الكتابة بوصفها داءً: مُقَابَلة مَع بُولْ أُوسَتر

ترجمة: أنس سمحان

 

تُرجِمت أعمال الكاتِب الأميركيّ بُول أوستر إلى أكثرِ مِن 40 لُغةٍ حَول العَالم، وحازَ العَديد مِن الجَوائز فِي الكِتابةِ والإخْراج التلفزيونيّ وَكتبَ العَديد مِن الرِّوايات وأعمال السِّيرةِ الذَّاتية وُمجلدات مِن الشِعر وَالمقالات. وَبِمزجِه بينِ عناصر مَا بَعد الحَداثة والقصِّ-الماورائي (Metafiction) والوجودية، حَجز أُوستر لنفسهِ مَكانةً مُميزة على رفِّ الأدبِ المُعاصِر عَبرَ أعْمالٍ مِثلَ «ثُلاثية نيويورك» و«قَصر القَمر». وقدْ حلَّ أوستر ضَيفًا عَلى جَامعة يَال ضِمن «سِلسلة شليزنجر للكتّاب الزائرين» ليقرأَ مُقتطفات مِن كِتاباتهِ. تمكَّنت إذاعة WKND من إقامة مُقابلةٍ مَعه ليتحدّث عَن الإِفراط فِي القراءة والاتصالات التي تطلبُ خطأ وعن الكتابة بِوصْفِها دَاءً.

سؤال: لنتحدث بداية حول كتابتك عن الكتابة. بعض شخصياتك كتّاب يبحثون عن المعنى في حياتهم عبر الكتابة، فهل تراهم كانعكاسٍ لك؟

إجابة: تكتب هذه الشخصيات في مجالاتٍ متنوعة وبطرق مختلفة. على كل حال، أفترضُ أنهم طريقة للتفكير حول سؤال: «ماذا يعني أن أكون حيًا؟». أعتقد أن هذا هو الغرض من وجودهم، ولا يعني هذا بأني أتبع مسيرتهم الأدبية. تعكس كتابتهم حالةً من دخائلي واستجوابي لنفسي.

سؤال: بالنظارِ إلى الطبيعة التجريبية المميزة لكتاباتك، إلى أي حدٍ تعتبر نفسك متصلًا بالماضي أو ببعض التقاليد الأدبية؟

إجابة: أشعر بارتباط حقيقي مع الأشكال القديمة للأدب. أكثر ما يلهمني وما أفكر فيه أغلب الوقت هي الحكايات الخرافية «Fairy Tales». حقيقة، قلما أفكر في نفسي كروائي، بل كحكّاء/كحواتيّ، وأكثر الكتّاب الذين اهتم لما يكتبون هم كتاب القرن التاسع عشر الأمريكان.  صحيح إني أقدِّر بعض كتابات القرن العشرين، ولكن ليس مثل تقديري لهيرمان ميلفل وناثانيال هاوثورن وهنري ثورو.

لا يمكنني أن أصنف نفسي بأي حالٍ من الأحوال كاتبًا «تجريبيًا» أو «تقليديًا»، فكل كتاب يقتضي طبيعته الخاصة، فأنا لست ذلك النوع من الكتّاب الذين يقولون: «حسنًا، سأكتب اليوم سوناتا تتكون من أربعة عشر سطرًا وبقافية معينة»، ولستُ أيضًا من النوع الذي يقول: «سأجلس الآن وأكتب كتابًا عن اضطراب الإنسان في بدايات القرن الواحد والعشرين». تكون بدايات الكتب مُكثّفة أكثر من ذلك. ستتقلب شخصية ما في خيالي، وسيفعل أحد ما شيئًا وسيفعّل هذا ذكرى ما، والتي بدورها ستثير فكرة ما، وشيئًا فشيئًا، ستتجمع الأفكار وتدور في رأسي إلى أن تصبح جسمًا واحدًا ثم يبدأ أمرٌ ما بالتشكّل.

ليس من السهل صياغة ما أفكر فيهِ بكلمات واضحة وملفوظة ومنطقية، لا أعرف ماذا يحدث فعليًا. لم أشهد قبلًا ولادة أي فكرة. لم أرَ ولم أشعر ولم أفهم قبلًا كيف لأي فكرة أن تدخل رأسي، ففي لحظة، لا يكون في رأسي أي شيء، وفي أخرى، يكون هناك ما يشغلني. قفزة هائلة بين الشيء واللاشيء. لا يوجد أي حبل يربط بين الشيء واللاشيء. الأمر غريب جدًا. قضيت عمري بأكملهِ أفكر في هذا الموضوع، ولم استوعبه حتى الآن.

سؤال: كيف تكتب بعد اشتعال فتيل الفكرة الأولى في رأسك؟

إجابة: كتبت معظم أعمالي ارتجالًا. في البداية يكون لدي فكرة عامة عمّا أرغب في كتابتهِ وإحساس عن اتجاه مجرى الأحداث في القصة وشعورٌ سنطلق عليهِ اسم «الانجراف» للتوضيح، ولكنّي أؤكد لك بأنه لم ينتهِ أي كتابٍ من كتبي المنشورة حتى الآن بالطريقة التي تصورتُ بأنه سينتهي بها. دائمًا ما يحدث شيء مختلف. يصير للكتاب حياة خاصة بهِ في أثناء عملكَ عليهِ، وبعدها يخبرك الكتاب بما يريد أن يكونه، وأنت ككاتب، تكون أداة السيرورة، ويكون عليك أن تستمع (أكثر ما يكون عليك أن تملي) لما يحدث أمامك، ولهذا أعتبر الكتابة مغامرة مثيرة.

لا أعرف أين سأجلس تحديدًا كل صباح وما سيكون عليّ فعله طوال اليوم الذي أكتب فيهِ. يضع بعض الكتاب خططًا لكتبهم قبل أن يبدؤوا في كتابتها وفي بعض الأحيان يُعدّون خطوطًا عريضة مُفصّلة لما سيحصل في الرواية، ومن ثم يخوضون بإصرارٍ في كتابتها يومًا بعد يوم، وصفحة بعد صفحة، ويخرج معهم في النهاية نسخة أكثر تفصيلًا لما أعدوه من خطوط عريضة. لا يمكنني فعل ذلك. أعتقد بأني لو فعلت، سيكون الأمر مملًا للغاية، وسأفقد حماسي للمجهول ولما لا أعرفه. إلّا أني، وحينما كنت شابًّا وحين لم أكن أعرف أي شيء عن الكتابة، كنت أظن أن التخطيط هو الطريقة الوحيدة للكتابة، وكانت هذه الكارثة بسبب تسجيلي في جامعة جيدة جدًا [كولومبيا]، وبسبب قراءتي المفرطة للأدب وللنقد الأدبي، على الرغم من أنه كان لهذا أثرًا عظيمًا على مسيرتي التعليمية، إلا أنه وفي الوقت نفسه، منعني من وأخَّرني عن الكتابة لفترة طويلة. إذا كنت ترغب في أن تصير فنّانًا، فإن عليك أن تتعلم ما كل ما عليك تعلمه، ثم عليك أن تفعل كل ما في وسعك لتنساه، والأشياء التي لا تتمكن من نسيانها، هي ما تُشكّل الأساس الأولي لعملك (كتابتك/روايتك/لوحتك/معزوفتك… الخ).

 

 

سؤال: هل تتغير طريقتك الارتجالية في الكتابة عند عملك على سيرة ذاتية؟

إجابة: كان لكل كتابٍ من كتبي الخمسة غير الروائية طريقة ونهج مختلف لكتابة السيرة الذاتية. كلها كانت غريبة جدًا، فلا يمكن وضعها تحت جنسٍ أدبي معين، وقطعًا لا يمكن احتسابها كمذكرات. المادة في تلك الكتب معروفة وواضحة بالنسبة لي، ولكن تشكيلها تحت صنف معين صعب بقدر صعوبة تشكيل الرواية، فالجهد الذي تستهلكه في كتابة جملة هو نفسه، سواء كانت الكتابة روائية أو غير روائية. في الرواية، تكون لديك الحرية لتبتكر ولتخلق، ولكن وفي الوقت نفسه، وفورَ وضعك لحدود العمل الذي تكتبهُ، يكون لزامًا عليك أن تلتزم بها، فلا يجوز لك أن تتجاوز هذه الحدود، وإلا فإنك تدمر أساسات العمل الذي تحاول إتمامه. أما في حالة العمل غير الروائي، فأنت ملزم ومحدد بالحقيقة مع التركيز على كلمة الحقيقة. فالحقيقة هنا، هي كل ما يمكنك تذكره بوضوح تامٍ، فهناك بعض الأمور التي تعجز عن أو تخطئ في تذكرها، وواجبك هنا ألّا تكتب أي خطأ واعٍ أو تحريف لما تعتقد أنه الحقيقة، وهذا أحد المواثيق التي تعقدها بينك وبين نفسك وبينك وبين القارئ.

سؤال: في مقابلة سابقة لك، كنت قد قلت: «ما لم تكن هنا حاجة مُلِّحة للكتابة، فلا داعي للكتابة حينها»، ماذا تعني بالحاجة «الملحة» للكتابة هنا؟

إجابة: أتحدث هنا عن الإلحاح الشخصي، عن إذا ما كنت تحتاج حقًا إلى أن تكتب أم لا. أتحدث عن إذا ما كانت حياتك ستكون صعبة ومستحيلة إذا لم تكتب. أتحدث عن تلك اللحظة التي يكون فيها الإلحاح قادمًا من منقطة عميقة في داخلك للدرجة التي تشعر بها أن لاوعيك يخبرك ويوجُّهك لما عليك فعله!

سؤال: على أساس ترى أن كتب «ثلاثية نيويورك» مُلحة؟

إجابة: كتب ثلاثية نيويورك قصيرة جدًا إلا أنها كنت نتاج سنواتٍ من التفكير والكتابة. عندما انطلقت في نشر أعمالي، كنت أنشر قصائد وترجمات لمقالات وقصائد ومقالات نقدية، ولكني عندما كنت طالبًا جامعيًا، كان شغفي وطموح حياتي هو كتابة الروايات، وكان لدي آلاف الصفحات لمخطوطات كتبٍ بدأتها ولم أنهها. كل تلك المخطوطات صارت أعمالًا منشورة لاحقًا، فعندما كبرت، صرت قادرًا على غَرْبَلة كل الأعمال التي كنت مهووسًا بها في تلك الفترة. من تلك الأعمال «مدينة الزجاج»، و«في بلاد الأشياء الأخيرة» و«قصر القمر». كنت أعمل على نُسخٍ من تلك الأعمال خلال دراستي الجامعية، إلا أني لم أتمكّن من إرضاء نفسي وقتها.

وجدتُ الشجاعة للعودة إلى كتابة الرواية عندما كان عمري ثلاثة وثلاثين عامًا، وكنت ما زلت محتفظًا بكل تلك الدفاتر بالمسودات الأولية التي تحتويها، فأخذت بعضًا من المقاطع التي كتبتها فيها. بعض الأعمال التي كنت قد كتبتها وأنا بعمر الواحد والعشرين تشبه رواية «مدينة الزجاج» إلى حدٍ ما، على سبيل المثال. لقد كبرت للدرجة التي مكَّنتني من الإمساك بزمام كل تلك الأعمال معًا وإعادة إخراجها بشكل أكثر ترابطًا وتماسكًا.

سؤال: لماذا اخترت في «ثلاثية نيويورك» أن تكتب في جنس القصة البوليسية؟ ما الذي دعاك/دفعك للكتابة في هذا الجنس الأدبي؟

إجابة: في خضّم عملي على كتابي النثري الأول «اختراع العُزلة»، رن هاتفي، وحين رفعت السماعة، طلب الشخص على الهاتف «وكالة بنكرتون»، وهي أقدم وأشهر وكالة بوليسية في أميركا، فأخبرته بأنه أخطأ في رقم الاتصال، وأنهيت المكالمة.

في اليوم التالي، وتقريبًا في الوقت نفسهِ، حصل الأمر نفسه وأنهيت المكالمة، ولكني حين وضعت السماعة للمرة الثانية، سألت نفسي: «لماذا فعلتُ هذا؟ لماذا لم أجبه بأني وكالة بنكرتون؟ لربما تمكنت من معرفة ما يريده ذلك الشخص وما هي قضيته». بعد حوالي عام، وعندما بدأت في كتابة الثلاثية، كانت تلك الحادثة هي ما أثارت كل الأحداث في القصة. يتصل أحدهم بـ «كوين»، ويطلب «المحقق بول أوستر» بدلًا من «وكالة بنكرتون»، وعند الاتصال الثالث يقول كوين: «نعم، أنت تتحدث إلى المحقق بول أوستر». أردت أن أكون مخلصًا إلى الحدث المُلْهِم المرتبط بالمحققين، والتزمت بهِ.

سؤال: ما الذي يثيرك في التناقض والغرابة واللذان نلاحظهما بوفرة في أعمالك؟

إجابة: أنا مهتم بالغموض بحق، فالأمور في حياتنا ليست دائمًا واضحة جدًا. ولا أتحدث هنا عن الأسئلة الفينومينولوجية فقط بل عن القضايا الأخلاقية والنفسية وحتى عن القضايا القضائية والسياسية. كل الأشياء تميل نهايةً إلى الانهيار في حالة من الغموض. بعض الحقائق المتضاربة تميل إلى التواجد/التعايش مع بعضها البعض أيضًا. هذه هي الأشياء التي تثيرني أكثر من غيرها، لأني أعتقد بأننا نعيش بهذه الطريقة.

سؤال: كتبت الكثير من المؤلفات حول طبيعة اللغات وأثرها على حياة الإنسان، لماذا؟

إجابة: تمنحنا اللغة العالم بأسره، ولكنها تأخذه منا أيضًا، ونحن نعيش في ظل هذه الثنائية باستمرار.

سؤال: تعج جامعة يال بالكتّاب الطموحين، هل توجد في جعبتك أي نصيحة ذهبية تود أن تنصحهم بها؟

إجابة: لا تكتبوا، فأنتم على مشارف حياة مليئة بالبؤس والعزلة ونوع من الاحتجاب عن العالم. تشبه الكتابة تلقي الأوامر من طائفة دينية ما. الكتابة باختصار، داء. إذا أجابني شاب: «أنت محق، سيكون من الغبي أن أكتب»، فهذا الشخص لا يجب أن يكون كاتبًا. وإذا أجابني آخر: «لا أتفق معك، سأكتب على أي حال»، فسأجيبه، «أتمنى لك حظًّا سعيدًا، ولكن عليك أن تفكر بنفسك وتعرف ما تريد أن تكتب بنفسك، فطريق كل كاتب يختلف عن الآخر».


المصدر

This entry was posted in غير مصنف. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *