مورين هوارد: الالتزام المستمر لراوٍ مخلص

ترجمة: فهد جاسم مراجعة: جهاد الشبيني

أرى نفسي ثابتة ومع ذلك أتحرك.

منذ وقت قريب وقعت يدي على نسخة من قصتي الأولى والوحيدة التي نشرتها. لم تكن لا تطاق بالمطلق ولكني قرأت فقط الصفحة الأولى. لم أكتب قصة منذ ذاك الوقت. أصبحت الرواية لعبتي.

حين كتبت تلك القصة، لم أكن جادة بخصوص أن أصبح كاتبة، رغم أنّني لم تكن لدي فكرة عما يستلزمه ذلك على مر السنين. بالنظر إلى الوراء، لا أستطيع أن أتبرأ من تلك الفتاة السطحية التي افترضت أن لديها مدخلًا إلى عالم الحروف الخيالي. الآن ربما أسألها: ما الذي ورطتِ به نفسك؟

كتابة الأدب ليست عن الحب الأول، الذي تتورد فيه خدودنا حبًا لأنفسنا حين نكتشف اسمنا على كتاب. إنه عن الشغف والقدرة على الاحتمال؛ مزيج بين الرغبة والعمل المرهق، الأمر الذي كثيرًا ما يتعارض مع بعضه البعض. أشبه بالزواج الطويل؟ نعم، تأجيج حب الكتابة والالتزام بساعات العزلة بحثًا عن الكلمة، النبرة، الأسلوب — وهل لي أن أذكر المعنى؟ لماذا تحكي هذه القصة التي ستصبح صفحات في كتاب؟

هذه الحرفة، دعونا لا نسميها مهنة، أصبحت معنية بمراقبة وقتي، الشخصي والعام المرتبطين ارتباطًا وثيقًا لا سبيل إلى فصله. بدأت تعليمي في الخمسينيات الصامتة، وهذا خطأ في التسمية كالكثير من المسميات الملتصقة ببعض الحقب. كان لدينا كلمتنا، التي كانت إلى حدٍ ما مؤدبة جدًا، حين أتى السيناتور مكارثي لتقديم خطابه الطويل غير المترابط في كلية البنات التي كنت أرتادها.

الحداثة كانت تلقى اهتمامًا بالغًا في الصف الدراسي. بتبجيل كبير، قرأت فرجينيا وولف، حفظت مقاطع طويلة من “أرض اليباب” لإليوت، فتنت بأمر باوند “اجعلها جديدة” والقواعد الجريئة لجيرترود شتاين أثناء كتابة القصص الجامعية الساخرة في محاكاة لطريقة نيويوركر المعقدة. وفي تلك السنوات؛ الخمسينيات التي لم تكن شديدة الرجعية، كتاب أمريكيون عظماء – ملفيل، هوثورن، بو، وإيميلي ديكنسون، أخرجوا من الخزانات الزجاجية للكتب، وقرأها جيل جديد من المتعلمين باهتمام جديد، العديد منهم يسدد ديونهم لـ جي. أي. بيل.

نعم، الخمسينات كانت متعة بالغة للطالب المتفاني الذي يؤمن بأن تخصص الأدب يستحق مكانته المرموقة. بالطبع القائمة التجديدية والأعمال التي ساندتها باعتزاز كانت راديكالية قبل أكثر من أربعين عامًا، إذا ذهبنا مع المقولة الشهيرة لوولف “في أو قرب ديسمبر 1910، الشخصية الإنسانية تغيرت.”

المعركة ضد الفصاحة البلاغية لنظم الشعر الفيكتوري ووجهات النظر الأخلاقية المريحة للروايات الإدواردية كانت قد انتهت منذ فترة طويلة، ومع ذلك كانت مقاصد الحداثة المعلنة قبل الحرب العالمية الأولى ملائمة للسنوات التي تبعت الحرب العالمية الثانية. تشوش الإنسان في الأراضي الحضرية غير المبالية يتوافق على نحو لطيف بما فيه الكفاية مع فقدان الذات الذي نقرأه بنبوءة آيزنهاور في “المجمع الصناعي العسكري.”

مردود النظر للخلف يجب أن يكون القدرة على التقدم للأمام، وإلا يجب أن أعتبر نفسي كقطعة تاريخية، مثل الجمال القديم الذي أراه في الحي، تصفيفة البامبادور، أحمر الشفاه اللامع وسوارة الكاحل لتلك الفترة. وبالمضي قدمًا فهمت أن الأعمال المبجلة للأساتذة الحداثيين ليس العمل الوحيد. تبع ذلك، في تعاقب بانورامي، أناشيد الستينات غير المحترمة، الاكتشاف التحرري للأصوات النسائية المكبوتة، لهو ما بعد الحداثة في حقلها الواسع (أو قفصها) المخصص للتهكم، التمتمة الخافتة للتقليلية وأدب الإدماج، دعونا نأمل هنا على المدى الطويل.

في هذه الجولة السريعة على أعوامي الأربعين -هل يمكن أن يعتبر هذا صحيحًا؟- أربعون عامًا من الكتابة، أرى نفسي ثابتة ومع ذلك أتحرك. الأمر مثل الوقوف على أحد الأحزمة الناقلة بالمطار. في نهاية المطاف، المسار يوصل المسافر، وأنا فقط أستطيع أن أعرف وجهتي: غرفة العمل الصامتة لرحلة منفردة في مغامرة خطيرة لاكتشاف المركز، النقطة الثابتة من الرواية التي يجب أن تكون من زماني دون أن تجرفها الموضة. الفشل مكتوب في النص. مثل جينجر وفريد حين يسقطون على أوراكهم في روتين التزلج على الجليد، تنهض وتنفض نفسك وتبدأ من جديد.

أؤمن بأن هذه هي الطريقة التي سأقول الأمر بشكل صريح للفتاة المفتونة بالمشاهير والتي صرفت آخر دولار معها على تذكرة قطار لنيو هافن للاستماع لتلاوة كئيبة “للانتشال الجاف” لإليوت أو ربما روبرت فورست، الذي كانت قراءاته كئيبة أيضًا. ولكن في مجموعة مقالات لإليوت وجدت رسالة من شخص اسمه جيرالد يخبرني أن آخذ قطار 11:15 من نورثمبتون، ماساتشوستس، للوصول إلى كنيسة دويت  في الوقت المحدد. اقترضت المال للعودة للكلية ربما من جيرالد، ولكنه  مفقود في التاريخ.

أعترف باختراع شخصيات أنثوية لديها دافع أن تحاضر الشباب عن الماضي، عن التاريخ إن شئت، الخاص والعام. ما أريد أن أقوله أنهن يحاضرن أنفسهن على أمل أن النظر إلى الوقت الذي عشن به ربما يخبرهن أين هن. ربما أيضًا من يكن. لأنه في نهاية المطاف، أنا أعلم نفسي، فأولًا وأخيرًا أنا أول وأكثر مستمع غير متسامح مع نفسي.

متى عرفت لأول مرة أن تسليم الصفحات لتطبع وتغلف، لتقرأ بواسطة جمهور خارج غرفة العمل كان فعلًا فاضحًا؟ أوه، ليس على نهج المذكرات التي تسرد كل شيء، ولكن أن أعرض نفسي بشكل صارخ في إيقاع الجملة، شكل الفقرة، التحول العرضي في الحبكة: بالذات بموضوع قرب نهاية المدن الرملية والحب المكسور، اللذين تم اختيارهما ليكونا عملًا أدبيًّا.

لكل الأصوات والأقنعة بأعمالي، هناك حميمية مع القارئ. نحن معًا في هذه اللعبة. القراءة، القراءة الجادة، رياضة تواصل قوية وسارة. ممتعة، ولكنها ليست تلفازًا. في “الكائنات الفنية” جانيت وينترسون تصف القراءة بالمثيرة. سأذهب مع هذه الفكرة الذكية. القراءة، ربما أخبر طلابي ، أنها ليست كالمواعدة، إنها مسألة ارتباط كامل.

التحرك للأمام في الوقت المناسب: ماذا لو، مثلما طرح أحد الطلاب اللامعين في الفصل الماضي، ماذا لو لم تشعر بأنها تستحق ما كان يتم اعتباره جديًّا ذات يوم، حتى الأنماط البطولية؟ ماذا لو أنك متململ، محرج، من الحديث عن الالتزام، ناهيك عن الفن؟ ماذا لو، بحضور فوضي الإعلام والأنظمة الواسعة، عجزت الكلمات؟ حينها اكتب للسوق، لا عيب في ذلك. انس الرواية ذات الأدب الفقير الهامشي بإهدائها الصفيق، ولكن تذكر حتى “ساينفيلد” مع خفة الدم الحاضرة والخيال الممتع أغلق محلًا.

انظر إلى كل العجائب والرعب الذي ينتظرنا حين يواجه الكتاب التكنولوجيا. ناسخ الكتب اختفى أمام النوع المتحرك، ولكن احترام اللغة لم يختفي. الآن أنا أنظر إلى المؤشر وإلى الدفتر الأصفر المسطر وهما يتوسلان إليَّ من أجل الجملة التالية. الكلمات: وهذا كل ما أملكه إلى جانب كمش من الخيال، ولكن فقط فكر ما سوف يكون لك مما يأتي بعد. التكنولوجيا ستنتج  أشكالًا جديدة وأنت ربما تكون مثل راوي قصة جوال من الزمن القديم على الإنترنت، أو أيًا كان الوصف الذي سيطلقونه عليك. ربما تستريح لتغزل حكايتك بجانب نار أي رجل.

ربما لن أكون موجودة لتوبيخك، إذا لم تكن حريصًا مع الكلمات. في “الأدب الحديث” تخيلت وولف أنه إذا ما تحول فن الرواية إلى كائن حي، “فإنها بلا شك ستطلب إلينا أن نكسرها وأن نتنمر وأن نكرمها ونحبها أيضًا، إذ إن ذلك سيجدد شبابها ويؤكد سيادتها” ها أنا مرة أخرى أعود لمثلي الأعلى حين كنت طالبة مدرسة بالخمسينيات، لمقالها في عام 1919.

بالنسبة إليَّ، كتبت عن أودبون أول مرة حاولت كتابة حكاية تاريخية. قتل الكثير من الطيورالطيور حبًا للطبيعة والعلم. أو كما أعتقد حبًا لفنه.

ولكن في يوم ما اصطاد نقارَ الخشب ذا العرف الأحمر وجلبه إلى غرفة عمله. الطائر ذهب بجولة للنقر على الحيطان، بينما رسم الفنان ريشًا أسود ممزوجًا بخطوط بيضاء، وذيلًا حادًا ومخالب زرقاء وريشًا أحمر على رأسه. في “طيور أمريكا”  ثلاثة من هذه الطيور تجثم على فرع شجرة صنوبر، قليل من الابتكار لرسم نموذجه بالأبعاد الكاملة. في هذه الطريقة تبدو مهمة عالم الطبيعة تمامًا مثل مهمة كاتب الأدب، وهي تسجيل الحقيقة المحسنة بالخيال.

أنا أكتب في هذا الزمن الذي أصبحت في الأبعاد افتراضية،  تلاعب سهل، ولكن رائع، بالواقع. ولكن دعوني أخبركم الجزء الأفضل في قصة أودبون: حين انتهى من عمله، فتح النافذة وحرر موضوعه.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *