خوليو كورتاثار: الأدب بالنسبة لي لُعبة..

ترجمة: كريم عبدالخالق

الأدب مثل لعبة، لكنه لعبة تستحق أن يكرّس الإنسان نفسه لها، يجب أن يفعل الإنسان كل شيء من أجلها.

لقد قُلت عدة مرات أن الأدب بالنسبة لك مثل اللعب، كيف هذا؟

خوليو: بالنسبة لي الأدب مثل لعبة، لكني كنت أضيف دائمًا أن هناك نوعان من الألعاب. كرة القدم مثلًا وهي في الأساس لعبة. ثم هناك ألعاب جادة ومتعمقة للغاية. حين يلعب الأطفال، بالرغم من أنها مجرد تسلية فإنهم يأخذون الأمر على محمل الجد. هذا مهم. ذلك مهم بالنسبة لهم الآن مثلما سيكون الحب مهمًا بعد 10 سنوات. أتذكر حين كنت صغير كان والداي يقولان لي “حسنًا، لقد لعبت بما فيه الكفاية، يجب أن تستحم الآن”. كنت أجد هذا في غاية الغباء، لأن بالنسبة لي كان الاستحمام أمرًا سخيفًا، ليس له أهمية، مقارنة باللعب مع أصدقائي.

الأدب مثل لعبة، لكنه لعبة تستحق أن يكرّس الإنسان نفسه لها، يجب أن يفعل الإنسان كل شيء من أجلها.

متى أصبحت مهتمًا بالأشياء الخيالية، هل كنت صغير السن وقتها؟

خوليو: بدأ الأمر في طفولتي، لم يكن لزملائي أي ميول نحو الأشياء الغريبة. كانوا يقبلون بالأمور كما هي.. هذا نبات، هذه أريكة، لكن بالنسبة لي، كان للأشياء تعريف مختلف. أمي، التي ما زالت على قيد الحياة وهي امرأة ذات خيال جامح، هي من شجعتني. بدلًا من أن تقول “لا، لا، يجب أن تكون شخصًا واقعيًا” كانت سعيدة بكوني شخصًا خياليًا؛ حين التفتُّ إلى عالم الخيال ساعدتني، لقد أعطتني كتبًا لأقرأها.

لقد قرأت إدغار ألان بو أول مرة حين كنت في التاسعة. سرقت الكتاب لأقرأه لأن أمي لم ترد أن أقرأ هذا؛ ظنت أني صغير جدًا على قراءة بو، وكانت على حق. لقد أخافني الكتاب ومرضت لمدة 3 أشهر، لأني صدقت ما فيه. بالنسبة لي كان ما هو خيالي طبيعيًا جدًا؛ لم يساورني الشك في ذلك أبدًا.

واستمر الأمر هكذا، حين أعطيت هذا النوع من الكتب إلى أصدقائي، كانوا يقولون “لا، نحن نفضل قراءة قصص رعاة البقر”. رعاة البقر وقتها كانوا مشهورين جدًا، لم أفهم ذلك، لقد فضلت عالم الغرائبيات، عالم الخيالات.

ما هو روتينك في الكتابة، هل تغيرت فيه بعض الأمور؟

خوليو: الأمر الوحيد الذي لم يتغير، ولن يتغير، هو الهرجلة وعدم التنظيم. ليس لدي طريقة اخرى. حين أشعر أني أريد أن أكتب قصة، أترك كل شيء يسقط على الورق؛ ببساطة أكتب القصة. وأحيانًا حين أكتب قصة، خلال شهر أو إثنين، سيؤدي هذا إلى كتابة قصص أخرى بعد ذلك. في العموم الحكايات تجر بعضها.

كتابة قصة تجعلني في حالة قبول للمزيد، ثم “ألتقط” قصة أخرى. أنت ترى أنواع الصور التي أستخدمها، الامر يشبه ذلك؛ القصة تسقط بداخلي. لكن قد يمر عام دون أن أكتب.. لا شيء.

بالطبع في الأعوام الأخيرة كتبت الكثير من المقالات السياسية على الآلة الكاتبة. النصوص التي كتبتها عن نيكاراغوا، وكل ما كتبته عن الأرجنتين. كل هذا ليس له علاقة بالأدب. إنها أمور نضالية.

هل لديك أماكن مُفضلة للكتابة؟

خوليو: في الحقيقة لا. في البداية حين كنت أصغر، ولدي طاقة جسدية، هنا في باريس مثلًا كتبت جزءًا كبيرًا من Hopscotch in cafes. لأن الضوضاء لم تضايقني أبدًا، بالعكس كان المكان مريحًا للنفس جدًا. عملت كثيرًا هنا. قرأت وكتبت الكثير. لكن مع مرور العمر أصبح الأمر أكثر تعقيدًا. أكتب فقط حين أحصل على بعض الهدوء والصمت. لا أستطيع أن أكتب وهناك موسيقى في الخلفية، هذا أمر مستحيل. الموسيقى شيء والكتابة شيء آخر.

أريد هدوءًا معينًا؛ لكن برغم ذلك قد يكون فندق أو طائرة أو بيت صديق أو هنا حتى في البيت، مكانًا مناسبًا للكتابة.

في الملاحظات الذاتية في كتبك، قرأت أنك عازف بوق مبتدئ. هل لعبت مع فرقة ما؟

خوليو: لا. هذه مجرد أسطورة اخترعها صديقي العزيز جدًا “بول بلاكبورن” الذي مات صغير السن للأسف. كان يعلم أني ألعب البوق قليلًا، في الأساس ألعب لنفسي في البيت. لذا كان يقول لي دائمًا “لكن يجب أن تقابل موسيقيين آخرين وتعزف معهم”. وكنت أقول “لا، كما يقول الامريكيون: لم أحصل عليها بعد”. لم تكن لدي موهبة؛ كنت أعزف لنفسي فقط. كنت أشغل تسجيل لـJelly Roll Morton أو أرمسترونج أو التسجيلات الأولى لـ Ellington  – حيث تتبع النغمة أسهل، خصوصًا البلوز Blues- وكنت أستمتع بعزفهم وإضافة عزفي إليهم. كنت أعزف معهم.. لكن لم أكن “أعزف معهم”! لم أجرؤ أن أقترب من عازفي الجاز Jazz. الآن ضاع البوق في مكان ما في الغرفة المجاورة. “بلاكبورن” فقط أعطى الموضوع أكبر من حجمه.

ولأن هناك صورة لي وأنا ألعب البوق، ظن الناس أني يمكنني أن ألعب البوق جيدًا. لم أرد أن أنشر أي شيء قبل أن أتأكد من جودته، وهكذا الأمر مع البوق أيضًا. لم أرد أن أعزف قبل أن أتاكد من جودة عزفي. ولم يأتي هذا اليوم بعد.

والموازنة بين الحياة والأدب يمكن أن تكون صعبة.

نعم ولا. تعتمد على أولوياتك. لو كانت أولوياتك، مثل التي ذكرتها الآن، تلمس المسؤليات الأخلاقية للفرد، أقول نعم الأمر صعب. لكنني أعرف الكثير من الناس يشتكون دائمًا “أوه، أريد أن أكتب روايتي، لكن يجب أن أبيع البيت، ثم هناك الضرائب، ماذا سأفعل؟” وأسباب مثل “أنا أعمل في المكتب طوال اليوم، كيف تتوقع مني أن أكتب؟” انا كنت أعمل طوال اليوم في اليونسكو ثم أعود للبيت وأكتب Hopscotch.

حين يريد المرء أن يكتب، فإنه يكتب. حين يرتبط المرء بالكتابة، فإنه يكتب.

هل كانت الشهرة والنجاح ممتعتان؟

آه، اسمع، سأقول أمرًا لا يجب أن أقوله لأن أحدًا لن يصدقه، لكن النجاح ليس أمرًا ممتعًا بالنسبة لي. أنا سعيد لأنني أستطيع أن أعيش بسبب ما أكتب، لذا يجب أن أتكيف مع الشهرة والنجاح النقدي. لكني كنت أسعد حين كنت غير مشهور. أسعد بكثير. الآن لا يمكنني أن أذهب إلى أمريكا اللاتينية أو إسبانيا دون أن يلاحظني شخص ما كل 10 ياردات، والأتوغرافات والأحضان.. الأمر محفز، لأنهم قرّاء صغار السن. أنا سعيد لأنهم يحبون ما أكتب، لكنه يثير أعصابي أحيانًا من ناحية الخصوصية. لا يمكنني أن أذهب للشاطئ في أوروبا؛ خلال خمس دقائق سيكون هناك مصور أمامي. لدي شكل مميز لا يمكن أن أخفيه؛ لو كنت أصغر كنت سأحلق ذقني وأضع نظارات، لكن مع طولي، وذراعاي الطويلتان، سيكشفونني من مسافة بعيدة. على الجانب الآخر، هناك أمور جميلة: كنت في برشلونة منذ شهر، كنت أمشي في الحي القوطي ذات ليلة، وكانت هناك فتاة أمريكية، جميلة للغاية، تعزف الجيتار وتغني. كانت تعزف على الأرض لتكسب المال. كانت تغني مثل “جوان بيز” Joan Baez، صوت نقي وجميل. وكان هناك شباب من برشلونة يستمعون. وقفت لأستمع إليها، لكني كنت أقف في الظل. في لحظة ما لاحظني شاب في العشرينات من عمره، صغير ومهندم. كانت في يده كعكة، قال لي: “خوليو، خذ قطعة”. لذا أخذت قطعة وأكلتها، وقلت له “شكرًا لأنك أتيت وأعطيتني من الكعكة” قال لي “لكن، أسمع، لقد أعطيتك القليل مقابل كل ما أعطيته لي” وقلت له “لا تقل هذا، لا تقل هذا” ثم إحتضنته ورحل بعدها.

أمور كهذه هي أفضل مُقابل لأعمالي. أن يأتي فتى أو فتاة إليَّ لنتحدث وأن يعرضوا عليك كعكة، إنه أمر جميل. الأمر يستحق العناء في الكتابة.

 

المصدر

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *