كارل ساغان: عن الكتب وقوة القراءة والديموقراطية

ترجمة: علي الرواحي

كتبت: ماريا بوبوفا. 

“الكتب مفاتيح لفهم العالم والمساهمة في المجتمع الديمقراطي”

كتبت الشاعرة ماري رويفل[i] ذات مرة قائلة “حين أرى أحدهم يقرأ  كتابًا أعلم بأن هنالك نظامًا في العالم“. وقبل أربعة قرون من ذلك، فكر جاليليو كيف أن الكتب تمنحنا قوى خارقة، وهو الشعور الذي يشاطره كارل سيغان[ii] في طرحه اللماح الذي يقول بأن الكتب هي الدليل بأن البشر قادرون على اجتراح المعجزات.

وقبل وفاته بفترة وجيزة شرح سيغان هذا الاعتقاد الراسخ في مقالة بعنوان الطريق نحو الحرية وقد كتبها بمشاركة رفيقة حياته ومديرة قسم الإبداع في شركة جولدن ريكوردز آن دوريان[iii] . وقد نشرت المقالة في كتابه المعنون بـــــ “عالم مسكون بالعفاريت: العلم كشمعة في الظلام”. وهو مجلد يظهر فيه سيغان لنا بوجه جديد، إذ يتجاوز ثنائية (نحن ضد هم) ويقدم لنا العلم كأداة لممارسة الديمقراطية وعتاد لمواجهة الخرافة باستخدام التفكير الناقد.

يقدم لنا سيغان، مستعينًا برؤيته الكونية، المعجزة الوليدة للكتابة في سياقها الثوري:

طوال فترة وجود البشر على سطح الأرض، لم يعرفوا القراءة والكتابة إلا في مرحلة متأخرة جدًا. وقد غاب عنهم ذلك الاختراع العظيم طوال تلك المدة العظيمة. وتم تناقل كل المعارف شفويًا، ما عدا بعض الاستثناءات العفوية.  وهذا جعل المعلومة تصلنا مشوهة وناقصة عبر تعاقب المئات من الأجيال.

وعندما جاءت الكتب تغير كل ذلك. وبقيمتها المنخفضة تتيح لنا الكتب استنباط الماضي بدقة كبيرة، والانتفاع من حكمة أقراننا من بني البشر. وتتيح لنا الكتب أيضًا الاستماع إلى وجهات نظرٍ من جميع أطياف المجتمع، وليس فقط من يمتلكون السلطة. ونستطيع من خلال الكتب التأمل في الأفكار النيرة التي نستبنطها بقوة من الطبيعة ويعيننا في ذلك أفضل المعلمين وأفضل العقول التي وجدت على مر التاريخ. وهي أفكار مستخلصة من كوكب الأرض برمته، ومن التاريخ بأسره. والكتب نوافذ يطل منها الراحلون ليحدثونا بكل حميمية. وهي صديق يرافقنا في كل مكان. والكتب صبورة عندما يستعصي علينا فهمها، حيث تعطينا الفرصة لنعاود قراءة ما استشكل علينا حتى نفهمه، ولا تحاسبنا بذلك على هفواتنا.

ومضى أكثر من قرن عندما أصر والت ويتمان[iv] على أن الأدب جوهري للحصول على ديمقراطية سليمة،  حتى جاء سيغان مضيفًا إلى ذلك قوله: الكتب مفاتيح لفهم العالم والمساهمة في المجتمع الديمقراطي.

وعلى خطى الملاحظة البليغة التي أبدتها حنا أردنت[v] حول تسخير الطغاة للعزلة كسلاح للاضطهاد –  وهل يوجد عزلة خانقة أعظم من الانقطاع عن العالم العقلي؟ يقول سيغان:

لطالما نظر الطغاة والطبقة الأرستقراطية إلى التعليم والكتب والصحف على أنها خطر محتمل. لأنها قد توحي للناس بأفكار ثورية واستقلالية. وفي هذا الصدد كتب الحاكم الملكي البريطاني لمستعمرة فيرجينيا في العام 1671: ” أشكر الرب لعدم وجود مدارس ومطابع مجانية، وأتمنى أن يستمر الوضع كذلك لمئات السنين. وذلك لأن التعليم يجلب العصيان والهرطقة والمذهبية إلى هذا العالم. وتسمح المطابع لهذه الشرور بالانتشار، وتتيح التشهير بالحكومات الفضلى. إلهي أبعد عنا شر الاثنين، التعليم والطباعة”.

ونظرًا إلى تآمر القوى الاجتماعية والاقتصادية المركبة لتقليص فرص الارتقاء، والقوة التي من خلالها تحارب الكتب هذه القوى، وهي القوة التي عبر عنها جيمس بالدوين[vi] ببلاغة وجمال، كان لساغان هذه النظرة التأملية:

لقد ترعرعنا أنا ورفيقة دربي آن درويان في ظروف قاهرة، حيث عرفت عائلتينا فقرًا مدقعًا. ومع ذلك فقد كان أهلنا قراءً شغفوين. وتعلمت إحدى جداتنا القراءة عندما باع والدها، الذي كان مزارع محاصيل، شوال بصل إلى مدرس متجول. وبذلك نقلت هذه الجدة علمها بالقراءة للأجيال التي أتت بعدها بمئات السنين. وقد حفرت مدارس نيويورك العامة في عقول والدينا المحافظة على النظافة الشخصية و نظريات الوقاية من الأمراض والبكتيريا. كما التزما بالوصفات الغذائية للأطفال المقترحة من وزارة الزراعة الأمريكية كما لو أنها أمر إلهي. والكتاب الذي أصدرته الحكومة عن صحة الأطفال اهترأ من كثرة استخدامه. حيث عُلمت أهم النصائح فيه، فهو يعد المرجع الأول في حال وقوع أي طارئ صحي. وترك أهلنا التدخين الذي كان من المتع القليلة المتاحة لهم في سنوات الكساد الاقتصادي، وذلك لكي يحظى طفليهما بمكملات الفيتامينات والمعادن. وهكذا كنا محظوظين أنا وحبيبتي آن.

ويختتم ساغان حديثه واضعًا نصب عينيه بإعجاب وتقدير الإرث الذي خلفه فريدرك دوغلاس[vii] الذي تحرر من العبودية وأصبح من المصلحين الاجتماعيين المرموقين:

تتكاتف عجلات الفقر والجهل والعجز وفقدان الدافعية لكي تخلق دوامة فشل أبدية تطحن في دورانها أحلام الأجيال المتعاقبة. ونتحمل جميعًا وزر وعواقب استمراريتها في الدوران. ولأن الأمية هي أحد أضلاع هذه العجلات، فقد شدد فريدرك دوغلاس في تعاليمه على أهمية التعليم كسبيل للانعتاق من العبودية. وهنالك أنواع عدة من العبودية ومثلها للحرية، لكن تظل القراءة هي الجسر للعبور بينهما.

ويبقى كتاب “عالم مسكون بالعفاريت” أهم الكتب منذ أن بدأنا الكتابة في حياتنا التي تعد كطرفة عين في تاريخ الكون السحيق.  وتظل رسالة الكتاب الجوهرية، مع الأسف، تصف حالنا في زمن اللاعقلانية الذي نعيشه الآن. وأنصحك أيها القارئ العزيز بقراءة ما كتبته الشاعرة جويندولين بروكس[viii] حول قوة الكتب وما ألفته ربيكا سولنت[ix] حول لماذا نقرأ ونكتب، واقرأ أيضا للكاتبة أنايس نن[x] كيف تنتشلنا الكتب من سباتنا لنحيا الحياة بكليتها واقرأ كذلك تجربة ماري أوليفر[xi] مع الكتب التي أنقذت حياتها. بعد كل ذلك عد لقراءة ما كتبه ساغان حول علاقة العلم بالروحانية، ووصفه الجميل والحيوي في مونولوج شائق تعليقا حول صورة الأرض الذي التقطها المسبار الفضائي فوياجر1 في عام 1990.


[i] ماري رويفل: شاعرة وكاتبة أمريكية ولدت في العام 1952.

[ii]  كارل ساغان (1934 -1996) فلكي أمريكي من أبرز المساهمين في تبسيط علوم الفلك والفيزياء الفلكية وغيرها من العلوم الطبيعية.

[iii]آن درويان (ولدت في 13 يونيو 1949) هي مؤلفة ومنتجة أمريكية تخصصت في إنتاج الافلام الوثائقية حول علم الكون والأدبيات العلمية. تزوجت ساغان في عام 1981.

[iv]  والت ويتمان (1819- 1892): شاعر أمريكي يعد من أهم الشعراء في القرن التاسع عشر.

[v] حنا اردنت (1906 – 1975) باحثة ومنظرة سياسية أمريكية من أصل ألماني

[vi]  جيمس بالدوين (1924 – 1987): روائي وكاتب أمريكي، وكان مسرحيا وشاعرا وناشطا في مجال الحقوق المدنية.

[vii]  فرديرك دوغلاس (1818 – 1895): بعد تحرره من العبودية أصبح كاتبا وأحد أهم دعاة التحرير من العبودية في الولايات المتحدة.

[viii] جويندولين بروكس (1917 – 2000): شاعرة وكاتبة أمريكية.

[ix] ربيكا سولنت: كاتبة أمريكية ولدت في العام 1961. تكتب في مواضيع عدة منها البيئة والسياسة والفنون.

[x] أنايس نن (1903- 1977): مؤلفة أمريكية من أصل كوبي. كتبت الرواية والقصة والمقالة.

[xi]  ماري أوليفر: شاعرة أمريكية ولدت في عام 1935. حصلت على جائزرة بوليتزر المرموقة في عام 1984.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *