ثلاث حالات لصناعة الحبكة من فوّاز حدّاد

من قبيل اللغو تحميل الحبكة ما لا تحتمله من أسرار الكتابة

ليست الحبكة عنصرًا جامدًا، ولا جوهرًا ثابتًا، أو ثمة أنموذجًا يُحاكيه الكاتب ويحتذيه. لذلك من قبيل اللغو تحميلها ما لا تحتمله من أسرار الكتابة. إذ هي صناعة، أما كيف تصنع ويستفاد منها، فتتدخل فيها عوامل كثيرة وذلك حسب اختيارات الكاتب.  

يجدها بعض الكُتاب مسبقًا، وتشكل بالنسبة إليهم مخطط الرواية، ما يحيل الكتابة إلى عملية تنفيذ خطة جاهزة. ما يشبه عملية اكساء اللحم لهيكل عظام الحبكة. فالكاتب في هذه الحالة، يعتمد على بناء قيد الإكساء، يكون دليله خلال الكتابة، وفي الحقيقة يشكل عاملًا مساعدًا. لهذا تبدو الرواية أشبه ببعث الحياة في قالب جامد، لا تخلو من لعبة أقرب إلى التحايل، تحتاج إلى مبررات مقنعة لتسبغ على الحبكة درجة معقولة من الإقناع. وإذا لم يتسرع الكاتب وأعطى لنفسه مهلة، تسمح للحبكة بالتفاعل مع الفكرة، فسوف يحصل على رواية ناضجة.

ومن الممكن للكاتب مع التمرين كتابة رواية خلال فترة وجيزة، إذا كانت عناصر الحبكة الرئيسة متوافرة، كالرواية البوليسية التي تعتمد على عناصر تتكرر في كل رواية؛ الجريمة، المحقق (أو البطل)، المجرم، إضافة إلى قصة عاطفية (أو مغامرة نسائية) لإضفاء تنويع مطلوب على الدوام… يقودها التشويق.

أما الحبكة بشكلها الآخر، فهي تتخلق مع الفكرة وتنمو معها، ويلعب المعمار الروائي دورًا رئيسًا فيها، فهو على مدار الرواية في طور البناء. في هذا النوع، تعتبر الحبكة عملية معقدة، فهي ليست منفصلة عن الفكرة، بل الوجه اللصيق بها.  تتطلب التفاعل المستمر مع الشخصيات والحدث، وقد تغير الحبكة اتجاهاتها، بسبب مرونتها، كما أنها ليست مضمونة، لا تفتقد إلى المجازفة، ولا يدري الكاتب ما الذي سيحدث في الفصل التالي، حتى إن البحث عن النهاية يستمر طويلاً بغية إغلاق الحبكة. إنها عملية بناء شاملة تتقدم بخطى وئيدة على جميع الخطوط، تهيمن عليها فكرة تتمظهر على عدة مستويات.  

والحالة الثالثة، هي أن الكاتب يبدأ من حبكة جاهزة، تلعب دورًا في البدء بالعمل، مع التقدم في الكتابة، ربما تخلى عنها، إذ يكون قد عثر إبان انغماسه في تضاعيف الكتابة على روايته، فالمخطط المسبق أو الحبكة الجاهزة لم تلعب إلا دور المحرض على اقتحام عوالم يجهلها، أو مجرد حجة للتورط في الكتابة، وهي حالة ليست نادرة، قابلة للحدوث، فللكتابة مفاجآتها.

 

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *