إرنستو ساباتو: الكاتب وكوابيسه

ترجمة: عدنان المبارك
الفنان وحيد بحكم الواقع

الفنان وحيد بحكم الواقع

صفة الفنان

صفة الفنان الأكثر قيمة: التعصّب. لا بدّ أن يلاحقه هوس لحوح، ولا شيء يمكن أن يعلو على عمله، فكل شيء مكرّس لهذا الأمور. بدون هذا التعصب لا يمكن تحقيق أي شيء جوهري.

 مهمة الأدب

قال “دون” أن لا أحد ينام في العربة التي تقلّه من الزنزانة إلى المقصلة، لكننا ننام جميعًا من الولادة حتى القبر، أو أننا لم نستيقظ حقًا. وإحدى مهام الأدب العظيم هي إيقاظ الإنسان السائر صوب المقصلة.

 مفارقة

الفنان وحيد بحكم الواقع، ومن خلال عجزه عن التكيف ونزعته التمردية وجنونه، قد حافظ (ويا لها من مفارقة!) على الخصلة الإنسانية الأكثر قيمة.

 بحث

من أجل وصف شخصية حانوتي واحد ينبغي معرفة مئة منهم كي يمكن استخلاص الصفات المشتركة.

 شهداء الكتابة

تكتب الأكثرية للشهرة أو المال أو للمتعة، ولأن السبيل ميسرة أمامها ولا تعرف كيف تقاوم إغراء النظر إلى أسمائها المطبوعة. إذن يبقى القلائل: جميع الذين يحسون بتلك الحاجة المكدرة واللحوح إلى إعطاء شهادة على دراماهم وشقائهم ووحدتهم. إنهم الشهود، أي الشهداء، معذبوا العصر الذين يكتبون بسهولة، بل تحديا للذات، ويسبحون ضد التيار. إنهم إرهابيون أو أناس خارجون على القانون.

 ليس ثمة أمر أكثر خطئا من مطالبة الأدب بشهادة اجتماعية وسياسية. وأن تكتب بكامل الحرية فهذا يعني ببساطة الكتابة بدون متطلبات أخرى، وإذا كان الفنان يمتلك العمق فهو لا شك يعطي الشهادة على ذاته والعالم الذي يحيا فيه، وعلى المصير الإنساني في أزمانه. ولأن الإنسان مخلوق سياسي واقتصادي واجتماعي وميتافيزيقي فإن العمل الفني، سيكون وبالعمق الذي يناسبه (بالشكل المباشر أو غير المباشر، علانية أو خفية)، وثيقة الكينونة في زمان ومكان محددين.

 الكتابة الوصفية

في رواية معينة لبلزاك يجري وصف المنظر الطبيعي كما لو أن عالم جغرافيا أو جيولوجيا قد قام بهذا الأمر:

(كان الدير مشيدا في أحد أطراف الجزيرة، وفي أعلى مكان من الصخرة التي أخذت تتآكل بفعل تطور كوكبنا، على البحر ذاته وهي تكشف عن الحركة الصارمة لكسورها المسطحة التي يصعب الوصول إليها، أو المدمرة قليلا عند سطح البحر على وجه التقريب. كذلك فالصخرة كانت محتمية من أي هجوم بتلك الصخور الخفية الممتدة بعيدا والتي تتلاعب عليها أمواج البحر المتوسط)

أما أسلوب رؤية الواقع المناقض فنجده في وصف فرجينيا وولف الذاتي الصرف:

(وسط الخليج كانت هناك بقعة بروزنية ما، عرفت بعد قليل أنها قارب. لكن قارب من؟ (..) الصباح كان جميلا لحد بعيد رغم هبات الريح من حين لآخر، فقد بدا البحر والسماء كأنهما من النسيج ذاته: أما الأشرعة فقد امتدت عاليا في السماء، والسحب هبطت إلى البحر).

 الحقيقة والفن

لا شيء حقيقي في الفن غير الذاتية المتطرفة البعيدة عن أي تزييف.

 صفات الرواية:

1-   تأريخ وهمي جزئيا. ففي (الحرب والسلام) هناك عناصر التأريخ الحقيقي أيضا.

2-   ظاهرة في الخلق وعلى خلاف النشاط العلمي والفلسفي لا تظهر فيها الأفكار في حالة نقاء، بل سوية مع أحاسيس الأبطال وأهوائهم.

3-   نوع من الخلق لا يتم فيه التدليل، بخلاف العلم والفلسفة، على أي شيء. فالرواية لا تدلل بل تكشف ببساطة.

4-   تأريخ مختلق جزئيا يكون المساهمون فيه والمسمون بالشخصيات أو الأبطال مجسدين وفقا للعصر والموضات والآراء السائدة، ومغروسين في الأرض (على شاكلة الناس من الشارع). إنهم شفافون رغم أنه، منذ البداية، يميزهم الغموض وكأنهم حملة أفكار معينة أو حالات نفسية (كافكا).

5-   وفي الأخير فالرواية هي وصف وتعميق واختيار لدراما الإنسان ومصائره وكينونته، فليس هناك رواية عن الأشياء والحيوانات بل عن البشر بصورة دائمة.

لا شيء حقيقي في الفن غير الذاتية المتطرفة البعيدة عن أي تزييف

لا شيء حقيقي في الفن غير الذاتية المتطرفة البعيدة عن أي تزييف

 لا ضرورة للمؤلف

في “صورة الفنان شابًا” يقول ستيفن ديدالس أن “شخصية الفنان التي هي في البدء صرخة، فترة انتداب ومزاج، وفيما بعد حكاية واضحة وواسعة، وفي الأخير يمتلك النبل حين ينفصل عن العالم الخارجي ولا يرمز إلى شيء..فالفنان كالرب الخالق غير مرئي داخل العمل الفني أ خارجه أو جنبه أو فوقه، لقد صار نبيلا من خلال الانفصال عن العالم الخارجي، وأخذ ينظف أظافره بلا اكتراث.

ليس على العمل الفني إطلاقا أن يكون مفهوما (أي شيء تريد أن تعبر عنه سمفونيا موزارت؟)

 لمن نكتب؟

بعد كتابة شيء تكون كالبندقية بعد الإطلاق، مرتجفا يتصاعد منك الدخان، وبعد أن تطهرت نفسك تماما لأنك أطلقت ليس على ما تعرفه عن نفسك بل على ما تشك به وتفترضه، أي أشباحك وانفعالاتك، وكل الحياة المجهولة، وفعلت هذا في حالة توتر وجهد بالغ وكلك يقظة وخوف وسط الاكتشافات الفجائية والهزائم بأسلوب كما لو الحياة كلها قد تكثفت في نقطة واحدة، فإنك تلحظ فجأة ألا وجود لكل هذا طالما لا معين له ولا تنفخ فيه الحياة إشارة بشرية، كلمة، حضور. وهكذا تموت في البرودة، وتنطق في الصحراء، وتكون ليل نهار وحيدا كالميت – بافيزه

تعقد المواضيع والشخوص

ليس هناك مواضيع معقدة تنتظر في مكان ما الشخص الذي يرويها، بل هناك كتاب معقدون. وقصة الطالب الفقير الذي يقتل المرابية والتي يكتبها صحفي عادي أو واحد من هؤلاء الكتاب المعدومي الموهبة الذين يؤمنون بموضوعية فن الصحافة، ستكون واحدة من ألف حدث مشابه في مدينة كبيرة. ونحن نعرف أي شيء صارته هذه القصة عند دوستوفيسكي.

والشيء نفسه يحصل مع شخوص الكتب.

 صلات المؤلف بشخصياته

يقول بعض معاصري بلزاك أنه كان عاديا وفارغا، لكنه عرف كيف يخلق شخصيات عظيمة بمعزل عن مظهره ومخبره، والشخصيات تولد في قلب الكاتب إلا أنها تتجاوزه بطيبتها وقسوتها وكرمها وبخلها.

وتقدم جميع الشخصيات الروائية، بشكل ما، خالقها. وجميعها تخونه بشكل ما أيضًا.

مدام بوفاري هي أنا، ومن يشك بهذا القول؟ إلا أنني أيضا رودلف الذي لا يقدر على تحمل نزوات إيما الرومانسية، كذلك أنا مسيو أوميه، أولم تجعل رومانسيته المتطرفة مني شخصيا من نوع الكافر في الحب؟

مع سريان الحياة في الأبطال على صفحات الكتاب يتحولون هم في ذلك الوقت إلى كائنات مستقلة، وينظر الكاتب وكله دهشة إلى سلوكهم ومشاعرهم وأفكارهم. وهذه كلها متناقضة مع ما يفعله ويحس به. فإن كان مؤمنا يرى – مثلا – أن أحد أبطال متحمسا في إلحاده. وإذا كان معروفا بطيبته أو كرمه يلاحظ عند إحدى شخصياته سلوكا مشينا للغاية وبخلا لا حدود له. والشيء غير المعهود، أكثر من غيره، أن الكاتب لا يستغرب فقط، بل يشعر بنوع من القناعة الماكرة.

 قتامة الرواية:

هناك العديد من الأسباب التي تجعل الرواية المعاصرة أكثر قتامة وتزيد من الصعوبات، أكثر من أي وقت مضى، في قراءتها وفهمها:

1)   ” مركز الرؤية” لا وجود الآن لذلك الراوية الشبيه بالرب العليم الذي يوضح كل شيء. اليوم تكتب الرواية من زاوية كل بطل من أبطالها. والواقع الكامل هو نتيجة لقاء صيغ متنوعة، ليست هي على الدوام متصلة فيما بينها بصورة وثيقة كما أنها ليست ذات معنى.

2)   انعدام الزمن بالمعنى الفلكي، والمشترك للجميع، إذ ليس هناك غير الأزمان الداخلية.

3)   غياب المنطق الذي كان يميز الرواية القديمة التي كتبت بروح عقلانية.

4)   اقتحام تحت الوعي واللا وعي للعوالم المظلمة في جوهرها.

5)   لا يجري الكلام الآن عن الشخصيات، فهي تنشط في حضورنا وتكشف عن هويتها بكلماتها وأفعالها التي هي، بالتالي – وإذا لم يرافقها الوصف الداخلي أو التحقيق – غير واضحة وليست ذات معنى واحد.

وفي هذه الشروط يبدو العمل الأدبي كأنه غير منتهٍ. والقارئ هو من يكمله أو يطوّره، كذلك فالخلق يحصل في ذهن القارئ.

 الأدب والفنون والجميلة

كما أعلم كان هدف سوفكليس ودانتي وشكسبير ليس الجمال بل تعميق وضعنا البشري وفحص مهاويه وأطرافه. وأكيد أننا نعثر في أعمالهمعلى الجمال، لكن ليس ذاك الجمال الذي يبحث عنه، عادة. الجمال للجمال نفسه، بل آخرًا، عظيما، تراجيديا تمزقه التناقضات والفزع. وجميع التراجيديات التي كتبها الإنسان، بدءا بالحكاية عن مصير أوديب عبر قصة (موت إيفان إيليتش) تظهر جمال المهاوي.

النثر هو النهار والشعر هو الليل

النثر هو النهار والشعر هو الليل

 الشعر والنثر

النثر هو النهار والشعر هو الليل، طعامه الوحوش والرموز، وهو كلام الظلمات والمهاوي. إذن ليس هناك من رواية عظيمة لم تكن في المحصلة شعرا.

 الفنان يخلق عمله ويحس به في جسده كله

لا يمارس الإنسان العمل الفني ولا يتحسس به عن طريق الرأس بل الجسد كله، بالأحاسيس والمخاوف وأحوال القلق وحتى بالعرق. يقول نيتشه أن تحفظاته إزاء فاغنر كانت ذات طبيعة فيزيولوجية، فلقد كان يتنفس بصعوبة، ورجلاه خائرتان ومعدته خاوية تصرخ شأن القلب والدم والأحشاء.

 الفكرة اللحوح الخلاقة

لا ينبغي اختيار الموضوع، بل علينا أن نسمح له باختيارنا. لا ينبغي البدء بالكتابة طالما أن الهوس لم يحاصرنا بعد، ليبدأ بملاحقتنا والانقضاض علينا من أكثر زوايا الوجود سرية، وأحيانا لسنين طويلة.

المصدر: الكاتب وكوابيسه، دار أزمنة 1999. ترجمة عدنان المبارك.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *