كارلوس ليسكانو: أدركتُ ذات يومٍ أنني كاتب

ترجمة: نهى أبو عرقوب
الكاتبُ هو العمل الأعظم للكاتب.

الكاتبُ هو العمل الأعظم للكاتب.

في لحظةٍ ما، أظنّها من العام 1982 أو 1983، اقتنعتُ بأنني كاتب. هذا الاعتقاد العبثيّ، المولود فجأة دون أي مبرر، كان بلا مبرر وأكثر عبثية بعدُ، لأنه جاء في تلك اللحظة وذلك المكان. ولكن قد يكون ذلك السياق في حدّ ذاته هو ما جعله أكثر واقعية، وأكثر صحة، وصدقًا. إذ يأتي لكل كاتبٍ يومٌ، أو دقيقة أو ثانية يقتنع فيها بأنه كاتب. وإن لم يجئه هذا الاعتقاد العبثي، فإنه لا ينجح في أن يصير كاتبًا. وما إن يصل إلى هذه الحالة المضيئة، ويقيم فيها، حتى يغدو فرحه ونشوته بلا حدود، وكذا المشكلات وثقل المسئولية. نشوة التفكير في العمل الذي يجب كتابته وذلك الذي يجب ألا يكتب، والإحساس بمسئولية ذلك. يغدو العالم مختلفا. ينظر إليه من خلال الأدب، من خلال العمل الذي لم يكتب بعد.

لكنّ حياة الكاتب هي أيضا شيء آخر. فبين الفرد الواقعي وبين توْقه إلى المطلق، وسعيه نحو ما سينجزه من عمل، وحاجته إلى الخلق، ثمة مسافة تفيض بالتفاصيل، وبالإكراهات، وبالأعباء اليومية، وقصص الحب التعيسة، والأمراض الصغيرة والتفاصيل التي يجب دفعها، وما بين هذا التوق وبين حالات البؤس تلك ينساب وجعُ الكتابة. لأن الكاتب بطبيعة الحال لا يكون دوما على قدر التصور الذي وضعه لعمله، ولا على قدر معاناته. فهو يسهو، ويرتكب الأخطاء، ويكتب كي يكتب وحسب، ولا ينجح في أن يلامس المطلق الذي تطلع إليه دوما، ولكن بلى. سيأتي يوم ما يشعر فيه أن شيئا ما يقترب من العمل كما تصوّره. ليس أنه سينعم عندها بالسعادة، لكنه سيعلم أنه قد أتم صنيعَه. ولكن صنعُ من؟ أو صنع ماذا؟

الكاتبُ هو العمل الأعظم للكاتب. الكاتب هو اختلاق. لأنه يبني صورته، ويعيد بناءها بلا توقف. لأنه هو ذاته عمله الأساسي. إن حياته، الخاصة والحميمة، تفتقر إلى الأهمية في عيون الناس أجمعين. ما يهمُّ هو الشخصية المختلفة فقط؛ تلك التي تعطي كل شيءٍ معنى. إن الفشل عند ذلك الذي يريد أن يكتب ولا ينجح ينبع من حقيقة أنه لم يستطع أن يصنع الكاتب الذي يريد أن يكونه أو أنه لم يعرف السبيل إلى ذلك. لأنه يحدث في لحظةٍ ما، أن يدخل كل شيء في هذا البناء، الهش والمخفق على الدوام. لأنّ الكتابة هي معركة خاسرة سلفا، إنها المعركة ضد الموت، والموت يكسبها دومًا.

الأدب هو محاولة لترتيب تجربة الحياة، التي هي فوضوية. يمنح الكاتب الأشياء مركزًا، مركزها، ويشعر بأنه قد يكون من الممكن أن يهزم ذلك الذي، كما يعلم، سيأتي ساعيا في طلبه: الموت. إن هو نجح في إقامة مركزه، سيتملكه الوهم والغرور، معتقدا بأن شيئا منه سوف يبقى حيا بعد موته، وهذا هو الانتصار بعينه أو قد يكون.

على أن كل شيء يعود في لمحةٍ واحدة ليصير هشا، مفتقرا للمعنى وتافهًا. إن لم أنتبه، سأحسّ من جديد بالبرد والنعاس وبأن كل ما أريده، وكل ما أنا في حاجة له حقا، بعيدا عن الشخصيات والأدب، وما هو أكثر أولية وأشدّ ضرورة، هو أن أنام آمنا، خارج الزمن، دون أن أكون مضطرا للاستيقاظ. أن أرقد وأنا أعرف أنني لن أشعر ثانية بالبرد ولن أستيقظ بعد ذلك أبدًا.

المصدر: الكاتب والآخر، ترجمة نهى أبو عرقوب، صادر عن هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة “مشروع كلمة”. 

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *