باربرا كينغسولفر: منطقة محرّمة معروفة للجميع

ترجمة: علي سيف الرواحي

أعتقد بأن قرّائي يعتمدون عليّ في مناقشة بعض ما يتحفظون عليه

أعتقد بأن قرّائي يعتمدون عليّ في مناقشة بعض ما يتحفظون عليه

أيها القارئ أصخ السمع، لديّ ما أعترف به. أنا في صدد كتابة رواية غير محتشمة. وهو أمرٌ صادمٌ قليلا، حتى بالنسبة لي. في كتبي السابقة، تحدثتُ غالبًا عن الجنس باستخدام تقنية التوقّف المفاجئ في النص عن طريق كسر الفراغ. أحد المتابعين لأعمالي ادّعى بأنني كتبتُ أقصر مشهد جنسي في تاريخ اللغة الإنجليزية. أعرف أي مشهد يقصد؛ تبدأ الإثارة عندما يلاحظ أحد الشخوص شقا في جيب شخصية أخرى تبرز منها قطعة بلاستيكية، تستنتج الشخصية الأولى بأن عازل ذكري، وتشعر المرأة بأن ذلك هو يوم سعدها. ثم يستمر المشهد في لا نهائيته: هو لديه. ذلك هو. (قطع في الفراغ)

أعتقد بأن قرّائي يعتمدون عليّ في مناقشة بعض ما يتحفظون عليه، والدليل على ذلك بعض الاقتباسات التي اعتمدتها إحدى الكليات في دوراتها وبعض الأمهات اللواتي قلن أنهن تشاركن كتبي مع بناتهن. لكن هذه المرة هنالك مفاجأة من نوع آخر. وليس لأن الجنس أصبح سلعة مبتذلة، أظل أخبر نفسي، لكن روايتي الحالية هي عن الحياة في شقها الحيوي. أتحدث فيها عن القوانين التي تربط جميع المخلوقات والتي تقسمها إلى مجموعات وتحكم حياتها، والتي تشمل عملية التكاثر التي تحدث بلا كلل وبندم غير معترف به.

في هذه القصة الجميع يفعلها، الطيور ونباتات الفطر والناس أيضًا، بدءا من الصفحة السادسة. أشعر باستمتاع معهود وأنا أكتبها، تصاحبني قناعة بأنني أرتكب شيئا بالكاد يكون قانونيا، أخترع خيالات كمصدر للقمة العيش. ولكنها تبدو لي خطيئة حانية، حيث أنني بعد أن أوصل أطفالي إلى مدارسهم صباحا، ألج إلى غرفة الكتابة كالمختبئة من شيء ما، أغلق الباب من خلفي، ويا لسعادتي حينها، أصرخ فرحة، فالتبدأ اللحظات المرحة.

والآن وقد شارفت على الإنتهاء من مخطوطة الرواية بدأت أفكر في الناس الذين سيقرؤونها، سواء في منازلهم أو على متن الطائرات أو فيم هم يتنقلون على القطارات، وبينهم أمي، عما سيظنون بي. صديقتي في مهنة الكتابة (نانسي) وهي ممارسة محترفة للغة عرضت عليّ النصيحة التالية: “أنت الآن في الأربعينيات من عمرك يا باربرا، ولديك طفلين. هي ستتفهم الأمر”.

نعم، بالطبع ستفعل. لكن ماذا عن ذلك الرجل، من جمعية الخدمات الزراعية، الذي طلبت منه أن يتفحص دقة معلوماتي الزراعية في الرواية؟ كيف لي أن أعطيه المخطوطة؟ وماذا عن أساتذة الأدب الإنجليزي؟ لا أكترث لما يحدث حين يتعرفون على مخيلتي الجنسية الواسعة، بما أن تلك الأمور لا تحدث لي شخصيًا، ولكن لنكن واقعيين، لا يمكننا وقف التكهنات والظنون من أن تتسلل إلى أنفسنا. الكثير من الناس لا يملكون المخيلة أو الطاقة الفكرية الكافية لكي يضعوا خطة حكيمة لعيش حياة كريمة؛ فكيف بهم أمام مخيلة تصف بدقة وبالتفصيل سيناريوهات جنسية كاملة مع حواراتها وجميع ملحقاتها (خاصة إن كن نساء) ومع واقعية حسية للمكان.

ليس لديّ خشية من أن ينتشر كتابي أو يقع في الأيدي الخطأ. لكن ما أخشاه هو أن يظن أن لروايتي أغراض أخرى غير الأدب، أو ألا ينظر إليّ ككاتبة محترفة وجادة. في بعض الأوقات العصيبة حين أصاب بالقلق أهيّئُ نفسي معنويا لكل الانتقادات الحادة والجارحة. بالطبع لقد كان هنالك الكثير من الأدباء الذي وضعوا بكل تفصيل ووضوح مشاهد جنسية ساخنة في أدبهم. وأعجبني مشهد بعينه في رواية (دافيد جترسون) “الثلج على رؤوس أشجار الأرز”، ومشهد آخر جميل ومضحك في أحد كتب (جون ايرفنج) والقائمة تطول. وحتى بعض الشخصيات التاريخية المحترمة مثل (بنجامين فرانكلين) و (جونثان سويفت) تحدثوا عن الجنس بطريقة أو بأخرى في أعمالهم النثرية.

وما فاجأني في عصر يوم مشبع بالرطوبة بينما كنت أقلب في كتب بحثا عن مشاهد توغلت في ذاكرتي، هو رؤية كيف أن تلك المشاهد كانت توحي بحالة بشرية عوضا عن وصف عملية ما بصورة إرشادية، خطوة بخطوة. وكانت على إثر ذلك تستخدم تقنية التوقف المفاجئ بصورة وافرة.

هنالك مشهد كنت أظن طوال سنين عديدة أنه ينتمي إلى رواية “عشيق السيدة شاترلي”، لكن ما تبين لي لاحقا هو أنني أنا التي اخترعت المشهد في ذاكرتي. لم يكن ذلك مستغربًا تماما حينما نعرف أن (د. هـ. لورنس) كان يرى الحب من منظور نسائي. لو قمت بعد كلمات الروايات التي في حوزتي، مع الأخذ في الأعتبار أنها تصور بدقة أحوال وتجارب البشر المختلفة، ستوحي لنا أن الناس يقضون جل أوقاتهم في أحاديث مبتكرة وذكية عن معنى وجودهم في هذه الحياة. بينما لا يحتل الجنس، سواءا بالحديث عنه أو ممارسته، إلا واحد في المائة من وقتهم. لكن أرجو المعذرة، فأنا أرفض هذا الأستنتاج بشدة.

لماذا يتجنب المؤلفون والكتاب الحديث عن أمر بهذه الأهمية؟ لأن الناس مهووسون به في واقع حياتهم. إذا حدّدنا التجربة البشرية على أساس التلفاز وأغلفة المجلات ولوحات الإعلانات، سنصل إلى نتيجة مفادها أن الناس يمضون وقتا أكبر في المضاجعة عوضا عن النوم أو الأكل أو الظهور بمظهر جميل. (أو حتى ربما قتل بعضهم البعض بواسطة الأسلحة النارية مع صعوبته). وصانعوا الأفلام السنيمائية يحرصون على إدراج مشاهد جنسية في أفلامهم حتى لا يفقدوا الموضوعية والجدية في حالة عدم قيامهم بذلك.

لكن يبدو أن الأدب الجاد أخذ منحىً بعيدا عن موضوع الجنس وعلى استعداد للحديث عن أي شيء آخر عداه. وعن نفسي فقد كتبت عن معظم المآسي والمواضيع المنفرة ابتداءً من موت الأطفال وانتهاءً بالحكمة الأخلاقية من الاغتيال السياسي، ولم يسبق لي أن شعرت بالنكوص أو الخوف. والسؤال هنا، لماذا يشعرني وصف مشهد فعل الحب بالرعب؟ الإجابة على هذا السؤال تستدعي النظر في الادعاء القائم بأنه من الغير اللائق للمرأة أن تتحدث عن الجنس بصورة علنية وامتلاكها لمعلومات تفصيلية عن هذا الأمر والتعبير عنه يعتبر تحديًا سافرًا، وتسري هذه النظرة على أي موضوع تبرع فيه المرأة. ولكن مثل هذا الهراء لا يحبط من عزيمتي أبدًا.

الفرد العادي ذكرًا كان أم أنثى يعتنق الموقف الرسمي والقانوني من أن الجنس مكانه في الغرف المغلقة. وهذا جزء من المشكلة لأن المواضيع الخاصة والشخصية مثل الوقوع في الحب لأول مرة والخلافات العائلية والمعتقدات الدينية تصبح مبتذلة ومزعجة بالنسبة للعامة حين تطفوا على السطح. لكنها مواضيع مثرية للكتاب متى ما تم تناولها بعناية. وهم لا يتجنبوها من منطلق الخصوصية بل يعتبرون أن لديهم مهمة أسمى باستخراج تأملات حكيمة وإلباسها ثوب العالمية. ولا يوجد ما هو أكثر سرية من العالم المتواجد في عقل الانسان وهو بالضبط ما تسرده لنا الرواية من الصفحة الأولى. لا يوجد محرم في الأدب الرفيع على شرط الابتعاد عن الابتذال وإظهار ذلك المحرم بصورة جميلة وعميقة المعنى.

وهذا هو مربط الفرس، توظيف الجنس بجمالية وأناقة، وهي ليست بالمهمة السهلة. ذلك لأن لغة الجماع الجنسي قد اختطفت أو بالأحرى تم تقسيمها كغنيمة حرب بين رعاة الدعارة والموجة الاستهلاكية ومهنة الطب. ولا يوجد من بين هؤلاء الخاطفين من هو مهتم بالقيم الجمالية والفنية، ولهذا أصبحت لغة ومفردات فعل الحب قبيحة في كل جزئية من أجزاءها. فعضو المرأة التناسلي قد أصبح مرادفا بكل فداحة للمنظار الطبي. وأي اسم بإمكانك إطلاقه على العضو الذكري أو حركاته المختلفة هو ملك حصري لـ (لاري فلينت) {من أسياد صناعة الدعارة وناشر لمجلات وأفلام إباحية}. وحتى أبسط الكلمات في معجم الجنس عندما ينطقها شخص بالغ تعتبر مهينة إن قيلت أمام طفل صغير.

البرنامج اللغوي على جهاز حاسوبي قد غسل يديه من المسألة برمتها، فهو يتحاشى أية كلمة لها دخل في فعل الحب. فكلمة مضاجعة، على سبيل المثال، عندما أبحث لها عن بديل تأتيني النتيجة: لا توجد، وأقرب كلمة يقترحها عليّ بعيدة كل البعد عما أبحث عنه، ويسري هذا الأمر على كلمة قضيب وهلم جرا. ويبدو الأمر مسليا لأي كاتب يريد أن يلهو قليلا بعيدا عن الكتابة. المشكلة هي أعمق من برنامج حاسوبي. فمسألة جمالية اللغة ترجع إلى واضعيها. وكتب المرادفات أشجع بكثير من برامج الكمبيوتر. فقاموس (القديس مارتن روجيه) يعطي بكل مهنية خمسة عشر كلمة مرادفة لكلمة الجماع، وحتى بعض الكلمات الغريبة والغامضة فإنه يوفر العديد العديد من المترادفات.

وفي نهاية المطاف فإن اللغة في متناول يدنا. وكتاب الروايات الخياليات قد استطاعوا أن يصفوا الحياة على كواكب أخرى، أو في جحر أرنب أو قبيلة من الفيلة، بكل أناقة ولم تعيهم الحيلة في اختراع لغة تعينهم على وصف مناطق مجهولة أو غير ممهدة لألسنتنا ولغاتنا. ولم تكن المشكلة أبدا في قصور اللغة أو المفردات لوصف الجنس وتوابعه، بل هي مشكلة ثقافة وتقاليد تعيق التقدم في هذا المجال.

نحن نعيش في عالم غريب، بحيث يسمح للتجار وأصحاب المحلات وضع دمى العرض في وضعيات فاضحة لتسويق أزياءهم أو منتوجاتهم، بينما لا يستطيع أستاذ العلوم في مدرسة متوسطة الحديث عن أساسيات التناسل لدى البشر من دون ما يكون هنالك اعتراض أو امتعاض من قبل الآباء. وينطبق الأمر على تدريس نظرية التطور، والسبب لذلك مشابه أيضًا، وهو رفض المجتمع التقليدي لمثل هذه الأفكار الثورية. ونظرة المجتمع القاصرة التي ترانا بمعزل عن بقية المخلوقات والكائنات على هذا الكوكب، والأخطر من ذلك أن كل ذلك مسخر لخدمتنا حد الأمتلاك.

يبدو أننا مهدّدون في عقائدنا ومؤسساتنا الدينية والتجارية متى ما اعترفنا أننا خاضعون لقوانين الطبيعة والبيولوجيا. ويعتبر الجنس أقوى حاجات الحيوان الغريزية التي لا يمكن تجاهلها. وكلما حاولنا التنكر لوضعها الرسمي، كلما فرضت نفسها علينا بصورة فضائحية ومحرجة. وانظر إلينا نحن الأمريكان المعاصرون، عقولنا غارقة في صورة جنسية فاضحة، بينما أرجلنا مزروعة في تاريخنا المحافظ التقليدي. وأي روائي يود الحديث عن الجنس والجماع عليه أن يخوض في تلك المنطقة الوعرة من التقاليد. لذلك تجد الجنس أقل ذكرا في الفن مما هو عليه في واقع الحياة.

للكتابة عن الجنس علينا أولا ترك الادعاء اللطيف بأنه ليس بتلك الأهمية، والاعتراف بأن من بين كل الأشياء من حولنا لا يوجد ماهو أكثر أهمية. وفي سكون غرفنا حين نكتب نكون بمفردنا وجها لوجه مع هذا الوحش الذي علينا مصارعته واستنطاق وحشيته وجماله. علينا التعايش مع جاذبيته وقبول حميميته التي قد تسبب لنا بعض الحرج مع قرائنا والاعتراف بواقعيته. علينا إخبار أمهاتنا وتحذيرهن قبل صدور الكتاب. وعلينا قبول حقيقة أن الكتاب لن يدخل في مناهج الأدب.

وعلى كل حال، بالرغم من كل شيء، أنا مصممة على كتابة مقتضيات العلمية والحيوية للحياة البشرية، ومن أين لي أن أبدأ الرحلة إلا من ميناء العقل والمخيلة؟ وهي مخاطرة سأضطر لمواجهتها.

أيها القارئ لا تخجل مما تخفيه فأنا أعلمه.

المصدر: The New York Times

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *