حسين المحروس: لا تكتب سيرة أحد

حسين المحروس: كاتب وفوتوغرافي من البحرين

-إذا كنتَ من النوع الذي لا يلتفت، لا تكتب سيرة أحد

فأساس كتابة السيرة، هو أساس الكتابة: أن تلتفت.

-إذا كنت من الذين يكتبون قبل أن يحفروا، لا تكتبْ سيرة أحد.

فسيرة الشخص مقسّمة في سير وحيوات منْ وما حوله: بيته، أقاربه، أصدقائه، بيئته، أرشيفه، أغانيه، مراثيه، ألوان ثيابه، طعامه، أمراضه، اكتئابه، ضحكته، عجلته في الصباحات، الأفكار قبل النوم، وجهه المتعدد، المتغيّر، المتقلّب.

-إذا كنت عجولاً في قضاء حوائجك اليومية، وليس لديك لياقة، ونفسك قصير، لا تكتبْ سيرة أحد.

فسيرة الشخص الذي اخترته أو اختارك، مهما كان هذا الشخص، لا يمكن فهمها في زمن قصير فضلا عن كتابتها. هي لم تحدث في زمن قصير أيضًا.

-إذا كنت من الذين لا يحترمون مواعيدهم، لا تكتب سيرة أحد.

فنيلُ ثقةِ ذاكرةِ شخصٍ أمرٌ لا يتكرر.

-إذا كنت من الذين يظنون أن صاحب السيرة ليس في نيّته أن يطردك في يوم ما، أو يطلب منك المغادرة،لا تكتبْ سيرة أحد.

طردني شخصٌ، وطلب منى آخرَ مغادرةَ الجلسة، وهددني آخرون!

-إذا كنت من النوع الذي يظنّ أنّه سيكتب كلّ شيء في السيرة، لا تكتبْ سيرة أحد.

فسيرة الشخص تقوم على الانتقاء! أنت تنتقي، صاحب السيرة ينتقي، أهل صاحب السيرة ينتقون، الرقابة قد تنتقي. السيرة مجموعة من المنتقين الأبرار.

-إذا كنت من الأشخاص الذين لا يرون أيّة ضرورة في تغيير شكل الكتابة من سيرة لأخرى، لا تكتبْ سيرة أحد.

وإذا فعلت ستكون سيرك كلُّها سيرةً واحدة! فشكل كتابة السيرة خاص جدًا، يتغيّر بتغيّر صاحب السيرة. حتى هذه اللحظة لم أجد أن شكل كتابة سيرة ما يصلح لسيرة أخرى. “لولوة سيرة الحلو والمرّ”، “إذاعة البحرين سيرة الكلام” “عبدالله الخان معجم العين”، “مريم، سيرة الخضاب والنسوة اللواتي ضاعت أسماؤهن”، “نسيج العمامة”، “نسيج الحصارات” و”الأمّ واحدة، البنات ثلاث”، لكلّ واحدة من هذه السير شكل مختلف تمامًا.

-إذا كنت من الأشخاص الذين يصنفون المعلومات إلى أساسي وهامشي، لا تكتبْ سيرة أحد.

لماذا؟! لأنّك ستقرر الذهاب وراء المعلومة من عدمه بسبب هذا التصنيف! وسوف يحدث ما هو أسوأ من ذلك، هو أن تصنف مصدر المعلومة. في كتابة السيرة نذهب للحصول على تلك المعلومة التي صُنّفت هامشية مثل الأساسية، ونحترم المصدر مهما كان.

-إذا كنت من  الذين لا يجيدون التأمل، أو يسخرون منه.

لا تكتبْ سيرة أحد.

-إذا كنت تظنّ أنّك إذا عزمت على كتابة سيرة إنسان، سوف تكتب سيرته حقًا، سيرته وحده، وأنّك لن تعمل فيها، لن تضيف لها شيء من سيرتك، لا تكتبْ سيرة أحد.

كاتب السيرة أوّل منْ يتلقى هذه السيرة من أصحابها، مهما كانت الوسيلة سوف يحدث مقارنات كثيرة بينها وبين مخزن للحوادث في رأس الكاتب، سوف تعمل المقارنة من غير قصد، وتشتغل الانفعالات إزاء كلّ حدث أو رواية! وهناك تعاد كتابتها بإضافات ليست منها، حتى لو كان انفعالا يسيرًا!  قصة حياتك، ليست هي قصة آثارك!

*إذا كنت من الذين يظنون أنّهم يدركون كلّ البواعث والمحرضات على كتابة سيرة ما، لا تكتبْ سيرة أحد.

في البداية يكون الباعث محرضًا صغيرًا جدًا، قصة صغيرة، فعل مختلف يقوم به صاحب السيرة فيه جرأة، بعدها سترى كيف ستزعم أنّه ليس هو محرضك الصغير، إنّما تلك المواقف الكبيرة لصاحب السيرة. ستزعم أنّ الباعث عقلي، منطقي يعتمد على تبريرات وشهادات، لا العاطفة ولا الانفعلات. ستنفي بعدها أيّ تدخل لشعور الكاتب، ونفي واحد من أهم بواعث كتابة السيرة: العثور على معنى الوجود في هذه الحياة. إذا حدث ذلك سيكون لدينا سيرة اعتبارية لا سيرة حياة. أي تلك السيرة التي تبدأ حين يكون للشخص اعتبارٌ في هذه الحياة وهي أغلب السير أو ربما (التراجم) الكلاسيكية العربية والاسلامية.

-لذلك إذا كنت تظنّ أنّك لن تقع في فخ التبرير لصاحب السيرة، لا تكتبْ سيرة أحد.

ماذا يفعل التبرير؟ ما هدفه الأكبر؟ تغيير أو تصحيح أو تحويل نظرة قديمة لصحاب السيرة بسبب حوادث أو مواقف له، إلى نظرة جديدة.

– وأيضاً إن كنت تظنّ أن باعث التبرير لكتابة سيرة ما منزّهٌ عن المقاصد العوجة غير السامية، لا تكتبْ سيرة أحد.

انتبه لنزعة صاحب السيرة إلى التباهي، وآخر إلى إلى الأخذ بالثأر من تاريخه مع شخص ما، بلد ما.

– إذا كنت شخصا لا يُعلي شأناً للصورة الفوتوغرافية، لا تكتب سيرة أحد.

ماذا تعطي الصورة للسيرة؟ التوضيح؟ دعم روايات السيرة؟ بيان تحولات الشكل لصاحب السيرة؟ دليل على الأحداث؟ وثيقة على الفعل؟ على الأماكن؟ بس؟! أليس هناك شيء مهم غير ذلك؟ الصورة – إذا أصغيت لها- سوف تهبك ذلك الذي سكت عنه صاحبُ السيرة! أقصد الذي أخفاه أو نًسيه! ستشير إليك دائمًا: لا تكتفِ بما يقوله لك صاحب السيرة حتى عن الصورة نفسها.

استلمت ألبومات كثيرة لكتابة سيرة، نظرت فيها بشكل سريع، توقفت عند صورة واحدة للزوجة وهي طالبة، صورة بالأسود والأبيض مع صديقاتها، كانت هي الوحيدة التي لا تبتسم. كتبت الملحوظة في ورقة منفصلة وأرفقتها بالصورة. وحين صار الوقت لكتاب فصل عنها عدتُ للصورة والملحوظة المرفقة. استخرجتُ صورها كلّها من الألبومات. رتبتها زمنيا بشكل كلاسيكي جداً على الطاولة. كنت أريد أن أختبر تلك الملحوظة! لكن قبل كلّ ذلك شاهدت تطور الأزياء عندها، المجوهرات عليها، قصات الشعر، هيئة الوقفة أو الجلسة، النحافة والسمنة متى؟! المسافة بينها وبين حبيبها الذي صار زوجَها.

أكثرُ الصور بلا ابتسامة. لا صورةَ تضع فيها يدها عليه أو في يده. حين تكون يدُه على كتفها تنكمش وتقرّب بين منكبيها للداخل، يقف جوارها بمسافة بينهما. وحين تكون الصورةُ جماعيةٌ لا تقفَ جواره. الصورة التي فيها ابتسامة أكيدة تلك التي تجمعها بزوجها وبينهما طفلُها الأوّل! يغيب الطفل عن الصور تغيب الابتسامة! هذه المرأة مكتئبة، حزينة بشكل مستمر. وفي جلسة مع زوجها صاحب السيرة قلت له: هي خجولة أمام الكاميرا؟ صامتة، أو سارحة. صورها وهي تضحك نادرة. صورها وهي تبتسم قليلة. صورها وهي معك فقط تكاد تكون بعيدة عن شكلها أو غائبة فيها. صورها وهي مبتهجة محصورة في حفلات أعياد ميلاد أطفالها، وهي أجمل صورها، وفي أسعد حالاتها. قل لي شيئاً عن هذا الأمر. قال: كلّ الذي ذكرته صحيح…      

تلك المواقف والأحداث أو الصور التي وصفها لك صاحب السيرة على أنّها غير مهمّة في حياته، تلك المواقف والصور بالذات اعتنِ بها كثيرًا، فما قلّل شخصٌ من شيء وحاول إخفائه إلاّ بقدر تمكّنه منه.

– إذا كنت شخصا لا يُحبّ رسم الخرائط، لا تكتب سيرة أحد.

الخرائطُ عصب السيرة، طريقها الطويل. عندما كنت أعيد صياغة (نسيج العمامة) للمرة الثانية، ذهبت لرسم خريطة مجرى وقنوات  ماء «عين قصاري». فوجدت مسار حياة الناس كلها فيها. وجدت بعض الجداول تدخل في بيوت، تمرّ بنخيله وأشجاره، حمامات النساء، مغتسل البيت، وتمرّ أيضا بهموم امرأة لا تجيد الشكوى إلا في خلوة الماء. وجدت هذه الجداول تخرج من ظهر البيت، تتنفس ثمّ تدخل في بيت آخر، كان منها البيت الذي عاش فيه الخطيب العدناني. رأيت سير الناس في هذه القرية في الماء. وعليه أعدت وأضفت وصححت وحذفت وفقاً لهذه الخريطة الكبيرة.

وأخيرًا، إذا كنتَ ستمتنع عن كتابة سيرة أحد لأنّك لا تستطيعَ تجاوزَ كلّ ذلك، لا تكتب سيرة أحد! فقد مرّ بي كلّ ذلك وهو يمشي معي مثلَ تابعةٍ جميلة قبل وأثناء وبعد كتابة أي سيرة!

This entry was posted in نصائح الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *