دايان جونسون: مواضيع إشكالية ستظهر لك حيثما لا تبحث عنها

ترجمة: علا أبو طالب مراجعة: بثينة العيسى
هل يجب أن يكون للرواية موضوع؟

هل يجب أن يكون للرواية موضوع؟

كنت أتنقّل هنا وهناك لأقدم قراءات لروايتي الجديدة “الزواج”، وغالبًا، في هذه المناسبات، ما كنت أُسأل أسئلة مفاجئة حول مواضيع الرواية. في البداية كنت مرتبكة قليلا من تلك الأسئلة. قد تكون كاتبة الرواية آخر من يعلم بموضوع عملها، ولعلها تفادت التفكير فيه أيضا بشكلٍ خاص، خشية أن يَختفيَ – كما تختفي السعادة – بمجرد الفحص الممعن لهُ، أو أن يبدو ضعيفا وغير متين للبقاء.

سألني رجل في سياتل، عمّا يعنيه موضوع القطط والكلاب الناجية في كتُبي. كان يجب أن أفكر بذلك لأنني في الحقيقة لم ألاحظ وجودهم، فرويد كان ليقول بأن هؤلاء القطط والكلاب هم أطفال، ولكن لن يبدو ذلك صائبا بالنسبة لي.
هل يجب أن يكون للرواية موضوع؟ وإذا وجب ذلك، من هو المسؤول عن الموضوع؟

لا يمكنك إلا أن تتساءل عما لو كان لكل كاتب مواضيع مناسبة له؟ وهل المواضيع تخص الكاتب كما تخص الكتاب؟ أن أقرأ عن كتبي بأنها مليئة بنساء بائسات هاربات من ظروفهن ومندهشات بشدة من الزوجات القانعات والمستقرات. طبعا، لم أفكر بهن بتلك الطريقة أبدا. بالنسبة لي، بطلاتي هنّ تأويلات واعية، من خلالهن نراقب أحداثًا خارجية، في إيران كاليفورنيا أو فرنسا.

لقد كتبتُ في مكانٍ آخر عن مأزق الساردة الأنثى – القوية، وهو ابتكارٌ حديث على الأرجح، قد لا نكون مؤهلين له بتقاليدنا الأدبية عن البطلات اللاتي يتمّ التصرّف بشأنهن وحسب. يقول صديقي ماكس بيرد بأن قصص الخيال قد تُستخلص الى حبكة واحدة من اثنتين: أن يأتي شخصٌ غريبٌ الى مدينة ما، أو أن يذهب شخص ما إلى رحلة. وقصتي تعتمد على الأخيرة، عن أشياء تحدث للمسافرين كما قُدر لها أن تحدث. هذا كلّ شيء.

لكن هذا ليس كل شيء عنها. فلأيّ رواية مواضيع كثيرة، إن كنت أفهم الكلمة بشكل صحيح. تبدو كلمة “مواضيع” كمصطلح محتفظ من صف الانكليزية في المدرسة الثانوية، ويُستعمل لمناقشة الروايات، ولكن ليس له صلة بعملية كتابتها، قريبٌ جدًا الى مصطلح ” الأطروحة”. إن فكرة طرح فكرة مُسبقة يعتبر لعنة للروائية التي تُحبذ تَخيُّلَ أنها تشاهد حياة وطبائع دون أي نية للإملاء أو إرغام شخصياتها لاتّباع مخطط ما.

من المؤكد أن الكاتب – كأي شخص آخر – له مجموعة من الأفكار العامة: لا إنسانية الانسان للإنسان، أو الحياة كفاح، أو الطبيعة جميلة. بعض الأفكار سيتم تلقيها كأفكار، بعضها قد يكون مبتكرًا أو غريبًا أو حتى مشبوهًا كما قيل مثلا في أعمال آين راند وبعض من ت. س. إليوت أو باوند. وإجماعًا، فإن المواضيع هي التي تُجسّد الكاتب رغما عنه – أو عنها – باستثناء الكُتاب العباقرة المُختفين في كثافة تناقضاتهم، مثل شكسبير.

أعتقد بأن الموضوع الرئيسي لعملٍ ما هو مجموع أفكاره. هذا موجود ضمنيا في السياقات الساخرة على الانترنت عن روايات “مرجد” الذي يختصر الناسُ مضمون كتابيه في كتاب واحد مثل “فولكنر المالطي”. (هل الطائر الأسود يعتبر رمز التعذيب لكفاحٍ سامٍ مع السباق والعائلة؟ أم أنه تقريبا غراب يسخر من محاولاته للفهم؟ أم أنه يستحق …). أو (يدرس هولدن أنه إن كنت مجنونا فأنت قد تخفق في المدرسة الإعدادية، ولكن إن كنت قد أخفقت فأنت ربما لست مجنونًا).

ولكن كل رواية هي عبارة عن “مسالك إسفنجية” كما عبر عنها إ. م. فورستر. فالرواية نسيج من الأفكار الكثيفة جدًا والمنوّعة والتي قد يكون مستحيلا استخلاصها جميعًا.

يخشى الكاتب بكثرةِ المواضيع أن يقع في “رواية الأفكار” وهو مصطلح قد يخفي تحفظا ما. “رواية الأفكار” كعبارة جُمعت من البعض مما يُعرف الآن بعلم دراسة الرموز اللغوية المؤرخة والمستعملة لتصنيف كل الروايات كأفكار أو كأدب كوميدي أو آكشن أو رومانسية.. إلخ، اعتمادًا على الآثار العامة. المصطلح أيضا طريقة لاختزال مقولة أن الرواية جادة، مملة، هزلية، ناقلة لألم شخصي أو قصة حب.. الخ.

حتى عندما يكون هناك استحسان للتعريف العفوي للمواضيع، فهناك تصدٍ لفكرة الأفكار في الرواية. لديّ مثالان من تجربتي الخاصة:

قام الناشر البريطاني لرواية “الطلاق”، وهي رواية عن امراة شابة مُقبلة على العيش بباريس، بإلغاء فصلٍ كامل عن أين في باريس في حوالي 1995 وقع الأميركيون في نزاع مرير حول حرب الفيتنام. وهو موضوع لايزال يُفرّق بيننا بعد ثلاثين عاما.

اعتقد الناشر أن ذلك لن يكون مهما للقارئ البريطاني. ويسألني الناس الآن كيف سمحتُ بهذا الحذف، وإجابتي هي أنني لا أدري. ربما لأنني لا أزال قلقة من هذا الموضوع.

ومرة أخرى، قامت مترجمة فرنسية، تحت انطباع أن “الليالي الفارسية” هي رواية رومانسية، وهو النوع الذي يحبذه الفرنسيون – رغم أنها رواية تتحدث عن الوضع السياسي في إيران ما بعد الثورة – بحذف جميع مشاهدات البطلة للمشهد السياسي، وركّزت على لحظات خوفها الخاص، وبخاصة من خطر الاغتصاب (وهو ما لم يذكر قط)، هُنا، كنت قد اعترضت وتم حل المشكلة جزئيًا.

قام العديد من النقاد، عند استعراضهم لرواية سوزان سونتاغ الجديدة “في أمريكا”، باستخدام تعبير “رواية الأفكار”. ربما لأن الشخصيات تملك أفكارًا عن طوباوية فوريير أو عن أساليب التمثيل. ولكن يجدر بك التساؤل كيف ستبدو الرواية دون أفكار.

فكرة واحدة أو موضوع واحد، ولنقل في رواية فوستر (العبور إلى الهند)، مفادها أن الناس من ثقافات مختلفة يندر أن يفهموا بعضهم البعض. باختزالها إلى هذه العبارة البسيطة، فإن رواية (العبور إلى الهند) لها نفس الموضوع لكثير من الروايات التي كتبها كتاب آخرون، بما فيهم روايتي أنا (الزواج).

إن “الممر الى الهند” بخصوصيّتها ليست كأية رواية أخرى بالطبع. فهل هي رواية أفكار أم كوميديا؟ إذ أن شخصياتها تناقش الفلسفة. قال الأستاذ الهندي غودلوب “عندما يحدث الشر فذلك يُعبر عن العالم كله”، وسُئل إن كان يقصد أن الخير والشر سيّان، فقال: “كلا، لا.. الخير والشر لا يتشابهان مثلما يُخبرنا اسماهما. ولكن حسب رأيي المتواضع، فإن كليهما يُمثلان إلهي.” إنه يتحدث إلى فيلدينغ، الذي اعتبر أن الخير والشر يمثلان تعبيرًا عن لامبالاة الكون. فأين يقف فورستر أمام هذا الاختلاف فى الرأي؟ وهل لديه موقف؟ هل تستطيع الراوية أن تسيطر على الأفكار في نصّها أم أنها تمنع نفسها عن التصرف فيهم؟

هناك ظاهرة معلومة لدى الكتاب وهي أن شخصياتهم تقلع وتفعل أو تقول أشياء لم يتوقعها الكاتب. إن للكتابة لوحة ويجا الخاصة بها.

ومن ناحية أخرى، هناك تلك العملية السرية لشخصياتك الخاصة -ربما هوسك الشخصي- وذلك يقتضي أنه كيفما بدأتَ فإنك ستنتهي إلى الرواية التي لن يكتُبها أحد سواك. (من الواضح أن هاتان الاثنتان هما وظيفتان لبعضهما البعض: اللا متوقع يبزغ فجأة من مملكتك الفكرية الأقل وعيا). هناك العمر، الولادة، النظام، والجغرافيا. والجنسية هي جزء من مُلزمات طبيعتنا، شيءٌ لا نستطيع تجاوزه، فقد قام ببرمجتنا.

بالتأكيد، يمكنك -أنت نفسك – أن تتغير بمرور السنين، وبالأحداث فإن الحياة تُغيرك. أشعر بأنني أكافح باستمرار بعضاً من طبعي الذي يُلزمني بأنه مهما أردتُ أن أكتب عملا جاداً ورواية نفسية مثيرة فإنني في النهاية أجدني في نوع من الرواية الكوميدية والتراجيكوميدية والتي يُشار اليها بـ” الأسلوبالأدب “(مانرز)، والذي يعكس اهتمامي – وذلك صحيح -بطريقة تصرّف الناس، خاصة خارج نطاق ثقافتهم ومع الثقافات الأخرى.

لكن الروايات ليست كما هي عليه، ذلك أن هناك دائما معنى أعمق وأعم. قد لا تكون المؤلفة مُدركة لذلك إلى أن تتقدم أشواطا في الكتابة. إن الأسلوب الكامل للرواية بالكاد يكون واضحًا منذ بداية الكتابة، أو حتى في النهاية، أين تكتشف الكاتبة فحوى الرواية، وتكون المهمة هنا هي الفهم والتعمّق أو التدقيق فيما كُتب مسبقا. وهنا يكمن اكتشاف الموضوع.

إذا كان الكاتب آخر من يُشخّص الموضوع، فإننا كقراء قد لا نُعبر كذلك عن الموضوع عمدًا كما نقرأه. عندما نُسأل عن موضوع الكتاب فإننا نعمد الى التركيز على بعضٍ من أجزاء الحبكة القصصية، إذ نقول: “إنها عن امرأة كانت أو لم تكن مُحتجزة في قبو في الهند” أو “إن يتيمة كانت تعمل مربية في منزل وحشي وناءٍ”

إننا نتشبث بالميزة الأساسية للحدث. ولكن مانستخلصه من الكتاب هو الدرس أو الموضوع: الشجاعة، الروح الانسانية الخالدة مثل حالة جين آير (وفي كل أعمال تشارلوت برونتي) والاندماج والفخر خاصة في جزء الاغتراب من رواية “الممر الى الهند”. إن هذه الرسائل العميقة تجعلنا نُعجب بالكتاب.

قد نرفض الكتاب أو لا نثق به إن كان يحمل رسالة شريرة أو مراوغة كما قد نشعر أنه قد يكون مخربا أو أننا خُدعنا به.

إن التاريخ مليء بالكتب “الخطيرة”، رغم أنها ليست شائعة. ولكن محاولات قمعها دائما ما تأتي في النهاية بنتيجة عكسية. إن مهنة الكتابة دائما ساحرة.

 * لوح مسطح مرسوم عليه كل الأحرف والأرقام ورموز أخرى وبه مؤشر متحرك. ان هذا اللوح يمكن استخدامه للتحدث إلى الأرواح أو الأموات حيث يقوم المشاركان بوضع أصبعيهم على المؤشر ويحركوه حسب الاجابات فاذا قمت مثلا بوضع غمامة على عين الشخصين المحركين للمؤشر ستكون حركة المؤشر غير ذات معنى

المصدر: The New York Times

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *