إليزابيث جورج: المعرفة تهب الكاتب القوة، الأسلوب يمنحهُ التألّق

ترجمة: إيمان معروف

إن الكتابة الجيدة لا تنبع إلا من الاستيعاب العميق لهذه الحرفة.

 “لطالما كانت الكتابة فعلًا مثيرًا للرعب بالنسبة لي، حتى صرت لا أؤمن أنني أمتلك الموهبة الخاصة التي تؤهلني لمثل هذا الفعل، وما زلت أتساءل حتى اللحظة إلى متى سأبقى قادراً على ابتكار الروايات انطلاقًا من مخزون مواهبي المتواضع!. ها أنا أجلس يومياً إلى حاسوبي يغمرني الأمل بالإبداع، ولكن حالما أقرأ النصوص المذهلة التي خطّها شخص ما في روايته الأولى، كما في رواية “الجبال الباردة” أو رواية” الألم الفذّ” العمل الأول للكاتب أندرو ميلر (وهي بين يديّ الآن)، أعود فأتساءل ما الذي أفعله هنا؟ يا إلهي، بالكاد أستطيع أن أقارن موهبتي الهزيلة مع هؤلاء الروائيين. و سرعان ما أعزيّ نفسي بالقول أنني حقاً أبذل قصارى جهدي، وأسرد القصة بأفضل ما يمكن لي، وأدع الباقي لمشيئة الله”.

عن رواية “مجلة رواية، شرق عدن” للكاتب جون شتاينبك،

فبراير 24، 1998 

 يظن البعض أنَّ إتقان الكتابة لا يتطلب سوى إتقان الكلام أو القراءة، وأنه من السهولة بمكان بحيث لا يحتاج لأكثر من أداة للطباعة لإثبات “أو عدم إثبات” صحة وجهة نظرهم.

 وفي الحقيقة، إن الكتابة الجيدة لا تنبع إلا من الاستيعاب العميق لهذه الحرفة. ولتحقيق لذلك لا بدّ من معرفة أدوات الحرفة ومن ثمًّ معرفة كيفية استخدام تلك الأدوات. وفي حالة الكتابة، تستند المهارة في استخدام الأدوات على البراعة والمرونة اللغوية التي يتمتع بها الكاتب والتي تنشأ أساسًا من الموهبة الفطرية والتعامل الجيد مع اللغة، إضافة إلى إدراك القواعد الأساسية لكيفية جمع الكلمات مع بعضها البعض بأسلوب صحيح يجعلها تعطي أكبر قدرٍ من الإيحاء.

د الإشارة إلى أنّ على طلابي الإلمام بالقواعد الأساسية للغة قبل انتقالهم إلى كتابة الرواية. لذلك أود مراجعة بعض ما كنا قد تعلمناه على عجلٍ في مراحل التعليم الابتدائي دون أن ندرك مدى أهميته في ذلك الوقت.

   حدة التعبير الرئيسية في اللغة هي الجملة. وباستثاء علامات التعجب والتعابير الحشوية وغيرها من الكلمات المفردة المستخدمة لتوضيح المعنى، تتألف الجملة من فاعل ومفعول به (أو ما يسمى خلاف ذلك الفعل)، ومن فكرة كاملة. ويمكن تفخيم هذه الجملة أو تبسيطها من خلال جعلها:

بسيطة: اندلعت النيران في برج خزان الماء في الساعة الثانية صباحًا.

مركبة: اندلعت النيران في برج خزان الماء عند الساعة الثانية صباحًا، وهرب الجاني من موقع الحادث.

معقد: عندما اندلعت النيران في برج خزان الماء، تملّك الجاني نوع من المتعة الجنسية العنيفة والحادة.

معقد- مركب: عندما اندلعت النيران في برج خزان الماء، تملّك الجاني متعة جنسية عنيفة، وتدافعت ألسنة اللهب بشراسةٍ حتى طالت السماء.

مقطّعة بشكل متعمد: لو أن النيران التهمت البرج.

التتابع المتعمد (ويطلق عليه أحياناً اسم فاصلة الربط Comma-Splice): التهمت ألسنة اللهب البرجَ، ووقف الجاني ، وقد تعرّق كفاهُ، يراقب تصاعد النيران.

إن معرفة كيفية إنشاء كل نمط من أنماط هذه الجمل يتيح لك التلاعب باللغة ببراعة كي تتمكن من تغيير الحالة المزاجية للنص الذي تكتبه. وفي حال استخدمتها بمهارة ستتمكن من نقل القارئ بسلاسة عبر نصك النثري. إنّ من الحكمة فهمُ ما سبق لأن العثور على محرّر يتقن التمييز بين أنواع الجمل هو أمرٌ أقرب ما يكون إلى المعجزة هذه الأيام. وحدث أن تعاملت فيما مضى مع أكثر من محرّر وقد تسبب جهلهم بوقوع خطأ جسيم في إحدى رواياتي.

 السؤال: هل تستطيع كتابة رواية كاملة دون أن تكون قادرًا على تحديد نوع الجمل التي تستخدمها؟ نعم، بالطبع، يمكنك ذلك. ولكن لا شكّ أنك كلما فهمت آلية عمل أدواتك، كلما أصبحت أكثر مهارة في استخدامها.

وتستخدم وحدات التعبير الأولية هذه في إنشاء فقرات النص، والفقرة هي مجموعة من الجمل يجمعها موضوع رئيسي ظاهر أو ضمني.

  لنلق نظرة على مثال يوضح كلا الحالتين.

يحيط الحيد البحري بالجزيرة من أكثر من جانب، وعلى مسافة ميلٍ تقريبًا بموازاة الشاطئ. أما الشعب المرجانية فقد امتدت في البحر فيما يشبه خطاً متواصلاً من الطبشور، خطّه عملاق ضخم، أراد إعادة رسم حدود الجزيرة، لكنه شعر بالتعب فتوقف عن متابعة مهمته قبل أن ينهيها. وظهرت المياه البرّاقة مع الصخور والأعشاب البحرية في عمق البحر كما لو أنها حوض سمك كبير، في حين سادت الزرقة الداكنة خارج البحر. وراحت أمواج المدّ والجزر تصنع خيوط الزبد وتنسحب مبتعدة عن الحيد البحري فانتابهم الشعور لبرهةٍ بأنّ القارب يتقهقر مبتعداً بهدوء.

نلاحظ في هذه الفقرة من رواية “سيد الذباب” أن موضوع وليام جولدينج هو الحيد البحري. وقد أوضح ذلك بشكل مباشر ومنذ بداية الفقرة. كما أن جميع الجمل التي أنشأها في فقرته متحدة ومنسجمة مع بعضها البعض، وتدور جميعها حول موضوع الفقرة.

في المقابل، يعمد جولدينج إلى رسم آثار موت شخصية سيمون في الرواية نفسها من خلال الاعتماد على التغييرات التي طرأت على الجزيرة بعد انحسار العاصفة التي قتل سيمون وقت حدوثها. إلا أن موضوع التغيير لم يذكر بشكل صريح وظاهر. وإنما بشكلٍ ضمني فقط.

    توقف المطر نحو منتصف الليل وانسحبت الغيوم مبتعدةً لتعود النجوم فتبدو كمصابيح برّاقة تناثرت عبر السماء من جديد. حتى النسيم توقف أيضًا وساد الصمت الجزيرة فيما خلا صوت تساقط قطرات المياه وتدفقها الهزيل عبر الشقوق لتهبط من ورقة شجر إلى أخرى وصولاً إلى التربة البنية للجزيرة. كان الهواء منعشًا رطبًا وصافيًا واستعاد صوت الماء هدوءه. وتصادمت الأمواج على الشاطئ الشاحب ناشرةً أثرها على كل نقطة فيه.

على عكس فقرة المثال الأول الذي يرتبط كل ما فيه بموضوع الحيد البحري المذكور في البداية، تتعلق معلومات هذه الفقرة جميعها بموضوعٍ لم يتم ذكره بشكل مباشر. وفي كلتا الحالتين، لا تخلو الفقرات من العنصر الأساسي اللازم لتحقيق الانسجام والوحدة. وهكذا، على كل جملة من كل فقرة لعمل على توضيح الجملة التي تسبقها أو أن تكون جملة مباشرة حتى لو كان الموضوع ضمنياً نوعًا ما. وإذا لم تحقق الجملة أيًا من هذين الشرطين لا بدّ من التخلص منها لأنها لا تنسجم مع السياق وسوف تعيق التدفق السلس للنص السردي في نهاية المطاف.

وبمجرد الانتهاء من وضع الفقرات المتحدة والمتماسكة، ستكون مستعدًا للتفكير في كيفية ربطها معاً لإنشاء سردٍ سلس. ويشكّل هذا الأمر جزءًا كبيرًا من الدافع الذي يحث القارئ على الاستمرار في قراءة قصتك، وبإمكانك تعزيز هذا الدافع من خلال الربط الجيد ما بين الفقرات والمشاهد والأحداث أو مجريات القصة. كما أن الربط ما بين الفقرات الانتقالية أثناء إنشاء النص يحافظ على التدفق السلس للسرد.

 لاحظ هذه الفقرات من روايتي ” الخداع في ذهنه”. وهي فقرات من المشهد الذي تصل فيه الشخصية الرئيسية، المحققة باربرا هافرز، إلى البلدة التي شهدت وقوع جريمة القتل.

استدارت باربرا على عقبيها واتجهت نحو المطبخ. ثم نادت وقد انغلق الباب مهتزًا خلفها: “أريد كأسًا من عصير الليمون”.

وعادت إلى قراءة بقية المقال وحيدة هذه المرة دون أن يقاطعها أحد. ذكر المقال أن القتيل كان مديراً للإنتاج في شركة محلية تدعى “شركة مالك للخردل والأصناف المصاحبة”. وتعود ملكية هذا المشروع لشخص يدعى أكرم مالك، الذي كان عضوًا في المجلس البلدي أيضًا. وفي ساعة وفاته، التي صرحت إدارة البحث الجنائي المحلية أنها وقعت مساء الجمعة، قبل حوالي ثمان وأربعين ساعة من وصول باربرا إلى بولفورد، كانت تفصل السيد كوراشي ثمانية أيام عن موعد زواجه من ابنة السيد مالك. في حين أنّ السيد مهند مالك صهره المستقبلي والناشط السياسي المحلي هو من أطلق الحملة المحلية الخاصة ببدء تحقيقات إدارة البحث الجنائي إبّان اكتشاف جثة كوراش. ولم يجر حتى الآن الإعلان عن سبب الوفاة رغم استلام إدارة البحث الجنائي ملف التحقيقات على الفور. مما دفع مهند مالك إلى التوعد بإقحام أعضاء بارزين من الجالية الآسيوية في التحقيقات. حيث صرح بعد ظهر يوم السبت قائلاً: “إن من الحماقة التظاهر بأننا لا نفهم سبب عدم ظهور الحقائق حين يتعلق الأمر بشخص آسيوي”.

وضعت باربرا الصحيفة جانباً مع عودة سوزي بصحبة كأسٍ من عصير الليمون تتأرجح فيه قطعة وحيدة من الثلج بحسن نية. أومأت باربرا شاكرةً وحنت رأسها مجدداً تجنبًا لأي تعليق إضافي. كانت بحاجة للتفكير.

 لقد راودتها بعض الشكوك بشأن احتمال أن يكون تيم الله أزهر هو “عضو الجالية الآسيوية البارز” الذي توعد السيد مهند مالك بتقديمه للتحقيق. حيث تزامنت مغادرة أزهر لـ لندن مع وقت وقوع هذه القصة مما يجعل الأمر يبدو مختلفًا. لقد حضر أزهر إلى هنا، وعرفت باربرا أنها مسألة وقت لا أكثر تلك التي تفصلها عن لقائه والتعثر به.

ولم يكن بوسعها سوى أن تتخيل كيف سيقابل نيتها بإثارة المواجهة بينه وبين الشرطة المحلية. وأدركت للمرة الأولى كم كانت تتصرف بغطرسة لعلمها أن أزهر كان محتاجًا لوساطتها. يا إلهي، لقد كان أستاذًا جامعيًا حادّ الذكاء، ويتوجب عليه أن يعرف مسبقًا ما الذي يقحم نفسه فيه. أليس كذلك؟

مررت أصبعها نزولاً على الماء المتكاثف على جانب الكأس وغرقت في أفكارها.

 استقت باربرا معلوماتها حول تيم الله أزهر من محادثاتها مع ابنته هديّة. وقد استنتجت في البدء أنه ما زال طالبًا جامعيًا بعد أن ذكرت هديّة أنّ والدها ذهب لحضور حصة متأخرة ذلك المساء، ولم تستند في استنتاجها على ذلك وحسب بل على العمر الذي قدرته من ملامح الرجل التي أوحت لها بأنه ما زال طالبًا. لكن دهشتها لم تقتصر على اكتشاف أنه أستاذ في علم الأحياء الدقيقة، بل أيضًا حين علمت عدم انتمائه إلى نمط عرقي محدد. كان يبلغ من العمر 35 عاماً أي يكبرها بعامين فقط، وهذا بحدّ ذاته كان مثيراً للجنون فقد بدا أصغر منها بعشر سنوات على الأقل!.

بمنأى عن العمر، عرفت باربرا أن مهنة أزهر ستشكل عقبة له لاحقًا. فقد وضعته مسيرته المهنية في برجٍ عاجي عمل على حمايته وعزله عن واقع الحياة اليومية. حيث تنحصر اهتماماته كلها في المختبرات والتجارب والمحاضرات إضافة إلى نشر المقالات المعقدة في المجلات العلمية. مما سيجعله في مواجهة صعبة مع الطبيعة المعقدة والحساسة لعمل جهاز الشرطة الغريب عنه تماماً كغرابة مواجهة بكتيريا مجهولة تحت المجهر.

   إنّ السياسات المتبعة في الحياة الجامعية، والتي عرفتها باربرا عن بعد أثناء عملها على قضية في جامعة كامبردج الخريف الماضي، لا مجال لمقارنتها مع السياسات المتبعة في سلك الشرطة. فالقائمة المثيرة للإعجاب الغنية بإصدارات الكتب وحضور المؤتمرات ونيل الدرجات الجامعية لا تمنح المرء الخبرة المهنية ولا العقل الإجرامي القادر على ارتكاب جريمة قتل. ولا شكّ أن أزهر سيكتشف هذه الحقيقة حالما يبدأ الحديث مع الضابط المسؤول، إن كانت تلك بالفعل نواياه.

عادت باربرا مجددًا إلى الصحيفة بعد أن خطر في ذهنها  ذلك الضابط. وكان عليها استخدام مذكرة التفتيش حالاً على أمل استغلال حضور تيم الله أزهر إلى الساحة، لعل هذا يساعدها في معرفة الشخص الذي يدير هذا العرض.

ستجد بعد التدقيق أن هذه الفقرات مترابطة فيما بينها بفعل أدوات بسيطة. فإما أن تكون الجملة الأخيرة من كل فقرة على صلة مباشرة بالجملة الأولى من الفقرة اللاحقة أو أنها تعمل كافتتاحية للانتقال إلى الفقرة التالية. وبالتالي، إن جملة ” كانت بحاجة للتفكير” هي مدخل لما سوف تقوم بالتفكير فيه خلال الفقرة التالية: “احتمال أن يكون تيم الله أزهر هو الشخص الذي تم تحديده كعضو بارز في الجالية الآسيوية”. وعندما تنتهي الفقرة بجملة “حتى تتعثر به” نستعد للدخول إلى الفقرة اللاحقة تلقائيًا حيث تستمر في تكهناتها حيال رد فعله عندما تصادفه وتتعثر به. وتنتهي تلك الفقرة بسؤال تتم الإجابة عليه في الفقرة التي تليها. وكذلك نجد أنّ الفقرة التي تنتهي بجملة “بدا أصغر منها بعشر سنوات” متصلة بجملة ” بمنأى عن العمر…” التي تبدأ بها الفقرة التالية.

هل فهمت كيف يتم الأمر؟

إن مراعاة جسور الربط والانتقال بين الفقرات أثناء الكتابة يمنح القارئ تجربة مغرية وغامضة. وسيجد القارئ أنه راغب ومضطر لمتابعة القراءة رغم أن الرواية قد لا تكون ذات وتيرة سريعة ودون أن يدرك سببًا لذلك. (قال لي المحرر في إحدى الجلسات: اليزابيث، إن أحدًا لن يتهمك يومًا بكتابة رواية سريعة الخطى!).

   إن هذا يمثل هذا بالنسبة لي المتعة الأكبر أثناء الكتابة: إغراء القارئ بمتابعة قراءة العمل بدافع من انسجام النص ووحدة السرد.

    إذا لم تكن هذه هي الكتابة الإبداعية، فأنا لا أعرف ما هي.

في النهاية، على الكاتب الحكيم أن يضع في حسبانه أن الانسجام والوحدة أمر هام في أي رواية وأن معظم الروايات تتحد مجتمعة حول موضوعها. فالموضوع هو الحقيقة الرئيسية التي تكتبها، والفكرة التي تلعبها في الرواية، أو وجهة النظر التي تحاول إيضاحها. وبشكل عام، تجسّد الصراعات والمصاعب التي تواجهها شخصيات روايتك انعكاساً لأفكار الموضوع.

وغالباً ما يكون لدي علم مسبق بالموضوع الذي أنوي الكتابة حوله وذلك قبل إنشاء المسودة الأولية للرواية. فعلى سبيل المثال، كنت أعلم مسبقًا أنّ رواية “الخلاص الكبير” كانت ستخوض في موضوع الانعتاق من الماضي. وكان واضحاً بالنسبة لي أن رواية “تسديد الدين بالدم” ستعالج موضوع الخيانة: خيانة صديق، أو زوج، أو حبيب، أو بلد.

ومن ناحية أخرى، كنت أظنّ أن رواية “من أجل إلينا” ستعالج موضوع تأثير التسلط على الإبداع، ولكن أثناء الكتابة وجدت أنني أكتب في الواقع عن القرارات التي تواجهها النساء وتؤثر على مسار حياتهن. ولم أدرك حين كتبت رواية “جوزيف المفقود” أنني أكتب عن تلك الرغبات التي نملكها جميعنا والمحكوم عليها بالفشل إلى أن وصلت إلى مشهد بولي ياركين الأخير مع بريندان بورز حيث تقول له: “ألسنا جميعاً بحاجة إلى شيءٍ ما”.

وأقصد هنا: قد لا تكون لديك فكرة مسبقة عن موضوع الرواية إلا أنها سرعان ما تتضّح. إلا أنّ المعرفة المسبقة للموضوع تعتبر ميزة هامة لأنها تسمح لك بوضع مخطط للحبكات الفرعية بناء عليها وتعكس ملامح الموضوع المقصود بأسلوب متناسق مع الرواية ككل بدلاً من الضياع والتذمر.

 ويبتكر المؤلف في بعض الأحيان مشهداً يتناول الموضوع بصورة مباشرة، كما فعلت الروائية بي دي جيمس في روايتها “مذاق الموت”:

تسكّع ماسنغهام في الساحة لمدة أطول كثيرًا من اللازم، وقبل دقيقة واحدة من منتصف الليل، قاد عربته عائدًا باتجاه الفيلا في ميدان سان بترسبورغ. كانت أنوار الطابق السفلي ما تزال مضاءة، أي أن والده لم يصعد والده بعد إلى سريره. أدار المفتاح في القفل بأقصى قدرٍ من الهدوء، ودفع الباب بحذر كاللصوص، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا، وسرعان ما انفتح باب غرفة الجلوس الأمامية الصغيرة وخرج منه اللورد دونغانون متثاقلاً. لا بدّ أنه كان بانتظار صوت السيارة. عبرت جملة “السراويل المنزلقة” في ذهن ماسنغهام سريعاً حاملة معها عبئًا ثقيلاً من الشفقة والغيظ والشعور بالذنب.

 قال والده:

“أوه، ها أنت ذا، ولدي العزيز. لقد أحضر بورفيس للتوّ صينية الشراب. هل ترغب بالانضمام لي؟

لم يسبق أن ناداه والده ولدي العزيز من قبل. بدت الكلمات مزيفة، مبالغ فيها وسخيفة. وردّ صوته بنغمة النفاق المحرجة ذاتها.

  “لا شكراً لك، أبي. أفضّل الصعود. لقد كان يومًا متعبًا. نحن نعمل على قضية بيروين”

 “بالطبع. بيروين. كانت تدعى ليدي أورسولا ستولارد قبل زواجها. وقد تمّ تقديم العمة مارغريت في العام نفسه. لا بدّ أنها تجاوزت الثمانين من عمرها. ولا يبدو موتها غير متوقع”

   “ليست السيدة أورسولا من ماتت يا أبي. بل ابنها”

   “كنت أظنّ أنّ هوغو بيروين قتل في ايرلندا الشمالية”

   “ليس هوغو يا أبي، وإنما بول”

   “بول”. بدا والده وكأنه يفكّر مليًا في الاسم، ثم قال:

   “عليّ إذاً أن أكتب رسالة للسيدة اورسولا بالطبع. المسكينة. إن كنت واثقًا من عدم رغبتك بالدخول…” . وغاب صوته الذي أصبح منذ شهر إبريل شبيهًا بحشرجة رجل عجوز. إلا أن ماسنغهام كان قد صعد الدرج للتوّ. وفي منتصف الطريق إلى شقته، توقّف واسترق النظر أسفل الدرج متوقعًا أن يرى والده يعود متثاقلاً إلى غرفة الجلوس حيث عزلته ومشروبه. إلا أن الرجل العجوز كان ما يزال واقفًا في مكانه يحدق به بنظرات الشوق غير المقبول. وتحت الإنارة القوية لمصابيح الصالة رأى بوضوح ما فعلته الأشهر الخمسة الماضية بملامح ماسنغهام القاسية. لقد بدا اللحم في وجهه وكأنه انزلق عن العظم حتى بانَ الأنف المعقوف وكأنه شقّ الجلد بسكين حادة في حين تدلّى الفكان المرتخيان بتثاقل مثل كيس مرقشٍ كجلد طائر نُتفَ ريشه. أما شعره الذي كان لامعًا فيما مضى فقد جرى تبييضه وبهت لونه الآن وأصبح كالقشّ لونًا وقوامًا. وفكّر: لقد أصبحت عتيق الطراز كلوحةٍ لـ رولاندسون. إن الشيخوخة تحولنا جميعًا إلى رسوم كاريكاتورية. لا عجب إذًا أننا نشعر بالرهبة حيالها.

   وعبر رحلة صعود الدرج القصيرة إلى شقته، عاوده الشعور بالتشويش الذهني القديم نفسه. كان الوضع لا يطاق بالفعل. وتوجب عليه الابتعاد وبأسرع وقت. ولكن كيف؟

  بعيداً عن الإقامة الوجيزة التي أمضاها في المنزل النقّال، عاش ماسنغهام في غرفه المستقلة التابعة لمنزل والديه منذ أن التحق بالشرطة. وحين كانت والدته على قيد الحياة، كان هذا الوضع ملائماً جداً له. كان والداه قد تركاه وحيدًا وبالكاد لاحظا وجوده أو غيابه بسبب العلاقة العميقة التي جمعتهما وخاصة أن زواج والده جاء متأخرًا في عمر الخامسة والأربعين. ولم يكن ثمة ما يثير الإزعاج إلا باب المنزل الأمامي المشترك ولا شيء غيره. لقد عاش مرتاحًا، يدفع إيجارًا رمزيًا ويدخر المال مطمئنًا نفسه أنه سيشتري شقته الخاصة عندما يحين الوقت. كما كان من السهل عليه توفير الخصوصية لعلاقاته الغرامية، والاستفادة من طاقم الخدم العامل لدى والدته حين يرغب بوجبة مطهية، أو غسل الملابس، أو تنظيف الغرف، واستلام بريده.

  لكن كل ذلك قد تغير الآن بعد وفاة والدته في شهر ابريل الفائت.

    تمكّن والده من شغل أيامه في فترات انعقاد مجلس اللوردات حيث ينتظر مرور الحافلة رقم 12 أو 88 صباحًا والتي تقلّه إلى ويستمينستر، ثم يعود لتناول الغداء في المنزل، والنوم أحيانًا خلال جلسات النقاش المسائية. أما خلال عطلة نهاية الأسبوع، أو خلال عطلة البرلمان، كان الرجل ينتقل إلى حالٍ من التشبث بابنه كحال امرأة شديدة الاستحواذ، يراقب مجيء ابنه ورحيله بهوس شديد، وينصت لدوران مفتاحه في القفل جاعلاً من نفسه رجلاً مهزومًا يتوسل بيأسٍ رفقة ابنه.

   كان لدى ماسنغهام شقيقان أصغر منه سنًا يرتادان مدرسة داخلية ويفضلان قضاء العطلات عند الأصدقاء هربًا من كآبة والدهما. أما شقيقته الوحيدة فقد تزوجت من رجل دبلوماسي وتعيش في روما. والتحق أخوه الأصغر بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية. وبالتالي كان على ماسنغهام أن يحمل عبء والده بالكامل وأصبح الإيجار الشهري الذي يدفعه مقابل السكن مساهمة ضرورية في أعباء المنزل توازي في أهميتها موارد الأب المتناقصة نتيجة المبالغ التي يدفعها مقابل الحضور اليومي إلى مجلس اللوردات.

  وفكّر بينه وبين نفسه وقد فاجأه شعور غامر بالندم: كان بإمكاني أن أمنحه عشر دقائق من وقتي. عشر دقائق لا أكثر من التواصل المحرج، أو من حديث تافه حول مهنته التي لم يجدها والده جديرة بالاهتمام إلى اليوم. عشر دقائق من الملل لا يخفف من شأنها إلا الخمر والاستعداد لليالٍ قادمة من الملل.

   وراح يفكّر وهو يغلق باب شقته وراءه بـزميلته كيت ميسكين، تجلس على بعد أقل من ميلين نحو الغرب، مسترخية في شقتها، تسكب لنفسها كأسًا، وقد تحررت من أي شعور بالمسؤولية، ومن أي شعور بالذنب، فشعر بموجة قوية من الحسد والاستياء غير المبرر لدرجة أنه أقنع نفسه بأن الذنب كان ذنبها وحدها.

 نجد هنا، ومع وصول دي ماسينغهام إلى البيت، أنّ الكاتبة تضعنا على تماس مباشر مع شعور الشخصية بالذنب حيال أسلوب تعامله مع والده، حيث تفاقم هذا الشعور بالذنب ليطغى على موقفه من زميلته الضابط كيت ميسكين. وعبر هذا المشهد الموجز توضح الكاتبة جيمس للقارئ المسألة التي تدور حولها الرواية برمتها وهي: الطبيعة الفتاكة للشعور بالذنب.

 ومن ناحية أخرى، وقد ذكرت ذلك سابقًا، عندما لا نتناول الموضوع بشكل مباشر فإن اتحاد الحبكات الفرعية واجتماعها حول ذلك الموضوع سيقود مسارها إلى القارئ. وتكمن الخدعة هنا في ابتكار حبكات فرعية توضح الموضوع نفسه ولكن من خلال حالات ووضعيات مختلفة.

 كما أن جمال الموضوع يتعلق بشموليته لكامل سياق القصة. كما في رواية أبسلوم! أبسلوم!،على سبيل المثال، حيث يكتب وليام فوكنر عن المفارقة الكبيرة الكامنة في مسألة التحيّز العنصري. حيث يبتكر فوكنر شخصية كولونيل سوتبن شديدة التعصب، وهو رجل قلق بالدرجة الأولى من إمكانية اختلاط الأعراق بعد زواج ابنته أكثر من قلقه من سفاح القربى الذي قد يحدث عند إتمام هذا الزواج. كما أنّ سوتبن ينفر من جميع من حوله من أشخاص حتى ينتهي به الأمر برفقة ولد غير شرعي: زنجي أسود يدعى جيم بوند. وهكذا نجد أن سياق الرواية بأكملها متصل بموضوع فوكنر ويعبر عنه بالذات وبأن الأمر انتهى به برفقة أكثر ما يكرهه.

   وبغض النظر عن اجتماع واتحاد الرواية حول موضوعها، يحتاج الكاتب إلى التأكد من اجتماع واتحاد العناصر الأخرى أيضًا. ولضمان ذلك على الكاتبة القيام بتحليل ودراسة كل مشهد تكتبه أو تنوي كتابته، وأن تتأكد من أن كل مشهد يحسّن الحبكة الأساسية وكل حبكة من الحبكات الفرعية. وحالما تتأكد من ذلك، عليها النظر إلى كل فقرة داخل كل مشهد، لتقرر إن كانت تحسّن من المشهد وتدور بالفعل حول الفكرة المركزية أم لا.

     وأخيراً، تحتاج الكاتبة إلى تقييم كل جملة داخل كل فقرة وأن تقرر فيما إذا كانت تلك الجملة تتناول النقطة المطلوبة (أي الموضوع) المذكورة  بشكل ضمني أو مباشر داخل الفقرة نفسها.

  عندما تتأكد من أنك أنجزت كل ما سبق، ستحصل على الوحدة (الانسجام) المنشودة، وإن امتلكت الوحدة والانسجام فقد امتلكت مشهدًا قصصيًا يدرك مكانه تمامًا وإلى أين يتجه. 

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to إليزابيث جورج: المعرفة تهب الكاتب القوة، الأسلوب يمنحهُ التألّق

  1. باقر جاسم محمد says:

    بعد حوالي نصف قرن من ممارسة الكتابة، وبعد بضعة كتب وعدد كبير من النصوص الأدبية والدراسات، ما زلت أشعر أن الكتابة مهنة صعبة للغاية، وهي تحتاج إلى تكريس نفسي وتأمل عقلي، وهي تتطلب تخصيص حصة عظيمة من الوقت القصير المتاح لنا على هذه الأرض لها وحدها (من دون أن ننسى حصة ما يوكل لنا من دور اجتماعي ووظيفي). فالكتابة نوع من إعادة تشكيل وجودنا على هذه الأرض.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *