أفضل نصيحة للكتّاب؟ اقرأوا.

ترجمة: عبير الحرشاوي

القراءة مهمة للكُتَّاب، إنها تُعلم، تلهم وتمنح هروبا جميلا من بياض الصفحة.

القراءة مهمة للكُتَّاب، إنها تُعلم، تلهم وتمنح هروبا جميلا من بياض الصفحة.

في لقاء مع الكاتب خوسيه ساراماغو الحاصل على جائزة نوبل للأداب، سئل عن عاداته الكتابية اليومية فأجاب: أكتب صفحتين ثم أقرأ وأقرأ وأقرأ. لم يخبرنا ساراماغو عن الوقت الذي يستغرقه لكتابة هاتين الصفحتين، ولكنه أكد على أهمية جزء القراءة في روتينه ما جعلني أتساءل: هل يكرس الكتاب وقتا أكثر للقراءة؟ أم أنهم يكتبون أكثر مما يقرأون؟

في عالمنا اليوم، إذا لم يكن المرء مهتما جادا بالكتابة أو متفانيا في القراءة سيكون من الصعب عليه إيجاد الوقت للقيام بأي منهما. للناس اليوم التزامات كثيرة ويمنحهم العالم مشتتات كثيرة.

حين يتم الالتزام بفعل الكتابة يأخذ الأمر وقتا طويلا قبل أن يستطيع المرء كتابة شيء ذو قيمة حقيقية، وبالتالي يفر الكُتاب الشباب لسنوات لاجئين إلى خيال الآخرين عوضا عن الكتابة بأنفسهم. بعد ذلك، وبطريقة ساحرة، يطورون ملكة التعبير عن أفكارهم باللغة. قد تكون أفكارهم سيئة للغاية ولكن التمرن على بناء جمل حول تلك الأفكار يصير أقل صعوبة. حينها يبدأ الكاتب بالكتابة أكثر فأكثر كل يوم، بينما تتناقص قراءته.

كنت أتحدث مؤخرا حول هذا مع الروائية الأمريكية إليز باكويل، فقالت ” أظن أن الإكثار من القراءة مهم للكتاب الشباب ولكنني مثلك، انتقلت إلى الكتابة أكثر بدلا من القراءة أكثر. في خلال هذه السنة اختل التوازن بين القراءة والكتابة عندي، أظنني كنت لأقرأ لأربع ساعات في اليوم لو لم تكن لدي وظيفة يومية. حين أتوقف عن التدريس في الصيف، تتساوى إلى حد ما عدد ساعات قراءتي وكتابتي في أربع ساعات لكل منهما. ولكن حين أُدَرِّسُ  تتناقص الساعات التي أكرسها لكليهما، وتتناقص أكثر ساعات القراءة. نمط القراءة أيضا يتغير حسب تقدمي في كتابة الرواية، أقرأ قليلا جدا حين أصل إلى الصفحات الأخيرة، ثم بالطبع أعود للقراءة أكثر مباشرة بعد الإنتهاء من ذلك.”

قبل أسبوع نشر “The Guardian” مقالا يتضمن تأملات في القواعد التأليفية تفضل بها كتاب مرموقون، وعلى نحو مثير للدهشة، فقط القليل منهم نصح الكتاب الصاعدين بالقراءة. ربما تعتبر القراءة فعلا بديهيا جدا، أساسيا لدرجة أنه لا يمكن اعتباره قاعدة، سيبدو الأمر وكأنك تنصح طاهيا أن يأكل ليجيد الطبخ. ولكن بغض النظر عن أن كل القواعد قد تغاضت عن القراءة كنصيحة، أشك أن أي كاتب قد يدعي عدم أهمية القراءة للوصول إلى كتابة احترافية. ما هي إذن ثمار قراءة الكتب على الكتاب الخصوص؟

من المؤكد أن  القراءة تعزز قاموس مفردات الكاتب. فالرواية الجيدة تعتبر قاموسا ومعجم مترادفات، كتبت بذكاء لتكون في نفس الوقت مقنعة ومفيدة. يمكنك فتح قاموس ومن ثم تدوين كل الكلمات التي تعجبك (قمت بذلك مرة)، لكنه ليس أكثر الكتب جاذبية.

بالإضافة إلى اكتساب مفردات جديدة، تعطي الروايات للكتاب فكرة عن الطريقة التي تكتب بها. تمنح نماذج يمكن للكاتب استعارتها أو الاقتباس منها. تعلم الكاتب كيفية خلق تراكيب سردية وشخصيات، كيفية تصعيد الأحداث، كيفية صياغة حوار والحفاظ على نفس نبرة الكتابة والأسلوب. الروايات تحفز أيضا استرجاع الذكريات التي عايشها القراء و بالتالي ذلك قد يمنح الكُتَّاب منهم أفكارا لصياغة قصصهم الشخصية.

يمكن للكاتب الجيد أن يقتبس أي شيء يقرأه ويجعله يبدو مميزا: مشهد من كتاب، وصف لغرفة أو أخرى، جزء من حوار أو قطعة ملابس. كل هذه التفاصيل تستطيع تُذَكِّرَ الكاتب بأحداث وتجارب من حياته، يمكنها أن تداعب خياله وتأخذه إلى مناح مختلفة عن الأصلية ومتفردة.

يمكن للرواية العظيمة أن تكون مصدر إلهام للكاتب حتى وإن لم يكن لديه أي تجارب شخصية. كُتِبَت رواية “نوسترومو” لمؤلفها كونراد قبل 100 عام في أفريقيا الجنوبية، ولكن مع ذلك يمكنها حتى يومنا هذا أن تلهم كاتبا معاصرا لأن ينسج حكاية معاصرة عن سقوط شرطي متجبر كان همه الوحيد هو سمعته. هذه الممارسة تسمى “النقل عن الأساتذة”، كما نصحنا مايكل موركوك الأسبوع الماضي قائلا: “جِد كاتبا تقدره (بالنسبة لي كان دائما كونراد) ثم انقل عنه حبكاته وشخصياته ولكن لتسرد قصتك الشخصية، تماما كما يتعلم الناس الرسم من خلال النقل عن أساتذة هذا الفن.”

وفي الأخير، كلما شعرت أن فعل الكتابة صار شاقا، كلما صارت الكلمات والأفكار تنتزع من روحك انتزاعا أليما، ستكون لك القراءة هروبا جميلا إلى عالم الخيال حيث تنساب القصص ببساطة وسهولة و ترتيب على الورق. كثيرا ما تكون الكتابة جحيم، ولكن القراءة دائما ما تكون متعة لو كنت من المتذوقين.

المصدر. 

This entry was posted in نصائح الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *