توماس فليمنغ: رواية في لحظة؟ في أحلامك!

ترجمة: أحمد العلي
الرواية تبدأ في الحلم

الرواية تبدأ في الحلم

نصفُ مستيقظٍ في الفجر، عرفتُ بأنني في غرفة نومٍ في برلين. فتاة ألمانيّة جذّابة على الفراش، ترى حُلماً سيئاً. إنها تتقلّبُ و تنتفضُ و تتلفّظُ بهلوساتٍ مُبكية. فجأةً، كنتُ في حُلمها. غوّاصةٌ يرفعُ بُرجُ قيادتها رأسَ فارس، كانت تجوبُ الأعماق الرماديّة للمُحيط الأطلسي. على مقرُبةً منها، أُلقيت نصفُ دزّينةٍ من القنابل المائية، انفجرت، فمالت الغوّاصة إلى جانبها وراحت تغرق.

أنا وهذه المرآة، الآن، داخل الغوّاصة، نرقُبُ غَرَق الرجال وهم يلهثون لالتقاط أنفاسهم الأخيرة حين كان الماءُ يرتفعُ من حولهم. سَبَحنا عِبر فوضاهم حتى وصلنا لغُرفة التحكم، حيث كان الكابتن -زوجُ هذه المرأة- ينتظرُ الموتَ نفسه بتَحَدِ الحكيم الرواقي.

بعدها، كُنّا خارج الغوّاصة، يسبحُ بنا من الأعماق ملاكٌ ضخمٌ بحجم الغوّاصة، بعيونٍ واسعةٍ و لامعة، وابتسامة هيروغليفيّة لا تُمحى. هذا المخلوق العجيب احتضن الغوّاصة الميتة بيديه الهائلتين. وعَوداً إلى غرفة النوم في برلين، استيقظت المرأة وهمست “إنه الدّرب. الملاكُ جزءٌ من الدّرب”.

استيقظت في غرفة نومي في الجزء الشرقي من شارع 72 في مانهاتن، وأسرعتُ إلى الكمبيوتر. وخلال ساعةٍ واحدة انتهيتُ من كتابة الفصل الأول من روايتي لعام 1994م (Loyalties).

في السنوات اللاحقة، حَلَلتُ أكثر من مرّة لُغزَ الطريقة التي تأتي عِبرها تلك الرؤى. إنها حرفيّاً تتحدّى عمليّات ذهني المنطقية. لم أكُن أُفكّر بكتابة رواية عن مُقاومة الألمان أنفسهم لمشروع هتلر، إلّا أن هذا ما صارت إليه الرواية.

إن معرفتي بهؤلاء الوطنيين التراجيديين كانت معرفة خافتة جداً، وجَمَعتها من قراءتي قبل سنتين أو ثلاثة لرواية (Anthony Cave Browns) المسماة (Bodyguard of Lies). لماذا انتشرت هكذا في خيالي؟

مرَرتُ بتجربة مماثلة عام 1992م مع روايتي (Over There). كنتُ خططتُ لكتابتها منذ سنوات. إنها عن والدي الذي تمّت ترقيّته من رُتبة رقيب إلى رتبة مُلازم خلال الحرب على أرغون (فرنسا). “تيدي فليمنغ، الرّقيبُ الخالد” هكذا اختصرتُ الرواية في رأسي.

عِوَضاً عن ذلك، صَحَوتُ في أحد الصباحات وأنا أرى عَقيداً أبيض، مخموراً ويقود سيّارته بسرعة انتحارية في شارعٍ عام خارج مدينة سان أنتونيو. وبجانبه يجلسُ مُلازمٌ أسود مُقطّباً حاجبيه. إسم العقيد هو: مالفيرن هيل بليس، ولد أحد أبناء كونفيدرالية Maryland الذي فقد ساقه في إحدى معارك الحرب الأهليّة في منطقة Malvern Hill. كان العقيدُ الأبيضُ كاثوليكياً وقد قامت مجموعة من عصابات الشوارع بقتل زوجته وابنه للتو في Mindinao. كان يقودُ سيّارته ذاهباً لبيت دعارة، حيث (وكنتُ أعرف) قاطع جون بيرشينغ رغبات المخمور بليس ليقول له أن الرئيس الأمريكي قد عيّن بيرشينغ رئيساً لقوّات التدخُّل السريع، و أنه يُريد أخذ بليس معه إلى أوروبا ليرأس أحد الأقسام.

في دوّامة الألوان هذه، كان والدي (تيدي فليمنغ) قد اختفى ظاهرياً. في النسخة الأخيرة للرواية، كان لوالدي جزء أكبر قليلاً من مشهد عبور العتبة. إن هذا التنفيس عن الخيال كان دائماً غامضاً غموض ما حدث لي مع روايتي (Royalties). لكنني على الأقل أستطيع أن ألمح ما الذي كان يُمليه عليّ خيالي؛ إن معظم كتب التاريخ و الرواية صوّرت غَلَبة الموت على الحياة في الحرب العالمية الأولى. ألحّ عليّ خيالي أن أكتب كتاباً آخر.

بيرشينغ سيأخذ بليس إلى أوروبا معه لأنه هو أيضاً جُرحَ بالموت، جُنديُّ الأعداء. لقد فقد زوجته و أبناءه الثلاثة قبل 15 شهراً في حريقٍ التهم حارتهم في سان فرانسيسكو. كان يُشجّع بليس للقبول بالمهمة لأنه الوحيد الذي يشعُر تماماً بالفقد الذي يعاني منه، وبالتالي يستطيع مساعدته على صعوبة تحدي الموت، و يساعده أيضاً على أداء مهمته الرائعة في إنقاذ الفرنسيين والبريطانيين من حافةٍ الإنهيار وسقوط الدفاع. في أرض الموت هذه صارت روايتي (Over Look) كتاباً يؤكد على الحياة.

مجموع الخبرات هذه هي ما أقنعتني بأن Cushing Strout ناقد جامعة Cornell يعرفُ تماماً مالذي يتحدث عنه في كتابه العبقري The Veracious Imagination . إنه يناقش فكرة أن الخيال ليس فقط جهازاً ذهنياً يهذي بأشيائه اعتباطياً، بل على العكس، إنه أداة عقلانية في تزاوج حميم جداً مع ذكاء الكاتب. إن ما يختاره ليتخيّله كرواية ينبني عبر تواصله مع خُلاصة ما يريد الكاتب -بوعي أو بدون وعي – أن يقوله.

إن فلاش الرؤية التي ولدت روايتي لعام 1987م (Time and Tide) تشرح هذا الجانب. كنتُ أعمل في البحرية خلال الحرب العالمية الثانية، و لخمسة و عشرين سنة حاولت كتابة رواية عن تجربتي تلك، إلا أنني لم أصل إلى النقطة التي أرتضيها للإنطلاق. و في ليلةٍ ما، كنت أقرأ عن معركة Savo Island في جزيرة Guadalcanal لكتابة مقال، هذا الصِدام في عام 1942م كان قصةً محزنة للدفاع الأمريكي. بعد تلقي سفينة USS Chicago لضربة واحدة بسيطة من العدو الياباني، هربت بعيداً عن المعركة، و تركت خلفها أربعة سفن تُحارب و تغرق واحدة تلوى الأخرى. بعد ذلك، تمّ إطلاق سراح كابتن السفينة الناجية موصوماً بالخزي والعار.

وجدتُ قصّتي التي استعصت علي لزمنٍ طويلٍ في لحظةٍ كنت فيها دائخاً ومشغولاً. كابتن السفينة اللامع، المحترف والخبير وينفيلد كيمبل، سيُطلَق سراحه الذي يُخجله من قبل زميله ورفيقه الأنابولسي آرثر مكّاي، الذي تلقّى أوامراً للبحث والتقصّي عن الذي حدث في معركة Savo Island تلك الليلة و لجعل وينفيلد كيمبل هو كبش الفداء لتلك الخسارة الفادحة. السفينة التي تخيلتها ستكون USS Jefferson City ، إسم مناسب للمجتمع الأمريكي المستعار الذي أمِلتُ ان أمثّله بالسفينة.

سيحاول الصديقين اكتشاف ماحدث بوازعٍ من صداقتهما الطويلة و طموحهما للحقيقة، مما سيؤثر على علاقاتهم بزملائهم الجنود وزوجاتهم وأصحاب القرارات العُليا والمتواطؤون على إخفاء ما حدث.

أحياناً تنبثقُ الرواية ببساطة على هيئة صوت، قائلةً شيئاً يبدو سخيفاً في البداية. في السيتينات، قضيت أربعة سنوات في كتابة تاريخ أكاديمية التجنيد الأمريكية في West Point. قابلتُ الكثير من زوجات الضباط ووجدتُ ذلك ساحراً. لقد رأوا تجربة التجنيد بطريقة مختلفة تماماً عن تلك التي يراها أزواجهم. و للسنوات اللاحقة لذلك، سمعتُ صوتاً يهمسُ في أذني باستمرار:

زوجات الضباط

زوجات الضباط
هكذا سنكون نحن
في الباقي من حياتنا.

لم أجعل من ذلك شُغلاً يهُمني. بعدها بعشرة سنوات كانت الرواية -الشخصيات النسائية الثلاثة الرئيسية فيها، أزواجهم، أطفالهم- واضحة المعالم وجاهزة للكتابة. الأغنية تمّ غناؤها في حفلةٍ في الفصل الأول.

روايتي لعام 1975م (Liberty Tavern) كانت عن الثورة في نيو جيرسي، وحقاً تكوّنت بشكل غريب؛ رأيتُ رجلاً يرفعُ نخباً: لأولئك الذين نحبهم، لأولئك الذين يُحبوننا. وتُجيبه غُرفة مكتظة بالناس: لأولائك الذين يحبون من نحبهم!، لأولئك الذين يحبون يُحبون من أحبّوا من نحبهم!. انتهت هذه السطور لتكون السطور الأخيرة من الرواية. كانت مفتاح الشخصية الرئيسية جوناثان غيفورد، الضابط البريطاني السابق الذي يحتل الكتاب.

روايتي الأخيرة هي (Hours of Gladness)، نشأت من كلمة واحدة: Mick. ثم صارت Mick O’Day. وبقي الإسم يدفعني في اللاشعور. و ببطئ نمت الشخصية: رجل أمريكي ذو أصول إيرلندية يعاني من مشاكل نفسيه بسبب حرب فيتنام، يعيش مع رفيقه الذي يعود لنفس الأصول على شاطئ مدينة نيوجرسي، إلى جانب محبوبته الفيتنامية التي تعيش بالقرب منه لكنه لا يستطيع الاقتراب منها أو الاقتران بها الى الأبد.

لا تسألني كيف أو لماذا حدثت هذه الأشياء في رأسي. أرجو فقط أن يبقى الخيال الذي لدي بنسخته التي فسّرها Cushing Strout صالحاً للعمل. في هذه اللحظة، هناك صوتٌ هامس:My Three Beauties. أظن أن ذلك له علاقه بأبي و أخويه الذين كبُر معهما. هذا كل ما أعرفه الى الآن. و أعتقد أن المزيد قادمٌ في الطريق.

– من كتاب writers on writing

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *