سڤيتلانا أليكسييڤتش: كيف ينصت الكاتب؟

ترجمة: ملك اليمامة القاري

حاورها: جون فريمان. 

قضت سڤيتلانا أليكسييڤتش الأعوام الثلاثين الفائتة في كتابة كتاب واحدٍ طويل حول تأثير الشيوعيّة، وما خلّفه زوالها في نفوس البشر في الكتلة السوڤيتيّة السابقة. وانطلاقًا من المقابلات، ثمة سرب من الأصوات يغشى كتبها، فتعلوا وتهبط، ثم تتعانق مع بعضها البعض في نغم روائيٍّ متّسق:

فتنبثق أصوات الرّوس الّذين شوّههم انهيار تشرنوبيل في (صلاة تشرنوبيل)، وأثار حنقهم عار الحرب الأفغانية في (فتيان الزنك)، أما الآن فتجدهم في (الزمن المستعمل) وقد أضاعوا هويّتهم بين انهيار الشيوعية وتلك الفرضية الّتي تقضي بوجوب كونهم رأسماليين في الوقت الحالي.

ولعلّ أليكسييڤتش قد خُلقت لهذه المهمّة. إذ كان والداها معلّمَيْن، وتحديدًا والدها الذي درس الصّحافة. في الجامعة، اطّلعتْ أليكسييڤتش على أعمال الكاتب البيلاروسي أليس آدوموڤتش، ذاك الّذي كان على يقين بأنّ القرن الحادي والعشرين مسكون بالبشاعة – بغضّ النّظر عن التّفاصيل -.

وعلى عكس ستادز تيركل، حيث تجتمع المشافهات التّاريخيّة لحياة الأمريكيّين في توليفة من برامج المقابلات الإذاعيّة؛ فإنّ كتب أليكسييڤتش هي مخلوقات مختلفة. إذ لا تكبّل خيال قارئها بالتّفكير في قضاياها أو باحتمالية كونها مقتبسة من شخوص الواقع. فقد وصفتهم أليكسييڤتش بالرّوايات، حين حازت بجائزة نوبل 2015، وهذا تشبيه منصف يسبغ تصنيفًا دقيقًا ومناسبًا لإبداعٍ أدبيٍّ بمثل هذا المستوى من الشّاعريّة والشّفافيّة. وأيّاً كان تصنيفهم، ففي كتبها من الجمال والإثارة ذاك القدر الّذي تجده في أضغاث أصوات تسمعها في قطارٍ مكتظٍّ يشقّ اللّيل مسافرًا.

في يونيو/ حزيران الحالي، جاءت أليكسييڤتش إلى نيويورك لإحياء فعالياتٍ متعلّقة بكتابها (الزّمن المستعمل)، وهو الكتاب الأوّل، من بين الثّلاثة، الّذين ستتولّى دار راندوم ترجمتها  خلال السّنوات الثّلاث المقبلة.

تحدّثتُ إليها في المدرّج الفارغ، حيث كنت سأحاورها من خلال المترجم لمدّة ساعةٍ من الزّمن.  

جون فريمان: يعتريني فضول حول كيفيّة تحوّلك إلى مُنصتة؟

سڤيتلانا أليكسييڤتش: حدث ذلك منذ نعومة أظفاري. لقد عشت في الدّولة، في القرية فترة ما بعد الحرب. كان والداي معلّمَيْ القرية. كانت القرية ملأى بالنّساء. وقد تحتّم عليهنّ الكدّ في عملهنّ طوال النّهار. فلم يكن قد تبقّى رجالٌ في القرية حينها. وبعد فروغهنّ من العمل – وقد كانت المقاعد تملأ القرية – كنّ يذهبن إلى الخارج ويتكلّمن سويّاً هناك. كان الإنصات إليهنّ مروّعاً للغاية، ومثيراً في آنٍ معاً.

كنّ يتكلّمن عن الحرب والموت والفقد، فثمّة من فقدن أزواجهنّ مؤخّراً، ولطالما كان وقع ذلك مؤثّرًا ومثيرًا أكثر من قراءة الكتب الموجودة في منزلنا. كان بيتنا متخمًا بالكتب، وحين التحقتُ بكليّة الصّحافة، جرّبت مختَلَف المجالات، فحاولت اقتحام عالم الرّواية، والمسرح، ثمّ أدركتُ أخيرًا أنّ لذّة الأصوات النّابضة بالحياة تفوق كلّ شيء. حين تكون صحافيًا فإنّك تجوب عديد القرى والبلدات – بيلاروسيا ليست دولة كبيرة، بل على العكس -وهذا ما جعلني على الحال الّتي أنا عليها الآن.

وقد كانت هذه الفكرة موجودة في الشّكل التقليديّ للحكايا الشّعبيّة، لعلّها لم تكن موجودة بالصّورة الّتي تناولتُها، لكنّها كانت موجودة في الموروث القصصيّ على أيّة حال. ففي كلّ مسارب الفن، الرّسم أو النّحت أو الموسيقى، لم يألُ النّاس بحثًا عن التجديد في الأشكال والأفكار، وفكّرتُ ملياً؛ ما الضّير في إضفاء لمسة جديدةٍ على الأدب. ثمّة كاتبٌ مشهورٌ في بيلاروسيا، ويدعى أليس آدوموڤتش، وأنا أعتبره بمثابة عرّابي وأستاذي، ناهيك عن عمله في المجال، لطالما ألمح إلى عدم الحاجة لتلفيق الحكايا، إذ الحياة مليئة بما يكفي لتغنيك عن التكلّف.

 

ج.ف: لقد تناهى إلى مسامعي صوت الخيبة الّتي أحسستها تسكن أصوات النّاس، أولئك الّذين تحدّثتِ إليهم على طول الكتاب، إذ لم يمهّد لهم الأدب سبيل الحياة السوڤييتيّة بعد ما ألمّ بها من تغيّرات. أتشعرين بأن الأدب الخياليّ قد عجز، في هذا الكتاب، عن التّعبير عن خيبات النّاس -الّذين حادثتِهم- وربطهم بالحياة؟ لدرجة ما وصل إليه الأمر مع واحدٍ من الشّخصيات ليقول متجرّعًا مرارة الخيبة والحقيقة:

” في ذلك الوقت، حلّت الكتب مكان الحياة”.

 

س أ: أعتقد أن هذه لفتة مميّزة جدًا، فنحن بلد يقوم على الكلمة، تلك النّزعة الرّوسيّة للعيش في الفكرة، لعلّه ميل النّاس للاستكانة إلى الكلمة والكتاب. لطالما تأصّلت هذه الفكرة في أعماق انّاس؛ بأنّ الكتب موجودة لتلقّنك كيف تعيش. وأنّها تَخلق لك المبادئ لتطبّقها. سيّما في الحقبة السوڤيتيّة الّتي عنت بإعادة تصنيع الإنسان، وإعادة تشكيل الفرد، وقد حمل الأدب على عاتقه تلك المهمّة بشكلٍ أساسيّ في ذلك الحين.
ثمّ إنّها بلد منغلقة، لا يغادرها قاطنوها. هم بالكاد يشاهدون الأفلام الرّوسيّة، كان ثمّة بضع أفلامٍ أمريكيّة، وحصّةٌ شحيحةٌ من الموسيقى. وعمومًا، فإنّ ما كان يرد لها من العالم الخارجي جدّ هزيل، لهذا كانت الكتب هي المتنفّس الوحيد للنّاس، وكانوا شديدي الشّغف بها. يا لروعة ذاك الزمن.

أحكم اليأس قبضته على النّاس. أتذكّر تلك الإعلانات بعد البريسترويكا، إعلانات مكتوبة بخطّ اليد، سأشتري كيلو من الطّعام، دون تحديد نوع الطعام، إذ يكاد يندر كلّ شيء، وفي غمرة يأسهم هذا، شعر النّاس بخذلان جيشهم ومبادئهم لهم.

وأذكر أيضاً كيف نبذ النّاس الكُتّاب الرّوس على غرار مايكوفسكي. ففي إحدى المراحل رفضت المكتبات أخذ كتبه بعد أن أُتخموا بما فيها، وغدت كتبه مرمية بين النّفايات وأكوام القمامة. وكما تعلم، فحين يسعى النّاس لتأسيس مكتبة صغيرة، هم يذهبون للاشتراك، وتصلهم الأعداد بعد اشتراكهم، ومن ثمّ سيتعيّن عليهم الذّهاب لإحضارها. لقد كان الحصول على مجموعة كتب كاملة أو تأسيس مكتبة صغيرة هو مدعاة فخر. لكنّ ذلك تغيّر كلياً بعد برنامج البريسترويكا.

أذكر في زيارة لإحدى العائلات، الّتي يُفترَض أنها عائلة من المثقفين، غير أنّ المرأة كانت تقول بطريقةٍ تبريريّة : ” كنت أريد أن أريك آلة صنع القهوة الجديدة التي اقتنيتها، فالآلة القديمة تبدو مخجلة، والغسّالة الجديدة تمنحني ذات المتعة الّتي كانت تهبها إيّاي الكتب”  كان النّاس خجلين، وكان بإمكانك أن ترى على أرصفة البيع عدداً مهولاً من الكتب التي اعتُبِرتْ نادرةً قبل بضع سنوات فقط. فجأةً، ودون اضطرارٍ للانتظار في الطّابور، كنت ستجدهم في صناديق لا يكترث لها أحد. لقد أصبح العالم الجديد مادّيًا. حيث يستقي النّاس لذّتهم من طعامٍ جديد، من سفر، من مقتنيات جديدة، أمّا الكتاب فقد تمرّغ بالهزيمة.

 

ج. ف: استُخدمت كلمة “العار” كثيراً في (الزمن المستعمل)، كان النّاس يقولون

” أشعر بالعار”

س. آ: لعلّ ذلك عائدٌ لشدة خصوصيّة الثّقافة الرّوسية. إنّني أذكر قصة النّساء اللّواتي كُنّ يسرن نحو النهر، وكان الرّجال يتحاشون النّظر إليهنّ، لأنّهن كنّ في فترة طمثهن الشّهري. ولم يكن لديهنّ شيء، أيّ محارم نسائيّة، وقد كانت دماؤهنّ تسيل على سيقانهنّ ويخلّفنها على الرّمال إذا ما مضين. وحده الله يعلم ماذا حلّ بأجسادهنّ وأنظمتهنّ إثر ذلك. لكنهنّ أتين بعد ذلك للنّهر فسارع الرجال للاختباء، وشعرت النّسوة بالعار لتلك الحاجة للاغتسال وتنظيف الجسد في النّهر. العديد من النّسوة قضين نحبَهنّ يومها، برداً!
وبالحديث عن دور المرأة فإنها ثقافة أبويّة من ناحية، وهي ثقافة اشتراكيّة في الصّميم من ناحية أخرى.، حيث يُعتبَر المرء في المجتمعات القرويّة والمزارع الشّمولية جزءاً من الكلّ. إنّه ليس فرداً على الإطلاق.

ج. ف: تستهلّين هذا الكتاب بسلسلة أصوات مجهولة الهويّة، ثمّ تنتقلين تدريجيًا إلى المصادر الموثّقة. ولهذا، فقد أدهشتني كيفية اختيارك للأشخاص الّذين قابلتهم في كتابَيْ (فتيان الزنك) و(صلاة تشرنوبيل). إذ تناولتْ هذه الكتب شريحةً محدّدة ومتمايزةً من النّاس (ناجون، ذوو ناجين أو مفقودين) في حين يبدأ هذا الكتاب مع نهاية الحقبة السوڤيتيّة منطويًا على عددٍ هائل من النّاس. على أيّ أساس تختارين الأصوات الّتي تسجّلينها؟  

س. آ: برأيي أنّ هذا هو السّبب في كون (الزمن المستعمل) هو الأكثر صعوبةً في الكتابة. ففي (فتيان الزنك) كان الكتاب معنيًا بالحرب حقًا وقد كانت أجواء الحرب حاضرةً إذ تدرك معها أين ستضع مبضع الكتابة. لكننا نتناول هنا انهيار امبراطورية عظيمة، وجد النّاس أنفسهم جالسين على أشلائها المختلفة بين قطعةٍ وأخرى. ومن هذا المنطلق، لهذا، فإنّ صياغة هذا الكتاب على هيئة رواية كانت تحدّيًا كبيرًا.

لقد قضيت الثلاثين عامًا الفائتة وأنا أكتب عن تاريخ الشيوعيّة، الشيوعيّة الحمراء في روسيا، معتبرةً أنّ الشيوعيّة وزوالها هي أهمّ ما يمكن الكتابة عنه. إنّ أهمّ ما في الأمر هو إلقاء الضّوء على الأشياء الأكثر إيلامًا. الحال الّتي كنّا عليها، ما فقده النّاس وتسرّب من بين أيديهم إبّان الزّوال: تاريخ الحرب، تاريخ المعسكر، وتاريخ الإيمان…. تلك هي المقدّمة.

لقد بذلتُ أقصى ما لديّ لأقدّم صورةً حقيقية، لكن من خلال نافذة زجاجيّة ملوّنة، أعني، كالموسيقيّ أو الملحّن إذا ما سعى لتطوير ألحان مختلفة وأعاد ترتيبها ضمن توليفةٍ خاصّة ليفسح لها أن تخرج بروحٍ متماهية وتضفي ذاك التأثير.  

هكذا أردت تجسيد صورة الزّمن.

ج. ف: بالقرب من نهاية الكتاب، تحدّثتِ إلى نادلة، سبق لها أن حاولت الانتحار، وقد تزوّجت ذات مرة برجلٍ أعرج. كيف قابلتِها؟

س. آ: لا أذكر هذه الحادثة. لكنّني أرجّح أن يكون ذلك خبرًا قرأته في الصحيفة، فتلك المرأة قد حاولت الانتحار لعدّة مرّات، أو لعل أحداً أخبرني عنها أثناء زيارتي للمستشفى حين ذهبت لأتحدّث بشأن النّاس الّذين أقدموا على الانتحار.

ج. ف: الأمر مستفحل على ما يبدو.

س. آ: أجل على ما أعتقد. فقد كان ذلك معلَنًا أكثر بكثير من ألمانيا ومعظم البلدان الأخرى. ولعلّه مرتبط بالعوز والفاقة. أن تحيا في ظلّ الاشتراكيّة، يعني أن تمنحك الاشتراكيّة ما يُسمّى بالمعونات؛ وهي حصّة موحّدة للجميع.
أمّا الآن، فالنّاس أحياءٌ عُزّلٌ إلّا من تيهٍ ويأس، لا يجدون سنداً يدعم ضعفهم.

ج. ف: هل كانوا مسؤولين عن الانهيار؟

س. آ: برأيي هذه المسألة معقّدة، فالبعض كان يلوم البعض الآخر على إيمانه بالفكرة وقد تملّكهم شعورٌ بخيانة الحزب. وفي ذات الدّائرة، حُرِم العديد من إمكانية التعليم إذ لم يتكيّفوا مع شكل الحياة الرّأسماليّة. بينما ظلّ آخرون يعيشون في ذكريات الماضي وما مرّوا به، وكيف صار لدينا شيشان، وأشخاص عادوا من أفغانستان.
وهكذا، كنت هناك أسعى لإيجاد المواضيع الرّئيسية والأكثر أهمية.

ج. ف: في واحدةٍ من المقابلات الّتي انفطر فؤادي لها، تحدّثتِ إلى والدة ضابط شرطة أصيب في الشيشان، وقد أُعلِنتْ وفاتها انتحارًا. يذهلني جلوسك إلى أناسٍ تعرّضوا لخسارةٍ جمّةٍ كهذه، ولديّ سؤالان:
أولاً، كيف تتجشّمين حمل هذه القصص لبقية حياتك؟ هل من ثمن تدفعينه لأجلها؟ وثانيًا، كيف تنفصلين عنها؟ فقصص هؤلاء النّاس تُحدث فرقًا، وأنت بشرٌ في النهاية .. كيف تقطعين الاتصال؟ أو بالأحرى، هل تفعلين ذلك؟ أما زلتِ على اتّصال مع العديد من هؤلاء النّاس؟

س. آ: كانت هذه امرأةٌ أليس كذلك؟ امرأة ولها ابن؟

ج. ف: أجل.

س. آ: أنت تعلم بالطّبع أن ذلك مكلف. لكأنّني أرى وجهها أمامي اليوم، كانت امرأة روسيّة باهرة الجمال. إنّه أمرٌ قاسٍ، ورغم ذلك فإنّني أبقى على تواصل مع العديد من شخصيّاتي، وخصوصًا النّساء منهم. لكن الكثير منهم قد وافته المنيّة، خاصةً شخصيات كتابي الأول (ليس للحرب وجه أنثويّ). غير أنّني إذ أتمعّن في هذا السؤال، فإنّني أظنّ أنّ الكُتّاب لا يدّعون أيّ حظوة في هذا الموضع. خذ على سبيل المثال، يرى جرّاح الأطفال معاناة الأطفال المريرة كلّ يوم، ويتكلّم مع ذويهم. تخيّل الإعلان عن وفاة طفلٍ لأحد والديه. إنها مكلفة حقّا. لكنّ ثمّة ثمن يتوجّب دفعه في العديد من المهن.
إنّني لا أسعى إطلاقًا للظّهور بصورة البطلة الخارقة أو المرأة المعذَّبة، لكنّه أمرٌ جدّ صعب.

سأروي لك قصّة.

حين كنتُ في أفغانستان تلقّيتُ اتّصالاً من رجل. لقد كانوا شديدي التّحفّظ إزاء تواجد امرأة في ساحة المعركة. تلقّيت ذاك الاتّصال ووجدته يسألني فجأة: أتريدين رؤية ما تبقّى من الأولاد الّذين انفجر بهم لغمٌ إيطالي؟ فقلتُ: حسناً، ماذا تبقّى؟ وقد كانوا يحاولون أساسًا أن يجمعوا ما تبقّى بالملاعق؛ ليتمكّنوا من تحديد الحمض النّووي على الأقل، بحيث يمكنهم إخطار أمّهاتهم بوفاتهم.
كانت درجة الحرارة في الخارج تصل إلى 100 درجة (40 مئوية)()  كان يظنّ أنّني سأرتبك أو أؤجّل ذلك. ولأنّني ثمرة المجتمع الرّوسي، لم يكن ثمّة ما يمكن أن يثنيني عن عزمي، لذا فقد ذهبتُ وشاهدتُ تلك الأشلاء. ولأنّني من بني البشر، فقد أصبتُ بالإغماء طبعًا.
وبهذا، فأنا ألعب دوراً ثانوياً هنا. لست الشّخص الّذي يعاني. إنّني أجلس أمام أحد ما، قبالة من ذاقت المعاناة بحقٍّ وشاركتني تجربتها. لذا فإنّ المعاناة ليست من حقّي، وإنّما من حقّها هي. لم أعد أصدّق الأفلام الّتي تربط صورة المعاناة بالنّحيب والعويل. هذا غير صحيحٍ البتّة. فالنّاس الّذين جرعوا الآلام حقّاً يتكلّمون بأصوات خافتةٍ هادئة، لربّما ذرفوا بعض الدّموع لكنّني لا أصدّق ذاك العويل، ذاك غير حقيقيّ وليس هو ما رأيته.
بالنّسبة لي، ثمّة تحدٍّ خاصّ في إجراء المقابلات واستخراج القصص، فمن جهة، أريد أن أفصّل القصّة وأتلمس مكنوناتها الأساسيّة، ومن جهة أُخرى أريد أن أنسلّ بعيداً عن جو البكاء، إذ أريد ممّن تخبرني القصّة أن تتفكّر فيما ترويه، لا أن تنذر جلستها معي للأسى والأتراح.

ج. ف: كيف تقرّرين من يبقى ومن يرحل؟ لا بدّ أن خمسة كتبٍ ملأى بالأصوات ما زالت طيّ الخفاء.

س. آ: كما تعلم، فهذا الأمر يعتمد بشكلٍ أساسيّ على المواضيع والأفكار. ولعلّ الإرهاب هو أحد تلك العناوين الكبيرة الّتي تطفو على السّطح. ففي (الزّمن المستعمل) تجد تلك المرأة الّتي قُبض عليها في الهجوم الإرهابي الّذي تعرضنا له في نفق المترو. هنا تمامًا، سيتحتّم عليك أن تقرّر ما إن كان الشّخص الّذي تتحدّث إليه يرغب في فتح حوارٍ معك. أو ما هو جوهر هذا الشّخص حقاً؟
لكنّني وددتُ لو سألتك، هل من شيء محدّد لفت نظرك في الكتاب؟

ج. ف: خفّة ظلّ البعض من النّاس. إذ يصرّح أحد الشّبان بأنّه قد اكتشف رداءة ذوقه في ظلّ الرأسماليّة.
وأضيف أيضاً تلك الحقيقة الّتي تقضي بأن النّساء يخلقن أشدّ أنواع المعاناة بأساً.

س. آ: الأمر كذلك في مجتمعنا.

ج. ف: لسوء الحظّ فهذه الحقيقة في كلّ مكان.

س. آ: أتعتقد أنّه ممتع بالنسبة للقارئ الأمريكي؟

ج. ف: أظنّ أنّ القصص الهامّة هي تلك الّتي تثير زوبعةً غريبة. لقد عمل والداي في الشؤون الاجتماعية وكانوا ينصتون لقصص النّاس من أجل لقمة العيش.

س. آ: لا أظنّهم سمعوا أقلّ ممّا سمعته!

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

One Response to سڤيتلانا أليكسييڤتش: كيف ينصت الكاتب؟

  1. علي says:

    مقابلة استمتعت جدا بقرائتها، شكرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *