بدر السماري: ما هو منطق الرّواية؟

ماهو منطق الرواية؟.. نحن الروائيون، والقراء، ماذا نريد من الرواية؟

ماهو منطق الرواية؟.. نحن الروائيون، والقراء، ماذا نريد من الرواية؟

السؤال في عنوان المقال قد يظهر سهل الإجابة لدى الكثير، لكن الروائيالذي قد يقضي عمره كله في كتابة الرواية، لربما يطلب عمراً آخر لمحاولة جمع إجابات شافية على هذا السؤال.

ماهو منطق الرواية؟.. نحن الروائيون، والقراء، ماذا نريد من الرواية؟

لنمضي نحو الإجابة إبتداءً من الإجابة الأسهل، الروائي يكتب الرواية من أجل الفن، مدرسة الفن للفن كما يقال، والقارئ في المقابل يقرأ العمل الروائي من أجل المتعة فقط لا لشئ آخر، ولا يريد شيئاً آخر سوى المتعة. هذه الإجابة بالمناسبة ليست سيئة، بل إنها إجابة شافية لمن لا يرغب في عصف ذهنه بالأفكار العميقة، وقد يكتفي بها من يود وضع الأمور في مكانها الطبيعي.

لكن النفس البشرية الشغوفة بالرواية والسرد لا تركن وتكتفي بهذه الأفكار البسيطة، بل تمضي في البحث والتقصي محاولة الوصول لجوهر الأشياء، فما هو جوهر الرواية ومنطقها؟

لنبدأ من كلام الروائي التشيكي / ميلان كونديرا، والذي يقول في كتابه فن الرواية؛ “الرواية التي لا تحاول اكتشاف سر من أسرار الوجود، هي رواية فاشلة”، كان بالطبع يستند على مقولة بروخ؛ “الرواية؛ هي كتابة الشيء الذي لا يمكن قوله سوى بالرواية، ولا شئ غير الرواية يعبر عنه”. من هنا، قد يختلط على البعض أن إحدى مهمات الرواية محصورة في كشف المستور، وهو خطأ شائع في ظني وقع فيه الكثير خصوصاً في المجتمعات المدنية الناشئة، والأخرى المحافظة، أو المجتمعات الحديثة على معرفة فن الرواية، إذ في هذا العالم الذي يضج بكل وسائل التقنية الحديثة والمواقع الإجتماعية من اليوتيوب، لموقع كيك، للإنستقرام… إلى آخره من المواقع التي توفر صورة بصرية وتسجيلية، وبثاً حيًا لشتى الصور الإجتماعية، وبإمكاننا القول لكل شئ على الأرض، وأنا بالفعل أعني كل شئ هنا، فلا حدود لما يمكن نقله عبر هذه المواقع، من المستور حد الفجاجة والهامشي البسيط جداً، إذن ماذا بقي للرواية لكي تنقله؟ هل تموت الرواية؟

الرواية التي لا تحاول اكتشاف سر من أسرار الوجود، هي رواية فاشلة

الرواية التي لا تحاول اكتشاف سر من أسرار الوجود، هي رواية فاشلة

بالطبع لا، أنا مؤمن جداً أن فن الرواية ما خلق ليموت، الناس كما يقول الروائي الأميركي المعاصر بول أوستر؛ “إن البشر تحتاج للقصة والرواية بقدر حاجتها للغذاء”. كما أنني أؤمن تماماً بأن الرواية ما خلقت من الأصل لكشف المستور، وسأحاول مداولة الأمر والإنطلاق من جملة للروائي الياباني هاروكي موراكامي؛ “إن الروائي بقصه وحيله السردية وأكاذيبه يأتي بالحقيقة تحت المجهر، يسلّط عليها الضوء من جديد، وفي الكثير من الحالات؛ يكاد أن يكون من المستحيل فهم هذه الحقيقة في شكلها الأصلي، وهنا يأتي الروائي ليجسدها ويعيد بعثها من جديد بشكل أكثر دقة، هذا هو السبب في أننا (معشر الروائيين) في محاولة دائمة لإنتزاع أطراف الحقائق، نستدرجها لتمضي معنا فتختبئ في مكان جيد من القصّ”.

انتهى حديث هاروكي هنا، وأود أن أوافقه في هذه النقطة بالذات، إنها مفارقة عدم الوصول للحقيقة سوى بسرد الأكاذيب، هذا هو الروائي والذي مع أنه يجيد فن الكذب في سرد حكاياته، إلا أنه يكتب بصدق. أكرر كلمة الصدق هنا، إذ أن الصدق يختلف عن الحقيقة، لا أحد يمتلك الحقيقة، لا الروائي ولا الباحث ولا المؤرخ، بل أننا حتى لا نضمن أن لا يأتي لنا عالم فيزياء جديد ويعيد تشكيل بعض القوانين الفيزيائية ليفسر بعض الأسرار الميتافيزيائية والماورائيات، نحن نكتفي بالصدق من الرواية الجيدة، الرؤية الصادقة الناتجة عن تأمل للأشياء، الرؤية التي تقدم معنى جديد لشيء واحد من الحياة.

يقولون، الحياة لا تحتاج لمنطق لتبرير الأحداث، لكن في السرد، المنطق وحده هو من يقود الأحداث، الرواية كانت وما زالت أحد أهم الوسائل الفنية لتفكيك المنطق، من خلال التحليل التأملي العالي، وقبل ذلك مزاوجة هذا التأمل بالجهد البحثي العالي والذي صرف عليه الروائي وقتاً طويلاً لفك أسراره.

إن البشر تحتاج للقصة والرواية بقدر حاجتها للغذاء

إن البشر تحتاج للقصة والرواية بقدر حاجتها للغذاء

لنتذكر بعض الأمثلة على مدى تاريخ الرواية الحديث، إذ لا أحد يدرك كمية الجهد البحثي والعلمي المبذول في مجال العطريات من الروائي الألماني باتريك زوسكيند قبل كتابة رواية العطر، ومن الصعب التكهن بأبحاث التركي أورهان باموك التاريخية عن أسرار الرسم والنقش قبل وأثناء كتابة رواية اسمي أحمر، وكذا جهد الإيطالي أمبرتو إيكو في التراث المسيحي اثناء إعداده لرواية اسم الوردة، ومن منا ينسى الجهد المضني للبيروفي ماريو فارجاس يوسا في قراءة التاريخ والتماس مع المكان لكي يعيد قراءة الديكتاتور/ تروخيو في روايته حفلة التيس.. إنه جهد بحثي عميق، وحفر في التاريخ والعلم معاً، في التأمل والتحليل الذاتي وهي المهارة الأولى للروائي، ومن ثم المضي في التخييل السردي لبناء الحكاية، والتي تستمر طيلة مسيرة الكتابة في فتح أبوابها للروائي للعبور لأماكن كانت مجهولة قبل بدء الرواية، وتفتحت للروائي والقراء.. إنها عظمة الفن الروائي، ثلاثية العلم والفلسفة والتأمل، لتنسكب معاً في قالب فني خلًاق ومشوق.

لنمضي في البحث؛ ما هو الأهم في الرواية؛ الشخصية؟ أم المكان؟ أو تدوين ظاهرة أو حدث ما؟ ولمحاولة الإجابة، لنعيد السؤال الأزلي، ما هو الشئ الذي لا يمكن قوله سوى بالرواية؟ لنتذكر أن المكان والأحداث والظواهر كلها تحت المجهر الآن، ولكن تبقى الشخصية وما بداخلها هي الأكثر غموضاً، هي الشئ الذي يحتاج قول ما لا يمكن قوله سوى بالرواية، إنها الشخصية، إنه الإنسان بكافة أبعاده وغموضه ووجوده في هذه الحياة، والسرد الذي يحلل ثيمة ما من خلال هذه الشخصية، ومن خلال تدوين حكايتها وزرع المضامين الفلسفية بين ثنايا الحكاية.

في منطق الرواية الحديثة، لم يعد يعول على لغة جيدة بلا مضمون وحكاية متماسكة، اللغة وسيلة لنقل الحكاية فقط، وتدوين المضامين، ورسم الشخصيات، وتحليل الثيمة الرئيسية في الرواية، ومهما حلقت فهي مرهونة بما تنقله، فإن تردى ما تنقله فلن ينفع تجلي هذه اللغة.

في الرواية الحديثة، يظن البعض أن المدرسة الواقعية (على سبيل المثال) ما هي إلا محاكاة لما يحدث في الواقع، وهذا تسطيح فج للرواية، إذ حينئذ، فلتعلموا أن السرد سوف يصبح قشورياً بلا عمق، بلا إيغال في جوهر الأشياء، ولا نفاذ لداخل الشخصية وتفكيك أزمتها وفلسفتها الخاصة للأشياء، ولن يكون بمقدور الروائي أن يصل لرؤية جديدة عن ثيمة أراد فحصها واختبارها. لنتذكر أن الرواية الواقعية حين كتبت بصدق، نشأت منها الرواية النفسية والكابوسية، وأسست أهم النظريات في علم التحليل النفسي، بل وحتى الطب النفسي، هنا تكون الرواية قد وصلت لمرتبة اكتشاف سر من أسرار الوجود الكثيرة، والفضل يعود للرواد وفي مقدمتهم الروسي دوستوفسكي، والذي رسم شخصيات على الحافة دائماً، وتمكن من تحقيق فهم عميق للنفس البشرية وتحليلها، مروراً بمن جاء بعده كالتشيكي كافكا والذي أخذ الرواية نحو طريق آخر وضمن سرده بما يسمى بالكابوسية، وصولاً لسبر تيار الوعي بدءاً من الإيرلندي جيمس جويس والإنجليزية فرجينيا وولف.. حتى وصلنا إلى الوقعية السحرية عند الكولومبي ماركيز ورفاقه من أميركا اللاتينية. إنها رحلة باهرة في مراحل تطور الفن الروائي.

هاروكي موراكامي

هاروكي موراكامي

لنعد نحو منطق الرواية؟ قلنا أن مهمة الرواية لم تعد في كشف المستور، بل أن قناعتي الشخصية تقول بأنها ما كانت ذلك منذ البدء. في الرواية الحديثة، ما عادت الرواية معنية بنقل هذه الصورة البصرية، بل صارت مهمتها أكبر في كشف النفس البشرية. لم تعد مهمة الرواية في تسليط الضوء على الهامش، بل تجاوز ذلك إلى عرض فلسفة الهامش ومحاولة إستيعابه وفهمه. لم تعد من مهام الرواية الكشف، بل تجاوزتها للفحص والإختبار، أكبر خطأ فني اقترفه بعض كتاب الرواية في بداياتهم هي اعتبارها منصة عرض، لا أداة تحليل واكتشاف، حولوا الرواية إلى منبر، وشرعوا بالوعظ والنصح والإرشاد، وهذا بالطبع ليس منطق الرواية.. ولنكوّن قاعدة عامة حيال هذا الأمر، لنقل؛ كل جملة مباشرة من الروائي فيها إرشاد للقارئ ليست من منطق الرواية.

بمقدور الروائي أن يصعد على المنبر ويكتب خطبة عصماء، ويختزل فيها كل رؤيته في الحياة وفلسفته الخاصة، لكنه اختار طريق السرد، وزرع الفلسفة في وسط الحكايا المتراصة في الرواية، اختار أن يقطف الحكمة من أفواه أبطال النص، القارئ يرغب في حكاية مسلية قبل أي شئ، يرغب في المتعة اليسيرة، يرغب في الإبداع الخالص، في المتعة من الفن، وللروائي أن يقدم ما يشاء بعد أن يضمن التسلية والمتعة للقارئ.

الرواية الحديثة أصبحت عالماً بلا حدود، صارت أداة بحث سردية بعيداً عن الطرق التقليدية للبحث والتقصي، بحث في جوهر الوجود، عن الإنسان، مساءلة التاريخ، وإعادة قراءة كل النصوص أحد البدائل التي اخترعها الإنسان، لكنه بديل في غاية الأهمية إن تم بطريقة عالية من الإبداع، ففي الرواية يمضي البحث عن طريق المنطق السردي للحكاية، والذي بدوره يختلط مع المرجعيات العلمية النصية.

ما الشعرة الفاصلة إذن بين الرواية ووسائل البحث الأخرى؟ إنها المحافظة على لب الحكاية، والتي بصدق أقولها لم تعد تشبه الحكاية التقليدية الكلاسيكية كما بدأها رواد السرد، لكنها حكاية تشتبك بكل مناحي الحياة، لا تهمل زاوية من زواياها، وهنا يأتي الروائي المبدع ليصب كل هذا الإبداع في نص واحد خالد.

الكتابة أنبل المهن

دوستوفيسكي: أبطال على الحافة

لنعد إلى البحث عن منطق الرواية؟
لم نجمع أجوبة كثيرة تشفي الغليل بعد، هي محاولات لن تنتهي ما دام الإنسان يسير على هذه الأرض، ولكن، إحدى المعضلات التي تسببت في خلط كبير لمنطق الرواية هو النجاح الذي تحققه بين الفينة والأخرى بعض الروايات “الضعيفة فنياً”، وتصدّرها لمشهد الكتب الأكثير مبيعاً، إنها شبيهة بمعضلة الأفلام السينمائية التي تحصد الجوائز والأخرى التي تحصد التفوق الفلكي في مبيعات دور السينما، ومن الخطأ اعتبار أن كل الروايات التي تتصدر المبيعات هي الأفضل، بل عاماً إثر عام، نرى كيف تتوارى بعض الروايات الجيدة فنياً وتقبع في الصف الخلفي لمشهد الأكثر مبيعاً، فيما تتقدم روايات ضعيفة فنياً ومضموناً إلى الصف الأول، وثمة أسباب كثيرة يطول شرحها لهذا الأمر ليس هذا مجالها، الأهم أن نركن للبعد الزمني الممتد لعمر الرواية، وكم بمقدورها أن تحيا، وهو المحرك الحقيقي لجودة النص الروائي، ولعلنا في مقالة قادمة نتحدث عن تصدر بعض الروايات الضعيفة فنياً للكتب الأكثر مبيعاً.. لكن، لنتذكر حديث كونديرا؛ “الرواية التي لا تحاول اكتشاف سر من أسرار الوجود، هي رواية فاشلة”.

– الإمارات الثقافية. –

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *