتي إلا من الكلام الذي يخترق الجسد ويستبد به.

الكتابة لا تأتي إلا من الكلام الذي يخترق الجسد ويستبد به.

1.

لم ينقض وقت طويل عليّ في المدرسة الابتدائية حتى انفتح لي عالم القراءة. كانت القصص طريقي. كان بعضها في مكتبة القسم بمدرسة العدوة، وبعضها كنت أشتريه من بائعي الكتب المعروضة على الأرض، بمحاذاة جامع القرويين، أو أتبادلها مع رفاق.

شغف القراءة كان متواصلا. لا أكاد أنتهي من قراءة قصة حتى أفتش حولي عن القصة الموالية. كتب قصص الأطفال كان وافداً جديداً على مدينة فاس. كنت أول من يقرأ هذا النوع من الكتب في البيت. أختي الكبرى لم تدخل المدرسة. أبي كان تاجراً صغيراً، يصنع ويبيع الملابس التقليدية، أشهرها الجابادور والبدعية، في القيسارية. وعمي كان يحب الأغاني المصرية لعبد الوهاب وفريد الأطرش. غالباً ما كنت أنصرف لقراءة القصص فيما كنت معتنياً بدروسي أشد العناية. كانت جدتي تحب أن تروي لي قصصاً كلما وجدتني قريباً منها، حيث كانت تستهويني عوالم الشخوص العجيبة التي تنتهي حكاياتها بحكمة ضمنية. وفي فترات محددة من كل سنة، كان البيت يعيش طقوس الحفلات الدينية، التي تتردد فيها قراءة القرآن والأمداح النبوية والموسيقى والجذبة.

ولا أدري بالضبط كيف انتقلت من قراءة هذه القصص إلى قراءة الدواوين الشعرية والكتب. ما أحتفظ به في الذاكرة هو اكتشافي لدواوين الشعراء العرب، لدى بائع الكتب، بمحاذاة جامع القرويين أو مكتباتها المجاورة في رحبة القيس. دواوين قليلة، من بينها ديوان المتنبي وديوان الشابي، أو بعض كتب مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران خليل جبران، التي كان بعض رفاقي يقرأونها. حينما كنت أقرأ هذه الدواوين والكتب كنت أحس، في الأعمال الحديثة منها، بما يكلمني فيها ويدهشني. لغة قريبة من حياتي ومن أحاسيسي وتخيلاتي. وفي الدواوين القديمة التي أصحبت أتوفر عليها، مثل المعلقات السبع ودواوين أبي نواس وأبي تمام والبحتري، كنت أتفاعل مع مقاطع يمتزج فيها صوت الشاعر بصوت الكون أو صوت العالم. ثم مع الدواوين مجتمعة برز ما يحيرني في الشعر. كلام مرتب بطريقة توقد في أعماقي لهيب النشوة. هذه الكتب الجديدة كانت تختلف عما كنت قرأته في القرآن، قبل التحاقي بالمدرسة الحكومية، وأنا صغير في الكُتاب، حيث كان جهدي منصباً على حفظ الأحزاب، واحداً تلو الآخر، دون شرح من طرف الفقيه فيتعذر عليّ فهمُ ما أقرأ وأحفظ، كما كان يستحيل علي أن أربط بين التعلم والفهم. كلمات النار والعذاب كانت تخيفني. وما كان يعجبني يكاد يقتصر على كلمات في القصص، مثل قصة يوسف. وفي آيات وسور كنت أترك أنفاسي تنساب مع رنين الكلمات.

في السنوات الأولى من ثانوية بن كيران، عثرت على كتاب ‘هكذا تكلم زرادشت’ لنيتشه، بترجمة فيليكس فارس وتقديم توفيق الحكيم. عندما قرأت هذا الكتاب شعرت، على نحو خاص، بارتجاج في صدري. كتاب نثري بنبرة مكثفة وجامحة. كل ما كان يمكن أن يخطر على ذهني وجدته في هذا الكتاب، بلغة تمس أبعد ما لا أستطيع التفكير فيه أو التعبير عنه. كلمة فيلسوف لم أكن أفهمها. لكن الكتاب كان غريباً عما كنت قرأت. ولغته النقدية جاءت في وقت كنت غاضباً على ما حولي، من قيم وعادات مجتمع فاس. وما زلت أعتقد أن هذا الكتاب كان دليلي، الذي لا يقارن بأي كتاب سابق عليه، في تكوين قوة الاختراق في أعماقي. مقاطع من الكتاب قرأتها وأعدت القراءة مرات. فلا يلي القراءة سوى الصمت والذهول.

لم أكن في تلك القراءات أتخيل أنني سأكتب ذات يوم شيئاً ينتمي إلى ما أقرأ. كانت الرياضيات فتنة حياتي المدرسية. أما القراءات فكانت امتداداً لحرية الخيال أو حباً لمعرفة أعمق بما يرد على ذهني وشعوري عن الحياة والموت. لم يكن ثمة من تعارض أو صراع بين عالمين، عالم الرياضيات وعالم الأدب والشعر. لكن كل شيء تبدل حينما عثرت ذات يوم على يدي تكتب بغير إرادة مني ولا اختيار. حدث ذلك سنة 1964. عندها كنت أخذت في قراءة دواوين الشعراء المعاصرين، في مقدمتهم بدر شاكر السياب، وخاصة ديوانه ‘أنشودة المطر’، ثم في متابعة عذابات مرضه، من خلال مجلة ‘حوار’. من هنا بدأ كل شيء في حياتي يميل نحو الشعر. شيئاً فشيئاً تضاءل ذلك العشق للرياضيات، وحلت محله متعة الكتابة.

2.

هكذا كان إقبالي على الكتابة بسبب استمرارية القراءة وعدم الانقطاع عنها. لكن ذلك لم يكن كافياً، لأن الكتابة لا تأتي إلا من الكلام الذي يخترق الجسد ويستبد به. ويحسن بي هنا أن أبتعد عن الوثوق في العلاقة الحتمية بين القراءة والكتابة. كثيرون ممن يقرأون أفضل مني لا يكتبون. إن ما اخترق جسدي واستبد به من أصوات ما قرأت وما سمعت هو الذي أمرني بالكتابة. وربما كان حدثُ الانتقال من القراءة إلى الكتابة عصياً على التحليل. غالباً ما أعجز عن فهم ما وقع لي آنذاك، وأنا أمد يدي إلى صفحة على دفتر صغير وأكتب، دون أن يعلم بذلك في البداية أحد. ممارسة في سرية تامة. هي كتابة لا أعرف ما الذي حرضني على الاستمرار فيها، طيلة هذه السنوات. فلا عائلتي كانت مهيأة لتعرف معنى ما أقدمت عليه وانخرطت فيه. ولا مجتمع الأصدقاء كان متشوقاً إلى قراءة ما أكتب. شخص واحد كان قريباً مني هو الشاعر محمد الخمار الكنوني. عندما أطلعته على قصائدي الأولى لا زمني بعنايته. فتح لي قلبه ومنحني كلماته. شجعني، وجهني وعلمني.

ما تلقيته من محمد الخمار الكنوني لم يكن قصيدته. لأنه كان، آنذاك، يبحث عن قصيدة يغادر بها قصائده الرومانسية. كذلك كان الأمر مع الشاعر محمد السرغيني أو الشاعر أحمد المجاطي. فالشعر المعاصر في تلك المرحلة، أي بين 1964 و1965، كان مجرد أصداء غامضة بين الشعراء المغاربة. لذلك كان أعز ما تعلمته من محمد الخمار الكنوني هو حبه للشعر والمعمار والفنون التشكيلية والموسيقى الكلاسيكية. أو ثقافة العزلة والبحث الصعب عن القصيدة والثقافة المغربية القديمة وغربة الأدب المغربي الحديث. أو شغفه بجمالية الخط والنطق المتأني بالكلمات وملازمة المعاجم وكتب اللغة والنقد. أما قصيدته المعاصرة فلم يكتبها إلا لاحقاً، بعد حوالي سنتين. وبالنسبة للصحافة الأدبية المغربية، مثل ‘العلم الثقافي’، ومجلة ‘آفاق’ أو مجلة ‘أقلام’، لم تظهر فيها قصائد مغربية معاصرة إلا في سنة 1964، بل لم يبدأ القارئ المغربي ينتبه لها إلا ابتداء من 1967. أما الدواوين فلم يكن يخطر وجودها على بال أحد.

على هذا النحو كنت شديد التعلق بالشعر العربي المعاصر، في كل من العراق ولبنان ومصر. بدر شاكر السياب، خليل حاوي، صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي أصبحوا في طليعة شعرائي المفضلين بالعربية. وفي 1966 تعرفت على شعر أدونيـس، الذي جسد لي المغامرة القصوى في التجربة الشعرية العربية المعاصرة. وإلى جانبهم كنت، بصحبة أصدقائي المطلعين بالفرنسية على الشعر الفرنسي الحديث، أخذت أتعرف على بودلير ورامبو وفرلين وملارمي، أو أكتشف ريلكه وهلدرلين. شعراء غربيون آخرون كانوا بدأوا يدخلون إلى حياتي، من بينهم ت. س. إليوت، الذي كان أيقونة الشعراء التموزيين في الشرق الأوسط، أو فدريكو غارسيا لوركا وبول إيلوار وبابلو نيرودا وقسطنطين كفافي.

هكذا أصبح هؤلاء الشعراء أقرب من يعلمني كتابة القصيدة. ولو لم يكن ما هو أقوى من القراءة ما كنت كتبت، ولا كنت خلوت بنفسي، لأتعلم، عبر سنوات من الإنصات إلى صوت القصيدة وهو يتشكل في ناحية مَا من جسدي. إنه مستحيل الكتابة أقول. أسميه المستحيل لأنني كلما تأملت وجدتني في ارتباط مع دهشة القراءة. لم تكن تتخلى عني هذه الدهشة. هي ما يتوالى مرحلة بعد مرحلة. وفي كل مرحلة كانت الكتابة تبدو لي أبعدَ وأنأى. كنت أقرأ بدون توقف. أقرأ في الليل والنهار. في السفر والإقامة. في أيام الدراسة والعطل. أقرأ وأنا لا أعلم أن عائلتي أصحبت متيقنة من أنني مجنون، أكاد لا أكلم أحداً ولا أحد يجرؤ على أن يكلمني. صمتي أعز من كل كلام مع الآخرين. أغلق باب غرفتي وأقرأ كما لو كنت أقبل على جلسة مع معلمين وأصدقاء، من ثقافات ولغات، يفدون على البيت تباعاً ولا يراهم سواي. أحافظ على موعد اللقاء بهم، ومعهم وحدهم أتبادل الكلام. أحرص على قراءة ما صدر ويصدر عن دور النشر في المشرق أو في فرنسا، مما أصبحت أدرك أنه يفيدني. بل تعلمت أن أتجنب ما لا يفيد. فأنا لم أكن أطمح إلى قراءة كل شيء، ولا أن تكون ثقافتي موسوعية، أستعرضها أمام الآخرين في مناسبات. لم يكن ذلك همي.

.. وفي كل مرحلة كانت الكتابة تبدو لي أبعدَ وأنأى

.. وفي كل مرحلة كانت الكتابة تبدو لي أبعدَ وأنأى

3.

من أعمال هؤلاء الشعراء والكتاب شرعت مكتبتي الصغيرة في الاتساع. كان المعلم عبد المجيد، وهو نجار كان يسكن بجوار بيتنا، أول من صنع لي مكتبة. حجم صغير. ثلاثة رفوف. والخارج بلون بني غامق. تلك أول مكتبة تدخل إلى بيت العائلة. لم يكن أبي يعرف ما أقرأ. جدتي هي التي كانت تلبي رغبتي في شراء الكتب. وبعد فترة قصيرة ضاقت المكتبة عن الكتب. فبادرت إلى شراء مكتبة أكبر، مكونة من جزئين. اشتريتها بنفسي من سوق الأثاث بالملاح. مكتبة مستعملة من طرف أجانب، لأن شكلها لم يكن ممّا كان موروثاً عن المغاربة القدماء. وفي كل مرحلة تتسع المكتبة، بعد أن تتكدس الكتب، ولا أجد أين أصفها. مع ذلك أشكو دائماً من قلة الكتب التي أتوفر عليها. هذه المكتبة أصبحت بيتي، مدينتي وعالمي الشخصي. هي الأكبر والأفسح. هي مكان الفرح والجمال والحلم والحرية. هي أقصى ما أحب أن أملك.

أشتري الكتب وأشتري الكتب. أحرص على الطبعات المتعددة للكتاب الواحد. وعندما تصدر طبعة أنيقة لكتاب عزيز على نفسي لا أتردد في شرائها، إنْ كان ذلك ممكناً. أعشق جمال الكتاب: الغلاف، الورق، الحروف، المسافة بين السطور، الهامش. كل كتاب جميل هو، بالنسبة لي، كتاب مقدس. ألمسه بانتباه، بخشوع وتبجيل. خدشة واحدة تؤلمني رؤيتها. هذا الصنف من الكتب من حق كل شخص عاشق للقراءة، كنت أقول في نفسي. وعندما أحصل على مثل هذه الكتب أشعر بأني أصبحت أملك أغلى شيء في الحياة، لا يساويه غنى أي شيء آخر، مهما كان. وعلى هذا النحو أصبحت لي، منذ أواسط الستينيات، زيارة شبه أسبوعية لمكتبيين، في الطالعة الصغيرة. منهم من تعود على اختياراتي من الكتب الحديثة والقديمة. يحتفظ لي بعناوين حتى أزوره. وكان يثق بي. عندما كان مجموع ثمن الكتب لا يتوفر لدي كنت أدفع ما عندي، والباقي يسجله المكتبي في دفتر الديون.

بمجرد العودة إلى المنزل، ألقي نظرة على فهرس القصائد والموضوعات، أو أقرأ التقديم إلى جانب الفهرس. أبادر بقراءة الدواوين. أما الكتب الأخرى فأنتقي منها ما أقرأ بدون تأخير. والباقي أتركه ينتظر دوره. قد يحل بعد فترة قصيرة وقد ينتظر لشهور. فأنا لا أشتري فقط ما أقرأ على الفور. تلك العادة هي عادتي حتى اليوم. كتب قرأتها مرات وأخرى تنتظر وقتها. لا أدري متى. كما أن هناك كتباً أعيد قراءتها لمرات. وأخرى أقرأها مرة واحدة. بل هناك كتب أتخلى عن متابعة قراءتها عندما يتضح لي أنني تسرعت في شرائها، أو أن الكاتب خيّب ظني. وعندما يتبين لي أني أخطأت في الحكم على كتاب أستدرك الخطأ وأعتذر مع نفسي للمؤلف.

على أن السنوات اللاحقة من التكوين علمتني أن أعمال بعض المؤلفين لها الأسبقية. وما زلت أذكر منها على الخصوص أعمال أدونيس، رولان بارط، جاك ديريدا، أنطونان أرطو، عبد الكبير الخطيبي، فردريك نيتشه، جورج باطاي، المتنبي، باشو، عبد الله العروي، إدوارد سعيد، رامبو، سرفانتيس، فرنسيس بونج، أبو نواس، فردريك هلدرلين، ستيفان ملارمي، ت. س. إليوت، مارتن هيدغر، أبو تمام، بول تسيلان، روبرتو خواروز، ابن عربي، هنري ميشونيك، إزرا باوند، برنار نويل، راينا ماريا ريلكه، دانتي، أبو العلاء المعري، أنطونيو غامونيدا. أسماء تظل في مقدمة المعلمين الكبار. إليهم يعود تكويني. وفضلهم عليّ أذكره برعشة من يتواصل عطشُه، مهما شرب وارتوى. فلا يكاد يصدر لأحدهم كتاب جديد (أو طبعة جديدة أو ترجمة) إلا وأبذل كل مجهود للحصول عليه والشروع فوراً في قراءته. وتزداد حسرتي كلما تعذر عليّ قراءة الأعمال الكاملة لأحد هؤلاء المعلمين. من بينهم من أختار له أعمالاً دون سواها، لأن قراءة الأعمال الكاملة لبعض الكتاب تتطلب زمناً أطول مما يمكن أن أعيش. بل تعلمت أن هناك أعمالاً لا يمكن قراءتها إلا في فترة محددة من الحياة، فإذا مضت الفترة ضاعت إلى الأبد فرصة القراءة. وأنظر إلى أعمال أخرى فأقول إنها لزمن لاحق، ولا أدري متى سيحين موعدها. وتبقى المعاجم الكتب التي لا تشيخ. هي دائماً معي. وبالدهشة نفسها أعود لأقرأ وأتعلم منها، لأنها الذاكرة الكلية. فالكلمات نوافذ تشرف على عوالم لا وجود لها بدون الكلمات، من الأشياء والكائنات إلى الأحوال. وكثيراً ما أتألم لأن العربية لا تتوفر على معاجم العربية الحديثة.

في مكتبتي ألتقي بمن أريد من المؤلفين، وفي أي وقت أشاء. لا تبعدني عنهم حدود جغرافية أو لغوية أو سياسية. بحرية يتم اللقاء. اليوم وما بعده. أحياناً آخذ مكاناً وأشرع في قراءة متواصلة. وعندما يستولي عليّ التعب، تعب العينين أو تعب الظهر، أضع الكتاب بجانبي وأستريح. أغمض العينين. أتنفس. أو أقوم وأفتح النافذة. أطل على الحديقة وأنظر إلى زرقة السماء وضوئها. أشاهد المارين. أسمع هدير السيارات. وفي أعماقي أسمع أصوات ما قرأت. أحياناً أصبر على قراءة كتب صعبة، شعرية أو فلسفية أو لغوية أو علمية أو صوفية. فالقراءة تتطلب صبر الناسكين، الذين لا يحيدون عن متابعة طريقهم في قراءة ما يجب أن يقرأوا.

عندما كنت مراهقاً، كنت أسهر الليل كله. تهيئ لي جدتي إبريق القهوة حتى أتغلبَ على النوم. أحياناً أقرأ الديوان مرات في ليلة واحدة. وفي كل مرة تعود الدهشة من جديد أو تتصاعد كأنما هي الرعد. وأنا، في ما أقرأ وأسمع، أراني أقطع المحيطات والصحارى التي فصلتني عن القراءة في صباي. مرات كنت أتركني أضيع. كنت أدرك أن ما أقرأ غريب عن ثقافتي اليومية، في الثانوية وفي المجتمع. ودهشة القراءة تجلجل في دواخلي. بمثل هذه اللغة يجب أن أكتب، أسر في نفسي. كان الصمت غالباً ما يدركني وأنا أقرأ أعمالاً استثنائية. من الشعر إلى الفلسفة. من الرواية إلى الفنون. من التاريخ إلى التصوف. من النقد إلى اللغة. معارف وفنون كنت أراها ضرورية لكتابة القصيدة. الفنون التشكيلية والموسيقى والمعمار على الخصوص. لذلك كانت تلك القراءات تتداخل فيما بينها والكتب ينادي بعضها على بعض.

وعندما كنت أعثر على نفسي في دوامة الصراع بين الأفكار والتيارات الأدبية والفنية، أو بين العصور والثقافات، كان الدوار يحتدم في داخلي. وأنا أبصرني منزوع السلاح في هذا البحر الذي لا ساحل له. تستبد بي قصيدة رومانسية فإذا بقصيدة قديمة أو حديثة تدمرني. كنت في مراهقتي أنتصر لتيار شعري أو فني متوهماً أنه نهاية الطريق، نهاية ما كنت أتـخيله موجوداً في كتاب، فإذا بي بعد أيام أكون وجهاً لوجه أمام المستحيل. ما لا ينتهي. ما لا يدرك. ما لا يفصح عن اطمئنان أو قناعة. وفي مرحلة لاحقة، أصبحت، شيئاً فشيئاً، ألازم فنانين تشكيليين، مثل الخليل الغريب، حسن العلوي، محمد القاسمي، أواظب على زيارة المعارض في المغرب والمتاحف وقاعات العرض في الخارج. لا فرق بين قراءة كتاب ومشاهدة عمل تشكيلي، كما لا فرق بينهما وبين حضور حفلات موسيقية وزيارة معالم معمارية.

4.

حالة التعلم رافقتها بالصمت والذهول. سنوات الشباب مرت وأنا بين الدواوين والفنون والمعارف. ألازم المكتبات النادرة في فاس، بين مكتبة القرويين ومكتبة الكلية ومكتبة البطحاء ومكتبة المركز الثقافي الفرنسي ومكتبات بعض الرفاق. بيني وبين رفاق الحي تكونت ألفة، فأصبحنا عصابة من القراء. نتبادل الكتب ونتحادث بشأنها. نناقش الآراء ونستظهر القصائد. نستمع إلى الموسيقى ونقرأ صفحات من كتب. على أنني انفصلت بتلقائية عن العصابة، لأنني أصبحت أميل أكثر إلى كتب لم أكن أريد أن أفرض قراءتها على أحد. اخترت القراءة المنفردة، وفيها ازداد تعلقي بالصمت والعزلة.

وأثناء القراءة أخذت أتبع طريقة أحسست بجاذبيتها التلقائية. أشطب على ما لا أحب في الذي أقرأ. أستبدل كلمة بكلمة. أقرأ بيتاً ثم أستغرق في تعويضه ببيت آخر، أكتبه في ذهني ثم أتركه يتردد في أعماقي لأيام. أضع عملاً في مواجهة عمل آخر. أمحو، أفتق وأرتق. أخيط جملة بجملة. أعبث بمقطع. أنتقى أبياتاً من قصيدة وأهمل الباقي. أكتب في هامش الكتاب تعليقات على ما قرأت فيه. أقارن مقاطع بسواها، وحيناً اكتفي بكتابة الحروف الأولى من عبارة ‘مهم جدا’. طريقة علمتني أن القراءة متاهة لا حدود لها. أو هي ما يمارسه كل قارئ بعلم منه أو بدون علم. تدخّلٌ في المقروء هو إعادة كتابة ما أقرأ، وهو في الآن ذاته تمرين، غيرُ واع دائماً، على ما يجب وما لا يجب في الكتابة.

لكن تلك الطريقة لم تبق مقتصرة على القراءة. فعند الانتقال إلى الكتابة كان شيء، مما يماثل تلك الطريقة، يتحقق فيها. لم أكن أنتبه من قبل. وها أنا أصبح أثناء الكتابة أو بعدها، خلال المراجعة والتصحيح، أجيل النظر في ما فعلت الكتابة بالقراءة، وما فعل المكتوب بالمقروء. إعادة كتابة أعمال الآخرين أو إعادة كتابة ما سبق لي وكتبت. إنه التداخل النصي. أو ما سميته في دراستي الجامعية الأولى بـ’النص الغائب’. أجيل فيه النظر، وأنا لا أتبـيّنه بالضرورة.

 تدخّلٌ في المقروء هو إعادة كتابة ما أقرأ، وهو في الآن ذاته تمرين، غيرُ واع دائماً، على ما يجب وما لا يجب في الكتابة.

تدخّلٌ في المقروء هو إعادة كتابة ما أقرأ، وهو في الآن ذاته تمرين، غيرُ واع دائماً، على ما يجب وما لا يجب في الكتابة.

تلك العلاقة بين ما أكتب وما كتب غيري أو ما كتبت من قبل، هي نفسها التي عرفها تاريخ الثقافة البشرية، منذ علاقة الكتب المقدسة بالملاحم البابلية والآشورية، أو علاقة الكتب السماوية فيما بينها، أو علاقة التفاعل بين معلقات الشعراء العرب في الجاهلية. علاقة هي من صميم فعل الكتابة وإعادة الكتابة. وتملك الثقافة الإنسانية في القديم، كما في الحديث، تعليقات ورصداً ومقارنات، أي ثقافة نقدية لها مكانتها في تاريخ النقد الأدبي عند العرب وسواهم، كما هي متداولة في العصر الحديث، من دانتي وسرفانتيس حتى اليوم. عندما نقترب من هذه العلاقة المركبة نقف على عالم غريب تنسجه النصوص والأعمال والثقافات في ما بينها. عالم سفلي لا يظهر على وجه عمل أو ثقافة إلا بممارسة حفريات لا يتوقف الجدل بشأنها.

5.

كان من الطبيعي أن تكون كتاباتي الأولى مرآة لأعمال شعراء كبار أحب أعمالهم، من حيث انتقاء المعجم، التركيب، الصور، البناء. لا تعني المرآة تقليداً حرفياً لعمل شاعر، كيفما كان. كان ثمة شيء ما في داخلي هو الذي يأمرني بالكتابة. هذا الشيء، الذي كان يستبدّ بي ولم أكن أعرف كيف أحدده، هو البوصلة التي كانت تقودني إلى البحث عن معجم شخصي، عن تراكيب وصور، أو كانت تحثني على البحث عن تركيب وبناء بطريقة مختلفة، لا أحسنَ ولا أسوأ. مختلفة فقط، بما هو أنا، مغربياً قادماً من تاريخ ثقافي، أعيش في زمن ما بعد الاستقلال، وعلى ظهري وشومٌ لا تندثر، لغة وحساسية على السواء.

وكانت كتابة الزمن في قصيدتي نقدية. من أشد ما كان ربطني بالقراءة والكتابة هو نقد الزمن الذي أعيش فيه. رفض زمني من أجل زمن حر، حديث، أتخيله ممكناً ومحتملاً، هو ما كان يحرضني على الكتابة. الشعر والأجناس الأدبية القريبة، كلها كانت تبعث على رفض الزمن مثلما كانت تنفخ في أنفاسي عواصف الحلم بزمن مختلف، متخلص مما يحول دون الحرية والإبداع. لكن مواظبتي على قراءة الشعر العربي القديم والثقافة الإنسانية نبهتني على أن ما يعنيني هو المكان. ففي قراءتي المتكررة للمعلقات انتبهت إلى أن المكان هو الذي يأمر بالكلام. مكان امرئ القيس هو بمعنى ما مكان فاس. وفاس أصبحت مكان النسيان، الفقدان، النقصان والفراغ. وفي المكان يصبح للزمن معنى أبعد مما كنت أتصور في البداية.

منذ السبعينيات من القرن الماضي لمست في نفسي شيئاً مما يمكن أن يكون مستقبل ما أكتب. فاس، التي كنت أنظر إليها من خلال الزمن، تحولت إلى مكان يمتلئ بأصوات الأشباح. وفي الإنصات إلى هذه الأصوات اخترقتـني حالة جذبتـني إليها بعنف، فتركت نفسي تكتب هذيانها. أليس للهذيان هنا معنى الشطح؟ يعيدني هذا إلى تأكيد أن الباعث على الكتابة يفوق دهشة القراءة. شيء شخصي. مستبد. لن أعثر عليه في أعمال الآخرين. هو الشخصي الذي لا ينوب عنه سواه ولا يعوضه.

ثم تعلمت من الشعراء الحديثين، أمثال بودلير ورامبو وملارمي وفرنسيس بونج، ومن شعراء عرب قدماء، كأبي نواس وأبي تمام، أن الكتابة مادية، تبنى بالمواد اللغوية، المتوفرة في زمان ومكان كل كاتب. وأنا، من بين هؤلاء، أكتب من خلال ما أقرأ. هل كنت سأكتب من دون أن أقرأ؟ وهل كنت سأكتب ما كتبت من غير أن أقرأ أعمالاً بعينها؟ أجيب بالنفي على السؤالين معاً. وإذا كنت أجهل سبب الانتقال من القراءة إلى الكتابة، فأنا مدرك أن قراءاتي أصبحت في اللاحق دعامة كتاباتي. ما أقرأ يختفي ويظهر في ما أكتب من شعر ونصوص ودراسات.

تعني هذه الملاحظة كل شيء ولا تعني في الوقت نفسه شيئاً. فإذا كنا، كما يقول بورخيس، نعيد كتابة ما كتبه غيرنا، فإن إعادة الكتابة غير محايدة. ذلك أنها تكون إما مع ما كتب سوانا أو ضده، كما يقول فرنسيس بونج. فأن نكتب مع أو ضد يعني أن إعادة الكتابة تمر عبر اتخاذ موقف مما كتبه سوانا. وفي اتخاذ هذا الموقف تتميز الأعمال عن بعضها. ذلك ما يظهر بدءاً في التفاصيل، ثم يأتي الإمضاء الشخصي الذي يلازم الأعمال الأساسية ويعين حدودها. فما كتبته البشرية ليس واحداً، مهما تراءت لنا العلاقات واضحة بين أعمال وأخرى. ليست الملاحم البابلية والآشورية، كما أسلفت، هي الكتب المقدسة. ويمكن تطبيق هذا النموذج على قائمة لا حصر لها من الأعمال والثقافات. ثم إن هذا التميز هو نفسه يبقى، رغم ذلك، ثانوياً. إذا كانت الكتابة مادية، فهي، في الآن نفسه، كتابة ذات لا تشبه غيرها.

إن الذات في الكتابة عنصر مُحوِّل، فيما هي متحوّلة، ما دامت الذات ليست معطى قبلياً، بل هي في حالة صيرورة لا تتوقف إلا مع الموت. فالدرجة القصوى التي تخترق بها الذات اللغة هي ما يعطي العمل خصيصة الشخصي والاستثنائي، أي ما يتفرد به العمل ويصبح مستقلا بذاته. يكفي القول إن الشعراء الرمزيين، على سبيل المثال، ليسوا نسخة طبق الأصل لعمل شاعر واحد. تجربة الأقاصي، كما هي لدى بودلير، تختلف عما هي عليه لدى رامبو أو ملارمي. وهو الأمر نفسه الذي يتحقق في الأعمال الشعرية الكبرى، في القديم أو الحديث على السواء.

6.

يمكنني، في ضوء هذه التوضيحات التأملية، أن أعرض لمظاهر من العلاقات بين بعض أعمالي الشعرية وأعمال كتبها غيري. ولعل ما أقترح يفيد أكثر في معرفة كيف تعاملت مع أعمال أخرى وكيف تحضر كتابات في كتاباتي.

هناك ‘كتاب الحب’. أصرح في مطلع هذا الكتاب الشعري بأنه يتقاطع مع كتاب ‘طوق الحمامة’ لابن حزم الأندلسي، الذي هو كتاب عن نظريته في الحب، يعرضها المؤلف من خلال الاعتراف بقصص الحب في حياته الشخصية وفي حياة الأندلسيين. يعطي التصريح انطباعاً أولياً بأن ‘كتاب الحب’ نسخة مكررة من كتاب ابن حزم. وهو انطباع سطحي. فما كتبته عبارة عن مستويات من النصوص المتقاطعة، فيها ما يتوافق مع ما كتبه ابن حزم وفيها ما يتعارض معه. نصوص كتبتها ونصوص غيرت فيها ونصوص أدمجتها من خارج ثقافة ابن حزم ومنظوره للحب. وهو، من هنا، عمل مستقل بنفسه، لأنه عمل ذات مختلفة، لها إيقاعها الشخصي، ولها زمنها الخاص ومنظورها النقدي.

ثم هناك ديوان ‘ورقة البهاء’. إنه ديوان لمدينة فاس، التي هي مدينة ميلادي وطفولتي ونشأتي. وقد غادرتها سنة 1972 عندما اخترت للعمل والإقامة مدينة المحمدية، على شاطئ الأطلسي، قريباً من الدار البيضاء، وبسرعة يمكن الوصول منها إلى الرباط. يتألف هذا الديوان من مقاطع ومن صفحات متعددة. في هذا الديوان لازمة تتكرر هي جواب بالنفي على سؤال: هل تؤرخ؟ وفي هذا الجواب يكمن بناء العمل برمته. إنه إعادة كتابة لتاريخ فاس منذ القديم حتى اليوم، ولكنه في الوقت نفسه ليس تأريخياً. فهو خطاب شعري يعيد كتابة حياة مدينة ومصيرها فيما هو تأمل تاريخي الشخصيّ وتاريخ الكون. تأمل يستحضر وثائق تاريخية وحضارية إلى جانب متخيل الثقافة الشعبية ووقائع من السيرة الذاتية. ولأنه ليس تأريخياً، فهو لا يتبع سيرورة الأحداث بل يتبع منعرجات الرغبة. الكتابة، هنا، ممارسة نصية مفتوحة، يظل بناء النص فيها قائماً على وحدة مجهولة الحدود، لا ندركها إلا من خلال الديوان نفسه ومن خلال تدفقها من صفحة إلى صفحة.

أما في دواويني الأولى فقد كان للغة بدر شاكر السياب، ثم لاحقاً لأدونيس، حضور في لغتي الشعرية. كنت أتعلم من هذين الشاعرين الكبيرين كيف أشرع في كتابة قصيدة تنتمي للشعر المعاصر. وكنت في هذا التعلم على غرار ما كان عليه الشاعران نفسهما قبلي وهما يتعلمان من شعراء كبار في زمنهما. أو ما كان عليه جميع الشعراء في جميع عصور الشعر العربي، من الشعر الجاهلي حتى اليوم. أن أتعلم من الكبار هو الدرس الأول. وهو ما جلب علي انتقادات متواصلة من طرف نقاد وشعراء مغاربة. وأفسر حدة هذه الانتقادات بكون الثقافة الشعرية في مغرب الستينيات والسبعينيات كانت جنينية. وأضيف إلى ذلك أن المغاربة لم يكونوا يرتاحون للمغامرين من خارج مجموعاتهم المنغلقة على نفسها، سياسياً وإيديولوجياً. إلا أن جانبها المستعصي على الفهم هو ما يتصل بأحكام مشرقية كانت ولا تزال تصر على أن الشعراء الأندلسيين والمغاربيين ليسوا سوى نسخ باهتة ومشوهة للشعر العربي في المشرق. فالشعراء، المجايلون لي من المشارقة، الذين كانوا يتبعون نفس خطواتي، لم يكونوا يتعرضون لنفس ما أتعرض له من النقد على يد مغاربة ومشارقة في آن.

7.

تلك مسألة كبرى تقربني من شعراء أمريكا اللاتينية، الذين كان الشعراء الإسبان أول معلميهم، أو من شعراء الولايات المتحدة، الذين كان الشعراء الإنجليز مصدرهم الشعري الأول. أكتفي بذكر مختصر لهاتين الثقافتين الشعريتين في عالمنا الحديث. فالتعلم أساس كل ممارسة نصية أو فنية، على غرار تعلم الحِرَف. نقضي زمنا في التعلم، يقصر أو يطول. ولكننا، في لحظة ما، ندرك أننا تعلمنا الضروري، وأن زمن التكوين قد انتهى. حينها نزيل أسرة البناء، كما يقول نيتشه.

كذلك كان بحثي عن قصيدة شخصية لا يتخوف من الإقامة على حدود الخطر. درس تعلمته من الشعراء الكبار، لأنهم وحدهم الذين دلوني على أن الحرية هي أبجدية الكتابة التي لا تصبح شخصية إلا إذا هي تعلمت كيف تصبح مختلفة وسعيدة باختلافها. فالاختلاف السعيد مع المعلمين هو معنى الاعتراف بفضلهم ومعنى الوفاء لهم. بهذا أفهم أن مسؤوليتي عن الوديعة، التي استلمتها منهم، هي أن أسلم اللاحقين قصيدة مختلفة، تترك أفق القصيدة مفتوحاً على مستحيل، حدودُه هي المستحيل. فالتجربة الشعرية الشخصية عنوان مغامرة لا تنتهي. ذلك ما أبحث عنه بحريتي ومعرفتي وأسئلتي وقلقلي وشكوكي. عودتي إلى تجربة الفضاء في الشعر الأندلسي، أو ملاحقة غواية الكتابة في اتجاهات ما يفاجئ ويصدم، أو العمل اللامشروط على ضيافة ثقافات ولغات، أو الإنصات إلى أسئلة الشعر في زمننا، زمن العولمة ونكران الشعر، هي ما يستبد بي في بحث عن قصيدة شخصية تنادي على الغريب. إنها قصيدة في العالم وللعالم، من أجل الصداقة والحرية.

* نص المداخلة التي تمت المشاركة بها، يوم 8 ماي الأخير، في مائدة مستديرة إلى جانب خوان بيدرو (إسبانيا)، كلارا أوسون (إسبانيا)، سلافكو ثوبسيك (فنزويلا)، ضمن الندوة التي نظمها معهد ثيربانتيس بالرباط بين 7 و11 ماي، عن وضعية الكتاب المزدوجة.

2012-05-23
القدس العربي

1 يوليو,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة

دونالد بارثلم: الكتابة هي عملية التعامل مع “اللا علم” ..

الكاتب هو الذي يقدم على مهمة، ولا يعرف ماذا سيفعل.

الكاتب هو الذي يقدم على مهمة، ولا يعرف ماذا سيفعل.

ماريا بوبوفا
ترجمة: ريم الصالح - الكويت
مراجعة: أحمد بن عايدة – الكويت

“ينتج عن ثقافتنا التجارية المبيدة، عاملا فقر أساسيان هما: سرقة العقدة من القارئ، وسرقة القارئ من الكاتب.”
“إننا نحاول أن نرى في الظلام” قالت آني ديلارد في تأملاتها الرائعة حول الكتابة، “إننا نتقاذف بأسئلتنا لتعلق بالأشجار.”

رمز ما بعد الحداثة دونالد بارثلم (٧ أبريل ١٩٣١، ٢٣ يوليو ١٩٨٩) لم يكن فقط واحدًا من الأصوات الأكثر ابتكارًا وتميزًا في فن الأدب القصصي للقرن العشرين، والذي يعرف بالسرد اللفظي الخالي من عقدة النص، بل أيضًا كان كاتبًا ذو حساسية نادرة تجاه اللغة التي بين يديه، وقدرة استثنائية في التعبير عن سحرها.

في مقال له عام ١٩٨٧ بعنوان “عدم العلم” والذي أصبح عنوان مختارات رائعة له جمعت بعد وفاته “عدم العلم: مقالات ومقابلات” يستكشف بارثلم جانبًا أساسيًا في الكتابة (وأيضًا كل الأعمال الإبداعية) وهي المهارة المزعجة والضرورية في الوقت نفسه، والتي أطلق عليها كيتس مسماه المشهور “المقدرة السلبية” – وهي القدرة على الاسترخاء في المجهول اللامحلول، واستخدامه كمادة خام للعمل الإبداعي.

يبدأ بارثلم بتعريف الكاتب بشخص (غير عالم) باحتراف:

“الكاتب هو الذي يقدم على مهمة، ولا يعرف ماذا سيفعل.. الكتابة هي عملية التعامل مع (اللا علم)، قوة الماذا والكيف. سمعنا جميعنا الروائيون يشهدون على حقيقة أن الشروع في كتابة كتاب تتبعه حيرة تامة في كيفية المضي قدمًا بعد ذلك، ما الذي يجب أن يُكتب وكيف يجب أن يُكتب. على الرغم من أنهم قاموا بكتابة العديد من الكتب. في أحسن الأحوال يوجد هناك حدس ضئيل، لا يكون أكبر من مجرد حكة. حجم القلق الذي يصاحب هذا الوضع لا يستهان به، كما يصفها بيكيت من برام فان فيلدي “لا شيء لترسمه، ولا شيء لترسم به”. إن مسألة (عدم المعرفة) ليست بسيطة، لأنها مطوّقة بالمحظورات والدروب التي لا يجب التطرق إليها. كلما كان الفنان أكثر جدية، كلما كثرت عدد المشاكل التي يجب عليه أن يأخذها بعين الاعتبار، وبزيادة عدد الاعتبارات، تحد من مبادراته المحتملة.”

بعد ذلك يتطرق إلى المشاكل الأساسية التي تصادف الكاتب الجاد:

“إن المشاكل راحة. قال فيتجنشتاين عن الفلاسفة، أن بعضهم يعانون من “انعدام المشاكل” وهي مرحلة يغدو فيها كل شيء، بالنسبة لهم، بسيطًا للغاية. وعندها، ما يكتبونه يصبح “تافهًا وضحلًا لدرجة لا يمكن قياسها”. الأمر ذاته يمكن أن يقال عن الكُتاب.

المشاكل التي يبدو لي أنها تحدد ما يواجهه الكاتب في هذا الزمن (إلى درجة أنه اختارها لتكون مشاكله) ليست ذلك النوع من المشاكل التي ترنو إلى تسهيل التواصل، التي تطمح إلى دفع العمل بصدر مفتوح نحو القارئ، بل على العكس. دعوني أذكر ثلاثة من هذه الصعوبات التي أعتبرها مهمة، وكلها لها علاقة باللغة. أولًا، هناك هدف الفن .. استعادة نضارة لغة كثر التعامل معها، والذي في جوهره، محاولة نحو إيجاد لغة بحيث تكون صناعة الفن أمرًا ممكنًا قبل كل شيء. هذه الإشكالية في هذه الإمكانية بالتحديد موجودةٌ اليوم كما كانت موجودة قبل قرن من الزمن. ثانيًا، هنالك التدنيس السياسي والاجتماعي للغة، من خلال استخدامها في التحايل على أوجه مختلفة عبر الزمن، والمحاولة الجاهدة في العثور على ما يمكن تسميته لغة “نظيفة” .. وأخيرًا، هنالك ضغط على اللغة من الثقافة المعاصرة بمعنى الكلمة – أعني ثقافتنا التجارية المبيدة – مما يولد عاملا فقر أساسيان هما: سرقة العقدة من القارئ، وسرقة القارئ من الكاتب.”

الكتابة هي عملية التعامل مع (اللا علم)، قوة الماذا والكيف

الكتابة هي عملية التعامل مع (اللا علم)، قوة الماذا والكيف

وبالنظر إلى هذه المشاكل “الشائكة”، يضيف بارثلم:

” الفن ليس صعبًا لأنه يرغب في أن يكون صعبًا، بل لأنه يرغب في أن يكون فنًا. رغم ذلك، مهما رام الكاتب، في أن يكون عمله بسيطًا وصادقًا ومباشرًا، فإن تلك الفضائل لم تعد متوفرة لديه. ذلك أنه اكتشف في كونه بسيط وصادق وواضح، لا شيء ينتج عن ذلك يستحق الذكر: فهو يتحدث عن الذي يمكن الحديث عنه، في حين أن ما نبحث عنه هو الذي لا يمكننا الحديث عنه بعد، الذي لم نتحدث عنه بعد.”

يناقش بارثليم الوعي الذاتي للغة نفسها، مساهمًا إلى حد كبير في هذه المسألة الشائكة، وضرورة عدم الوضوح في الكتابة:

” إننا نملك لغة متشككة بقدرة نفسها؛ على الرغم من أن هذا الشك لا يختلف في نوعه عن ملاحظة همنغواي، في وقت مبكر من هذا القرن، أن كلمات مثل الشرف والمجد والوطن هي كلمات كاذبة، مزيفة، فإن الشك صار أعمق بكثير الآن. إلى أن بلغ كذلك فلاسفة اللغة، والبنيويين، وأرباب الترقيم في اللغة. حتى حروف العطف صار يجب فحصها بعناية. يقول فيتجنشتاين ” أقرأ كل كلمة بالشعور المناسب لها” كما يقول كذلك: “كلمة (لكن) على سبيل المثال، الشعور بالـ(لكن)…” وإنه على حق. أليس شعور الـ(لكن) هذا، كما يسميها، يقذف بنا رأسًا في منحدر زلق قبل أن يتسنى لنا معرفة التحوّل الذي حدث بعد الـ(لكن)؟

عدم وجود الدقة في الأخبار اليوم هو أمر أرثي له كثيرًا. ولكن في حين أنها بالتأكيد ليس أمرًا يتفرد به عصرنا – معاملة وسائل الإعلام لرسالة انتحار فرجينيا وولف تشهد على ذلك – فإن كلمات بارثلم ترن بمرارة مضاعفة اليوم، وسط المشهد الإعلامي لدينا الذي يطفح بمقالات الـ”عشرة أمور لم تعرفها من قبل حول..” والإعلانات الإلكترونية التي تنصب لك الفخ لتنقر عليها:

” ثقافة الصحافة فيما مضى، والتي كانت تتطلب مستوى معين من الوضوح والمرح، والمنزلة العالية من الثقافة، تدهورت بشكل صادم.. حيث كنا وقتها بمجرد أن نضع علامات اقتباس زائفة في ورقة وننسب العبارة إلى أمبروز بيرس ونكون على ثقة تامة أن عددًا كافيًا من القراء سوف يفهم المزحة، وأن المزحة سوف تكون جديرة من وجهة نظر كل من القارئ والكاتب. أما الآن فلا يوجد تفاهم مشترك من هذا القبيل.. عندما يستبدل المرء ثقافة راقية بثقافة تجارية – حيث يستغرق الأمر، حسب تقديري، حوالي خمسة وأربعين دقيقة لأي فن إبداعي أن يسافر من معرض ماري بون في غرب برودواي إلى نوافذ العرض في هنري بندل على الشارع السابع والخمسون – يبدأ حينها المرء بتقدير إغراءات الصمت.”

الفن ليس صعبًا لأنه يرغب في أن يكون صعبًا، بل لأنه يرغب في أن يكون فنًا.

الفن ليس صعبًا لأنه يرغب في أن يكون صعبًا، بل لأنه يرغب في أن يكون فنًا.

ثم يعود بارثليم إلى دور الكاتب في المجتمع، وهو دور ينضح بالنقد – سواء للأفضل أو للأسوأ:

” إذا أُعتبر الكاتب أنه هو طريقة العمل بأن يُكتب، بأن يشبه مانعة الصواعق في تصريفها تراكمات الاضطرابات الجوية، بأن يكون شهيدًا كالقديس سيباستيان ويتصدى للرماح الذي يطلقها زمانه نحو صدره الممزق، فإن ذلك لا يعد كثيرًا في تغيير النظرة التقليدية للفنان. لكنه يمنح عذرًا لكمٍ كبير من النقد الإمبريالي.

[...]

هناك، في [بعض الأنواع] من الانتقادات، عنصر من العدوانية يجعل المرء يقف ليتأملها. فالتفكيكية هي مؤسسة تعلن عن نواياها بصراحة مذهلة. أي عمل فني يعتمد على سلسلة معقدة من الأمور التي تعتمد على شيء آخر بشكل مترابط..

النقاد في العصر الحديث يتحدثون عن “إشفاء” النص، مقترحين بذلك ممارستهم في المعالجة العاجلة، ومن المحتمل أن تكون عنيفة، لنص مريض، ومن المرجح أنه نص لا يعي في ذاته أنه مريض. أريد أن أزعم هنا أنه في المنهجيات المتنافسة بين الانتقادات المعاصرة، كثير منهم يطبق ذلك، وهو نوع من طغيان التوقعات، والغضب لتفسيرات نهائية، ورفض السماح بذلك الغموض للعمل والذي هو ضروري له. أرجو ألا أكون أنا نفسي أمارس ذلك الغموض بقولي هذا، بأن المحاولة ليست هي التي ينبغي عدم تواجدها، بل أن الغموض يكون موجود. وإني لا أجد أي وسيلة حالية للخروج من هذه المفارقة – مزق الغموض لأسمال ولن يبقى لك سوى أسمال، وليس غموض – إنها ملاحظة أدوّنها وأمضي.”

عبر نظرته الفكرية التي لا لبس فيها، ينظر بارثلم للتفاعل بين المادي، واللفظي، والمجازي، والفوضى اللازمة لإثارة هذه العوامل:

” دعونا نناقش حالة مكتبي مثلًا. إنه فوضوي، وفوضوي أقل ما يقال في وصفه. الفوضى هنا مادية (أكواب قهوة وأعقاب سجائر) ونفسية (فواتير غير المسددة، وروايات غير مكتوبة). الحياة العاطفية للرجل الذي يجلس على هذا المكتب فوضوية كذلك – أنا في حالة حب مع توأمين، هيلدا وهايدي، وفي نوبة من الحماس انضممت إلى الجيش البوليفي. الشقة التي يقع فيها المكتب يبدو أنه قد تم تأجيرها من مونبيم مكسواين. في الشوارع خارج الشقة الثلوج الذائبة قد كشفت عن وجود تشكيلة من المتحللات وهلم جرا. وعلاوة على ذلك، فإن التنظيم الاجتماعي للبلد نفسه غير مرتب، والوضع في العالم في حالة من الفوضى. كيف يمكنني ترجمة كل هذه الفوضى. حتى لو نجحت، فماذا أكون قد فعلت؟

[...]

لترجمة معنى “فوضوي” بشكل مناسب، لدرجة أن يتم تمكينك لأن تشعر بها – يجب، بشكل مثالي، أن تخيفك من رأسك إلى أخمص قدميك – سأحتاج لأن أكون أكثر حيوية في تصويري مما تسمح لي اللباقة لأن أفعل..

الكلمات التي أحاول استخدامها في ترجمة معنى “فوضوي” كأي كلمات أخرى، ليست جامدة، إنما مهتاجة ونشيطة. نحن لا نخلط بين الكلمات التي تصف طعم الشوكولاته لطعم الشوكولاته ذاته، لأنه بنفس الوقت لا يمكننا التغافل عن أثر “طعم”، وصدمة “الشوكولاته”. الكلمات لها هالات، صديد، تتدلى، ولها أصداء. كلمة هالة على سبيل المثال تستحضر القديس هيلاريوس. وصديد كلمة تعيد إلى ذاكرتنا لمعة التاج النحاسي التي تكتنفها هالة القديس. تتدلى كلمة تذكرنا بأن ثقلًا يتدلى فوق رؤوسنا، موعد عشاء بصحبة القديس هيلاريوس، يا له من ملل ساحق. كلمة صدى تعيد ذكرى “صدى” ذاتها، متزنة مثل فتاة الصخرة البيضاء، تتدلى من صخرتها على بحيرة. لا نريد لهذه الروح البريئة أن تسقط في البركة، هناك، حيث يزهر نارسيوس إلى الأبد، وإلا فسوف تصطدم جباههما ببعض، أو ربما أجزاء أخرى أقرب إلى منطقة القدم، فضيحة. هناك شوكولاته تلطخ كل جوانب هالة هيلاريوس—فوضى، فوضى …”

مرددًا ما أكدت عليه فرجينيا وولف بأن “الكلمات تنتمي إلى بعضها البعض،” يرى بارثلم الفروق الإبداعية الحاسمة بين الإنسان والآلة—هو فرق قائم على التباين بين “عدم المعرفة” وهو عملة الفنان (وكذلك للعالِم) وبين اليقين الذي يمكن التنبؤ به، وتلك عملة الكمبيوتر:

“الإندماج في رشاقة الكلمات، الاستنباط الضروري للمعنى بعد السماح لهما النوم بالفراش سويًا، يتيح للكاتب أن يفاجئ نفسه، يجعل الفن ممكنًا، يزيل الستار عن القدر الكبير المجهول في كوننا موجودين لم نكتشفه بعد. يقال أن الكمبيوتر يمكنه صنع ذلك الشيء لنا، تشرف على أعمالها كمبيوترات نقد أخرى. عندما تتمكن الكمبيوترات من كتابة نكتة، فإن الفنانين سوف يكونون في ورطة كبيرة. غير أن الفنانين سوف يتصدون لذلك بجعل الفن مستحيلًا للكمبيوتر. سوف يعيدون تعريف الفن والأخذ بعين الاعتبار (وبذلك، سوف يقصون) التكنولوجيا – تأثير فن الفوتوغراف على فن الرسم وتصدي الرسم العبقري لذلك مثال واضح وحديث نسبيًا.

تاريخ الكلمات وجه من أوجه اللغة الذي يتخذها العالم طريقة في دسّ نفسه في العمل للهرب. إذا كان بإمكان العالم أن يلوث الكلمات، فإنها سوف تستطيع حمل خصائص ذلك العالم في العمل، والتي يمكن استخدامها بطريقة ايجابية. يجب علينا أن نجد الإيجابيات في سلبياتنا.”

بعد اذعانه إلى أن العوائق في الغالب تعظّم من العمل الإبداعي بدلًا من تقييده، ينتقل بارثليم لينقاش الأسلوب:

“الأسلوب ليس أمرًا اختياريًا أكثر من كونه ردة فعل تجاه عائق وانتهاز الفرص معًا. وغالبًا يكون العائق فرصة.”

ومن ثم يقوم بتعريف الفن لتكون إضافة إلى أرقى التعاريف للفن في التاريخ:

“الفن، دائمًا، عبارة عن تأمل الواقع الخارجي بدلًا من تصوير ذلك الواقع الخارجي أو أن يكون، في محاولة فاشلة، واقعًا خارجيًا.
[…]

يجب علينا أن نجد الإيجابيات في سلبياتنا

يجب علينا أن نجد الإيجابيات في سلبياتنا

قبل بضعة سنوات قمت بزيارة ستوديو ويليم دي كونينغ في شرق هامبتون. عندما فتحت الأبواب الكبيرة، لا يسع المرء سوى أن يرى- مصدومًا- العلاقة بين العالم الأخضر الراكض في كل الاتجاهات في الخارج، وبين لوحاته. كيف تمكّن دي كونينغ من القبض على الطبيعة ووضعها في الفن هكذا؟ إن ذلك محير. غير أن العلاقة المتفجّرة موجودة، لقد رأيتها هناك. ذات مرة عندما كنت في ستوديو إيلاين دي كونينغ في بروداي، آنذاك، كان النحّات المعدني هيربيرت فيربير يسكن الستوديو العلوي مباشرة. ومن ثم، اخترق السقف دوي فظيع وصوت تحطم. “ما هذا بحق العالم؟” سألت، فقالت إيلاين “أوه، إنه هيربيرت يفكر.”

في رأي يعكس اعتقاد سوزان سونتاغ حول هدف الأدب، يختتم بارثليم بمناقشته هدف الفن الأعظم:

“الفن هو الرواية الحقيقية لما يحدث داخل العقل. لأن الوعي.. دائمًا يعي الشيء، أما الفن فإنه يفكّر أبدًا في العالم، وليس بإمكانه عدم التفكير بالعالم، ليس بمقدوره إدارة ظهره للعالم حتى لو رغب بذلك. وهذا لا يعني أنه سوف يكون صادقًا كساعي بريد، بل سيغدو أكثر كممثل دراغ كوين. المشاكل التي ذكرتها سابقًا، وأخرى لم نتطرق إليها، تفرض تعقيدات. “إننا لا نقضي وقتًا كافيًا أمام لوحة ذات معاني واضحة.” كتب سيوران. “الموسيقى ذات الطابع المحدد، والهيئة القاطعة، ترهق صبرنا. القصيدة الصريحة بشكل مفرط تصير غامضة.” فلانيري أوكونور، فنانة من الطراز الأول، المشهورة باستيائها لأي شيء غريب على الصفحة، ونفورها هذا أعتبره الكثير على أنه قمع وتحقير صعب المراس للأعمال التجريبية الطفولية. لكن، هل نفرت أوكونور من أي شيء غريب على الحائط؟ إذا حدث ذلك، فإنه حرمان قاسي. لا يمكن للفن أن يبقى في مكان واحد. إن قدر محدد من الانتقال، إلى الأعلى، أو الأسفل، أو عبر، أو حتى العدو نحو الماضي، شرط لا يمكن تخطّيه.

الأسلوب يمنحنا القدرة على الكلام، على التخيل من جديد. يتحدث بيكيت عن “سوناتا الموتى الطويلة”- من أين جاءت، بحق الأرض، كلمة سوناتا؟ جاءت لتفرض نظام، وصورة سامية لأكثر ظواهر عالمنا فوضوية ومأساوية. لم يجادل أحد الحقيقة، بل فُهمت، للحظة، بطريقة جديدة. قدرتنا على تخيل عوالم مغايرة، احتمالات مختلفة، إنه كنزنا المجيد. يمكننا محاربة العالم، بشكل بنّاء (ليس هناك من الأحياء من حارب العالم بشكل أعنف وأروع من بيكيت). يقول تشارلز باوديلاير “الإيمان بالتقدم هو عقيدة الكسالى وأبناء بلجيكا.” ربما. لكن لو كان لدي شيئًا استثنائيًا لتقديمه هنا، فإنه باعتباري هدف الفن جوهريًا هو التحسين. هدف تأمل العالم في النهاية هو لتغيير العالم. إنها صفة التحسين هذه التي تزوّد الأدب بأبعاده الأخلاقية.

* نشرت في آراء. 

29 يونيو,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

فلاديمير نابوكوف: الكاتب العظيم هو دائمًا ساحرٌ عظيم

يجب على القارئ أن يجد نفسه في شخصية روائبة.

يجب على القارئ أن يجد نفسه في شخصية روائبة.

ترجمة: راضي الشمري.

مادتي، وبمساعدة أشياء أخرى، هي نوع من تحقيق استقصائي حول لغز الشكل الأدبي.

“كيف تكون قارئًا جيدًا” أو “اللطف مع المؤلفين”، عناوين من هذا القبيل قد تفيد بتقديم ترجمة لتلك المناقشات العديدة حول مؤلفين كثر، لأجل خطتي وهي أن نتعامل بحب، وبشكل حميمي وبالتفاصيل، مع عدة روائع أوروبية. قبل مائة عام، كتب جوستاف فلوبير رسالة تضمنت الملاحظة التالية: كفى بالمرء حكمة لو عرف جيدًا نصف دزينة من الكتب.

في القراءة، على المرء أن يلاحظ التفاصيل ويعاملها برفق. لا بأس بالحكم عندما تستكشف كل أغوار الكتاب الواضحة بحب. إذا بدأ القارئ وفي باله حكم مسبق، سيبدأ بالنهاية الخاطئة وسيهرب من الكتاب قبل أن يفهمه حتى. لايوجد شيء أكثر مللًا وظلمًا من قراءة كتاب، ولنقل مدام بوفاري، بتصور مسبق أنها شجب للبورجوازية. يجب علينا أن نتذكر دائمًا أن العمل الفني ليس سوى خلق عالم جديد دومًا. لذلك يجب أن نتفحص ذلك العالم الجديد قدر المستطاع، أن نصل إليه وكأنه شيء خلق للتو، ليس له صلة بالعوالم التي نعرفها حاليًا. عندما يُدرس ذلك العالم بقرب، عندها، وعندها فقط، فلنختبر مايربطه بالعوالم الأخرى، بالفروع الأخرى من المعرفة.

سؤال آخر: هل نستطيع التوقع بأننا سننال معلومة ما عن الأماكن والتاريخ من رواية ما؟ هل يستطيع أن يكون أحدنا بهذه السذاجة ليعتقد بأنه يستطيع تعلم أي شيء عن الماضي من تلك الروايات المترهلة “الأفضل مبيعًا” والتي تلتقطها أندية الكتب بوصفها روايات تاريخية؟ لكن ماذا عن الروائع الأدبية؟ هل نستطيع الاعتماد على صورة جين أوستن لإقطاعيي إنجلترا وملاك الأراضي فيها وتلك المساحات الشاسعة، بينما كل ماكانت تعرفه هي صالة استقبال لأحد القساوسة؟ و”منزل كئيب”، تلك الرواية الرومانسية الرائعة لديكنز والتي جرت أحداثها في مدينة لندن الخلابة، هل نستطيع القول بأنها كانت دراسة للندن قبل مائة عام؟ بالتأكيد لا. وهذا الشيء ينطبق على العديد من الروايات الأخرى في تلك السلسلة. الحقيقة هي أن كل الروايات العظيمة هي في المقام الأول حكايات عظيمة، والروايات في هذه السلسلة (سلسلة الروائع) هي حكايات قمة في الروعة.

المكان والزمان، ألوان فصول السنة، خلجات العقل وحركات الجسد. كل هذه بالنسبة للكاتب العبقري (بما استطعنا تخمينه، وأنا واثق أن تخميننا صائب) ليست ملاحظات عادية يمكن التقاطها من خزنة الحقائق العامة، هي سلسلة من المفاجآت الفريدة التي تَعلمها الفنانون العظام ليعبروا بطريقتهم الخاصة. بالنسبة لمؤلفين أقل شأنًا، فتُترك لهم الكتابات المبتذلة للأماكن المعتادة والشائعة: هم لايهتمون بإعادة تكوين العالم؛ هم ببساطة يفعلون أقصى مالديهم لكي يخرجوا عن ترتيب معين من الأشياء وعن الأنماط التقليدية للكتابة التخييلية. مايستطيع كتابته أولئك المؤلفون العاديون هو بضع تراكيب معقدة تضع حدًا مسليًا بطريقة معتدلة عابرة، لأن القراء العاديين يحبون أن يتعرفوا على أفكارهم خلف قناع ظريف. لكن الكاتب العظيم، ذلك الشخص الذي يرسل كواكبًا دوارة، ويخلق شخصًا نائمًا ويعبث بأضلعه وأحشائه بكل شغف، ذلك النوع من المؤلفين لايهمل أي قيمة، يجب عليه أن يخلق قيَمه بنفسه. فن الكتابة هو عمل عقيم إن لم يعْنِ بالمقام الأول أنه فن إمكانية التخيل. مادة هذا العالم قد تكون واقعية بما يكفي (بعيدًا حيثما تبعد الواقعية) لكنها لاتوجد أبدًا كوحدة كاملة. هي فوضى، والكاتب يقول لها “انطلقي!” سامحًا لهذا العالم أن يومض ويندمج ببعضه. هذا العالم أعيد دمجه بكل ذراته، وليس بشكل سطحي عبر ماهو مرئي ومحسوس. الكاتب هو أول من يلمع هذا العالم ويخلق العناصر الطبيعة التي يحويها هذا العالم. التوت الذي يوجد هناك يجب أن يكون صالحًا للأكل. ذلك المخلوق الأرقط الذي اعترض طريقي يمكن ترويضه. تلك البحيرة بين الأشجار ستُسمَّى بحيرات العقيق، أو بشكل فني أكثر، بحيرة مياه الغسيل. ذلك الضباب هو جبل، وهذا الجبل يجب أن يُحتل. في منحدر ذلك الجبل غير المطروق يصعد الكاتب العظيم، وحين يصل القمة، على تلة عاصفة. من سيواجه؟ سيواجه ذلك القارئ السعيد الذي يتنفس بصعوبة، وبكل عفوية سيتعانقان ويرتبطان للأبد، إذا قُدر للكتاب أن يظل إلى الأبد.

في إحدى الليالي، وفي كلية تتبع إحدى المحافظات النائية، حيث كنت ألقي محاضرة مطولة، اقترحت اختبارًا صغيرًا: عشرة تعاريف للقارئ، ومن هذه العشرة يجب على الطلاب أن يختاروا منها أربعة تختلط لتكون التعريف الأمثل للقارئ. للأسف أضعت القائمة، لكن ماأستطيع تذكره أن التعريفات كانت شيئًا من هذا القبيل. اختر أربعة إجابات للسؤال عما يجب على القارئ فعله ليكون قارئًا جيدًا:

يجب على القارئ أن ينضم لنادي كتاب.
يجب على القارئ أن يجد نفسه في شخصية روائبة.
يجب على القارئ أن يركز على الزاوية الاجتماعية-الاقتصادية حينما يتعامل مع الكتاب.
يجب على القارئ أن يفضل قصة مليئة بالأحداث والحوارات على قصة لاتملك شيئًا.
يجب على القارئ أن يشاهد كتابه في فيلم.
يجب على القارئ أن يكون كاتبًا ناشئًا.
يجب على القارئ أن يملك خيالًا جامحًا.
يجب على القارئ أن يمتلك ذاكرة جيدة.
يجب على القارئ أن يملك مفردات كثيرة.
يجب على القارئ أن يكون لديه حس فني.

مال الطلاب بشكل كبير للتعريف العاطفي، الحركة، والزاوية الاجتماعية-الاقتصادية أو التاريخية. بالطبع، كما خمنتم، القارئ الجيد هو من يملك الخيال، الذاكرة، المفردات، وبعض الحس الفني.. والذي أود تطويره في نفسي والآخرين متى ماسنحت الفرصة.

بالمناسبة، أنا أستعمل كلمة “قارئ” بشكل فضفاض جدًا. الغريب بما فيه الكفاية، أن الشخص لايستطيع قراءة كتاب، هو يستطيع فقط إعادة قراءته. القارئ الجيد، القارئ العظيم، القارئ النشط والخلاق هو قارئ يعيد مايقرأ، وأود أن أخبركم لماذا. عندما نقرأ كتابًا للمرة الأولى ونحن نحرك أعيننا بمشقة من اليسار لليمين، سطرًا إثر سطر وصفحة إثر صفحة، هذا العمل الجسماني المعقد على الكتاب، أن نتعلم في حدود الزمان والمكان ما الذي يدور حوله الكتاب، هذا الأمر يقف بيننا وبين التقدير الفني. عندما نطالع لوحة فنية نحن لانحتاج أن نحرك أعيننا بطريقة خاصة، حتى لو كانت مثل الكتاب في عمقه وبما ترمي إليه. عندما نقرأ كتابًا، نحن نحتاج وقتًا لنتآلف معه. لانملك عضوًا حسيًا (كالعين مع اللوحة) يمكن أن يأخذ النص بأكمله ويستمتع بتفاصيله. لكن عندما نقرأ للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة، بشكل ما نحن نتعامل مع الكتاب كما لو كان لوحة. على كل حال، دعونا لانخلط بين العين المحسوسة، ذلك الانجاز المهول للتطور، مع العقل، ذلك الانجاز الأكثر تطورًا. الكتاب، مهما يكن، سواءً رواية أو كتاب علمي (الخط الفاصل بينهما ليس واضحًا كما يعتقد العامة)، أول ما تجذبه الرواية هو العقل. العقل، الدماغ، ماهو أعلى العمود الفقري، هو – أو يجب أن يكون – الأداة الوحيدة التي نتعامل بها مع الكتاب.

والآن، وهذا يحدث كذلك، يجب علينا تأمل السؤال التالي: ما الذي يفعله العقل عندما يواجه القارئ النكد كتابًا جميلًا؟ أولًا، سيذهب المزاج المتجهم بعيدًا، وبشكل أفضل أو أسوأ سيدخل القارئ في روح اللعبة. الجهد المبذول لبدء قراءة كتاب، خصوصًا إذا مُدح من قِبل أناس يعتبرهم القارئ الناشئ جادين أو تراثيين، حتى هذا الجهد يصعب تحقيقه، لكن حينما يبذل الجهد، الجوائز ستكون متعددة ومميزة.

بما أن الكاتب العظيم يستخدم خياله أثناء الكتابة، من الطبيعي والعدل أن يستخدم القارئ خياله أيضًا.

هناك بطبيعة الحال صنفان من الخيال على الأقل في حالة القارئ، ولنرَ أي حالة منهما يجب استعمالها عندما نقرأ كتاباً. أولًا، هناك المتخيل المتواضع، والذي يجنح إلى المشاعر البسيطة، وذات طابع شخصي بالتأكيد. (هناك عدة أصناف تدرج تحت هذا الصنف، في هذا النوع من القراءة العاطفية.). أي موقف في الكتاب قد يغمر هذا القارئ بالمشاعر لأنه يتذكر موقفًا حصل له أو شخصًا يعرفه أو تعرف عليه مسبقًا. أو، مرة أخرى، هناك قارئ يحتفي بكتاب لأنه يتذكر بلدًا، أو منظرًا، أو طريقة عيش يتذكرها بحنين كجزء من ماضيه. أو، وهذا أسوأ ماقد يفعله قارئ من هذا النوع، أن يعرف نفسه بإحدى شخصيات الكتاب. هذا النوعية المتواضعة من الخيال لاأود من القراء أن يستخدموها.

بما أن الكاتب العظيم يستخدم خياله أثناء الكتابة، من الطبيعي والعدل أن يستخدم القارئ خياله أيضًا.

بما أن الكاتب العظيم يستخدم خياله أثناء الكتابة، من الطبيعي والعدل أن يستخدم القارئ خياله أيضًا.

إذًا ماهي الأداة الأصلية، والتي يجب أن يستعملها القارئ؟ إنها الذائقة الفنية بالإضافة للخيال المجرد. ما أعتقد أنه يجب أن يؤسس، هو مقياس جمالي متناغم بين عقل القارئ وعقل الكاتب. يجب علينا أن ننعزل ونستمتع بذلك الانعزال، بينما في نفس نستمتع بشغف بالموجة الداخلية لتحفة ما. من المستحيل أن تكون محايدًا في مثل هذه المواضيع. كل شيء يجلب الاهتمام يكون إلى حد ما غير موضوعي. على سبيل المثال، قد تكون أنت الجالس هناك مجرد حلم بالنسبة لي، بينما أكون كابوسك الدائم. ما أعنيه هو أن القارئ يجب أن يعرف متى وأين يكبح خياله، وهذا يتحقق بأن نفهم ذلك العالم الخاص الذي صاغه المؤلف في منعزله. يجب علينا أن نسمع أشياءً ونراها، أن نتخيل الغرف، الملابس، أخلاق الشخصيات التي صاغها المؤلف. لون عيني فاني برايس في رواية “مانسفيلد بارك” وأثاث غرفتها الصغيرة الباردة كانت تفاصيل مهمة لاغنى عنها.

كلنا بطبيعة الحال نملك أمزجة مختلفة نتعامل بها مع النصوص، وأستطيع أن أقول بأن أفضل مزاج للقارئ يجب أن يحظى به ويطوره، هو خليط من الحس الفني والعلمي. الفنان الشغوف وحده سيتعامل بموضوعية حادة في سلوكه مع الكتاب، والحكم بشكل علمي بارد على الكتاب ليس إلا تدميرًا لحرارة البديهة والحدس. إن كان القارئ – على أية حال – يخلو من العاطفة والصبر، صبر العالم وشغف الفنان، من الصعب عليه أن يستمتع بقراءة الأدب العظيم.

لم يوجد الأدب حين كان يصرخ الطفل باكيًا “ذئب، ذئب!”، وكان الذئب خارجًا من الوادي على إثره. وُجد الأدب حينما كان يصرخ الولد “ذئب، ذئب!” ولم يكن هناك ذئب خلفه أصلًا. أن يأكل الذئب صاحبنا المسكين بسبب كذبه المتوالي هو أمرٌ عرضي تمامًا، لكن هناك ماهو أهم. ما بين الذئب الذي يجري في الأحراش، وذلك الذئب في تلك القصة الطويلة، هناك وميض بينهما. مايومض بينهما، ذلك المنشور الذي يعكس الضياء، هو فن الأدب.

الأدب عبارة عن ابتكار، والكتابة التخيلية تنبع من الخيال وحده. أن يُقال عن قصة ما أنها حقيقية لَهُوَ إهانة للفن وللحقيقة في نفس الوقت. كل كاتب عظيم هو مخادع كبير، لكنه يواجه في غشه الطبيعة. الطبيعة أيضًا تخادعنا. من أصغر إشاعة تجري بيننا إلى الألوان المعقدة التي تحمي الطيور والحشرات، هناك في الطبيعة نظام مذهل من الأشياء الساحرة والخدع. الكاتب فقط يتبع إشارة الطبيعة.

لنعد لحظة إلى صديقنا الهارب من الذئب، نستطيع أن نرتب الأمور بالشكل التالي: سحر الفن كان في ظل الذئب الذي اختُرع عمدًا، أحلام الصبي حول الذئب، وبعد ذلك قضية خداعه للناس صنعت قصة جيدة. حينما لقي حتفه في النهاية، أعطت القصة مغزى ودرسًا جيدًا في ماوراء النص. لكن الطفل كان الساحر الذي أضاف للقصة طعمها، كان هو المبتكر.

هناك ثلاث وجهات للنظر نستطيع أن نرى بها الكاتب: قد نراه حكَّاءً، وقد نراه كمعلم، أو قد نراه كساحر. الكاتب العظيم يحتوي هؤلاء الثلاثة، لكن الساحر بداخله هو من يتحكم به ويجعله كاتبًا عظيمًا.

نحن نبحث لدى الحكاء عن الترفيه، عن المتعة العقلية بأبسط صورها، عن المشاركة العاطفية، عن متعة الارتحال إلى مناطق نائية في الزمان والمكان. بينما لدى المعلم نحن ننظر بطريقة مختلفة ترتبط بالعقل، وليس من الضرورة بطريقة أرقى. نحن نذهب للمعلم الموجود بداخل الكاتب ليس فقط للتربية الأخلاقية، بل حتى للمعرفة المباشرة والمعلومات البسيطة. للأسف، عرفت أناسًا كان الغرض من قراءتهم للرواية الفرنسية والرواية الروسية مجرد التعرف على الحياة في باريس السعيدة أو روسيا الكئيبة. أخيرًا، ومايجب أن نضعه فوق كل شيء، الكاتب العظيم هو دائمًا ساحر عظيم، وهنا نأتي إلى الجزء الممتع حينما نحاول أن نتشرب ذلك السحر الشخصي لعبقريته وأن ندرس شكل رواياته وأشعاره والخيال المتقد فيهما والنمط التي تتركب منه.

الأوجه الثلاثة للكاتب العظيم – السحر والقصة والمغزى – تخلط لتجتمع في نقطة واحدة هي الأكثر إشراقًا وفرادة من نوعها، بما أن سحر الفن قد يوجد في أعمق نقطة من القصة، في أكثر الزوايا احتواءًا للفكر. هناك روائع لاتحتوي سوى فكر جاف توقظ فينا الحس الفني كما توفظه رواية “مانسفيلد بارك” لجين أوستن أو أي رواية لديكنز مليئة بالصور والأحاسيس. يبدو لي أن التركيبة الجيدة لتقييم رواية ما هي، وعلى طول الرواية، مجرد دمج بين دقة الشعر والحدس العلمي. من أجل أن نستلقي في ذلك السحر، القارئ المميز لايقرأ الكتاب بقلبه، ولا بدماغه، بل بعموده الفقري. هناك تحدث تلك الرعشة المنبهة على الرغم من أننا نجعلها بمنأى أثناء القراءة. عندها، نستمتع حسيًا ومعنويًا ونحن نرى ذلك الفنان يبني قلعة أفكاره بالحديد الجميل، والزجاج الأجمل.

 المصدر: ساقية. 

25 يونيو,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة, لمن تكتب | التعليقات مغلقة

شريف صالح: بالكتابة أتحرّر من طريقة تفكيري النمطية

لا أبحث من وراء الكتابة عن شيء محدد، فهي متعة تستنفد نفسها، تتبدد وتتجدد من نص إلى آخر

لا أبحث من وراء الكتابة عن شيء محدد، فهي متعة تستنفد نفسها، تتبدد وتتجدد من نص إلى آخر

• لماذا تكتب؟

ـ لأنني فشلت في إجادة أي عمل آخر.. للرغبة في الحكي.. لمتعة الذهاب بعيداً عبر الخيال.. خلق كائنات وقصص، أمر مدهش يعوض إحباطات الحياة، والشعور العبثي بالفناء.. كذلك اللعب باللغة، ومعها، فتنة أتحرر فيها من لغتي الخاصة، وطريقة تفكيري النمطية، ومشاكلي العادية، وأتقمص لغة بشر آخرين وطرق تفكيرهم. لا أزعم أن لدي رسالة محددة، سياسية أو أخلاقية، أرغب في توصيلها إلى القارئ.. فقط لدي تلك الرغبة المركبة، للحكي واللعب بالكلمات ورسم وتقويض عوالم. أليست الكتابة سلطة مدهشة بها مسحة إلهية؟ فكيف أستطيع أن أقاومها؟ حتى لو لم يوجد قارئ واحد للنص، فهذا لا يحول دون المتعة الذاتية خلال عملية تخليق النص واستحضاره على بياض الصفحة، لذلك تسعدني الكتابة أكثر مما تسعدني الأنشطة الاجتماعية الموازية، والمترتبة عليها مثل ثناء القارئ والجوائز والندوات وحفلات التوقيع.

• متى اكتشفت رغبتك في أن تصبح كاتباً؟

ـ بطريقة ما، المرء يبدأ (ويظل) قارئاً قبل أي شيء آخر.. وفي بيئة ريفية بسيطة مليئة بالعفاريت والأساطير والشقاء الإنساني، لا يتاح الكتاب بسهولة، لكن الوجود نفسه مترع بالحكايات بدءاً من مصطبة القش التي تستلقي عليها جدتي بهية (إحدى زوجات جدي) والتي كان لها قدرة درامية على رواية الأساطير، بعينيها الواسعتين الكحيلتين وبياض وجهها وضفائرها المنسوجة من خيط فضي وخيط أسود. كانت تحكي لي وحدي. ثم توسع مدار الحكاية مع الراديو رفيق أمي، بكل حكاياته الشعبية الغنائية والدرامية في برامج وأوبريتات زكريا الحجاوي وخضرة محمد خضر، و”أغرب القضايا” وغيرها.. وصولاً إلى قيام عمي الأكبر بخطوة جريئة تمثلت في إدخال التلفزيون إلى بيتنا أواخر السبعينيات. وهكذا كان الوجود القروي المحدود جداً يتسع ويتضاعف أمامي مئات المرات بظهور المزيد من الوسائط مثل مفاجآت سارة.. هنا أدركت أن ثمة عالم آخر لا حدود له، يتجاوز خريطة قرية يمكن السير فيها من أولها إلى آخرها خلال دقائق معدودة. هذه الدهشة إزاء اتساع الوجود وحكاياته، جعلتني ببساطة شديد أنصت إلى الحكايات، وأحياناً أتقمص دور “الجدة بهية” ذاتها كي أروي لأصدقائي، أو نحاول تجسيد الحكاية في لعبة “أكشن”.. كانت لدي هذه القدرة أن أُجلِس رفاق الحارة للاستماع إلى حكاية، أنا نفسي لا أعرف تفاصيلها، لكن يكفي أن أجهز سطراً أولياً مشوقاً. تقريباً وجدتني أعيد كتابة بعض أفلام الأبيض والأسود، وألخصها في “دفتر” كنت أقوم بتجميعه من الأوراق البيضاء المتبقية في كراريس المدرسة، كنت أرسلها إلى مطبعة على الضفة الأخرى من نهر النيل، لكي تعود إليّ دفتراً مغلفاً صالحاً لضم حكاياتي الأولى. وجاءت اللحظة الحاسمة عندما أشادت الجدة بهية بأن قصتي أفضل من قصة ابنة عمي التي تكبرني بثلاث سنوات.. شعرت حينها أنني خلقت لرواية الحكايات.. صدفة غريبة ربما، أن أجد نفسي كاتباً في بيئة فلاحين لا يوجد بها كتاب واحد ولا مكتبة أزعم أنني ورثتها وقرأت كل ما فيها.. ورغم أنني جربت فيما بعد كتابة ما أعتبره شعراً أو مسرحاً.. لكن، مع الوقت، اكتشفت، أنني أفضل أن أبقى حكّاء. لذلك اكتفيت ـ غالباً ـ بالقصة القصيرة، فهي على وجازتها توفر لي المتعتين الأساسيتين: أن أحكي.. وأن ألاعب اللغة وتلاعبني.

• هل وجدت ما بحثت عنه من خلال الكتابة؟

ـ لا أبحث من وراء الكتابة عن شيء محدد، فهي متعة تستنفد نفسها، تتبدد وتتجدد من نص إلى آخر.. وربما هي متعة لاكتشاف الذات، واكتشاف الوجود كله، بطريقة حرة.. بعيداً عن سطوة التقاليد وإكراهات العام والمتفق عليه.. تكتشف العالم بكامل إرادتك وحريتك.. كما تشعر به.. كما تراه.. كما تتمناه.. المهم أنها رحلة اكتشاف ممتعة في ذاتيتها وخصوصيتها، بأوهامها وقصورها ونبلها، وكثيراً ما تكون أكثر صدقاً وإصالة من كل ما هو “رسمي” ومتعارف عليه، وحاصل على ختم الجودة، ودمغة الصواب.

• هل تفضل الكتابة بالقلم أم من خلال الحاسب الآلي، وهل ترى أن لهذا الأمر تأثيرا معينا على الكاتب أو هي مسالة تعود فقط؟

ـ بحكم أن الكتابة لعب ـ بالنسبة لي ـ كانت لي علاقة حميمة مع القلم ومساحة البياض، وتغيير هيكل النص إلى ما لانهاية.. كان ذلك مرهقاً، ومكلفاً في المسودات و”الورق”.. ويستغرق ساعات.. عدا عن فقد بعض المسودات، أو التخلص من الأفضل والإبقاء على الأقل جودة.. إلى أن جاء “الكيبورد” و”ذاكرة الكمبيوتر” ليوفرا لي مجالاً رحباً للعب، دون أن أضطر للتخلي عن أي مسودة، وضبط عملية اللعب، بالقدرة المدهشة على فك وتركيب هيكل النص أكثر من مرة. لنقل إنني الآن ألعب، بطريقة آلية سلسلة، بدلاً من الطريقة اليدوية المرهقة.

• هل تضع خطة معينة تسير عليها وتلتزم بها بدقة في حالة الكتابة، أم أنك تعتمد على لحظة الخلق ذاتها وماتقودك اليه بالتالي؟

ـ هناك خطة، أفرزتها التجربة ذاتها، بمعنى أنني لا أدعي الوعي المسبق بها.. بل هي خلقت نفسها بنفسها، فعادة قد أمر بتجربة شعورية قاسية أو أجد نفسي شاهداً على منظر مؤثر، أول ألتقي شخصية تهمس لي: “اكتبني”.. أذكر أن أول قصة كتبتها وبها قدر قليل من النضج في المرحلة الثانوية، كتبتها تحت تأثير ضرب والدي لشقيقي الأوسط، والأكثر شقاوة.. تخيلت فيها شقيقي يخرج من البيت مطروداً تحت مطر الشتاء وكان عنوانها “وبالت عليه السماء”.. أذكر أيضاً أن أمينة المكتبة في المدرسة كانت مبهورة بالعنوان الذي جعل المطر بولاً، أليس الخيال مرحاً؟! منذ تلك الواقعة، انتبهت إلى أهمية تدوين كل ما أمر به إذا أثار فيّ شعوراً ما، أفضل تدوينه مباشرة بكل عفويته وطزاجته، وعدم تأجيل ذلك مهما كلف الأمر، حتى لو حكمت عليه لاحقاً بأنه لا يصلح لأي شيء.

• هل تقوم بالتعديل على ماتكتب وهل ترى هذه العملية ضرورية بالنسبة للكاتب ؟

ـ عادة أترك “المسودة” الأولى تبرد انفعالياً، وأعود إليها بعد وقت غير محدد لأبدأ مرحلة العمل الجمالي الواعي عليها، والذي قد يستغرق مسودة ثانية فقط، وقد يتواصل عبر عشر مسودات متتالية، حتى أرضى عن كل كلمة فيها. أعلم أنها طريقة سيئة ومرهقة.. وقد أقرر بعدها إعدام النص، أو أشعر بالهزيمة وأنني فقدت طزاجة المسودة الأولى.. لكنني لا أستطيع تغييرها، وأصبحت متعتي تكمن في لعبة تجريب أكبر عدد ممكن من المسودات. ومازلت أومن بمقولة قرأتها قديماً فحواها أن النص الذي لا يجهد صاحبه نفسه في كتابته عشر مرات على الأقل، لا يتوقع أن يقرأه القارئ لمرة واحدة فقط.

• يهيئ بعض الكتاب أجواء معينة عندما يريدون الكتابة، هل تؤمن بهذا الأمر وهل لديك أجواء معينة تلجأ إليها عند البدء في الكتابة؟

ـ في العادة لا يتطلب الأمر أكثر من موسيقى هادئة والليل وإضاءة جيدة، ثم الصمت التام لأنني قد أنتبه مفزوعاً على أي صوت.. وبسبب معاناة الأرق، أحاول منذ عامين تغيير هذا النظام إلى الكتابة صباحاً، لكن التجربة مازالت غير مريحة لي، وأجدني أحن إلى السهر حتى الفجر وسط سكون الليل وانسياب الموسيقى.

• اقتصرت أعمالك على كتابة القصة القصيرة والمسرحية والنقد، هل تفكر في ولوج عالم الرواية؟

ـ الكتابة هي الكتابة، بغض النظر عن الصيغة التي تتجلى فيها.. حاولت بالطبع كتابة رواية ولدي عشرات الأفكار المدونة.. لا أعرف أين تكمن المشكلة؟.. هل الخوف ألا أحقق ما يرضي طموحي كما حدث مع كتابة القصة القصيرة؟ تلائمت نفسياً مع جمالية القصة القصيرة إلى درجة أنني لا أتحمل الآن قراءة رواية تزيد عن مائتي صفحة، وأشعر بالروايات مليئة بالثرثرة ومطبات اللغة.. بلاشك هناك قدر من الزيف في تشييد عالم هائل ومتماسك. يقابله ولع غامض لخوض تلك التجربة، بكل شكوكي فيها.. وبالفعل أمضيت أكثر من ثلاث سنوات في كتابة مسودة رواية عن عالم الفيس بوك، ولاقت استحسان من قرأها من الأصدقاء.. لكنني لم أشعر بالرغبة في الدفع بها إلى ناشر، فوضعتها في “الدرج” وعدت إلى كتابة قصص قصيرة في اتجاه مختلف قليلاً عما أصدرته. لا أنكر أن جزءاً من الأزمة، يكمن في احتياج الرواية إلى تفرغ متصل ويومي، ومعايشة، وهو ما لا يتناسب مع فوضى حياتي حالياً.. كما تتطلب الرواية في رأي، ألا تكون مستهلكاً في الكتابة الصحفية التي تبدد أي حماس في كتابة أخرى.. فإذا كنت أقضي يومياً ساعتين أو أكثر في موضوع صحفي، فهذا يعني أنني لن أتحمس لاستهلاك ثلاث ساعات أخرى في كتابة رواية. وأضيف سبب أخير، أنني أعتبر الرواية بمثابة نظرية ما في المعرفة والجمال، وليست مجرد حكاية، وبالتالي هي تتطلب “خبرة” عالية بالحياة وما وراءها، ووعي فلسفي بالتجربة التي يشتغل عليها الكاتب، وربما لا أمتلك هذه “الخبرة” حالياً.. بهذا المعنى لا أظن أن معظم ما تقذف به المطابع تحت لافتة “رواية”، هو جدير بمسمى “رواية”!

• هل تؤمن بالتخصص في عالم الكتابة، كأن يتخصص كاتب في مجال أدبي واحد؟

ـ التخصص قرار واع، واحترافي، وقد يناسب الدرس الأكاديمي.. لكن مثلما يعزف الموسيقي على مقامات شتى، يستطيع الكاتب أن يجرب ذاته عبر صيغ إبداعية مختلفة.. وإن كانت قناعتي أن موهبته الأساسية ستتجلى ـ في نهاية الأمر ـ في مجال ما، أكثر من غيره.. يوسف إدريس مثلاً كان كاتب مقال مميز، ومسرحي عظيم، ولديه روايات لا بأس بها.. لكن تجليه الأعظم يبقى في القصة القصيرة. المسألة فقط ليست اختياراً واعياً، ولا تأتي بالإكراه… بل بتراكم التجربة، وأثر المُنتَج على القراء.

• كم صفحة تكتب في اليوم وهل هناك قاعدة معينة بهذا الشأن؟ـ

لا توجد قاعدة.. ربما في المتوسط عشر صفحات أو أقل قليلاً.. في حال كانت مسودة أولى.. وأحياناً تمر أيام طويلة ولا أكتب سطراً.. أنا كائن مخلص ل “مزاجي” وأحتاج إلى نشوة ما.. حتى لو شعرت بالرغبة في “الخربشة” وكانت قواي منهكة بفضل العمل والأعباء الحياتية.. أفضل الهرب من الكتابة، فهي فعل مزاجي يتطلب الاحتشاد واستحضار كافة الحواس والمزاج والنشوة والموسيقى والهدوء والطاقة الجسدية.

• أي عمل من أعمالك الأقرب لنفسك ولماذا؟

ـ كل عمل كانت له متعته في لحظتها وإلا لما نشرته.. لكن بعد الانصراف عنه، أغلق بابه وأسلمه للقارئ يلهو به كيفما شاء، مادحاً أو قادحاً.. أستطيع علىالأرجح أن أشير أكثر إلى نصوص بعينها أحبها أكثر من غيرها في مجموعاتي الأربع مثل: “لوكا”، “جر الخيط”، “شعر غجري تتطاير منه الحجارة”، “شاب هندي وفتاة صينية”، “خطيئة الكعب”، “سيدة الدانوب الأزرق”، “يد فاطمة”، “فتاة أوباما”، “الغواية الأولى”، “عصر السنجة”، و”وراء البياض”. أشعر بقرب هذه النصوص مني، أكثر من غيرها.

• كيف ترى شخصيات اعمالك وهل تجد صعوبة في التعامل معها؟

ـ عادة لا ألتقط الشخصية كما هي في الواقع وأعيد تسجيلها، بل أحاول تركيبها بمزاجي من أكثر من شخصية أعرفها في الواقع، وتكمن المشكلة الأساسية في الإمساك بروح وملامح محددة للشخصية، حتى لو لم أعلن تفاصيلها في النص، فالمهم أن أظل واعياً بهذه الملامح طيلة عملية الكتابة، وهو خيط واه وسرابي وخادع. هنا فائدة تكرار المسودات لأنها تعينيني في عملية الوعي بالشخصية واستبصار تاريخها ومأزق وجودها.

• بمن تأثر في بداياتك؟

ـ رحم الله البدايات.. كنت حراً وكنت “دودة قراية” أقرأ لافتات الأطباء وأصوب أخطاءها.. والصحف و”قراطيس اللب”.. كل شيء.. الوجود كله كان تحت مجهر القراءة، بدهشة وحماس.. قبل أن أتلمس الطريق بمزيد من الفوضى والعشوائية والمزاجية.. قصص لإدريس ونجيب محفوظ وعبد الحكيم قاسم وأصلان وتولستوي وهيمنغواي وديستوفسكي وكازنتزاكيس وإيفو اندريتش ومسرحيات توفيق الحكيم والمنفلوطي ومذكرات وسير مشاهير.. الآن مازلت أقرأ بنفس العشوائية والمزاجية.. لكن بدهشة وحماس أقل.. ويبدو أن للقراءات الأولى ـ الصدفوية ـ تأثيرها المدهش في تكوين الذائقة وأسلوب الكتابة، وكأنها تلتصق ببصمتنا إلى الأبد.

• هل تقيم وزناً لأراء النقاد في كتبك؟

ـ الناقد قارئ آخر.. هو مرآتي.. من قد يراني أفضل مما أرى نفسي.. من يكتشف دروباً لا أعرفها في نصي.. حتى لو كان تعليق الناقد غير مفيد على نص نشر بالفعل وانتهت تجربته.. لكنه يعطيني استبصاراً ومفاتيح شيطانية لاستيلاد نص لم يأت بعد.

• ما رأيك في الكتاب الشباب من الجيل الحالي، وماذا تقول إذا طلبت منك أن توجه نصيحة لهم؟

ـ ببساطة، في كل الأجيال دائما هناك كتابة جيدة وأخرى غير جيدة.. ولا أميل لمقام الناصح، فحتى الشباب الأصغر مني سناً قد يفيدونني هم أكثر مما أفيدهم.. المهم لي ولأي كاتب، أن يمتلك صوته الخاص وفقاً لحكمة نيتشوية تقول “كن رجلاً ولا تتبع خطواتي” وقد عدلتها قليلاً، بما يُرضي النسويين.. “كن نفسك ولا تتبع خطواتي”.. وأقول لنفسي قبل غيري: اقرأ ما يحلو لك، واكتب ما يحلو لك.. لا تفرط في حريتك التامة، ولا تقلد مشية غيرك.

• تعتقد أن مهنة الكتابة صعبة؟

ـ بالتأكيد صعبة، خصوصاً في مجتمع عربي لا يقدر الكاتب ولا يحترم الكتاب.. نحن فئة مستبعدة ومهمشة ومهشمة، ونتعلق بأهداب أعمال أخرى كي نستطيع البقاء على قيد الحياة.. هل هناك صعوبة أكثر من ذلك؟ وفي كل مرحلة يواجه الكاتب صعوبات وجودية شرسة قد تدفع البعض للاعتزال أو الانتحار.

• هل تفضل اتباع أسلوب واحد في كتابة أعمالك أم تفضل التجديد؟

ـ كل كتاب لي هو تجربة ولعبة أحاول فيها تجديد إحساسي ودهشتي بالكتابة. ولنقل إن الكاتب عادة يعيش متأرجحاً ما بين بصمته المتكررة ورغبته في التمرد والتجريب.

• برأيك ماهي المعايير التي يجب تقييم الكاتب على أساسها؟

ـ لا أرتاح لأسئلة القيمة، فحتى لو كنت أعرف مثل هذه “المعايير” فهي لن تساعدني في كتابة النص الأفضل. هناك شيء غامض، ملتبس، ومنفلت، في عملية الكتابة، ولا يقاس بمسطرة. ثمة من يجترح قيمة أصيلة ومتفردة، لكننا نحاربها لأنها لا تتماشى مع “تقاليد النوع”، وثمة من يعيد تعبئة “تقاليد النوع” دون ذلك النفَس الأصيل المتفرد، ويحظى بالشهرة والنجاح وقوائم المبيعات.. الأمر بالغ التعقيد! هناك مواهب لا خلاف عليها، مثل شكسبير أو دانتي أو الجاحظ.. ومواهب تنال أكبر من حجمها.. ومواهب تنال أقل.. والأمر ذاته بالنسبة للنصوص.. دائماً وأبداً ثمة صراع ما بين “القيمة الفنية” و”سطوة الكيتش”، وكل قارئ يحاول أن “يُمعير” النص، اقتراباً أو ابتعاداً، عن هذين الطرفين. هل الأفضل للكاتب أن يتأرجح في الوسط، أو يتطرف باتجاه أحدهما؟ كلها رهانات يصعب حسمها. الأكيد أن “الكيتش” يستجيب لرواج اللحظة، و”القيمة” تتجدد عبر الزمن، وتتشهى قارئاً لم يولد بعد.

• هل تعتقد أن الكتابة الأدبية قادرة على تغيير المجتمعات؟

ـ لما لا؟! بعض الكتابات والفنون عموماً غيرت قوانين ومجتمعات وأشعلت ثورات.. لكن في المجمل هذا التغيير يكون “غير مباشر” وبطيئ، وربما يصعب رصده.. الإبداع في رأيي لا يقلد الواقع، بل الواقع هو الذي يقلده ولو ببطء.. مثلما تقلد المراهقات تسريحة نادية لطفي أو فساتين مارلين مونرو.. أعتقد أننا لا نستطيع أن نعي وجودنا كله إلا عبر الثقافة، وليس وعياً مباشراً من خلال واقع خام.. وهنا ميزة وعبقرية الإبداع، عن ظواهر أخرى كالعلم والدين، لأنه وحده من يضع هذا الوعي في قالب جمالي.. وتلك فتنته الآسرة، ويكفي فقط أن نقرأ انفعالات أسرة تشاهد فيلماً عاطفياً مثل “تايتانيك”، وانفعالات الأسرة ذاتها لو كانت تشاهد وثائقياً عن “خريطة الجينات”!

• كيف تشعر في هذه اللحظة؟

ـ ممتن للكتابة.. امتنان عميق، ليس بما صدر لي ولا لحصولي على جوائز.. بل لتلك المتعة التي وفرتها لي والتي قد تفوق كل متع الدنيا الأخرى.. ولأنها أيضاً جعلتني أشعر بوجودي على نحو مختلف.. ولولاها ربما انتحرت وفقدت قدرتي على التوازن مع عالم ضاج بالقبح والبؤس والعبث.

* نشرت في آراء. 

22 يونيو,2014 - زيد الفضلي
كُتب في حياة الكاتب, طقوس الكتابة, عن الكتابة, لماذا تكتب | التعليقات مغلقة