آن بيرنايز والتدريس في صفوف الكتابة الإبداعية

ترجمة: ناصر البريكي
التلاميذ يلمحون الفكرة.. يحصلُ المُعلّم على نجمةٍ ذهبية

التلاميذ يلمحون الفكرة.. يحصلُ المُعلّم على نجمةٍ ذهبية

 أول مرة درّست فيها صفّاً للكتابة كنت متصلبة من الخوف. كانت هذه مدرسة خاصة شغلت فيها مكان معلّم رحل بشكل مفاجئ في منتصف الفصل الدراسي. لا شيء مما فعلته سابقا – تحرير مجلة، نشر خمس روايات – أعدّني لمحاولة أن أشرح كيف فعلته، لأترجم ما عملت عليهِ كل يوم إلى منهج دراسي.

كنت طبّاخة بلا شيء أقيس به ولا وصفات مسجّلة. أيُّ شيءٍ كنت أعرفه عن الأدب القصصي يستلقي في الركام غير المصنف فيما قد يسميه الطبيب النفسيّ اللا وعي، ولكنني أُفضّل أن أفكر فيه كقبوّ . كان هذا هو المكان الذي أنغمس فيه بتفاؤل كلما احتجت شيئاً.

إذا تم سؤالي عن كيفية بناء خاصية وصفية أو دلالة مؤثرة، كنت سأجد نفسيَ ضائعة. كنت مثل “أُمّ أربعة وأربعين” والتي إن سُئِلت أي رِجلٍ حرّكت أولاً، تتجمد! كيف أُعلّم الآخرين كيف يكتبوا؟ حسناً، لا تستطيع في الحقيقة أن تعلّم الناس كيف تكتب، تستطيع؟ إنهم إما يملكونها أو لا.

رئيس قسم اللغة الانجليزية حاول طمأنتي: أنتِ قادرة على فعلها، إذاً قادرة على تعليمها. بعد هذا كله، كانت المدرسة يائسة. لذا فتعليم الكتابة لن يكون مثل تعليم الحساب أو حتى التصوير. وبما أنها كانت تعتبر أحد الفنون، معرفة ناعمة، لم يكن من الضروري أن تحمل شهادة عليا أو حتى تدريباً في فن التدريس. بصيغة أخرى، كان مقدراً لي أن أجنح بها، لأجعلها عالية بقدر مضيي فيها.

الخمسة مراهقين الذين قابلتهم في الصف المشرق الدافئ الذي ارتكز بجانب خط الطريق السريع بقرب نهر “تشارلز” لبسوا وجوهاً مترقبة. ماذا نفعل؟ “اكتبوا قصة” قلتها، واعية بكم هو صعب بشكل فظيع أن تكتب قصة، أصعب من كتابة رواية. كل قطعة يجب أن تتلاءم بتماهي: كل كلمة يجب أن تحمل وزن ثلاث أو أربع كلمات متحدثة بصوتٍ عالٍ، هكذا بلا اكتراث.

قام الطلبة بواجبهم. جاؤوا بقصص عن خارج الأرض أو عن أُناسٍ يافعين يستيقظون في الصباح، يمشون حفاةً عبر أرضٍية باردة بينما يشمون القهوة تُعدّ في الأسفل، ثمّ إلى الحمّام لينظروا لأنفسهم في المرآة ويتساءلون من هم ولماذا هم هنا. لم أستغرق وقتاً حتى أدركت أنهم يقومون بنفس الأخطاء مرة تلو الأخرى، لم أكن أعلمهم شيئاً.

افترض أنني طلبت منهم كلهم أن يقوموا بنفس التدريب، كالمساحات الصوتية للمغني؟ لذا اخترعت تدريباً كيفياً ومتطلباً مثل الصولفيج (الموسيقى النظرية )، أعطيتهم حدّاً للكلمات، ٦٠٠ كلمة، وتركتهم يمضون به. ظننتهم سيغتاظون من أنني كبحت جماحهم، جاعلةً مخيلتهم تُقصّ بقسوة. لكنهم فاجئوني بطلب تدريبات أخرى وأخرى. كانوا مثل طلبة الصف الأول ينهون صفحة في كتاب الرياضيات العملي ويحصلون على نجمة ذهبية عليها!

اختراع هذه التمرينات النثرية أجبرني على تنظيم وتصنيف العناصر في الخيال الأدبي والتي تستلقي في تلك الكومة الفوضوية. كان هذا مفيداً لي، وبدأت أرى أن نصف معركة الطالب هي تعلم المهارات الأساسية، والنصف الآخر يشمل الانصات للمخيلة، للذاكرة والرؤية الفردية للحياة والعالم، رؤية لا أحد يتشاركها حتى تضعها بالكلمات.

مهمتي بدت بسيطة بما فيه الكفاية، ولكنه كان يستصعب عليهم الإتيان بأسلوب خاص بهم وحس إقناع. إحدى التمارين كانت ذكرى طفولية عاطفية، تُحكى في صيغة الحاضر، مستخدمةً لغة ورؤى طفل، تبعت في الأسبوع اللاحق بنفس الذكرى، هذه المرة بصيغة الماضي، ومن وجهة نظر راشد السن الذي، بشكل محتمل، تعلم شيئاً ما في الوقت الراهن.

منذ ذلك الوقت، عام ١٩٧٥، درّست الكتابة في مكان واحد أو أكثر، ودائماً ما كنت أستعمل نفس التدريبات التي ركزت على عناصر معزولة عن بعضها في الحرفة، مثل الحوار، الحبكة، المنظور، الوصف، التنقيح، اللغة (كره الطلبة عندما كان لا يُسمح لهم استعمال أي نعوت أو أحوال، ولكن هذا جعلهم يدركون مدى قوة الأفعال والأسماء، خاصة عندما تقف لوحدها) خلال الطريق كان هناك المرتابين من سحري الأسود: ناظر مدرسة أخرى وصف ورشتي للأدب القصصي برسالة خطية لجهة التدريس بأنها “حلوى مسمومة”! لم أكن أعرف ما الذي اعترض عليه بعنف أكثر، جزء السم أم جزء الحلوى.

تستطيع تعليم أي شخص مُصمّم على تعلم الأساسيات المطلوبة كيف يكتب جملاً أو فقرات تقول بشكل واضح وموجز ما تريد منهم أن يقولونه. إنه أصعب إلى حد بعيد أن تجعل الناس تفكر ككاتب، التخلي عن العادات المألوفة للعقل والمشاعر. يجب أن تكون قابلاً للولوج في جلد شخصيتك وفي الوقت ذاته أن تستمر خارج الظروف المشبوهة التي ناورتها فيها. لا أستطيع أن أتذكر كم مرة طلبت من تلاميذي الكفَّ عن الكتابة عن الساعات المشرقة، وأن يبدأوا الكتابة من المكان المؤلم. “لا أحد يحب أن يقرأ المؤدبين، يخلق عندهم رغبة بالنوم”

فكرة أن الناس ليسوا دائماً ما يبدون عليه كانت الفكرة المذهلة التي ساهمت ببدايات أكثر للطلاب مما كنت أنوّرهم به.  كنت أظن أن الجميع يعلم أن الشخص الذي يبتسم طوال الوقت واردٌ جداً أن يحمل قلباً مضطرباً أو حتى مرهقاً بشدة. هذا كنتيجة يقود لتحليل في ماذا يعني أن تكون: أ. متشائمًا، ب. متشككاً، وكيف، أنك إذا كنت تريد أن تكتب الخيال، منتجٌ أكثر أن تكون “ب” من “أ”.

إن كنت تريد أن تكتب قصصا خيالية، والتي هي سير ذاتية بشكل غامض، محاولا أن تقرر ماذا تضع وماذا تترك، (ومن منا لم يفعل؟) لا تضع اعتباراً لما سيفكر به و/أو يقوله أصدقاؤك، جيرانك، وبشكل خاص عائلتك الحالية، مفترضاً، أنهم سيقرؤون ما تكتب. أنت لا تريد أن تجرح الناس بتعمّد: إذا كنت تملك المهارات الصحيحة، تستطيع أن تموّه أغلب الناس حتى لا يتمكنوا من التعرف على أنفسهم.

هناك يقين بالكتابات الجيدة حتى لو كان ما كُتب إلى حدٍّ ما لا يملك ترابطاً منطقياً. إنه يقين ما يسمى بـ “مقعد راكب الخيل الفائز” أو البحار القادم من ثنايا الريح العاتية. الكلمات تحمل كلّاً من القوة والجمال، الألفة والدهشة. إذا كنت مجبرة على اختيار كاتب واحد من القرن العشرين حمل هذه المميزات بسعة، كنت سأسمي “فلاديمير نابوكوف”، والذي يجعلني أريد أن أعيد كل ما قلته عن النعوت، إلا أن كل ما يختاره ينتقيه بعناية مثل خاتم خطوبة “على كتفها البُنيّ، ظهر على سطحه تورمٍّ وردي أُرجوانيّ (عمل ناموسٍ ما) سَكَنْتُ إلى جلوُه الجميل سُمّاً بين ظفري إبهامي وبعدها لعقته حتى أصبحت متخماً عند دمها الحار”.

لا تستطيع أن تعلّم هذا اليقين، يأتي فقط عندما تكتب كل يوم، أحياناً لسنوات. أسئلة البورصة “متى أعرف أنني يجب أن أتوقف؟”، “كم من التفاصيل هو كافٍ؟” – يمكن الاجابة عليه بـ”ستعرف!”. مؤمناً أنهم بتطلبهم لمهارة، المعدّل الذاتي الذي يتوسط العملية يطوّر من عضلاته الحقيقية.

لا تستطيع أن تعلم أصمًّ النغم كيف يغني. ولكن هؤلاء الناس لا يظهرون بتعلمهم لحصص الغناء. الطلبة يتعلمون بسرعة سواء ضبطوا اللحن أو لا. عندما لا يستطيعون، يتركون الصف.

وهناك هذا في التعليم: إنه عملٌ عام. أنت تُعيّن، الناس يستمعون إليك، يرونك، يمنحونك سُلطة لا تستحقها. جميع الأساتذة الجيدين يحملون مسحة مسرحية، وأنت لست باستثناء. أُمي أرادتني أن أصبح ممثلة/مغنية في المسرح الغنائي الكوميدي ولهذه النهاية أرسلتني إلى مدرّسة غناءٍ مُحتفى بها والتي درّبت الكثير من المغنيين الجيدين في “برادواي” وقاعات الحفلات الموسيقية.

أخذت دروساً من هذه المرأة حتى انتصرت بالظهور كـ “باباغينو” عندما تم انتاج أوبرا “الناي السحري” في مدرسة البنات التي كنت فيها. كانت – أعترف – نقطة محورية في حياتي، تقريباً منعشة كالمرة الأولى التي بعت فيها قصتي القصيرة الأولى.

أكثر الأحلام المقلقة المتكررة ليست عن الكتابة، بل عن الصعود إلى المسرح وإدراك أنني لم أتعلم وصلتي. الكاتبة في النهاية أخذت مكان المُغنية: وأنا لست بآسفة على ذلك. بعد خمسة وأربعين أو عمر كهذا يبدأ الصوت بالنحول والارتعاش. صوت الكاتبة – بمشيئة الله – واضح وقوي حتى تقضي نحبها.

المصدر: The New York Times
نشرت في آراء 

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *