نصائح جيمس بالدوين عن الكتابة

ترجمة: زينب موسى

“إن الموهبة ليست ذات أهمية كبيرة. أعرف كثيرًا من ذوي الموهبة
المنكوبين. هناك العديد من الخصائص التي تتجاوز الموهبة؛ الانضباط، الحب، الحظ، و أهم منها جميعها: الجَلَد.”

كتبت: ماريا بوبوفا

في عام ١٩٨٩، حرر مؤسس و محرر “باريس ريفيو” و رائد المقابلات جورج بليمبتون مجموعة رائعة من النصوص عن الكتابة بعنوان “كُتيّب الكاتب: مقتطفات من معلومات، و آراء، و ملاحظات طريفة، و نصائح عن أبرز كتّاب القرن العشرين”.  من ضمن هؤلاء كان الروائي، و الشاعر، و كاتب المقال، و المسرحي جيمس بالدوين (١٩٢٤- ١٩٨٧)، الذي كان قد قابله بليمبتون في مناسبتين منفصلتين أوائل سنة ١٩٨٤، بعد نصف قرن من ترك بالدوين حارة هارلم (حي كان معروفًا تاريخيًا كأشهر أحياء السود في نيويورك الأمريكية، و كانت تتفشى فيه البطالة و الجريمة – المترجمة) ليشق طريقه من خلال القراءة نحو العظمة الأدبية.

 في إضافة رائعة للحِكم المجموعة لأشهر الكتاب، يتأمل بالدوين مسيرته الهائلة ويشاركنا ما تعلمه عن العملية الإبداعية، الدوافع النفسية للكتابة، والعادات العقلية التي على المرء أن يصقلها حتى يبدع في الصنعة.  

جيمس بالدوين يكتب

عند مناقشة ما الذي يدفع الكتاب العظماء للكتابة، يوافق بالدوين بوكوسكي ويعتبر أن القوة الدافعة الأبرز للكاتب لكي يكتب هي استحالة عدم الكتابة:

“إنه أمر يضايقك ولا يتركك وشأنك. هنا العذاب في الموضوع.  اكتب هذا الكتاب، أو مت. يجب أن تخوض ذلك. الموهبة ليست ذات أهمية كبيرة. أعرف كثيراً من ذوي الموهبة المنكوبين. هناك العديد من الخصائص التي تتجاوز الموهبة؛ الانضباط، الحب، الحظ، و أهم منها جميعها: الجَلَد.”

يكاد يكون الجَلَد، بالتأكيد، الرابطَ المشترك الوحيد بين الكتاب الناجحين. أي كاتب طموح، بحسب بالدوين، عليه أن يعي جيدًا مدى الجَلَد الذي يتطلبه الأمر، وعليه أن يرغب بالكتابة رغم هذا.  بعد جيل كامل من مناقشة جاك كيرواك للفرق الأساسي بين الموهبة والعبقرية، يضيف بالدوين:

“إن كنت ستكون كاتباً، فإني لا أملك ما أقوله لأوقفك.. وإن لم تكن لتكون كاتبًا، فإن أيًّا مما أقوله لن يساعدك. إن الذي تحتاجه فعلاً في البداية هو شخصٌ يجعلك على علمٍ بأن المجهود المطلوب كبير”.

في رأي يذكرنا بملاحظة جوان ديديون بأنها تكتب حتى تتصل بعقلها بشكل أفضل، يتحدث بالدوين عن وظيفة الحافز الابداعي في كشف الوعي:

“عندما تمارس الكتابة، فأنت تحاول أنت تكتشف شيئاً لا تعرفه. لغة الكتابة بأكملها في رأيي هي أن تعثر على ما لا تعرفه، وما لا تريد أن تكتشفه،  لكن شيئاً ما يدفعك باتجاهه في كل الأحوال”.

يشير بالدوين الى أن كثيرًا من هذا الكشف الذاتي لا يحدث في الدفقة الكتابية الأولى، إنما خلال عملية إعادة الكتابة المضنية. تكراراً لحكمة همنغواي عن فن المراجعة الهام، يضيف بالدوين:

“إعادة الكتابة أمر مؤلم جدًا. أنت تعلم أن الكتابة انتهت عندما لا تستطيع التصرف أكثر بما كتبت، لكن في نفس الوقت لا يكون المكتوب كما أردته تماماً قَط.. إن أصعب شيءٍ في العالم هو البساطة. و الأكثر إخافةً أيضاً. عليكَ أن تسلخ عن نفسك جميع أقنعتك.. وبعض تلك الأقنعة لم تكن تعرف بوجودها أصلاً. أنت تريد أن تكتب جملة نظيفةً كعظْمة. هذا هو الهدف.”

لكن مهما كان هذا الشعور بعدم الكمال ضروريًا في توجيه عملية المراجعة، يجب أن يكون هذا الشعور مرفقًا بوعي تام بأن الكمال ما هو الا سراب متوالي. (بعد عقود، كتبت زادي سميث ضمن قوانينها العشر للكتابة: “تقبل الحزن الأبدي الذي يأتي جرّاء استحالة الرضى التام”. يقول بالدوين:

“عندما تنهي رواية، فهذا يعني أن القطار قد توقف هنا، و أن عليك النزول منه. أنت لا تنالُ الكتاب الذي أردتَهُ قَط، لذا عليك أن ترضى بالكتاب الذي بين يديك. لطالما شعرت بأنه عندما ينتهي كتابٌ أنه لا بد أن هنالك شيئاً لم ألتفت إليه، و عادة عندما أكتشف شيئاً ما بالفعل يكون الأوان قد فات.”

ان العادات اليومية و الحالات الذهنية التي تتطلبها الكتابة متنوعة جدًا عند الكتاب الكبار.  يشاركنا بالدوين عاداته الكتابية قائلاً:

“أبدأ بالعمل عندما يخلد الجميع الى النوم. لقد كان علي أن أفعل ذلك مذ كنت شابًا، كان علي الانتظار الى ينام أطفالي. وكنت أيضًا أعمل في عدة وظائف خلال النهار. لذا كان علي دائمًا أن أكتب في الليل. لكن الآن و بما أنني الآن كاتب متفرغ، فإنني اكتب ليلاً لأنني أكون وحيدًا وقتها.”

إنه من المؤسف أن نرى سِفرًا نفيسًا ومترعاً بالحكمة كـ”كُتيّب الكاتب” قد أوقف عن الطباعة.  كتب بالدوين أيضًا في هذا المجال مقالاً ممتازًا عن دور الكاتب في المجتمع١، و أجرى مقابلة قيمة مع العالِمة الأنثولولوجية مارغريت ميد عن العِرق و الهوية٢.
و من المفيد أيضًا الاطلاع على مقال “عن الفن، و ما يصنع كاتبًا عظيمًا، لجيمس كونراد”٣، و نصائح ويلا كاثر التي غيرت حياتها و جعلتها كاتبة ٤، و ملاحظات الشاعرة جين كينيون عن المبادئ التي يجب أن يلتزم بها الكاتب و يكتب على أساسها ٥.

  • الفقرة الأخيرة تُرجمت بتصرف – المترجمة.
  

(١) https://www.brainpickings.org/2014/08/20/james-baldwin-the-creative-process/
)٢(https://www.brainpickings.org/2015/03/19/a-rap-on-race-margaret-mead-and-james-baldwin/
(٣) http://www.takweeen.com/?p=9914
(٤) https://www.brainpickings.org/2015/12/07/willa-cather-letters-writing/
(٥) https://www.brainpickings.org/2015/09/15/jane-kenyon-advice-on-writing/
 

This entry was posted in نصائح الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *