بثينة العيسى: السرد، الوصف، والإيقاع..

بثينة العيسى في ورشة عمل “الحقيقة والكتابة”، في مكتبة تكوين. الكويت 2018.

        لقد رفض ألفريد همبلوت، الذي كان يشتغل لحساب الناشر أولاندروف، مخطوط رواية “البحث عن الزمن الضائع”، قائلًا: “قد أكون محدود التفكير، ولكنني لا أستطيع فهم كيف أن شخصًا يكتب ثلاثين صفحة لكي يصف لنا كيف أنه ظلّ يتقلّب في فراشهِ قبل أن يداعب النوم جفنيه[1]“.

        ومع ذلك، تعدُّ رواية “البحث عن الزمن الضائع”، واحدة من أهم روايات القرن العشرين، أو هكذا وصفها غراهام غرين. وقال عنها سومسرت موم بأنها “أعظم عمل خيالي”. إن الرواية التي رفضها الناشر في البدء، لاستغراق كاتبها في الوصف، تحوّلت إلى أيقونة في عالم الكتابة الروائية.

        ينظرُ البعض إلى الرواية بصفتِها حكاية. وبناءً عليه يدخل عالم الرواية مع توقعات مسبقة، بأنه سيكون متفرجًا، على مجموعة من الأقوال والأفعال التي تقع على منصة الأحداث. يصابُ هؤلاء القراء بخيبة أملٍ عارمة عندما يرون أن الكاتب يتعمّد إبطاء إيقاع الحكاية بالوصف. إنه يتوقف بين لحظةٍ وأخرى ليصوّر لنا فنجان شاي، أو حبل غسيل، أو هيئة السيدة التي تدخل المقهى.

        يخلطُ البعض تمامًا بين الحكاية والرواية، ناسين أن الحكاية هي مكونٌ في الرواية، ولكنها لا تترادف معها. إن الرواية هي حكاية وخطاب؛ إنها الحكاية وطريقة الحكي معًا، ولا يمكنُ، بأي شكلٍ، اختزال الرواية في الحكاية التي ترويها.

        يرى إ. أم. فورستر بأن الحكاية هي العامود الفقري للرواية، ولكن الحكاية في ذاتها، ليست شيئًا مثيرًا للإعجاب. يقول:

“كلما أمعنا النظر في الحكاية (ولا تنس أن الحكاية لابد أن تكون حكاية)، وكلما فصلناها عن الزوائد الدَّسيسة التي تعيش عليها، قل إعجابنا بها، فهي كالعمود الفقري أو الدودة الشريطية: لا يمكن التحكم في بدايتها أو نهايتها، كما أنها قديمة قدم الزمن، ترجع إلى أقدم العصور الجيولوجية، وكان إنسان نياندرتال يصغي إلى الحكايات، وكان جمهور المستمعين البدائيين عبارة عن جمهور أشعث الشعر، يفغرون أفواههم حول نار صغيرة، وقد أنهكهم التعب بعد مقاتلة الماموث أو فرس النهر، وانتظار ما سيحدث في القصة يجعلهم متيقظين دائمًا[2]“.

ويعرّف فورستر الحكاية على أنها “قص حوادث حسب ترتيبها الزمني، مثلما يأتي الغداء بعد الإفطار والثلاثاء بعد الاثنين والانحلال بعد الموت، وهكذا. وللحكاية ميزة واحدة: أنها تجعل المستمعين يرغبون في معرفة ما سيحدث في المستقبل، وحين نعزل الحكاية عن الأوجه الراقية التي تكون جزءًا منها ونمسكها بطرفي الملقط وهي تتلوى دون ما نهاية -دودة الزمن العارية -فإنها ستقدم لنا مظهرًا قبيحًا لا يشرف[3]“.

وبالمثل، يقول يوسا: “لو قيل لك، قبل أن تقرأ رواية “المسخ”، إن موضوع هذه الرواية هو تحوّل موظف متواضع إلى صرصار مقرف، فلربما كنت ستقول متثائبًا، على الفور، إنك ستعفي نفسك من قراءة مثل تلك الحماقة. ومع ذلك، وبما أنك قد قرأت هذه القصة، مروية بالروعة التي يفعل بها كافكا، فإنك تصدّق التحوّل الرهيب الذي حدث لغريغوري سامسا بحذافيره؛ تتطابق وتعاني معه، وتشعر بأنك تختنق بغم القنوط نفسه الذي يأخذ بالقضاء على تلك الشخصية البائسة[4]“.

         ليس ثمة أمرٌ مثير للاهتمام في حكاية الشاب الذي قرر أن يقتل عجوزًا مرابية ليقلل منسوبَ الشرِّ في العالم. لقد اختزلتُ لتوّي روايةً من ألف صفحة في سطرٍ ونصف. ولكنك لا تستطيع أن تقرأ (الجريمة والعقاب) دون أن تشتعل بالحمى مع راسكولنكوف، متسائلًا طوال الوقت؛ ما هو الشر؟

        إن القارئ الذي يتبرم من قراءة كل سطرٍ يقع خارج ناصية الحدث المحوري، هو القارئ الذي يريد أن يقرأ رواية كمن يتفرج على مقطع فيديو على الانترنت، ليحصل منه على لحظة دهس رجلٍ في الشارع، ويمضي إلى ما سواه. ولكنَّ ليست هذه غاية الأدب. غاية الأدب، أحيانًا، هي الإبطاء. أن نقترب من الحادث أكثر، نضع الحدث تحت المجهر، ونسبر أصداءه جميعها؛ كل خطٍ درامي على حدة.

إن الوصف هو إحدى سياسات الإبطاء التي يلجأ إليها الروائي كي لا يختزل نصه في تلك الدودة الشريطية التي يسمّونها الحكاية. إذا أردنا للقارئ أن يتمهّل في القراءة، فنحن نصف، وإذا أردنا له أن يسرع أكثر، فنحن نسرد. ومعرفة طبيعة تأثير كل جملة يجعلنا أكثر تحكّمًا بالتأثير الذي نحاول بلوغه عبر القارئ. بقدرِ ما يريد الكاتب من قارئه أن يلهث وهو يلاحق الأسطر، من فرطِ الإثارة، فهو يريدُ منه أحيانًا أن يتوقف، ينظر إلى السقف، ويتنهّد. الأول يتحقق عبر السرد، الثاني يتحقق عبر الوصف.

يقول أمبرتو إيكو:

“إذا كان من الضروري أن يحدث شيء هام ومشوّق، فعلينا أن نعتني بفنّ التهدئة[7]“.

وهذا يعني أن وجود مساحاتٍ هادئة من النّص، يمكن أن يكون ضروريًا وملحّا، لإظهار الحدث “الهام والمشوّق” ذي الإيقاع السريع. تمامًا كما يحتاج الرّسام إلى الظل ليظهر الضوء، ويحتاج الموسيقي إلى الصمت لكي يبرزَ الصوت.

لنتأمّل هذه الفقرة:

“كانت السّوق تخلو من الناس بسرعة، والباعة ينهون مساوات اليوم. خضتُ في الوحل بين صفوف من الأكشاك المتلاصقة، حيث يمكنك شراء ديك برّي مذبوح للتوّ من متجر، وآلة حاسبة من المتجر المجاور. شققتُ طريقي عبر الحشد المتضائل، المتسولون الكسيحون يرتدون طبقات من الأسمال الممزقة، والباعة بسجاجيد الصلاة على أكتافهم، تجار الملابس والجزارون يغلقون متاجرهم. لم أجد أثراً لحسن..”[8]

في الفقرة السابقة يعمد خالد حسيني إلى إبطاء عملية المطاردة من خلال الوصف الحسّي للمكان. إن حشد كل هذه التفاصيل يعزز الجو النفسي المشحون وحالة الترقب، ناهيك عن كونه يعطي انطباعًا بمرور زمنٍ طويل نسبيًا من البحث. إن الضوء في نهاية الفقرة (لم أجد أثرًا لحسن) لن يكون بهذا السطوع لولا الظلال الكثيرة التي جاءت بسبب التفاصيل الوصفية.

وفي مثال آخر:

“بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكر الكولونيل أورليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد. كانت ماكوندو آنذاك قرية من عشرين بيتًا من الطين والقصب، مشيّدة على ضفة نهر ذي مياه صافية، تنساب فوق فرشة من حجارة مصقولة، بيضاء وكبيرة، مثل بيوض خرافية. كان العالم حديث النشوء، حتى أن أشياء كثيرة كانت لا تزال بلا أسماء، ومن أجل ذكرها، لابد من الإشارة إليها بالإصبع. وفي شهر آذار من كل عام، كانت أسرة غجر ذوي أسمال، تنصب خيمتها قريبًا من القرية وتدعو، بدويِ أبواق وطبول صاخبة، إلى التعرف على الاختراعات الجديدة[9]. 

 إن مفتتح “مئة عام من العزلة” هو النموذج المثالي لتوظيف الوصف كسياسة للتهدئة. إنها لعبة مماطلة، وهي مقصودة. فالرواية تبدأ برجلٍ يقف أمام فصيلة الإعدام، لكنها تنعطفُ تمامًا في الجملة اللاحقة إلى ذكريات طفولته، وصف المكان، والغجر الذين يأتون بالعجائب والاختراعات. إن الشخصية سوف تُعدم خلال لحظاتٍ، وأنت تريد أن تعرف المزيد عنها. من هي؟ ولماذا سيتمّ إعدامها؟ وهل ستعدم أم تراها ستحصل على العفو في آخر لحظة؟ لكنَّ اللغة تذهب إلى ممر جانبي، وصفيٍّ بحت، يحقق أمرين. الأول هو تدشين عالم الرواية وتأثيثه، والثاني هو تجويع القارئ لقراءة المزيد، عن طريق تجميد السرد في نقطةٍ ما (أمام فصيلة الإعدام)، ومنح زمام اللغة للوصف (كانت ماكوندو..). سيظل القارئ جائعًا لقراءة المزيد، ولن يصاب بالتخمة مهما قرأ.

يشبّه إيكو قراءة الرواية بالتجوّل في غابة:

 “إننا نتجوّل في غابة، وإذا لم نكن مضطرين للخروج منها بأيّ ثمن، خوفًا من الذئب أو الغول، فإننا سنمكث هناك لمراقبة لعبة الضوء المتسلل من بين الأشجار محدثًا بقعًا وسط الغابة، وتمحّص الفقاعات والطفيليات والأعشاب المنتشرة عند أقدام الأشجار. إن التريث لا يعني مضيعة للوقت، فغالبًا ما نفعل ذلك لكي نفكر مليًا قبل أن نتخذ قرارًا.[10]“.

 ولأن التريث ليس مضيعة للوقت، “يضع المؤلف تقنيات للتهدئة أو التباطؤ لكي يمكن القارئ من القيام بجولات استدلالية”. هذا يعني أن المؤلف يترك للقارئ فسحة لاكتشاف العالم الروائي، وإقامة وفسخ علاقات بين عناصره، واستنطاق مساحاتِ الصمت فيه. لنعد ثانية إلى مفتتح مئة عام من العزلة. إننا نقرأ بأن العالم كان بلا أسماء. هذه جملة وصفية، وهي أشبه بممر جانبي مراوغ يجبر القارئ على سلكهِ رغم أنه، وبجميع حواسه، يريد أن يعرف قصة إعدام الكولونيل. إنها لا تبطئ إيقاع الرواية وحسب، بل تتضمن دلالة معينة. فهذه الجولة الجانبية، الاستدلالية بحسب إيكو، تخبرنا، أن ماكوندو كانت مكانًا بدائيًا، وأن اللغة كانت فقيرة بالمفردات، وأن أهل القرية يتسمون بالبساطة في العموم. إنها استدلالات يمكن استخراجها من الوصف، وهذا كما يقول إيكو؛ ليس مضيعة للوقت.

 

فصل من كتاب قيد النشر بعنوان “الحقيقة والكتابة”، يصدر عن منشورات تكوين والدار العربية للعلوم ناشرون. 

 


[1]  أمبرتو إيكو (6 نزهات في غابة السرد)، المركز الثقافي العربي، صفحة 87.

[2] موقع تكوين للكتابة الإبداعية. Takweeen.com، مقالة إ. م. فورستر: الحكاية هي الوجه الأساسي للرواية. ترجمة أسماء النهدي.

[3] موقع تكوين للكتابة الإبداعية. Takweeen.com، مقالة إ. م. فورستر: الحكاية هي الوجه الأساسي للرواية. ترجمة أسماء النهدي.

[4] ماريو بارغاس يوسا (اعترافات روائي ناشئ)، ترجمة صالح علماني، دار المدى.

[5] James Scott Bell, Plot & Structure, Writer’s Digest Books, page 14

[6]  أنا لا أؤمن بوجود روايات تجارية وروايات أدبية، بقدر ما أؤمن بوجود روايات جيدة وروايات رديئة. إن كتّابًا دُمغوا بالوصمة التجارية (مثل ستيفن كينغ، دان براون، أغاثا كريستي) كانوا قادرين على توظيف الوصف إلى الحدّ المطلوب وفق الاشتراطات التي يحتمها الشرط الفني، وبما لا يعرقل تقدّم الحدث. لقد اختاروا هذا الشكل لأنه كان الأنسب لتلك العوالم التي أرادوا خلقها. في حين وجد كتّاب آخرون، مثل ماركيز، فرجينيا وولف، وأمبرتو إيكو.. طريقة أخرى لقولِ الحكاية من خلال الوصف. إذ يمكن لوصفِ المكان أن يقول الكثير عن الشخصية. ويمكن لوصفِ الشخصية أن يقول الكثير عن الحقبة الزمنية، وهكذا. إنها مدارسٌ وطرق، وهي بعدد السالكين.

[7]  أمبرتو إيكو (6 نزهات في غابة السرد)، المركز الثقافي العربي. ترجمة سعيد بنكراد، صفحة 88.

[8] خالد حسيني (عداء الطائرة الورقية)، دار حمد، ترجمة إيهاب عبدالحميد.

[9] غابرييل غارسيا ماركيز (مئة عام من العزلة)، ترجمة صالح علماني، دار التنوير.

[10]  أمبرتو إيكو (6 نزهات في غابة السرد)، المركز الثقافي العربي. ترجمة سعيد بنكراد. صفحة 89.

 

This entry was posted in كيف تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *