أمبرتو إيكو: الكتابة من الشمال إلى اليمين (1/2)

ترجمة: ناصر الحلواني

يمكن للروائي، أحيانا، أن يقول شيئا لا يستطيعه الفيلسوف.

 

الكتابة من الشمال إلى اليمين

عنوان هذه المحاضرات هو ” مذكرات روائي شاب ، وربما يتساءل المرء: لماذا “شاب”، وأنا أخطو إلى العام السابع والسبعين من عمري. لكن ما حدث هو أني نشرت روايتي الأولى ” اسم الوردة” عام 1980، ما يعني أني بدأت حياتي كروائي منذ ثمانٍ وعشرين سنة فقط. وهكذا، فإني أعتبر نفسي روائيا شابا، وبالتأكيد، روائيا واعدا، لم ينشر سوى خمس روايات حتى الآن، وسينشر العديد غيرها خلال الخمسين عامًا القادمة.

هذا العمل المتواصل لمَّا ينتهي بعد (وإلا ما كان متواصلا) ولكني آمل أن يكون قد تراكم لدي ما يكفي من الخبرة كي ألقي بعض الكلمات حول طريقة كتابتي. وتماشيا مع الروح العامة لـ “محاضرات ريتشارد إلمان”[1] سوف أركز على رواياتي لا على مقالاتي، رغم أنني أعتبر نفسي أكاديميا محترفا، أما كروائي فأراني مجرد هاو.

بدأت كتابة الروايات في طفولتي. كان العنوان هو أول ما يرد على خاطري، وغالبا ما كنت استوحيه من كتب المغامرات الرائجة في تلك الأيام، والتي كانت تشبه قصص “ قراصنة الكاريبي[2]. وعلى الفور كنت أقوم برسم كافة أحداث الرواية، ثم أشرع لاحقا في كتابة الفصل الأول. ولكن، حيث أنني كنت أكتب بحروف كبيرة داكنة، محاكيا الكتب المطبوعة، فقد كان ينتابني الإعياء بعد صفحات قليلة، ومن ثَم أتخلى عن الأمر برمته.

كان كل عمل من أعمالي، بالتالي، عبارة عن تحفة فنية غير مكتملة، مثل سيمفونية شوبيرت الناقصة.

عندما بلغت السادسة عشرة، بدأت، بالطبع، في كتابة الأشعار، مثل أي مراهق. لا أذكر ما إذا كانت الحاجة للشِّعر هي ما أثمرت حبي الأول (الأفلاطوني وغير المعلن)، أم العكس. لقد كان المزيج كارثيا. ولكن، كما كتبت ذات مرة ـ وإن في شكل مفارقة تلفظت بها إحدى شخصياتي الروائية: ـ هناك نوعان من الشعراء: شعراء جيدون، وهم الذين يحرقون قصائدهم حينما يبلغون الثامنة عشر من عمرهم، وشعراء سيئون، وهم الذين يستمرون في كتابة الشعر مدى حياتهم.(1)

ما هي الكتابة الإبداعية؟

حين صرت في الخمسين من عمري، لم أشعر بالإحباط ، مثلما يحدث مع الكثير من الباحثين، من حقيقة أن كتابتي لا تنتمي إلى النوع الإبداعي من الكتابة.(4)

لم أفهم مطلقا لماذا يُعتبر هوميروس[5] كاتبًا إبداعيًا ولا يُعتبر أفلاطون[6] كذلك. لماذا يُعدُّ الشاعر السيئ كاتبًا مبدعًا، بينما لا يُعدُّ كاتب المقالات العلمية كذلك؟

في الفرنسية، يمكن التمييز بين مبدع écrivain: شخص يُنتج نصوصا “إبداعية” كالروائي والشاعر، وبين كاتب écrivant: شخص يسجل الوقائع، مثل كاتب البنك، أو رجل شرطة يسجل تقريرا عن قضية جنائية.

لكن إلى أي أنواع الكتَّاب ينتمي الفيلسوف؟

يمكننا القول: أن الفيلسوف كاتب محترف، يمكن اختصار نصوصه أو ترجمتها إلى كلمات أخرى من دون أن تفقد كل معانيها، بينما لا يمكن لنصوص الكاتب المبدع أن تُترجم معانيها بنحو تام، أو أن تعاد صياغتها في كلمات أخرى. لكن على الرغم من تأكد صعوبة ترجمة الشعر والروايات، فإن تسعين بالمائة من قرَّاء العالم قد قرأوا “الحرب والسلام[7] و”دون كيشوت[8] مترجمتين، وأحسب أن أعمال تولستوي المترجمة هي أكثر إخلاصا للأصل من أي ترجمة إنجليزية لأعمال هيدغر[9] أو لاكان[10]. هل لاكان أكثر “إبداعا” من سرفانتس؟

لا يمكن أن نعبر عن هذا الاختلاف بحسب الوظيفة الاجتماعية لنص محدد؛ إن نصوص جاليليو، بالتأكيد، على درجة كبيرة من الأهمية الفلسفية والعلمية، ولكنها تُدرس ، في المدارس الثانوية الإيطالية، كأمثلة للكتابة الإبداعية الجيدة ـ كعمل فني أصيل في أسلوبه.

لنفترض أنك قيِّم مكتبة، وقررت أن تضع ما يسمى بالنصوص الإبداعية في الحجرة (أ)، وما يسمى بالنصوص العلمية في الحجرة (ب)، فهل ستضع مقالات أينشتين مع “رسائل إديسون إلى رعاته”، في مجموعة واحدة، و” آه سوزانا[11] مع “هاملت[12] في المجموعة الأخرى؟

اقترح البعض، كمعيار للتفرقة، أن الكاتب “غير الإبداعي” أمثال: لينوس[13] وداروين، إنما أرادا نقل معلومات حقيقية عن الحيتان أو القِرَدَة، أما حين كتب ملفل[14] عن الحوت الأبيض، وحكى بوروس عن “طرزان ابن القِرَدَة“، فقد تظاهرا فحسب بأنهما ينقلان الواقع، ولكنهما، في الحقيقة، اخترعا حيتانا وقِرَدَة ليس لها وجود، ولم يعبأ أحدهما بالحقيقي منها.

هل بإمكاننا القول، بدون أي شك، أن ملفل، حين روى تلك القصة عن حيتان لا وجود لها، لم يقصد قول أي شبئ حقيقي عن الحياة والموت، أو عن الغرور والعناد البشريين؟

إنها إشكالية ؛ أن تصفه بأنه “مبدع” ذلك الكاتب الذي يخبرنا، ببساطة، بأشياء تخالف الواقع. لقد قال بطليموس[15] شيئا غير حقيقي عن حركة الأرض، هل ندعي حينئذ أنه أكثر إبداعا من كبلر[16]؟

يقع الاختلاف، بالأحرى، في الطرق المتباينة التي يمكن أن يستجيب بحسبها الكتَّاب لتأويلات نصوصهم؛ فإذا قلت لفيلسوف، أو لعالِم، أو لناقد فني : ” أنت كتبت ذا وذاك “، فيمكن للمؤلف دوما أن يرد بحسم قائلا : ” لقد أسأت فهم نصي، أنا أقصد العكس تماما”، لكن إذا طرح أحد النقاد تأويلا ماركسيا لرواية: “البحث عن الزمن المفقود[17] ـ وقال: إنه في ذروة أزمة انحلال البرجوازية فإن الانغماس التام في مجال الذاكرة، قد أدى، بالضرورة، إلى عزل الفنان عن المجتمع ـ فإن هذا التأويل قد لا يروق لبروست، ولكن قد يكون من الصعب أن يدحضه.

كما سنرى في محاضرة لاحقة، فإن الكتاب المبدعين ـ كقرَّاء مدركين لأعمالهم ـ يملكون، بالتأكيد، الحق في تحدي التأويل غير ذي الصلة بأعمالهم. ولكن ينبغي عليهم، عموما، احترام قرائهم، بما أنهم قد ألقوا بنصوصهم إلى العالم، كرسالة وضعت في زجاجة وألقيت في البحر، إذا جاز التعبير.

بعدما أنشر نصا عن السيميوطيقا[18] فإني أكرِّس وقتي إما للاعتراف بأنني كنت مخطئا، أو لإثبات أن أولئك الذين لم يفهموا النص، على النحو الذي عنيته، قد أساءوا قراءته.

وعلى العكس من ذلك، بعد نشري لرواية، فإني أشعر مبدئيا بأنه يجب عليَّ، من الوجهة الأخلاقية، ألا أتحدى تأويلات الناس لها (وألا أشجع أيَّا منها).

ذلك يحدث ـ وهنا يمكننا تمييز الفارق بين الكتابة الإبداعية والكتابة العلمية ـ وذلك لأنه في المقال النظري يريد المرء عادة أن يوضح فرضية معينة، أو أن يقدم إجابة لمسألة محددة.

بينما في حالة القصيدة أو الرواية، فإن المرء يرغب في أن يصور الحياة بكل تناقضاتها. يريد المرء حينئذ أن يَنظِم سلسلة من التناقضات، وأن يجعلها جلية ومؤثرة. ويطلب المبدعون من قرائهم محاولة الوصول إلى حل، إنهم لا يطرحون صيغة قاطعة (عدا كتَّاب الفن الهابط والكتَّاب العاطفيين، الذين يهدفون إلى تقديم التعزية الرخيصة).

وهذا هو سبب قولي، حين كنت ألقي كلمة حول روايتي الأولى عند صدورها: أنه يمكن للروائي، أحيانا، أن يقول شيئا لا يستطيعه الفيلسوف.

وهكذا، حتى كان عام 1978، عنها أحسست أني قد أتممت تحقيق كوني فيلسوفا وعالمًا سيميائيًا، حتى أني كتبت، ذات مرة، بلمسة تعجرف أفلاطوني: أن الشعراء والفنانين، عموما، سجناء أكاذيبهم، مقلدون لأمور مقلَّدة، بينما كنت، كفيلسوف، حائزا لمفاتيح عالم المُثُل الأفلاطوني الحقيقي.

يمكن القول، إذا استثنينا الإبداع، أن العديد من الباحثين قد أحسوا بالدافع إلى سرد قصص، وأسِفوا لعدم استطاعتهم تحقيق ذلك ـ وهذا هو السبب في أن أدراج مكاتب العديد من أساتذة الجامعة تمتلئ بروايات سيئة لم تُنشر. ولكني، عبر السنين، أشبعت رغبتي السرية في السرد الروائي بطريقتين مختلفتين:

أولا، بالانخراط في السرد الشفاهي، فكنت أقص الحكايات على أطفالي (لذا أصبحت في حيرة بعدما كبروا، وتحولوا من سماع القصص الخيالية إلى سماع موسيقى الروك)؛ ثانيا: صوغ كل مقال نقدي في قالب سردي.

حينما ناقشت أطروحتي للدكتوراه عن “الجماليات في فلسفة توما الأكويني” ـ وهو موضوع مثير للخلاف، إذ كان العلماء في ذلك الوقت، يعتقدون عدم وجود تأملات جمالية في مجموع أعماله الضخمة ـ اتهمني أحد الأساتذة المناقشين بنوع من “المغالطة السردية”؛ حيث قال: حين يشرع الباحث الناضج في عمل بحث ما، فإنه، حتمًا، يتقدم في بحثه عبر مسار التجربة والخطأ، يطرح ويرفض الافتراضات المختلفة، ولكن في نهاية البحث يكون قد تم هضم جميع هذه المحاولات، وعلى الباحث أن يعرض الاستنتاجات النهائية فقط، ثم أضاف قائلا: أنني، على النقيض من ذلك، قد تناولت قصة بحثي كما لو كان رواية بوليسية.

وكان الاعتراض وديا، وأوحى لي بفكرة جوهرية، مفادها: أنه ينبغي لكل النتائج البحثية أن “تُسرد” بهذه الطريقة.

يجب أن يكون كل كتاب علمي أشبه ما “بالرواية البوليسية”[19]، تقرير عن السعى إلى ما يشبه الكأس المقدسة Holy Grail[20]. وأحسب أنني قد حققت ذلك في كل أعمالي الأكاديمية اللاحقة.

كان يا ما كان

في بداية عام 1978، أخبرتني صديقة لي، تعمل في دار نشر صغيرة، أنها كانت تطلب من الكتاب غير الروائيين ( الفلاسفة، وعلماء الاجتماع، والسياسيين، وأمثال هؤلاء ) أن يكتب الواحد منهم قصة بوليسية قصيرة.

للسبب الذي ذكرته توا، أجبتها بأني لا أهتم بالكتابة الإبداعية، وتأكدي من عدم قدرتي التامة على كتابة حوار جيد، وانتهيت (لا أدري لماذا) إلى القول، بنحو مستفز، بأنه إن كان ينبغي علي أن أكتب رواية بوليسية، فستكون في خمس مائة صفحة على الأقل، وستقع أحداثها في أحد أديرة العصور الوسطى. فقالت تلك الصديقة أنها لا تسعى إلى عمل رديء غير متقن، وانتهى لقاؤنا عندئذ.

بمجرد عودتي إلى المنزل، أخذت في تفتيش أدراج مكتبي مستعيدا بعض الخربشات المكتوبة منذ أعوام سابقة ـ قطعة ورق كتبت عليها أسماء بعض الرهبان. ومعنى ذلك أنه في أكثر أنحاء روحي سرية كانت تنمو، بالفعل، فكرة كتابة رواية، ولكني لم أكن واعيا بها. عند هذه النقطة، أدركت أنه سيكون أمرا جيدا أن يموت راهب بالسم بينما يقرأ كتابا غامضا، كان هذا كل شيء. وبدأت في كتابة” اسم الوردة“.

بعدما تم نشر الكتاب، كثيرا ما كان الناس يسألونني عن سبب قراري كتابة رواية، وكانت الأسباب التي ذكرتها ( والتي كانت تتنوع بحسب حالتي ) كلها حقيقية على الأرجح ـ أي أنها جميعا كانت زائفة. أخيرا، أدركت أن الإجابة الصحيحة الوحيدة هي أنني شعرت، في لحظة معينة من حياتي، بدافع يحثني على فعل ذلك ـ وأحسب أن هذا تفسير معقول وكاف.

كيف تكتب

عندما كان مقدمو البرامج يسألونني : “كيف تكتب رواياتك؟” فعادة ما أقطع الحديث عند هذه النقطة وأجيب : “من الشمال إلى اليمين”.

أدرك أن هذه إجابة غير مرضية، ويمكنها أن تثير بعض الدهشة في البلاد العربية وإسرائيل[21]. أما الآن فإن لدي الوقت لتقديم إجابة أكثر تفصيلا.

أثناء كتابة روايتي الأولى، تعلمت بعض الأشياء:

أولا: أن “الإلهام” كلمة سيئة، يستخدمها المؤلفون المخادعون ليبدوا ذوي مكانة فنية عالية. وكما جاء في القول المأثور : العبقرية : عشرة بالمائة إلهام وتسعون بالمائة جهد. وقد ذُكر أن الشاعر الفرنسي لامارتين وصف الظروف التي كتب فيها واحدة من أفضل قصائده، فزعم أنها جاءته كاملة في لحظة نورانية، ذات ليلة فيما كان يجوب الغابة. بعد موته، عثر أحدهم، في غرفة مكتب لامارتين، على عدد مثير للذهول من مسودات القصيدة ذاتها، التي كتبها، ثم أعاد كتابتها على مدار السنين. قال أول النقاد الذين عرضوا رواية” اسم الوردة” أنها كُتبت تحت تأثير إلهام إشراقي، وذلك، بسبب صعوباتها المفاهيمية واللغوية، الموجهة، فقط، لقلة من السعداء.

عندما لاقى الكتاب نجاحا ملحوظا، وبيعت منه ملايين النسخ، كتب نفس الناقد لتدبير مثل هذا العمل الرائج والممتع والأكثر مبيعا، فلا شك، أنه اتبع وصفة سرية.

بعد ذلك قالوا أن مفتاح نجاح الكتاب برنامجا حاسوبيا ـ ناسين أن أول حاسوب شخصي به برنامج للكتابة قد ظهر، فقط، في بداية الثمانينيات، عندما كانت روايتي تُطبع بالفعل. ففي أعوام 1978 ـ 1979، كان كل ما يمكنك أن تجده، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، هو أجهزة كمبيوتر صغيرة ورخيصة من إنتاج شركة تاندي، ولم يكن هناك من يمكنه استخدامها في كتابة أي شيء أكثر من رسالة.

في وقت ما، بعد ذلك، منزعجا قليلا من تلك الادعاءات الحاسوبية، صغتُ وصفة حقيقية لكتابة عمل يحقق أعلى المبيعات، باستخدام الحاسوب:

قبل كل شيء فإنك تحتاج إلى حاسوب، أمر واضح، وهو عبارة عن آلة ذكية تقوم بالتفكير لك. وقد يُعد ذلك تقدما حاسما بالنسبة لبعض الناس. وكل ما تحتاج إليه هو برنامج من عدة أسطر، يمكن حتى لطفل أن يفعل ذلك. ثم يقوم المرء بتغذية الحاسوب بمحتويات مائة أو نحو ذلك من الروايات، والأعمال العلمية، والإنجيل، والقرآن، وباقة من أدلة الهاتف ( مفيدة جدا بالنسبة لأسماء الشخصيات ). ولنقل، شيء مثل 120000 صفحة. بعد ذلك، باستخدام برنامج آخر، تجمع بعشوائية، أو بكلمات أخرى، تخلط كل هذه النصوص معا، وتقوم ببعض التعديلات ـ على سبيل المثال حذف كل حرف (e) ـ من أجل أن تحصل، ليس على رواية فحسب، بل على رواية أشبه بأعمال بيريك[22] الخالية من حروف معينة[23]. عند هذه النقطة، تضغط مفتاح “طباعة”، وحيث أنك قد حذفت كل حروف (e) فما سيخرج سيكون أقل من 120000 صفحة. وبعد أن تقرأها بعناية، عدة مرات، واضعا خطوطا تحت الفقرات المميزة، تذهب بها إلى المحرقة. ثم تجلس، ببساطة، تحت شجرة، مع قطعة من الفحم ولوح رسم، من نوع جيد، في يدك، وتطلق لعقلك العنان، وتكتب سطرين ـ مثل : “القمر عالي في السماء / وللغابة حفيف”. ربما لا يكون ما ينشأ في بادئ الأمر رواية، بل بالأحرى من شعر الهايكو الياباني[24] وبالرغم من ذلك، فإن الأمر المهم هو البدء. (25)

إذا تحدثنا عن تواتر الإلهام، فقد استغرقني العمل في كتابة “اسم الوردة” عامين فقط، لسبب بسيط؛ وهو أني لم أكن في حاجة لإجراء بحوث تتعلق بالعصور الوسطى. كما ذكرت آنفا، فإن أطروحتي لنيل الدكتوراه كانت حول جماليات العصور الوسطى، كما أنني قمت بدراسة إضافية كرستها للعصور الوسطى، فعلى مدار الأعوام قمت بزيارة الكثير من الأديرة الرومانسكية[26]، والكنائس القوطية[27]، وهكذا.

عندما قررت كتابة الرواية، بدا الأمر وكأني فتحت خزانة كبيرة، حيث كنت أراكم ملفاتي الخاصة بالعصور الوسطى لعهود. كل هذه المادة كانت متوفرة لدي، في متناول يدي، ولم يكن علي إلا أن أنتقي ما أحتاجه.

بالنسبة للروايات اللاحقة، كان الأمر مختلفا (رغم أن اختياري لموضوع محدد إنما يكون بسبب كونه مألوفا لدي). ويوضح ذلك السبب في أن رواياتي الأخيرة استغرقت وقتا طويلا ـ ثمان سنوات لأجل “بندول فوكو”، ست سنوات لأجل “جزيرة اليوم السابق”، وكذلك لأجل “باودولينو”. واستغرقت أربع سنوات فقط لأجل كتابة” اللهب الغامض للملكة لوانا”، بسبب أنها تتعلق بقراءاتي حينما كنت طفلا، في الثلاثينيات والأربعينيات، وقد كان لدي الاستعداد لاستخدام الكثير من المواد القديمة، التي في منزلي، مثل الرسوم الهزلية، والتسجيلات، والمجلات، والجرائد ـ باختصار مجموعتي الكاملة من ذكرياتي، وأسباب حنيني، وتوافهي.

 

.. يتبع.

 


حواشي الفصل الأول “الكتابة من الشمال إلى اليمين”

[1] تقام هذه المحاضرات في جامعة إيموري، في الولايات المتحدة، تكريما لاسم ريتشارد إلمان (1918 1987)، أول من شغل منصب أستاذ كرسيّ في جامعة إيموري منذ عام 1980 حتى عام 1987. ويعتبر إلمان واحداً من أهم كتَّاب السير الأدبية، فقد كتب سيرة أوسكار وايلد وجيمس جويس، بالإضافة إلى أنه أكاديميّ ومتخصص بارز في ويليام بتلر ييتس، وصمويل بيكيت، وت.س إليوت، ووالاس ستيفنس، وغيرهم من الكتاب الحديثين. كما أنّ محاضراته العامة كانت موجهة إلى القراء في جميع بلدان العالم بسبب لغته التي دأبت على إغراء هذه الشريحة بالمشاركة الشخصية والإنخراط في الأدب الجاد. [المترجم]

[2] قراصنة الكاريبي :Pirates of the Caribbean سلسلة سينمائية ناجحة مكونة من 5 أفلام, طابعها الحركة والمغامرات الكوميدية، تدور أحداثها في البحر الكاريبي خلال أوائل القرن السادس عشر، عُرض جزأها الأول عام 2003، السلسلة بأكملها مبنية على لعبة في حديقة ديزني لاند الشهيرة، تسمى قراصنة الكاريبي. [المترجم]

(3) يقلع البعض عن نظم الشعر بعد الثامنة عشر من العمر بقليل ، مثل رامبو. (إكو)

(4) كتبت، في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، عددا من الأعمال الساخرة والنثرية، مجموعة الآن في مجلد بعنوان “القراءة الخاطئة Misreadings” الناشر: New York: Harcourt, 1993) ولكنني أعتبر هذه الأعمال مجرد لهو.(إكو)

[5] هوميروس: شاعر إغريقي ملحمي، تُنسب إليها ملحمتا الإلياذة والأوديسة، عاش في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. [المترجم]

[6] أفلاطون (427 ـ 347 ق.م): فيلسوف يوناني، صاحب الفلسفة المثالية، الداعية إلى تحصيل المعرفة الشاملة، ألَّف العديد من المحاورات الفلسفية. [المترجم]

[7] الحرب والسلام: رواية للكاتب الروسي تولوستوي، نشرت حوالي 1865، وتدور أحداثها في فترة حكم القيصر وهجوم نابليون على روسيا وهزيمته. [المترجم]

[8] دون كيشوت: رواية للأديب الإسباني ميغيل دي ثيرفانتس، وتدور حول شخصية ألونسو الذي يتخيل نفسه فارسا من فرسان العصور الوسطى، فيجوب البلاد بفرسه ورمحه، وأخلاق الفرسان المثالية. [المترجم]

[9] هيدجر: فيلسوف ألماني (1889 ـ 1976م). [المترجم]

[10] لاكان (1901 ـ 1981م): لاكان جاك. محلل نفسي فرنسي. [المترجم]

[11] آه سوزانا: عرض غنائي كوميدي من تأليف ستيفن فوستر (1826ـ 1864). [المترجم]

[12] هاملت: مسرحية تراجيدية من تأليف وليم شكسبير (1564ـ 1616) كتبت تقريبا بين عامي 1599ـ1601. [المترجم]

[13] كارل نيلسون لينوس (1707ـ 1778) عالم سويدي في مجالات النبات، والحيوان، والفيزياء. [المترجم]

[14] هيرمان ملفيل (1819ـ1891) روائي وشاعر أمريكي ، ومن أشهر أعماله رواية “موبي ديك” وتدور أحداثها في سفينة لصيد الحيتان، ونحكي صراعاً رمزياً بين الحوت والإنسان. [المترجم]

[15] كلاوديوس بطليموس (83 ـ 161 بعد الميلاد) عالم رياضيات، وجغرافيا، وعالم فلك، كان قد ذهب إلى أن الأرض ثابتة وأنها مركز الكون. [المترجم]

[16] يوهان كبلر (1571 ـ 1630) عالم ألماني متخصص في الرياضيات والفلك ، ذهب بخلاف بطليموس إلى القول أن الكواكب تسير كل في مساره، فيما تحتل الشمس المركز. [المترجم]

[17] البحث عن الزمن المفقود: رواية في سبعة مجلدات من تأليف مارسيل بروست. [المترجم]

[18] السيميوطيقا: علم يُعنى بدراسة العلامات الرموز، ومعناها، وكيفية استعمالها. [المترجم]

Whodunit [19 ]أو whodunit : نوع من الأعمال الفنية ـ فيلم أو روايةـ تدور حول جريمة قتل، ولا يُعرف فيها الجاني إلا مع نهاية العمل. [المترجم]

[20] الكأس المقدسة Holy Grail: في الأدب والتراث المسيحي تعني تلك الكأس التي استخدمها المسيح في العشاء الأخير، ويسعى الجميع إلى العثور عليها، وتضفي الأسطورة عليها سمة المعجزة، بالقول أنها تتضمن قوة ما، وعند بعض الجماعات المسيحية الأخرى فإنها رمز لوثائق ومخطوطات دفينة لأناجيل غير معروفة، تُذكر فيها الطبيعة البشرية للمسيح. [المترجم]

[21] يقصد أن هذه الدول تكتب من اليمين إلى الشمال، فربما تندهش من كونه يكتب من الشمال إلى اليمين. [المترجم]

[22] جورج بيريك (1936ـ1982) روائي فرنسي، وصانع أفلام، تحتوي رواياته على الكثير من تجارب اللعب بالكلمات، فإحدى روايته “فراغ A Void” تقع في 300 صفحة كتبت جميعها بدون أي كلمة تتضمن حرف”e“.[المترجم]

:lipogram [23 ]نوع من الكتابة المتكلفة، أو لعبة الكلمات، وهي عبارة عن كتابة فقرات أو أعمال طويلة يتجنب مؤلفها استخدام حروف معينة، وغالبا ما تكون من الحروف المتحركة مثل حرف”e“. [المترجم]

Haiku [24] الهايكو: نوع من الشعر الياباني، يتميز بقصره الشديد، وبساطة ألفاظه، والتعبير عن عميق المشاعر والأحاسيس، الذي قد لا يتجاوز البيت الواحد. [المترجم]

(25) (See Umberto Eco, “Come Scrivo, ” in Maia Teresa Serafini, ed., come si scrive un romanzo (Milan:Bompiani,1996).

:Romanesque [26]الطراز الرومانسكي هو أسلوب معماري للقرون الوسطى الأوربية، ويتميز بالأقواس شبه الدائرية، وضخامة الكتلة، والصلابة البادية، والقوة. [المترجم]

[27]الطراز القوطي Gothic: طراز معماري انبثق من الطراز الرمانسكي في العصور الوسطى الأوربية، ويتميز في المعمار الكنسي بالتأكيد على الاستطالة عاليا والخفة، كما تميز بالأقواس المحدبة، والقباب ذات الأضلاع، والدعامات الطائرة. [المترجم]

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *