ألِس هوفمان تواجه السرطان بالكتابة ..

ترجمة: وليد الصبحي مراجعة: بثينة العيسى
ولكن من كنتُ أنا، في قاع روحي، تحت الجلد والدم والعظام؟

ولكن من كنتُ أنا، في قاع روحي، تحت الجلد والدم والعظام؟

بلغني خبر إصابتي بالسرطان في يومٍ أزرق جميل من أيام يوليو، كنت خارجة لكيب كود لأنهي المسودة الاولى من رواية كنت أكتبها عندما رن الهاتف. وفكرتُ بأنه قد حان الوقت بالنسبة لي لأحظى ببعض الحظ، لذا عندما سمعت صوت الطبيبة المشرفة على حالتي افترضت بأنني في مأمن. ففي الروايات، يتم استعداء الناس إلى المكاتب لإطلاعهم على الأخبار السيئة. وعلى أي حال، كان اليوم أجمل من أن ينتهي بمأساة. كان الورد في تفتّحٍ كامل والنحل يدوي على زجاج النوافذ متثاقلا بغبار الطلع والحرارة.

كنت متيقنة من أن طبيبتي اتصلت لتخبرني بأن نتائج التحاليل سلبية، كنت متأكدة تماماً من ذلك، ولكنها قالت: ” أليس، أنا آسفة”. كنت أسمع صوت القلق والحزن في صوتها، وأيقنت أن بعض الاشياء حقيقية جدا بغض النظر عن كيف ومتى يتم إبلاغك بها. في لحظة واحدة، كان العالم كما عرفته قد سقط بعيدًا عني، وتركني على كوكبٍ بعيد وناء، حيث يعيش المرء بلا جاذبية ولا أكسجين، ولم يعد لأي شيء معنى بعد تلك اللحظة.

كانت السنوات الماضية سيئة على عائلتي، إذ خسرت زوجة أخي الحبيبة جو آن معركة شُجاعة مع سرطان الدماغ، وأصيبت أمي بجلطة دماغية حادة هي الأخرى، ثم تم تشخيصها بسرطان الثدي هي الأخرى. أمضيتُ عامين بأكملهما ساهرةً على صحة عدة أشخاص أحببتهم بينما كنت أحاول إنهاء روايتي “هنا على الارض” خلال ساعات أسرقها في صباحات باكرة جدا لدرجة أن الطيور تكون ما تزال نائمة. لم أكن بحالٍ جيدة عندما فازت رواية “هنا على الأرض” في “كتاب نادي اوبرا للكتاب” حيث أنني بعد عودتي بيومين من شيكاغو سقطتُ أرضاً وشعرت بغصة تقتحم صدري.

كنت أكتب قصصأً قصيرة طيلة مدة مرض زوجة أخي، حيث احتجتُ لمكان خياليّ أهرب إليه، ولم يكن لدي الوقت ولا القوة النفسية لمشروع أكبر. ولكن تلك القصص كانت في البداية قصصًا روائية سرعان ما تداخلت مع حكاية عائلة تغوص في نفس المصاعب التي تواجهها عائلتي الآن.

في فترة وجودي في المستشفى والتي امتدت لشهر كامل، بدا العالم الخارجي، والناس فيه بخططهم – العشاق، الآباء الجدد، الطلبة – أقل واقعية من هؤلاء الذين في العالم الذي خلقته في مخيلتي. وعندما طلبت مني جو آن أن أجد موقعًا لقبرها، (المهمة التي تفطّر لها قلبي، على افتاض أنه كان لا يزال لي قلب)، قامت شخصياتي من رواية “فتيات محليات” برحلة شبيهة في اليوم نفسه، ولكنهم كانوا أكثر حكمة مني، وأكثر تفاؤلا. وبصراحة ماكنت لأنجو في عصر ذلك اليوم لولا مساعدة فتيات هذه الرواية.

لاحظت من خلال تجربتي أن المرضى يصبحون أكثر نقاء ويكونون على سجيتهم كما لو أنه قد تم تجريدهم من كل ما هو زائد فيهم، و لا يتبقى إلا جوهرهم الصادق. ففي حالة زوجة أخي جو آن، أصبحت أكثر عذوبة مع كل يوم يمضي، وأصبحت شخصا أكثر لطفا وتعاطفا رغم عذابها. وأمي، المقبلة على الحياة، توفيت وهي تشاهد فيلم Eyes Wide Shut مع حفيدها ذي الثمانية عشر عاماً. وأما مارلين زوجة أخي الآخر التي تم تشخيصها بسرطان الثدي بعد بضعة أسابيع من تشخيصي، فقد وظفت خلفيتها الطبية لتصبح باحثة ممتازة، عليمة مثل أي خبير.

ولكن من كنتُ أنا، في قاع روحي، تحت الجلد والدم والعظام؟ لم أكن حنونة ورؤوفة مثل جو آن، ولا شجاعة مثل أمي، ولم أكن قديرة ومستقلة مثل مارلين. عرفتُ من أنا عندما ألغيتُ عمليتي الجراحية (وهو تصرّف أحمق!)، ولكنني شعرتُ بأنني مجبرة على إنهاء المسودة الأولى من روايتي الجديدة. في الوقت الذي بدا فيه كل شيء حولي خارجًا عن السيطرة تمامًا، حيث الحيوات تقتطع قصيرة، والقدر يبدو قاسيًا بشكلٍ خاص، كنت في حاجة لوضع نهاية لشيء ما. كنت يائسة لمعرفة الكيفية التي ستنقلب بها الأمور، في الخيال إن لم يكن في الحياة. وأكثر من أي مرة، أكثر من أي شيء، كنتُ كاتبةً.

اعتزلت الجميع باستثناء عائلتي وأصدقائي المقربين. وتقريبا لم أخبر أحداً عن مرضي، بدلا من ذلك لجأت إلى ما كنتُ أجده دائمًا مصدر علاج لي. الكتٌاب لا يختارون مهنتهم، إنهم بحاجة للكتابة لمواجهة العالم، وكان هذا ما يزال ينطبق علي. حتى الآن، كانت الكتابة تجربة فائقة بالنسبة لي. عندما تمكّن مني المرض وأصبحت لا أستطيع الجلوس لفترة طويلة، قمت بنقل الأريكة إلى مكتبي وظللت في حالة ذهاب وإياب بين الطاولة والسرير حتى أصبح الخط الفاصل بين الحلم و الكتابة لا شيء أكثر من خيط شفاف ورفيع.

أصبحت الحقيقة والمخيلة مجدولتين ببعضهما البعض. كنت أعيش في عالمي الخاص وعالم كتابي في نفس الوقت. كان بإمكاني أن أستلقي على الطاولة أثناء مسح للعظام ومع ذلك أنزلق إلى نهر حيث زنابق الماء تطفو مع التيار، بأقدامٍ تغوص في طينٍ طري. كنت أستطيع أن أمشي وسط عاصفة ثلجية، أو تحت ضوء القمر، أو في حقول الورد، بينما أتلقى العلاج بالإشعاع.

أصبحت الحقيقة والمخيلة مجدولتين ببعضهما البعض.

أصبحت الحقيقة والمخيلة مجدولتين ببعضهما البعض.

أخبرتني إخصائية سرطان ذات بصيرة عالية بأن السرطان ليس بالموضوع الذي يحتاجه المرء لكل كتابه، وإنما فصل واحد يكفي. إلا أن الروائيين يعلمون أن بعض فصول الكتب تكوُن الفصول الأخرى. تلك هي فصول حياتك، التي تضربك وتعلمك وتجلب الدموع لعينيك، التي تدعوك لكي تخطو إلى الجانب الآخر من الستار، التي تفصل أولئك الأشخاص منا ممن عليهم أن يواجهوا مصيرهم عاجلاً وليس آجلاً. ما كنت أبحث عنه خلال فترة العشرة أشهر من العلاج الكيميائي والإشعاعي هو وسيلة لإدراك شعور الأسى والخسارة.

كنت أكتب لأعثر على الجمال والمغزى، لأعلم بأن الحب ممكن ودائم وحقيقي، لأرى زنابق النهار وأحواض السباحة، لأرى الولاء والإخلاص. رغم أن عيني كانت موصدة وأن كل ما يحيطني كان غرفة مظلمة. كنت أكتب لأن هذا ما كنتُ عليه في جوهري، ولو كنتُ محطمة إلى الحد الذي لا أستطيع معه المشي في الحيّ، فقد كنتُ أيضا محظوظة بنفس القدر. وبمجرد ما جلستُ إلى طاولة الكتابة، بمجرد ما بدأت أكتب، كنت لا أزال أؤمن بأن كل شيء ممكن.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *