هناك المزيد عن الحبكة ولكن أولًا …

ترجمة: أسماء المطيري

إن كان للكتابة قواعد معينة، فالقاعدة الوحيدة هي: لا قواعد في الكتابة.

كتبت: إليزابيث جورج

“أحاول أن أكتب لساعة واحدة كل يوم. هذا هو كل ما بوسعي أن أطلبه من نفسي.. عندما كنت أكتب روايتي من أجل إيلينا، تمكن مني الخوف وقيدني، حد أنني صرت أعجز عن النهوض من السرير صباحًا. بقيت هكذا حتى بدأت أقول لنفسي: “إنها مجرد كلمات، ولا يمكن أن أسمح للكلمات أن تهزمني” لأنهض وأبدأ العمل. ظللت أعاني حتى انتهيت من كتابة هذه الرواية. ولكن هذا لم يعد يجدي نفعًا الآن، عدت أتعثر… “

يوميّات رواية

31 آب 1995

 

إن كان للكتابة قواعد معينة، فالقاعدة الوحيدة هي: لا قواعد في الكتابة. ففي كل مرة يخبرني أحدهم بقاعدة ما، أبدأ على الفور في محاولة خرقها.

ولكن رغم قناعتي هذه، هناك قاعدة واحدة أتبعها عندما أكتب. وبحكم أنني أنا من وضعها، فلا مشكلة لدي في العمل بها. قاعدتي هي أن أخطط قبل أن أبدأ الكتابة، وهذا يعني أنني أعرف نهاية العمل قبل كل شيء. لا أبدأ مغامرتي الأدبية هكذا متأملةً أن تأخذ شخصيات قصتي بيدي حتى النهاية.

ومن أجل أن أعرف النهاية قبل كل شيء، أقوم ببعض الأنشطة في مرحلة ما قبل الحبكة من عملية كتابة الرواية. فخلال ذلك الوقت، أحاول أن أحدد نوع الرواية التي سأكتبها. وفي سبيل معرفة نوعها أثق بجسدي أكثر من عقلي، فالكتابة ليست سعيًا فكريًا وحسب، بل جسديًا أيضًأ. فحين أكون قريبة جدًا من القصة المناسبة، والمكان المناسب والوضع المناسب والفكرة المناسبة، أجد جسدي يخبرني بذلك. أشعر بتيار حماسةِ قوي يسري في معدتي، ويردد لعقلي: هذه هي، هذه هي. وحتى أشعر بتيار الحماسة الداخلي هذا، أبقى في مرحلة ما قبل الحبكة، لأنني بكل بساطة لم أجد ما يُحبك.

بمجرد إدراكي للفكرة الأساسية، أو الشخصية الأساسية أو المكان أو مهما يكن الذي دفع بالتيار داخلي، أبدأ بخلق فكرة مفصلة عنه. لو أخذنا فكرة روايتي جوزيف المفقود مثالًا، فإن الفكرة المفصلة ستكون بهذا الشكل:

لأنني وددت أن أكتب عن موت شخص جيّد بيدي شخص جيّد آخر، فإن أول سؤال كان علي أن أجيبه لأكتب الفكرة المفصلة هو: ما هو الدافع للقتل؟ وبعد التفكير لبعض الوقت، كان الجواب الذي تبادر لذهني هو أن الضحية يعلم أمرًا حول القاتلة قد يكلفها الكثير؟

وكان السؤال الثاني المنطقي بالنسبة لي هو: ما هو السر الذي يعلمه الضحية؟

يمكن للضحية في هذه المرحلة أن يعلم أي شيء حول القاتلة، ولكنني قررتُ أن يكون هذا السر هو أن طفلة القاتلة لا يمكن أن تكون من ُصلبها.

دعا هذا الجواب أسئلة أخرى كثيرة، من هي الطفلة إذن إن لم تكن ابنة القاتلة؟ كيف علِم الضحية أن الطفلة ليست ابنة القاتلة؟ لمَ قرر الضحية مواجهة القاتلة بهذه الحقيقة؟ وإن لم تكن الطفلة فعلًا طفلة القاتلة فمن أين أتت بها؟

إن الأسئلة التي تعتقدون أن كاتب الجريمة يطرحها أولًا مثل كيف قتلت القاتلة الضحية ما هي سوى مسائل ثانوية بالنسبة لي حين أبدأ في كتابة الفكرة المفصّلة للرواية. أودّ بكل تأكيد أن أعرف إجاباتها ولكنها ليست مهمة مثل الأسئلة والأجوبة المتعلقة بخط القصة الأساسي. إن هذا الخط هو دليلي في تقفّي الأثر منذ ارتكاب الجريمة حتى حلها، وبالتالي وصولي إلى النهاية.

وفي النهاية، فإنني توّصلتُ إلى فكرة مفصلة لتلك الرواية أخبرتني أن ضحيتي الذي يدعى روبن سيج سيُقتل من امرأة تدعى جوليت سبنس، لأنه يدرك بمجرد مقابلته للطفلة الصغيرة ماغي أنه لا يمكن لها أن تكون ابنة جولييت. يدرك هذا لأنني قررت أن عمر ماغي سيكون نفس عمر ابنه لو كان قد تجاوز سن الرضاعة.  وبما أن جوليت كانت أم طفله الذي مات، فلا يمكن لها أن تكون أم ماغي. لذا يقوم روبن بالبحث والتقصي، ويكتشف الحقيقة كاملة حول جوليت وماغي. وبسبب ذلك، لا بد أن يموت.

بمجرد أن فصّلت فكرتي، حضرت جميع شخصيات الرواية. يأتون أولًا في قائمة عامة (الضحية والقاتلة وابنة القاتلة وصديق ابنة القاتلة وضابط الشرطة وغيرهم). وبعد ذلك تتغير القائمة وتصبح هناك قائمة أسماء وأعمار (روبن سيج، وجوليت سبنس وماغي سبنس ونِك وير وكولن شيبرد) ومن ثم تتحول إلى تحليل مفصل لكل شخصية من هذه الشخصيات.

قد يكون ما أقوم به مفاجئًا بالنسبة لكم، خاصةً لو كان ما تفكرون به حين يأتي الأمر لروايات الجريمة أو أية أنواع آخرى هو الحبكة. ولكنني لا أرى الروايات من منظور الحبكة وحسب، ولهذا فإنني حين أكتب واحدة أحدد الفكرة الأساسية وكافة تفاصيلها، ومن ثم أنتقل على الفور لشخصياتها لكي تتضح لي معالم روايتي أكثر.

أكتب خلال هذه الخطوة تحليلا لكل شخصية، سواءً ظهرت في الرواية في نهاية المطاف، أو لم تظهر. ويكون سرداً بصيغة المضارع، وأكتب عنهم وكأنني أعرف كل ما يجب معرفته. أصبح محلّلة شخصيات وأنا أكتب. ولكن ما يميزني عن الطبيب النفسي، هو أنني أكتب تفاصيل تفوق ما قد يحويه تقرير الطبيب بمراحل. أكتب بشكل حر دون الاهتمام بالقواعد والإملاء؛ متّبِعة تقنية تيار الوعي، وأحاول أن أحفّز الجانب الأيمن من دماغي، وهو الجانب الإبداعي. إنه الجانب الذي يجعلني أشعر ولو لوقت قصير إنني كالآلهة.

ما يحدث عندما أكتب بشكل حر وأتبع تقنية تيار الوعي في هذه المرحلة هو أن العناصر الأساسية للحبكة تصبح واضحة لي. لمَ؟ لأنني أبدأ في رؤية العلاقات التي تربط بين الشخصيات. أدرك مواطن قوة هذه الشخصيات وضعفها والصراعات، وأبدأ في فهم موضوع الرواية. إضافة إلى ذلك، فإنني أخرج بحبكات فرعية عديدة. وبكل تأكيد فإنني عادة ما أكتب أفكار كثيرة جدًا تفوق ما يمكن لروايتي أن تحوي. إنها عملية مدهشة، ولا تخذلني أبدًا.

يمكن للكاتب بالطبع أن يبدأ من أي مكان، حين يأتي الأمر لتحليل شخصيات روايته. أبدأ أنا أحيانًا بالوصف الجسدي، أو بالخلفية العائلية في أحيان آخرى. وأستعين خلال قيامي بالوصف بورقة خاصة بالشخصيات، تذكرني بكل النواحي التي أرغب في التطرق لها، وأنا أخلق شخصياتي. أتطرق لها جميعها وأنا أكتب متبعة تقنية تيار الوعي، ولكنني أحرص على خمس نواح منها، أؤمن بأنها الأهم.

أول هذه النواحي الخمس هو الحاجة الأساسية للشخصية. جميعنا لدينا هذه الحاجة الأساسية في دواخلنا؛ حاجاتٍ فريدة تشكّل جوهرنا. وُلدنا بها، وطوال حياتنا، نشكّل معظم تصرفاتنا لنلبيها فينا. إنها أمر مهم وأساسي في حياة كل إنسان. إنها السعي التلقائي الذي إذا ما أُنكر، يتكشّف كل ما نطلق عليه الآن الأمراض النفسية.

هناك عدة دوافع تقف خلف سلوك كل شخصية؛ بعضها سطحي جدًا وظاهر للجميع. تضرب كلبك، أضربك، نجد هنا أن الحدث الذي يدفع للفعل واضح ومفهوم للقارئ العادي. ولكن هناك دوافع خفيّة، مدفونة في شخصياتنا، وجزء لا يتجزأ منها. جميعها حاجات أساسية، ولكن بعضها قد يكون أكثر تعقيدًا من غيرها. كالحاجات التي تمثّل رغبتنا في أن نكون الأفضل فيما نقوم به، أو تلك التي تمثل حاجتنا للقيام بواجباتنا، أو رغبتنا في الانتماء، أو عيش حياة تملؤها الحماسة والاندفاع، أو الحاجة إلى أن نكون متفرّدين بشخصياتنا، أو أن يكون معنا الحق وبأي ثمن. لو فكرتم بالإنسان روحًا، فستستطيعون أن تحددوا العديد من الحاجات الأساسية لكل شخصيات قصصكم.

أؤمن بأنه من المهم معرفة الحاجة الأساسية في حياة كل شخصية من شخصيات القصة؛ ذلك أن إنكار هذه الحاجة يقود مباشرة إلى الناحية الثانية التي أعتقد بأنها مهمة حين نبدأ بخلق الشخصيات. هذه الناحية هي المناورة المَرَضِيّة؛ ما تقوم به الشخصية عندما تكون تحت الضغط. إن التوتر الشديد الذي تشعر به الشخصية ما هو إلاّ دليل على أن مساعيها نحو تحقيق الحاجة الأساسية لها قد أُحبِطت. عندما تدخل الشخصية أو أي شخص منا في دوامة المناورة المَرَضيّة هذه، فإنه سيتصرف على نحوٍ يعبر عن كل هذا. إن المناورة هي الوجه الآخر للحاجة الأساسية للإنسان.

دعوني أوضح لكم الأمر بمثال. الحاجة الأساسية لشخصية من الشخصيات مثلاً هي عيش حياة تملؤها الحماسة ويقودها الاندفاع؛ كل أفعال هذه الشخصية ستكون خارجية أليس كذلك؟ بكل تأكيد. لن تجدوا شخصية كهذه تمضي وقتها في المكتبة، تبحث عن حقيقة وجود الجن أو طبيعة الثقوب السوداء. بل ستنطلق في كل مكان وستفعل الكثير، وسيكون هذا الذي تفعله مثيرًا للحماسة مثل القفز المظلي أو القفز بالحبال أو ركوب الأمواج أو قطار الموت.

وعندما تقف عقبة ما أمام حاجة الشخصية للإثارة، فإنها ستكون تحت الضغط. وستتخذ ردة فعلها وجهًا ظاهرًا، مثلما ستفعل حاجتها الأساسية هذه.

حاولوا أن تتخيلوا هذه الشخصية داخل جدران فصلٍ دراسي، مجبرة على الجلوس بهدوء والاستماع لمحاضرة مملة، وهي تحتاج بيأس للخروج والقيام بكل ما يثير الحماسة. سوف يتعاظم التوتر وهي تجلس بهدوء داخل الفصل. ماذا سيحدث لو وصلت لنقطة الانفجار؟ سوف تثور بكل تأكيد. لن تنكفئ الشخصية على نفسها وتوبخ ذاتها، كما تفعل الشخصية التي تسعى للجدارة. إن الشخصية الأخيرة لا يمكن أن تثور، لأن التصرف على نحو أرعن هكذا يمثل بالنسبة لها قمة عدم الجدارة. ولذا فإن المناورة التي تحدثتُ عنها هي في تجلّيها، الوجه الآخر للحاجة الأساسية فينا.

إليكم بعض المناورات المرضيّة التي يمكن للبشر أن يظهروها: الأوهام أو الهوس أو الدافع القهري للقيام ببعض الأمور أو الإدمان بأشكاله أو الإنكار أو الهستيريا أو الوساوس المرضية أو الأمراض أو إلحاق الضرر بالذات أو الآخرين أو الجنون أو الُرهاب بأنواعه. اذهبوا إلى المكتبات في مدنكم، وتوجهوا إلى قسم علم النفس. سوف تجدون كنًاً ثمينًا من المواضيع لقصصكم. ولكن يجب عليكم أن تولوا اهتمامًا لتواؤم الحاجة الأساسية للشخصية مع مناورتها المرضيّة. كما أن أي حاجة أساسية تظهر ضمن حدود النفس لا خارجها، ليست حاجة أساسية وجهها الآخر ظاهر.

وأما الناحية الثالثة التي تلعب دورًا مهمًا  في فهم الشخصيات فهي الجانب الجنسي. وهذا يتضمن سلوكها تجاه الجنس وتاريخها معه. ربما لا يكون لهذا الجانب دورًا فعّالًا وواضحًا في روايتي، ولكنني حين أفهمه، أجده يؤثر تأثيرًا كبيرًا على سلوك هذه الشخصية في حياتها.

إضافة إلى كل هذا، فقد يشكّل وجود حدثٍ حاسمٍ في ماضي الشخصية الناحية الرابعة المهمة لفهمها. فحين أخلق هذا الحدث وأدعه يأخذ مجراه في القصة، أتمكن حينها من رؤية فعل الشخصية أو ردة فعلها قبل كتابة أي حرف من الرواية، وهذا يرسّخ الشخصية أكثر في عقلي. وقد يظهر الحدث في الرواية حين أبدأ في كتابتها. ولكن في معظم الأحيان لا يحدث هذا، ولا يكون سوى سبب لما هي عليه شخصيتي اليوم. إن طبيعة الحدث الذي أصفه في التحليل مهم جدًا من أجل تطور الشخصية. ودائمًا ما أقوم بخطوةٍ إضافيةٍ في هذا التحليل وأضمّنه حكاية تصف بأفضل طريقةٍ ممكنة شخصية البطل اليوم. وأودّ أن أذكركم هنا من جديد بأن هذه الحكاية لا تظهر في الرواية أبدًا. هي حكاية أعرفها عن الشخصية، وتسهم في رسم ملامح شخصيتي بمهارةٍ أعلى.

وبالنسبة للناحية الأخيرة من تحليلي، فهي أن أقرر ما تريده الشخصية في روايتي. وأتخذ القرار حول كل المشاهد أيضًا، مانحة بذلك أجندةً لكل شخصية في المشاهد. أتذكر عند قيامي بذلك أن ما تريده كل شخصية لا يكون مُعبرًا عنه دائمًا بوضوح أو بسيطًا. يمكن لما تريده الشخصية أن ينشأ من دوافع متعددة، وستتلون في كل مشهد بحاجة هذه الشخصية الأساسية.

هناك عناصر أُخرى تدخل في التحليل أيضًا، ولكن لا حاجة لاستعراضها هنا. ما يهم أن نعرفه هو التالي: لا حبكة دون شخصيات، وعلى عكس عالم البيض والدجاج: دائمًا ما تأتي الشخصيات أولًا.

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *