أمبرتو إيكو: الكتابة من الشمال إلى اليمين (2/2)

ترجمة: ناصر الحلواني

أنا لا أنتمي إلى تلك العصابة من الكتاب السيئين، الذين يقولون أنهم يكتبون لأنفسهم فقط.

 

بناء عاَلم

ما الذي أفعله خلال أعوام الحمل الأدبي؟

أجمع الوثائق، أزور أماكن، وأرسم خرائط، أسجل تصميمات المباني، أو السفن، كما في حالة رواية “جزيرة اليوم السابق، كما أقوم بعمل رسوم تخطيطية لوجوه الشخصيات. بالنسبة لرواية ” اسم الوردة فقد قمت بعمل لوحات فنية لوجوه كل الرهبان الذين كتبت عنهم.

لقد قضيت أعوام الإعداد هذه فيما يشبه القلعة المسحورة ـ أو، إذا كنتم تفضلون ذلك، في حالة انسحاب توحدي، لم يكن أحد يعرف ما الذي أفعل، حتى أفراد أسرتي.

كنت أعطي انطباعا بأني مشغول بالكثير من الأشياء المختلفة، ولكني كنت دائم الإنشغال في صيد الأفكار، والصور، والكلمات لأجل روايتي، فإذا رأيت سيارة عابرة في الطريق، أثناء كتابتي عن العصور الوسطى، فيحدث أن أتأثر بلونها، فإني أسجل هذه التجربة في دفتر ملاحظاتي، أو، ببساطة، في عقلي، فقد يلعب هذا اللون، لاحقا، دورا في وصف منمنمة فنية.

عندما كنت بصدد التخطيط لرواية “بندول فوكو“، كنت أقضي الليالي المتتالية، حتى لحظة الإغلاق ، أذهب وأجيئ عبر ممرات المعهد الوطني للفنون والحِرَف[28]، حيث تقع بعض أحداث قصتي، حتى أتمكن من وصف سير كازاوبون[29] الليلي عبر باريس، من المعهد الوطني للفنون والحرف إلى ميدان دي فويس[30]، قضيت عددا من الليالي متجولا عبر المدينة، بين الثانية والثالثة صباحا، وأنا أُملي، على جهاز تسجيل صغير، كل شيء يمكن أن أراه، حتى لا أخطئ في أسماء وتقاطعات الشوارع.

حينما كنت أجهز لكتابة “جزيرة اليوم السابق ذهبت، بطبيعة الحال، إلى بحار الجنوب ، بالضبط إلى الموقع الجغرافي الذي حدده الكتاب، لرؤية ألوان البحر والسماء في ساعات مختلفة من اليوم، والتلاوين الشفيفة للأسماك والشعاب المرجانية.

وكذلك قضيت، عامين أو ثلاثة أعوام في دراسة رسوم ونماذج السفن السائدة في تلك الفترة، لأعرف كيف كان حجم القُمرة أو الكابينة، وكيف يمكن للشخص أن يتحرك من إحداها إلى الأخرى.

بعد نشر رواية “اسم الوردة كان ماركو فيريري هو أول مخرج سينمائي يقترح تحويل الرواية إلى فيلم. قال لي : ” يبدو كتابك وكأنه قد تم تصوره بشكل صريح كسيناريو سينمائي، حيث يتسم الحوار بالطول الزمني المناسب”.

في البداية، لم أفهم السبب، تذكرت بعد ذلك أنني قبلما أبدأ الكتابة، كنت قد رسمت المئات من المتاهات وتخطيطات الأديرة؛ لذا، علمت كم من الوقت تستغرقه شخصيتان للذهاب من مكان إلى آخر، فيم يتحاورون أثناء ذهابهما، هكذا، فإن تصميم عالمي الروائي فرض الطول الزمني للحوار.

بهذه الطريقة، تعلمت أن الرواية ليست مجرد ظاهرة لغوية.

في الشعر، يصعب ترجمة الكلمات ؛ لأن المعتبر هو جَرْسُها[31]، إضافة إلى معانيها المتعددة والمقصودة، كما أن انتقاء المفردات هو ما يحدد المحتوى، بينما في السرد، تكون لدينا حالة مغايرة ؛ إنه الكَوْنُ الذي بناه المؤلف، والأحداث التي جرت فيه، وهذا هو ما يملي عليه الإيقاع، الأسلوب، بل وحتى اختيار المفردات.

السرد محكوم بالقاعدة اللاتينية: “إلزم الموضوع، وستنثال الكلمات”، بينما يجب علينا، في الشعر، أن نبدل ذلك إلى :”إلزم الكلمات، وسينثال الموضوع”.

السرد، أولا، وقبل أي شيء، هو مسألة كونية؛ لكي تسرد شيئا ما، تبدأ بما يشبه الخالق الذي يُنشئ عالما ـ وينبغي لهذا العالم أن يكون محدد التفاصيل إلى أقصى درجة، بحيث يمكنك التجوال في أرجائه بثقة تامة.

اتبعت هذه القاعدة بدقة، فعلى سبيل المثال، عندما أقول، في رواية “بندول فوكو أن دارا نشر مانوزيو وجاراموند تقعان في مبنيين متجاورين، وبينهما ممر، فإني قد أنفقت الكثير من الوقت في رسم العديد من التخطيطات، متدبرا الكيفية التي يبدو عليها ذلك الممر، وما إذا كان يجب وجود بعض الدرجات لتعويض الفارق بين ارتفاع المبنيين. في الرواية، ذكرت الدرجات بإيجاز، ومر بها القارئ مرور الكرام، أظن، بدون أن يمنحها كثير اهتمام. لكن بالنسبة لي فقد كانت أمرا حاسما، وإذا لم أكن قمت بتصميمها فما كنت لأواصل كتابة قصتي.

يذكر الناس أن لوتشينو فيسكونتي[32] قام بشيء مشابه لذلك في أفلامه. فعندما يستدعي السيناريو من شخصيتين أن تتحدثا عن صندوق مجوهرات، فإنه يصر على أن يحتوي الصندوق، رغم أنه لن يُفتح أبدا، على مجوهرات حقيقية. وإلا فإن الممثلين سيؤدون أدوارهم بأداء أقل إقناعا.

من غير المفترض لقرَّاء رواية “بندول فوكو أن يعرفوا التصميم الدقيق لمكاتب دار النشر، على الرغم من أن بنية عالم الرواية ـ الإعدادات الخاصة بأحداث وشخصيات القصة ـ جوهرية بالنسبة للكاتب، وغالبا ما يجب أن تظل قليلة الوضوح بالنسبة للقارئ. في رواية “اسم الوردة“، على أية حال، هناك رسم تخطيطي للدير في مقدمة الكتاب. وهو مرجع مخادع للكثير من الروايات البوليسية التقليدية التي تتضمن رسما تخطيطيا لمسرح الجريمة (مثل: مقر الكاهن، قصر مالك الضيعة)، وهذا نوع من العلامات الساخرة للواقع، أقرب إلى “الدليل” المبرهن على أن الدير موجود بالفعل. ولكني رغبت في أن يتصور قرائي، بوضوح، كيف تتحرك شخصياتي في الدير.

بعدما نُشرت رواية جزيرة اليوم السابق، سألني ناشري الألماني عما إذا كان ذا نفع أن تتضمن الرواية رسما تخطيطيا يبين تصميم السفينة. كان لدي مثل هذا الرسم التوضيحي، وقد استغرقني الكثير من الوقت في تصميمه، مثلما كان الأمر مع الرسم التخطيطي للدير لرواية “اسم الوردة. لكن في حالة رواية الجزيرة فقد رغبت في أن يقع القارئ في حيرة ـ وكذا بطل الرواية، غير القادر على إيجاد طريقه في هذه السفينة المتاهة، التي يبدأ في استكشافها بعدما يتقرب بإراقة الكثير من الخمر. وهكذا، كنت في حاجة إلى إرباك قارئي فيما أحتفظ بأفكاري واضحة ـ وأشير دوما، وأنا آخذ في الكتابة، إلى الفضاءات الدروسة بدقة حتى آخر ملليمتر.

أفكار موحية

سؤال آخر غالبا ما يوجه إليَّ، وهو: “أي فكرة تقريبية، أو خطة تفصيلية، تشغل عقلك عندما تشرع في الكتابة؟” فقط، بعد روايتي الثالثة، أدركت تماما أن كل رواية من رواياتي إنما تنبثق من فكرة موحية أصغر قليلا من مجرد صورة. في كتابي “تأملات في اسم الوردةذكرت أني قد بدأت كتابة الرواية بسبب “أنني رغبت في قتل ناسك بالسم”. الواقع، أنا لم أرغب في تسميم ناسك ـ أعني، أنني لم أرد أبدا أن أقتل أي شخص بالسم، سواء كان ناسكا أو عالمانيا. لكنني، ببساطة، كنت مأخوذا بتصور أن ناسكا يموت بأثر السم بينما يقرأ كتابا. ربما كنت أتذكر تجربة مرت بي في عمر السادسة عشر: كنت أزور حينها ديرا بندكتيا[33] (دير سانتا سكولاستيكا في سوبياكو)،سرت عبر الأروقة القروسطية، ثم ولجت إلى مكتبة معتمة، حيث وجدت، على مائدة القراءة، كتاب “أعمال القديسين[34] مفتوحا. تصفحت المجلد الضخم في سكون عميق، فيم تنسرب بعض شعاعات ضوء عبر زجاج النوافذ الملونة، لابد وأني أحسست بشئ كهزة إثارة. بعد أكثر من أربعين عاما، انبثقت هذه الإثارة من لاوعيي.

كانت تلك هي الصورة الموحية. أما الباقي فقد جاء رويدا رويدا، أثناء سعيي الدؤوب لأجل الوصول إلى معنى لهذه الصورة. وقد تجلى بذاته، تدريجيا، بينما أنقِّب في نتاج خمس وعشرين عاما من الكروت القديمة والمسوَّدة حول القرون الوسطى، والمقصود بها، أصلا، غرض مغاير تماما.

مع رواية “بندول فوكو كانت الأمور أكثر تعقيدا؛ فبعد الانتهاء من كتابة “اسم الوردة انتابني إحساس بأنني قد وضعت في روايتي الأولى (وربما الأخيرة) كل شيئ، حتى بنحو غير مباشر، يمكن أن أقوله عن نفسي. هل كان هناك أي شيئ آخر، يخصني حقا، يمكنني الكتابة عنه؟ انسابت صورتان إلى ذهني.

الأولى: كانت لبندول ليون فوكو[35]، الذي رأيته قبل ثلاثة عشر عاما في باريس، والذي ترك انطباعا هائلا في نفسي. هزة إثارة أخرى كانت قد طُمرت طويلا في روحي. الصورة الثانية: كانت لي وأنا أعزف الترومبيت في جنازة أقيمت لأعضاء من المقاومة الإيطالية[36]. إنها قصة حقيقية لم أتوانى عن تكرار ذكرها، لأني وجدتها جميلة ـ وأيضا ، لأنني أدركت ، بعدما قرأت أعمال جيمس جويس[37] لاحقا، أنني مررت بتجربة ما أطلق عليه جويس في روايته( ستيفن بطلا[38]): تجليا.

هكذا ، قررت أن أحكي قصة تبدأ بالبندول، وتنتهي بعازف ترومبيت صغير في مقبرة، ذات صباح مشرق. لكن كيف لي الانتقال من البندول إلى الترومبيت؟ ثمانية أعوام استغرقتها الإجابة على هذا السؤال، وكانت الإجابة هي الرواية ذاتها.

بالنسبة لرواية جزيرة اليوم السابق“، فقد بدأت من سؤال طرحه عليَّ صحفي فرنسي: “لماذا تصف الأماكن بهذه الدقة العالية؟” لم ألتفت مطلقا لأسلوبي في وصف الأماكن، لكن بالتفكير في ذاك السؤال، فهمت ما قد قلت ـ أعني، أنك إذا قمت بتصميم التفاصيل الكاملة لعالم ما، فبإمكانك أن تصفه باعتباره مكانا، حيث أنه يتجسد أما ناظريك.

هناك صنف أدبي تقليدي يسمى التجسيد اللغوي للصورة ekphrasis [39] ، وهو عبارة عن وصف عمل فني معين (لوحة أو تمثال) بدقة عالية، حتى يمكن، لمن لم يشاهدوا ذلك العمل، أن يروه كأنه قائم أمام أعينهم. مثلما كتب جوزيف أديسون في كتابه “مُتَع التخيل(1712): “إذا اختيرت الكلمات بدقة، فإنها تحوز قوة داخلية، حتى لنجد أن الوصف يقدم لنا أفكارا أكثر حيوية مما تقدمه رؤية الأشياء نفسها”. لقد قيل أنه عند اكتشاف تمثال لاوكون[40] في روما عام 1506، عرف الناس أنه ذلك التمثال اليوناني الشهير؛ بسبب الوصف الذي كتبه بليني الكبير في كتابه “التاريخ الطبيعي.

فلم لا أحكي قصة يلعب فيها المكان دورا هاما؟ إضافة إلى ذلك (قلت لنفسي) ففي روايتيَّ الأوليتين تكلمت كثيرا عن الأديرة والمتاحف ـ وهذا عن أماكن ثقافية مغلقة. يجب أن أحاول الكتابة عن أماكن طبيعية مفتوحة. ولكن كيف يمكنني أن أملأ رواية بمثل هذه الأماكن الهائلة الاتساع ـ الطبيعية ولا شيئ آخر؟ بأن أضع بطل روايتي في جزيرة خالية.

في الوقت نفسه، كنت مفتونا بإحدى تلك الساعات التي تبين الوقت في كل بقعة على وجه الأرض، وبها علامة تشير إلى خط التوقيت الدولي[41] على المائة وثمانين خط زوال. كلنا يعلم بوجود هذا الخط، لأن الجميع قرأوا كتاب جوليوس فيرن “حول العالم في ثمانين يوما، ولكننا، غالبا، لا نفكر فيه.

حسنا، فقد كان على بطل روايتي أن يكون غرب هذا الخط، ويرى جزيرة جهة الشرق، حيث كانت في اليوم السابق. لا يمكن أن يتحطم قاربه على شاطئ الجزيرة نفسها، بل يجب أن تتقطع به السبل على مرمى البصر منها، ويجب أن ألا يكون قادرا على السباحة، ولذلك سيكون مجبرا على أن يرنو بنظره إلى الجزيرة القاصية عنه مكانا وزمانا.

أظهرت ساعتي أن تلك البقعة الحاسمة تقع عند جزر أليوتيان[42]، ولكني ما كنت أعلم كيف أجعل الشخصية تعلق في هذا المكان. هل بإمكاني أن أجعل قارب بطلي يتحطم مصطدما بمنصة بترول؟ ذكرت آنفا أني أحتاج، حين الكتابة عن مكان محدد، أن أذهب إليه، ولكن فكرة الذهاب إلى منطقة شديدة البرودة مثل جزر إليوتيان لم تكن مقبولة لي على الإطلاق.

لكن بعدما فكرت في المسألة مليا، وتصفحت أطلس الخرائط، اكتشفت أن خط التوقيت الدولي يمر أيضا عبر أرخبيل فيجي. جزر جنوب المحيط الباسيفيكي لها روابط قوية بالكاتب روبرت لويس ستيفنسون[43]. أصبحت الكثير من هذه الأراضي معروفة للأوربيين في القرن السابع عشر، أنا أعلم ثقافة الباروك[44] جيدا ـ تلك كانت أزمان الفرسان الثلاثة والكاردينال ريتشيليو[45]. كان علي البدء، وبعد ذلك، فإن الرواية سوف تمضي بنفسها.

ما أن ينتهي المؤلف من تصميم عالمه السردي، فإن الكلمات ستنثال، وستكون على النحو الذي يتطلبه هذا العالم. لهذا السبب، فإن الأسلوب الذي استخدمته في رواية “اسم الوردة كان أسلوب مؤرخ قروسطي: دقيق، بسيط، سطحي عند الضرورة (ناسك متواضع في القرن الرابع عشر لن يكتب مثل جويس، ولن تكون له ذاكرة بروست). من ناحية أخرى، فحيث من المفترض أنني أنسخ من إحدى ترجمات القرن التاسع عشر لنص قروسطي، فإن النموذج الأسلوبي كان، بنحو غير مباشر، هو لاتينية الرواة التاريخيين القروسطيين في ذاك الوقت، أما النموذج الأكثر مباشرة فهو أسلوب المترجمين المعاصرين لأعمالهم.

في رواية بندول فوكو” لزم أن يكون هناك دور لعدد من اللغات: لغة منطقة آجليي [شمال إيطاليا] المثقفة والعتيقة، واللغة البلاغية شِبه الفاشية الانونزية[46] لأردنتي، واللغة الأدبية الجافة والمثيرة للسخرية لملفات بيلبو السرية (ما بعد حداثية حقا في استخدامها النهم للاقتباسات الأدبية)، إن أسلوب جاراموند المبتذل[47]، والحوار الفاحش للمحررين الثلاثة، خلال تخيلاتهم المستخفة بالعواقب، حيث يمزجون الإشارات الرصينة بالتوريات العابثة. لم تستند تلك “القفزات في اللائحة” إلى اختيار أسلوبي بسيط، ولكنها تحددت بحسب طبيعة العالَم الذي تجري فيه الأحداث، وبحسب الطبيعة النفسية للشخصيات.

في رواية “جزيرة اليوم السابق كانت الحقبة الثقافية هي العامل المحدِّد. لم تؤثر في الأسلوب فحسب، بل في نفس بنية الحوار الجاري بين السارد والشخصية، فيم يُناشد القارئ باستمرار للمشاركة كشاهد متواطئ في ذلك الحوار. نشأ هذا النوع من الاختيار الماوراء سردي[48] من واقع أن على شخصياتي التحدث بأسلوب باروكي[49]، رغم أنني شخصيا لا أستطيع ذلك. لذا، كان يجب أن يكون لدي راو متعدد الأحوال المزاجية والمهام: فأحيانا يكون ساخطا من التجاوزات اللفظية لشخصياته، وفي أحيان أخرى يصير هو ضحيتهم، وفي غيرها، يحاول تخفيف تلك التجاوزات بالاعتذار إلى القارئ.

حتى الآن، فإني قلت: (1) نقطة بدئي هي فكرة موحية أو صورة، و(2) أن بنية العالم السردي هو ما يحدد أسلوب الرواية. وتأتي مغامرتي الرابعة في كتابة الرواية: باودولينو ، لتُناقض هذين المبدأين. ففيما يخص الفكرة الموحية: فقد ظل لدي عدد من هذه الأفكار، لعامين على الأقل ـ وإذا كان هناك العديد من الأفكار الموحية، فتلك علامة على أنها أفكار عقيمة. عند نقطة معينة قررت أن يكون بطل روايتي صبي مولود في الإسكندرية، مسقط رأسي، والتي بُنيت في القرن الثاني عشر، وحاصرها فريدريك بارباروسَّا. إضافة إلى ذلك، فقد أردت أن يكون باودولينو ابنا لجاجلياودو الأسطوري، الذي قام، بإحباط خطة بارباروسا في اجتياح المدينة، بواسطة خدعة ماكرة، كذبة، حيلة، وإذا أردتم أن تعرفوها فاقرأوا الكتاب.

كانت رواية باودولينو فرصة طيبة للعودة إلى العصور الوسطى، الأثيرة لدي، إلى جذوري الشخصية، إلى افتتاني بتلفيق الأحداث. لكن هذا لم يكن كافيا. لم أكن أعلم كيف أبدأ، أي أسلوب أستخدم، أو من هو بطلي الحقيقي.

فكرت في حقيقة أنه في هذه الأيام، في مسقط رأسي، لم يعد الناس يتحدثون باللغة اللاتينية، بل استخدموا لهجات جديدة، شكلت بنحو ما اللغة الإيطالية المعاصرة، التي كانت حينئذ في مهدها. غير أنه لم يكن لدينا سجلات للهجة المستخدمة في تلك الأعوام، في شمال شرق إيطاليا. بالتالي، صرت حرا في اختراع تعبيرات شعبية، لغة افتراضية بسيطة تخص منطقة وادي بو، في القرن الثاني عشر، وأحسب أني قد أجدت صياغتها، إذ أخبرني صديق لي، يقوم بتدريس مقرر دراسي عن تاريخ اللغات الإيطالية، أن لغة باودولينو ـ على الرغم من أن أحدا لا يمكنه أن يؤكد أو أن يدحض ابتكاري ـ غير بعيدة الاحتمال.

هذه اللغة، التي جعلت مترجمي أعمالي الشجعان يواجهون مشاكل ليست هينة، أوحت إليَّ بالطبيعة النفسية لبطل روايتي، باودولينو، وجعلت من روايتي الرابعة تحولا إلى دنيا العوام من الناس، بالنسبة إلى رواية ” اسم الوردة. فالأخيرة كانت قصة مثقفين يتحدثون بأسلوب راق، بينما “باودولينو تتعامل مع فلاحين، محاربين، وشعراء يتصفون بالمجون[50]. وهكذا فإن الأسلوب الذي تبنيته هو الذي حدد القصة التي سأحكيها.

ينبغي لي الاعتراف، على أية حال، أن رواية ” باودولينو، تقوم، أيضا، على صورة أولى مثيرة للمشاعر؛ فلطالما كنت مفتونا بالقسطنطينية ، التي لم أرها مطلقا، ولكي أجد مبررا لزيارتها، احتجت إلى أن أحكي قصة عن هذه المدينة، وعن الحضارة البيزنطية. لذلك ذهبت إلى القسطنطينية، واستكشفت سطحها البادي، وكذا ما تحته من طبقات، ووجدت صورة البداية لقصتي: لقد أحرق الصليبيون المدينة عام 1204.

القسطنطينية آخذة في الاشتعال، وشاب يختلق الأكاذيب، وإمبراطور جرماني، وبعض المتوحشين الأسيويين، وها قد صار لديك الرواية. أعترف أنها لا تبدو كوصفة مقنعة، ولكن بالنسبة لي فقد أدت عملها.

يجب أن أذكر هنا أنه بالقراءة المتبحرة حول الثقافة البيزنطية، اكتشفت نيكيتاس إكسونياتيس، وهو مؤرخ يوناني لهذه الفترة الزمنية، وقررت أن أحكي القصة برمتها في صورة تقرير يقدمه باودولينو ـ كاذب مزعوم ـ إلى نيكيتاس. كان لدي أيضا بنائي الماوراء سردي: قصة يكون فيها نيكيتاس، بل والسارد والقارئ أيضا، غير موقنين بما يرويه باودولينو.

قيــود

قلت آنفا أنني ما إن أجد الصورة الموحية ، فإن القصة تتابع تقدمها ذاتيا. هذا حقيقي ولكن إلى مدى معين. فلكي تُمكن القصة من المضي قدما، فعلى الكاتب أن يفرض بعض القيود.

القيود أمر جوهري في كل محاولة فنية. المصور الذي يقرر استخدام ألوان الزيت لا ألوان التمبيرا[51]، وأن يرسم على القماش وليس على الجدار، المؤلف الموسيقي الذي يختار مقام معين، الشاعر الذي يختار نظما إيقاعيا معينا، أو التفعيلة اليونانية الأحادية عشرة وليس التفعيلة السداسية السكندرية، جميع ذلك يؤسس لمنظومة من القيود. كذلك فعل الفنانون الطليعيون، الذين بدوا وكأنهم يتجاوزون القيود؛ ولكنهم، ببساطة، يؤسسون قيودا أخرى، لا يلاحظها أحد.

أن تختار الأبواق السبعة في سِفر الرؤيا كثيمة لأحداث متوالية، مثلما فعلت في “اسم الوردة، هو قيد. البعض الآخر قد يجعل أحداث القصة تقع في وقت محدد بإحكام، لأنه، في فترات تاريخية محددة، يمكنك أن تجعل بعض الأشياء تحدث، ولا يمكنك في غيرها. مما يُعد قيدا أن تقرر، مجاراةً للهواجس الغامضة لبعض شخصياتي، أن رواية “بندول فوكو” في حاجة إلى أن تتكون من مائة وعشرين فصلا بالتحديد، لأنه يجب تقسيم القصة إلى عشر أجزاء، لتصبح مثل التجليات النورانية العشرة للكابالا[52].

قيد آخر في رواية “بندول فوكو“؛ إذ كان على الشخصيات أن تعايش احتجاجات الطلبة عام 1968. غير أن بيلبو حينئذ كان يسجل ملفاته على الحاسوب ـ والذي يلعب دورا أساسيا في القصة، عبر الاستلهام الجزئي لطبيعة نظامه الرقمي والعشوائي ـ وعلى ذلك فإن الأحداث النهائية يمكن أن تقع، فقط، في بداية الثمانينيات، وليس قبل ذلك؛ إذ أن أول حاسوب شخصي، يتضمن برنامجا لمعالجة الكلمات، كان قد بدأ تسويقه في إيطاليا عام 1982ـ1983. وحتى ينصرم الوقت من عام 1968 إلى عام 1983 اضطررت إلى إرسال بطل روايتي إلى مكان آخر، أين؟ أرجعتني ذكرياتي عن بعض الطقوس السحرية التي شهدتها إلى البرازيل، حيث جعلت كازاوبون يعيش لأكثر من عشر أعوام. رأى البعض في ذلك استطرادا طويلا، أما بالنسبة لي (ولبعض القراء الخيِّرين) فقد كان ذلك أمرا أساسيا، لأن ما حدث في البرازيل هو نوع من هلوسة الشعور المسبق بما سيحدث لشخصياتي فيما بقي من الكتاب.

إذا كانت شركتي الكمبيوتر الشخصي: آي بي إم، وآبل، قد بدأتا في تسويق معالج كلمات جيد، قبل ذلك الوقت بست أو سبع سنين، لجعل هذا روايتي مختلفة. فما كانت البرازيل لتوجد في الرواية ـ ومن وجهة نظري، فإن ذلك كان سيُعد خسارة كبيرة.

قامت رواية جزيرة اليوم السابق على سلسلة من القيود الزمنية. على سبيل المثال: أردت لبطل روايتي، روبرتو، أن يكون في باريس يوم موت ريتشيليو (4 ديسمبر 1642). هل كان من الضروري لروبرتو أن يكون حاضرا لموت ريتشيليو؟ أبدا، فإن روايتي ستظل كما هي، حتى وإن لم يرى روبرتو روتشيليو في نزعه الأخير، على سرير الموت. إضافة إلى ذلك، فحينما ضمَّنت هذا القيد، لم يكن لدي فكرة عن وظيفته الممكنة. كل ما أردته هو تصوير ريتشيليو وهو على شفا الموت. ببساطة كانت هذه سادية مني.

غير أن هذا القيد قد ألزمني بحل معضلة. كان على روبرتو أن يصل إلى الجزيرة في شهر أغسطس من العام التالي؛ لأن هذا هو الشهر الذي زرت فيه الجزر، بإمكاني أن أصف شروق الشمس، في قلب سماء يغشاها الليل، في هذا الموسم فقط. لم يكن من المستحيل أن تبحر سفينة شراعية من أوروبا إلى ميلانيزيا[53] في ستة أو سبعة أشهر، لكن عند هذه النقطة كان علي أن أواجه صعوبة هائلة؛ بعد أغسطس، كان على شخص ما أن يعثر على يوميات روبرتو فيما بقي من السفينة التي أقلته. غير أن من المحتمل أن يصل المكتشف الألماني آبل تاسمان إلى جزر فيجي قبل يونيو ـ أي قبل وصول روبرتو. وهذا يفسر التلميحات التي زججت بها في نهاية الفصل، لأقنع القارئ بإمكانية أن يمر تاسمان بالأرخبيل مرتين، من دون أن يسجل الزيارة الثانية في سجل السفينة (لهذا، فكلا من المؤلف والقارئ يتم حثهما على تخيل لحظات صمت، مؤامرات، وأحوال غامضة)، أو أن القبطان بلييه قد رسي على الجزيرة، فرارا من تمرد السفينة باونتي (فرضية إضافية مذهلة، ووسيلة جيدة وساخرة للمزج بين عالمين نصيين).

تعتمد روايتي على العديد من القيود الأخرى، ولكن لا يمكنني الكشف عنها جميعا. لكي تُكتب رواية ناجحة، فعلى المرء أن يحتفظ بوصفات معينة سرا.

بالنسبة لرواية “باودولينو ، قلت أني أردت بدء القصة بحريق القسطنطينية، عام 1204. وحيث أن مقصدي أن يقوم باودولينو بتزوير رسالة منسوبة إلى يوحنا الكاهن[54]، وأن يكون له دور في تأسيس الإسكندرية، كان عليَّ أن أجعل مولده نحو عام 1142، وهكذا يكون في الثانية والستين من عمره عام 1204. بهذا المعنى، كان على القصة أن تبدأ من نقطة النهاية، إذ يحكي باودولينو عن مغامراته السابقة، عبر سلسلة من استرجاعات الذاكرة. لا مشكلة.

غير أن باودولينو يجد نفسه في القسطنطينية في طريق عودته من مملكة يوحنا الكاهن. الآن، فإن الخطاب الزائف للكاهن ـ من الوجهة التاريخية ـ قد تم تزويره أو إشاعته نحو عام 1160، وفي روايتي يكتب باودولينو خطابا ليقنع فريدريك بارباروسا بالتقدم نحو المملكة الغامضة. هكذا، فحتى لو كان على باودولينو قضاء خمسة عشر عاما، أو نحوها، مسافرا إلى المملكة، والبقاء هناك، والهروب من آلاف المغامرات، فليس بإمكانه أن يبدأ رحلته الطويلة تلك قبل عام 1198 (أيضا، فإنه من المقرر تاريخيا أن بارباروسا تحرك جهة الشرق في هذا العام فقط). إذن، مالذي أجعل باودولينو يفعله بين عام 1160 وعام 1190؟ لم لا يستطيع أن يبدأ رحلة بحثه مباشرة، بعد نشر الخطاب؟ كان ذلك أشبه إلى حد ما بأمر الحاسوب في رواية “بندول فوكو“.

هكذا، كان لزاما علي أن أجعله مشغولا، فجعلته يداوم على تأجيل إقلاعه. كان علي أن أخترع سلسلة من الحوادث لكي يصل أخيرا مع نهاية القرن. غير إنه بفعل ذلك وحده، فإن الرواية تخلق ـ ليس في باودولينو فحسب بل وفي قراءها ـ وخز الرغبة. يتوق باودولينو إلى المملكة، لكنه بنحو ثابت يؤجل بحثه. لذا فإن مملكة يوحنا الكاهن تنمو كغاية لشوق باودولينو، وأيضا، آمل، كغاية لرغبة القارئ أيضا. مرة أخرى، مميزات القيود.

تشفير مزدوج

أنا لا أنتمي إلى تلك العصابة من الكتاب السيئين، الذين يقولون أنهم يكتبون لأنفسهم فقط. الشيئ الوحيد الذي يكتبه الكتاب لأنفسهم هو قائمة المشتريات، التي تساعدهم في تذكر ما يرغبون في شرائه، ومن ثم يلقون بها. كل ما سوى ذلك، حتى قائمة الغسيل، هي رسائل موجهة إلى شخص ما آخر. هي ليست مناجاة، بل حوارات.

الآن، توصل أحد النقاد إلى أن رواياتي تتضمن سمة نموذجية من سمات ما بعد الحداثة ـ أعني: تشفير مزدوج.(55)

كنت واعيا بذلك منذ البداية ـ وذكرت ذلك في كتابي “تأملات حول اسم الوردة”ـ أنه، كيفما تكون ما بعد الحداثة، فإني أستخدم تقنيتان نموذجيتان من تقنيات ما بعد الحداثة. إحداهما: المفارقة التناصية: اقتباسات مباشرة من نصوص شهيرة أخرى، أو إحالات، أقل أو أكثر شفافية، إلى تلك الاستشهادات. ثانيها: الماوراء سردي: ايحاءات بأن النص يشكل طبيعته بنفسه، بينما نرى المؤلف يتحدث مباشرة إلى القارئ.

“التشفير المزدوج” هو الاستخدام المتزامن للمفارقة التناصية، والمناشدة الضمنية للماوراء سردي. تمت صياغة مصطلح “التشفير المزدوج” بواسطة المعماري شارلز جينكز، الذي يرى أن المعمار ما بعد الحداثي “يتحدث إلى مستويين، على الأقل، معا: إلى المعماريين الآخرين، ومعهم أقلية من المهتمين بالمعاني المعمارية بشكل خاص، وإلى عامة الناس، أو السكان المحليين، المشغولون بأمور أخرى معنية بالراحة، والبناء التقليدي، وطريقة الحياة”(56) ويضيف في تعريفه، قائلا: “إن المبنى ما بعد الحداثي، أو العمل الفني، إنما يخاطب، على نحو متزامن، الأقلية من النخبة، مستخدما شيفرات “عالية”، وجماهير العامة، مستخدما شيفرات شائعة”.(57)

سأستشهد بمثال للتشفير المزدوج من رواياتي: تبدأ رواية “اسم الوردة بحكاية الكيفية التي صادف فيها المؤلف نصا قديما، من نصوص العصور الوسطى. تلك حالة صارخة للمفارقة التناصية، حيث نجد أن الحدث العادي (أي: المألوف أدبيا) للعثور على المخطوطة، ذو أصل جليل. المفارقة هنا مزدوجة، كما أنها أيضا ذات مسحة ما وراء سردية، إذ أن النص يدَّعي أن المخطوطة كانت متاحة، خلال ترجمة تمت في القرن التاسع عشر للمخطوطة الأصلية ـ وهي ملاحظة تبرر وجود بعض عناصر الرواية القوطية الجديدة في القصة. لن يستمتع البسطاء، أو عامة القراء، بما يلي من سرد، إلا إذا كانوا واعين بهذه اللعبة، لعبة الصناديق الصينية[58]، هذا الارتداد في رواية المصادر، هو ما يمنح القصة تلك الهالة من الغموض.

لكن إذا تذكرتم، فإن ترويسة الصفحة التي تتحدث عن المصدر القروسطي تذكره باعتباره “مخطوطة ، بالفعل”، إن كلمة “بالفعل” ينبغي أن يكون لها تأثير خاص على القراء المتمرسين، والملتزمون، الآن، بإدراك أنهم يتعاملون مع موضوع أدبي مألوف، وأن المؤلف يكشف عن “قلقه من سطوة التأثير”، بما أن الإشارة المقصودة (على الأقل بالنسبة للقراء الإيطاليين) إنما تشير إلى أعظم الروائيين الإيطاليين في القرن التاسع عشر، أليساندرو مانزوني، الذي بدأ روايته “المخطوبان” بادعاء أن مصدره هو مخطوطة تنتمي للقرن السابع عشر. كم قارئ يمكنه أن يفهم رنة التهكم في كلمة “بالفعل”؟ ليس الكثير، حيث أن العديد منهم قد راسلني ليسأل عما إذا كانت هذه المخطوطة موجودة فعلا. لكن إذا لم يفهموا هذا التلميح، فهل سيتمكنون من تقدير بقية القصة بنحو ملائم، وأن يحظوا بالاستمتاع بمذاقها الخاص؟ أحسب أن هذا ما سيحدث. لقد فاتهم مجرد تلميح إضافي.

أعترف أنه باستخدام تقنية التشفير المزدوج، يؤسس المؤلف لنوع من التواطؤ الصامت مع القارئ المتمرس، وأن بعض القراء من العامة، حينما لا يفهمون هذه التلميحات المثقفة، قد يشعرون بأن شيئا ما قد فاتهم. غير أن الأدب، في اعتقادي، لا يراد منه تسلية أو مواساة الناس فحسب، إنما يقصد به أيضا تحريض وإثارة الناس لقراءة النص ذاته مرتين، أو ربما لأكثر من مرة، لأنهم يرغبون في زيادة فهمهم له. وعلى ذلك، أعتقد أن التشفير المزدوج ليس خلجة أرستقراطية، وإنما هو وسيلة لإظهار الاحترام لذكاء وحسن نية القارئ.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *