عن استحالة إيجاد الخط الفاصل بين الرواية والواقع

ترجمة: بطرس حبيب

كتبت: ميشيل بيلات جونز. 

ارفع يدك أنت أيضاَ لو في بعض الاحيان اثارت مادلين دو سكودري غضبك، وهي جالسة في صالونها الأبي تحديدًا عام 1652 تبتكر بكل ابتهاج “رواية المفتاح” roman à clef لتضمن و للأبد اتهام الروائيين فيما بعد بكتابة سيرهم الذاتية متخفيّة تحت قشرة رقيقة من الخيال. أعلم أنه لا يمكن أن تلام كليًا. فهناك تقليد مدهش و، متبع على امتداد الشرق والغرب لتمويه الحدود بين الواقع والرواية. وفي الغالب هي فكرة غير مستحبة أن يقع العمل على احد جانبي الخط فقط. فأنا استطيع القول بأني اكتب رواية واقعية realist fiction، وهذا صحيح. لكن حتى المصطلح يحمل مفارقة، على الرغم من كونها حالة مقبولة كمصطلح أدبي، فالرواية الواقعية  “كمصطلح” يحمل تناقض يبدو أكثر استساغة من المصطلح الأجرأ: الرواية اللاخيالية non-fiction novel .

عادة يُسأل الروائيون: “إلى أي مدى روايتك مبنية على حياتك الشخصية؟” فإلى أي حد تكون من الكُتاب الذين يضمون بكل حرية قصة حياة مشوشة مع حدث به حبكة وشخصيات -وهم كُثر- سيكون بالنسبة لك سؤالًا مثيرًا للغضب. اسألني أي جزء من روايتك قمتِ بنقلهِ من حياتك وستكون اجابتي “لا.” فقط لا. إنه يشعرك دائمًا وكأنه سؤال شخصي صادم، كشيء لا يمكن أن تسأل عنه شخصًا إلا وإن كانت بينكما سنوات من المعرفة واضطررت يوما للاعتناء به اثناء نزلة معوية. حتى بعد كل ذلك! لكني لا أود أن أكون وقحة، لذلك في الماضي حاولت تجنب هذا السؤال. حاولت ألا اشرح بغضب الفرق بين كتابة اليوميات وكتابة رواية، والاساليب المستخدمة للمزج بينهما، والتي لا أستخدم أيًا منها الآن، حتى وإن كنت معجبة بالكتّاب المعاصرين أمثال راشيل كاسك و نيكول كراوس، وهما يقومان بهذا بحرفية. كقارئة وكاتبة لم أهتم بحياة الكُتاب المختفية خلف العمل، فقط العمل هو ما يشغلني، سواء تداخل مع سيرة ذاتية أو لا. أهتم فقط بما أثاره من مشاعر أثناء قرأته ومن ثم كيف حقق ذلك من منطلق فني.

أحدث روايتي Unfurled تدور حول عائلة تواجه دربًا طويلًا من الألم والاضطراب أتى عليهم بسبب الأم التي تعاني من مرضٍ عقلي. هي رواية عن الشعرة الفاصلة بين الخيال والوهم، عن أسرار عائلية وآثار الخزي المدمرة. جزئيًا إنها قصة طفولة وقعت شمال غرب المحيط الهادئ، حيث حدث وكنت طفلة ومراهقة. ها قد بدأ السؤال عن السيرة الذاتية، وأعرف أنه سيستمر. وبطرق اخرى أيضًا رواية مثل تلك والتي تكون متمركزة بشدة على الحيوات الداخلية بدل من التركيز على الحيوات الخارجية السياسية-الاجتماعية الأكبر أو المشهد التاريخي، ربما تثير الكثير من مثل تلك المقارنات بين الكاتب والقصة.

هل Unfurled قصتي[الشخصية]؟ بالتأكيد لا. هل Unfurled قصتي [روايتي]؟ بكل تأكيد. أنا لا أحاول التصنع. وجدت تقريبا أنه من المستحيل إيجاد الحقيقة مع وضع هذا التساؤل في الاعتبار. ولا أحاول أيضًا تجنب مناقشة المواضيع الشائكة في الرواية. آمل أن يتواصل الكتاب مع كتب أخرى لها نفس الثيمة theme والتي تلهم المناقشات حول مواضيع كالنوح والخزي والأمومة وخاصة موضوع المرض العقلي، والتشرد، فأنا اتطلع للمشاركة في مثل هذه النقاشات.

اتخذت سنوات كثيرة للتعامل مع هذا التساؤل عن ذات الفرد في روايته، اقصد أنا نفسي في رواياتي، لكني أعمل تدريجيًا نحو إجابة أولية. وهي تأتي من حبي للكلمات المراوغة. حبي لكيف تصبح الكلمات كلمات. فالفعل wandijaną (تحول مسار) في الݘرمانية الأولية أصبح في النهاية الفعل wendan (تغير، تبديل أو تغير اتجاه) في الانجليزية القديمة. ومازلنا نستعمل البقايا المعاصرة لـ wendan عندما نقول: “She wends her way through the city” [لقد بدلت وجهتها عبر طرقات المدينة]. لكن wendan كانت تستخدم حتى القرن الرابع عشر في سياق تبديل كلمة من لغة لأخرى، وبعدها تبنى الناطقون بالإنجليزية كلمة جديدة بدل الأخيرة غير الواضحة. لقد أخذنا الكلمة translate [يترجم] والتي أصلها في اللاتينية translates و في الفرنسية القديمة translater، وعلى هذا النحو تم دمجها مع قائمتها من المعاني المجازية لإضافتها للكلمات المشتقة من :wendan transport [توصيل]، transfer [نقل]، carry over [تحمُّل]، lead along [يقود]، spend time [يقضي وقتًا]، make a show [يقدم عرضًا].

هذأ كله تلاعب بكلمة صغيرة. إنها كلمة تتلون في معانيها. يتفق الكثير من الناس على أن الترجمة هي نقل كلمة من موطن لغة الى موطن أخرى. فهذه وظيفتي. لكن كلٌ منا مرتبط بفعل ترجمةٍ في كل مرة يتكلم فيها أو يكتب ليطوّع الكلمات للتعبير عن أفكاره. نحن نترجم تفكيرنا -وهو ليس حقيقي على أي مستوى مادي- إلى اشياء معقولة ومحسوسة. هذا فعل طبيعي و مألوف، نحن فقط ننسى كم أن هذا الفعل عظيم و سحري. ومثل الترجمات اللغوية ليس هناك استنساخ من الفكرة للكلمة. فتصبح الكلمات طريق، أسلوب حل، رمز أو محاولة. فكل ما تفكر فيه يمكن التعبير عنه، لهذا أي كاتب وأنا من منهم عندما اكتب رواية أرتبط بفعل الترجمة هذا.

إليك مثال على الشروحات والتصورات المتاحة في الترجمة؛ قارن بين ترجمات النصوص الكلاسيكية الموجودة. هناك موقع الكتروني لأشعار الشاعر الفرنسي شارل بودلير(أزهار الشر) يمنحك خمس أو ست ترجمات لكل قصيدة من مجموعة 1861 لبودلير. بعضها مختلف اختلاف الليل والنهار نتيجة للاختيارات التفسيرية للمترجمين المختلفين. لو أردت توضيحًا أكثر للفكرة تصفح موقعًا به الإصدارات الإنجليزية المُقارنة للكتاب المقدس، فمن منظور لغوي بحت ستجد ما لذ وطاب من التباديل والتوافيق.

اسألني مجددًا -أي جزء في روايتك حقيقي- وسأبدأ في الحديث عن دقة التأثير العاطفي والتباين السياقي، وعن الانتقال بين مستويات الكتابة والتنقل بين الاجناس الأدبية المختلفة واستحالة الموازنة بينهم. ربما أناقش إمكانية ترجمة النص الأصلي وبعدها سأصطحبك في جولة عن إعادة بناء الصوت أو الصورة في الرواية أو ربما البنية. سأشير إلى كيف تتحول الصراعات الداخلية لنزاعات خارجية، وكيف في بعض الأحيان كل ما أنت قادر على فعله أن تنقل المعنى أو الشكل ليس كليهما. سأتحدث عن توتر اختيار الكلمة والاستعارة، عن وفرة الكلمات ومخاطر عدم الوضوح. سأدعوك لتتجه معي و تتجول وسط الكلمات. لأني دائماً في روايتي وخارجها. فأنا القصة والقصة ليست أنا.

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *