وليم زنسر: عن الكناية المضجرة والتمويه اللفظي

ترجمة: سناء الغامدي

ابحث عن الركام في كتابتك وشذّبه بلا رحمة.

مكافحة الركام تشبه مكافحة الحشائش الضارة، الكاتب دائما متأخر قليلا. مجموعات جديدة تنمو بين ليلة وضحاها، ولا يأتي وقت الظهر إلا وقد أصبحت جزءًا من الخطاب الأمريكي. خذ بعين الاعتبار ما حققه جون دين مساعد الرئيس نيكسون في يوم واحد فقط حين أدلى بشهادته على شاشة التلفاز خلال جلسات الاستماع لمحاكمة ووترغيت. منذ اليوم التالي أصبح الجميع في أمريكا يقولون ” في هذه النقطة من الزمن ” بدلًا من ” الآن “.

انظر إلى عدد حروف الجر التي تغرق فيها أفعال لا تحتاج إلى أي إضافة أو مساعدة. لم نعد نرأس “Head” اللجان ولكن نترأسها “head up”. لا نواجه “Face” المشكلات ولكن نتواجه معها “Face up” إذا كان بإمكاننا الحصول على” Free up” بعض الدقائق. ربما ستقول انه اختلاف بسيط لا يستحق ان تنزعج بسببه. ولكنه يستحق الانزعاج بسببه. يرتبط تحسن مستوى الكتابة بعلاقة مباشرة مع عدد الكلمات التي يمكننا ألا نضيفها لها إذا لم يكن يجب أن نضيفها. كلمة “up” في عبارة “Free up” لا يجب أن تضاف. تفحص كل كلمة تكتبها على الورق. ستتفاجأ بعدد الكلمات التي ليس لها أي هدف.

خذ صفة “الخاص” مثلا: “صديقي الخاص “أو” مشاعره الخاصة ” أو “طبيبها الخاص”. انها نموذج لمئات من الكلمات التي يمكن الاستغناء عنها. دخل مصطلح الصديق الخاص إلى اللغة للتمييز بينه وبين صديق العمل، مما حط من قدر اللغة والصداقة. مشاعر فرد ما هي نفسها مشاعره الخاصة، هذا ما تعنيه هاء الملكية في “مشاعره”. اما الطبيب “الخاص ” فهو الشخص الذي يستدعى لغرفة الملابس لممثلة مريضة لكيلا تضطر للعلاج على يد الطبيب غير الخاص المخصص للمسرح. أود أن يشار إلى ذلك الشخص يومًا ما كـ “طبيبها”. الأطباء هم أطباء، الأصدقاء هم أصدقاء. والباقي ركام.

الركام هو الجملة المرهقة التي تدفع بعيدا بالكلمة القصيرة التي لها المعنى ذاته. حتى قبل جون دين، توقف الناس والشركات عن استخدام كلمة “الآن”. أصبحوا يقولون ” حاليا” (يقوم جميع موظفينا حاليًا بمساعدة زبائن آخرين)، أو “الوقت الحاضر” أو “عما قريب” (والتي تعني ” قريبا”). من الممكن دائمًا أن تعبر عن هذه الفكرة بكلمة “الآن” لنعبر عن اللحظة الحالية (الآن يمكنني أن أراه)، أو ” اليوم ” للتعبير عن التاريخ الحالي (أسعار اليوم مرتفعة)، أو باستخدام الفعل “أن يكون” ببساطة (انها تمطر). ليس هناك حاجة للقول “نواجه في الوقت الحاضر هطول الأمطار”.

“نواجه” هي واحدة من أسوأ التراكمات. حتى طبيب أسنانك سيسألك إن كنت تواجه أي ألم. إذا كان ابنه على الكرسي فسيسأل “هل يؤلمك؟”، سيتصرف على طبيعته ببساطة. باستخدامه لعبارة أفخم في حياته العملية هو لا يبدو فقط أكثر أهمية، ولكنه أيضا يخفف من حدة الحقيقة المؤلمة. انها اللغة التي تستخدمها مضيفة الطيران وهي تشرح طريقة استخدام قناع الاوكسيجين الذي سيسقط إذا نفذ الهواء من الطائرة. “عند حدوث الموقف غير المحتمل إذا واجهت الطائرة مثل هذا الاحتمال” عبارة بمفردها تجعل الاكسجين ينفذ وتجعلنا مستعدين لأي كارثة.

الركام هو الكناية المضجرة التي تسمي حي الفقراء بمكان مكتئب اجتماعيًا واقتصاديًا، جامعي القمامة هم موظفي التخلص من النفايات ومكب قمامة المدينة هو وحدة تخفيض كمية النفايات. اتذكر الرسم الكاريكاتوري لبل مولدين، اثنان من المشردين يستقلان عربة شحن. قال أحدهما: ” لقد كنت مجرد متسكع بسيط، الآن أنا عاطل عن العمل ملتزم ومتفاني”. الركام هو اللباقة السياسية حين يصيبها الهياج. رأيت إعلانًا لمخيم للأولاد مصمم ليوفر “اهتمام خاص بمحدودي التميز”.

الركام هو اللغة الرسمية للشركات التي تستخدمها لإخفاء أخطائها. عندما استبعدت شركة ديجيتال ايكوبمنت ثلاثة آلاف موظف لم تذكر في بيانها الرسمية كلمة تسريح العمال ولكن “منهجيات لا إرادية”. عندما تهشم صاروخ للقوات الجوية “وصل إلى الأرض قبل أوانه”. عندما أغلقت جينيرال موتورز أحد مصانعها كان ذلك “تعديل على جدول الإنتاج متعلق بحجم الإنتاج”. الشركات التي تفلس يكون لديها “حالة تدفق نقدي سلبية”.

الركام هو لغة البنتاغون حين يسمي الغزو “ضربة رد فعل وقائية معززة” ويبرر ميزانيته الضخمة بالحاجة إلى ” قوة ردع مضادة. كما أشار جورج اورويل في “السياسة واللغة الإنجليزية” وهو مقال كتبه في 1946 ولكن يستشهد به غالبا خلال الحروب في كمبوديا وفيتنام والعراق، “الخطاب السياسي والكتابة السياسية هي عموما الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه … وبالتالي يجب أن تتكون اللغة السياسية بشكل كبير من الكنايات والدوران في حلقات مفرغة وضبابية قاتمة تماما”. تحذير اورويل من ان الركام ليس مجرد أسلوب مزعج ولكن أداة قاتلة أصبح حقيقيا في العقود الأخيرة من المغامرات العسكرية الأمريكية. في عصر رئاسة جورج دبليو بوش أصبحت “خسائر المدنيين” في العراق “خسائر جانبية”.

وصل التمويه اللفظي إلى مستويات جديدة خلال فترة خدمة الجنرال اليكسندر هيج كوزير خارجية الرئيس ريغان. لم يفكر أحد قبل هيج في ان يستخدم عبارة “في هذه المرحلة من النضوج” للتعبير عن كلمة “الآن”. قال هيج للشعب الأمريكي أن الإرهاب يجب أن يحارب باستخدام “أسنان للعقاب ذات معنى” وأن الصواريخ النووية متوسطة المدى هي “في دوامة من الحسم”. اما بالنسبة لأي مخاوف من ان الشعب قد يبحث عن ملاجئ، رسالته كانت “اترك ذلك لآل”، رغم ان ما قاله فعلا كان: “يجب أن ندفع بذلك لمستوى أقل من هوس الشعب. لا أعتقد ان هناك منحى للتعلم يمكن تحقيقه في هذا الجزء من المحتوى”.

يمكنني الاستمرار باقتباس أمثلة من مجالات عديدة، كل مهنة لديها مخزن متزايد من المصطلحات المتخصصة لنثر الغبار في عيون العامة، لكن القائمة ستكون مضجرة. الهدف من ذكرها الآن هو لإنذارك ان الركام هو العدو. احذر من الكلمة الطويلة التي ليست أفضل بشيء من الكلمة القصيرة: إسداء العون (المساعدة)، السواد الأعظم (الغالبية)، فرد (رجل أو امرأة)، بما فيه الكفاية (كافي)، يشار إليه كـ (يدعى) ومئات الكلمات غيرها. احذر من كل الكلمات المبتدعة الغامضة. كلها أعشاب ضارة ستخنق ما تكتبه. لا تتحاور مع شخص يمكن أن تتحدث معه. لا تتطارح مع أي أحد.

 غادرة هي تلك الكلمات المتكتلة التي نستخدمها لنشرح كيف سنشرح: “وأود أن أضيف”، “ينبغي الإشارة،” “ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ”. إذا أردت ان تضيف، أضف. إذا وجبت الإشارة إلى شيء ما، أشر إليه. إذا كانت ملاحظة ما مثيرة للاهتمام، اجعلها مثيرة للاهتمام. أليس معظمنا غير مذهولين بما يتبع به أحدهم حين يقول: “سيثير هذا اهتمامك”؟ لا تضخم ما لا يحتاج للتضخيم. “مع احتمال استثناء” هي (باستثناء)، “نظرا للسبب الذي” هي (لأن)، “كان يفتقر تماما للقدرة على” هي (لم يستطع)، “حتى ذلك الوقت” هي (حتى)، “لأجل الغرض الذي” هي (لأجل).

هل هناك طريقة ما لملاحظة الركام من النظرة الأولى؟ هنا حيلة وجدها طلابي في جامعة (ييل) مفيدة. وضع أقواس حول كل مركب في عمل كتابي لا يؤدي أي غرض مفيد. أحيانا أضع أقواس حول كلمة واحدة فقط: حرف الجر غير الضروري الذي يضاف إلى فعل ما (ينظم order up)، أو الحال الذي له نفس معنى الفعل (يبتسم بسعادة)، أو الصفة التي تذكر حقيقة معروفة (ناطحة سحاب طويلة). غالبا تحيط أقواسي بالنعوت التي تضعف أي جملة تكون فيها (قليلًا، نوعًا ما)، أو جملة مثل (بطريقة ما) والتي ليس لها أي معنى. أحيانا تحيط اقواسي بجملة كاملة، الجملة التي يكون دورها بشكل أساسي هو تكرار ما ذكر في الجملة السابقة، أو تذكر شيئًا لا يحتاج القراء إلى معرفته أو بإمكانهم اكتشافه بأنفسهم. معظم المسودات الأولى يمكن تلخيصها بنسبة 50% دون أن تفقد أي معلومات ودون أن تضحي بصوت الكاتب.

بدلا من شطبها، اضع الأقواس حول كلمات الطلاب غير الضرورية لأنني أردت تجنب انتهاك نثرهم المقدس. أردت أن اترك الجملة لهم سليمة ليمكنهم تحليلها. كنت أقول لهم “قد أكون مخطئًا، ولكنني اعتقد ان هذا يمكن حذفه دون ان يتأثر المعنى. ولكن القرار لك. اقرأ الجملة بدون ما وضعته بين أقواس وقرر إن كانت جيدة”. في الأسابيع الأولى من الفصل الدراسي كنت أعيد أوراقًا مزينة بالأقواس. فقرات كاملة كانت محاطة بالأقواس. لكن مع مرور الوقت تعلم الطلاب وضع أقواس ذهنية حول الركام الخاص بهم، وبوصول نهاية الفصل الدراسي كانت أوراقهم شبه نظيفة. العديد من هؤلاء الطلاب هم اليوم كتاب محترفون، ويقولون لي: ” لا زلت أرى أقواسك، انها تتبعني طوال حياتي”.

يمكنك أن تطور النظرة ذاتها. ابحث عن الركام في كتابتك وشذّبه بلا رحمة. كن ممتنًا لكل ما يمكنك التخلص منه. اعد تفحص كل جملة تضعها على الورق. هل لكل كلمة غرض جديد؟ هل يمكن التعبير عن أحد الأفكار بطريقة أكثر اقتصادية؟ هل هناك كلمات طنانة أو رنانة أو مسايرة للموضة؟ هل انت متعلق بشيء لا فائدة منه فقط لأنك تعتقد انه جميل؟

بسّط، بسّط.

This entry was posted in كيف تكتب؟. Bookmark the permalink.

One Response to وليم زنسر: عن الكناية المضجرة والتمويه اللفظي

  1. Alya says:

    T’as bien fait chère Sanaa, continue comme ça. ♥️

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *