كارل هياسن: الحياة الحقيقية سارقة غريبة ووقحة!

ترجمة: نورة أبو خالد مراجعة: بثينة العيسى
يفترض بكتبي أن تكون مضحكة، وعليه فحتى الموت ينبغي أن يقدم بشكلٍ طريف.

يفترض بكتبي أن تكون مضحكة، وعليه فحتى الموت ينبغي أن يقدم بشكلٍ طريف.

اضطررتُ مرّة لقتلِ ذلك الرجل.

كان في رواية، ولكن هذا لم يجعل الأمر سهلا. يفترض بكتبي أن تكون مضحكة، وعليه فحتى الموت ينبغي أن يقدم بشكلٍ طريف. الضغط هائل.

الوغد محطّ السؤال، واسمه بيدرو، كان حارس أمنٍ سادي -في إحدى حدائق التسلية منخفضة الميزانية في فلوريدا. كان بيدرو مدمنًا جدًا على المنشطات، وهو الأمر الذي جره إلى حقن نفسه بالمخدرات، راميًا وراءه إبر الحقن الوريدية.

عندما قطعتُ ثلثي الرواية، والتي كانت بعنوان (اللهجة الأصلية) قررتُ أنه قد حان الوقت للتخلص من بيدرو. كان يزداد وقاحة مع كل صفحة، والأسوأ، أنه بدأ يلهيني عن بطولات شخصيّتي المحورية. إذن يجب على بيدرو أن يرحل، ولكن كيف أفعلها؟

أن يكون بسبب إطلاق النار فهذا أمر بسيطٌ جدًا، أو بسبب جرعة زائدة فهو أمر مرتب وسريع. ولكنني خفتُ ألا يكون القراء راضين، اللعنة! أنا لن أكون راضيًا. هكذا كان بيدرو الكريه: يجب أن يكون رحيله مميزًا.

في النهاية، قمت بما يفعله الكتّاب الساخرون على مرّ العصور: قمتُ بسلقِ الأحداث الحالية ونمقّتها لكي تناسب الحبكة.

وبينما أنا أعد الكتاب، وقع جدلٌ غريب حول الدلافين (الدرافيل) المنقارية في فلوريدا حيث أعيش. بدأت الحدائق المحلية بمطالبة السياح بمبلغ 50 دولار أو أكثر ليمرحوا في الأحواض مع ثديات البحر البهلوانية الملساء. وقد كان لبعضِ الدلافين، كما تبيّن، أفكارها الخاصة عن المرح. فقد قدموا التحية للبشر الدخلاء المبللين بما يسميه علماء البحار “أنشطة شديدة الخطورة”. وغالبًا ما كانت الأنشطة جنسية بشكل عدواني، جعلت السياح يعيشون تجربة إجازة لا تنسى.

لقد كتبتُ عن هذه الظاهرة أثناء عملي كمعلق صحفي لدى (ميامي هيرلد)، ومثل العديد من قصص فلوريدا الحقيقة، فقد استحقت هذه أن تثبّت كمرجع للمستقبل.

اتضح أنها أخبار سيئة لـ بيدرو، مجرمي المتخيّل. وكما هو شأن الحظ، فقد كانت حديقة التسلية الرخيصة في روايتي تضمّ دلفينا محتالا، وغير قابل للتدريب. كيف لي أن أقاوم؟ ليلة قاتمة، صراعٌ مسعور على المنصة، المجرم مدمن المخدرات يهوي في الحوض، وقد تمّت مغازلته حتى الموت من قبل الدلفين ديكي.

هكذا تخلصت من حارس الأمن الشرير، القراء يعتقدون – كما يبدو – أن العدالة أخذت مجراها، رغم أن الكثيرين منهم يعتقدون بأنني قد اختلقت أمر شهوانية الأسماك. لم أفعل. للدليل، أنظر (دراسة في السلوك الكمي للدلافين المنقارية في برامج “اسبح مع الدلافين” في الولايات المتحدة الأمريكية، نشرت في أكتوبر 1995، عدد علم الثدييات البحرية).

كل كاتب يختلسُ الإلهام من أماكن مختلفة. وما من حرجٍ في تجاوز الخطوط العامة، بل يجب عليك ذلك في الحقيقة، إذا كنت تحاول أن تكون كاتبا ساخرا معاصرا، فإن الطرفة حادة الأطراف تكمن في نقاط المرجعية الموضوعية. ولسوء حظ الروائيين، فإن الحياة الحقيقية تصبح في كل يوم أكثر فكاهة وأبعد عن الالتقاط. وهذا صحيح بشكلٍ خاص في ميامي، حيث تبدو الأخبار اليومية وكأنها مكتوبة من قبل ديڤيد لينش* . الحقائق مذهلة أكثر من الخيال.

فكّر بالرجل الذي وُجِد نائما في سريره مع تمساح بالغ، وجروح عديدة بحجم أسنان التمساح على جسده. ورغم اعتراضات الرجل المثقوب، إلا أن حراس الزواحف نجحوا في نقل التمساح إلى بر الأمان.

وبطبيعة الحال تبع ذلك دعوى قضائية ومعركة طويلة الأمد. وبعد سنتين، تم استئناف المحاكمة التي كانت لصالح التمساح وضد خصمه السّجان، ورغم أنني احتفظت بقصاصة الخبر التي كانت بعنوان (المحكمة: التماسيح على السرير فكرة سيئة)، إلا أنني أشك بأنني سأستخدم هذه القصة في رواية. إذ لا يمكن تطويرها.

في هذه الأيام يجب على كتّاب السخرية اختيار موادهم وأهدافهم بشكل استثنائي. وحتى إن فعلوا، فإن الحياة الحقيقية تميل إلى الانتصار عليك.

كتبت مرّة كتابًا اسمه (التعرّي) حيث يفتن فيه رئيس المجلس التشريعي بالولايات المتحدة براقصة غريبة. القصة مستوحاة من رجلي في الكونغرس، هيربيرت بورك، الذي احتجز في عام ١٩٧٨ لتصرفه بشكل سيء في نادي للعراة في -فورت لودوريال.

في الحياة الحقيقية، بورك .. الجمهوري، قد ثمل ببساطة وبدأ يتشبث بالراقصين. في الرواية، عضو الكونغرس المتخيّل، الديموقراطي، شهواني مختل. ( أسند دور الفيلم لـ بورت رينولدز، وهو الاختيار الذي بالتأكيد أفرح الراحل بورك، المفتقر للوسامة).

في إحدى ليالي ١٩٩٦ ، قبل قليل من إصدار نسخة فيلم (التعّري)، رجل يدعى كندل كوفي اشترى قارورة بـ ٩٠٠ دولار من الشامبانيا، وقاد الراقصة إلى صالون خاص في ساوث ديد، نادٍ للبالغين اسمه “أحمر الشفاه”. الراقصة، والتي كان اسمها تيفاني، قالت بأن كوفي قد أفرط في الشرب، وبعد صراع، قضمَ ذراعها. لم تكن الحادثة لتصل إلى الأخبار لو لم يكن كوفي هو محامي المقاطعة الجنوبية من فلوريدا، واحد من أقوى رجال النيابة العامة. ولم يخفِ أمر أهميته فيمَ الحرّاس يخرجونه بصرامةٍ من نادي العراة.

رفض كندل كوفي أن يناقش ما حدث، ولكنه استقال فجأةً من عمله كنائبٍ عام، وتحوّل إلى الممارسة الخاصة. ظهرت الراقصة على التلفزيون المحلي لتعرض علامات العض على جسدها. بعدها اتصل بي زوجها ليرى إن كنتُ أريد أن أكتب عن هذه التجربة المروّعة.

أخبرته بأنني سبق وفعلت، لم تكن المرة الأولى التي شعرت فيها بأنني مأخوذ بالحياة الحقيقية، وأستبعد أن تكون الأخيرة.

يقول بعض الروائيون بأنهم يحسدون هؤلاء الذين يعيشون في جنوب فلوريدا لأن مصادرنا للمواد مدهشة وغريبة. هذا صحيح، ولكن الخسارة هي أن مخيلتنا تجف. في أيامٍ عديدة تبدو الكتابة الخيالية مثل مهمة عقيمة. الاختلاس من الصحف لم يعد كافيًا، الآن يجب أن نتنافس معها. كمثالٍ حي، الملحمة الغريبة للصغير إليان غونزاليس، والتي مزقت قصص توم ولفي، كورت فونيغرت، وغابرييل غارسيا ماركيز!

صبي كوبي صغير يفرّ للولايات المتحدة الأمريكية على قارب إبحار صغير، مع أمه ولاجئين آخرين. القارب يغرق، أمه تختفي، ويعثر على الصبي بعرضِ البحر، محميّ من قبل الدلافين الودودة (ليست ودودة بمبالغة، كما سيذكر الأقارب لاحقا).

قامت جمعية ميامي للمنفيين باحتضان الصبي، مثل مسيحٍ مخلّص من نظام كاسترو، مبارك بالتجليات المقدسة لمريم العذراء وحتى دايان سوير، واقفة على رأسها. في تلك الأثناء، بالعودة إلى هافانا، كان الطفل هو الجندي المفقود للثورة، تشي غيفارا صغير، مبتهج بين الحشود من أصحاب قمصان الـ تي شيرت والطرق السريعة.

والد إليان يريد عودته إلى كوبا. الأقارب في ميامي لن يسمحوا له بالذهاب. المتظاهرون يحاصرون البيت ويقسمون بمنع أي محاولة لاستعادة الطفل، رغم أنه استقبل زيارات من غلوريا إستيفان، آندي غارسيا ومشاهير آخرين. وبمجرد ما نامت المدينة المتوترة، اختطف الصبي من قبل عملاء فدراليين وأعادوه بالطائرة إلى أبيه. في اليوم التالي، من معسكر ميامي: “نظرية إليان الثانية..”

لا أستطيع أن أخبركم كم مرة سئلت إذا ما كان إليان سيظهر في كتابي القادم. التحدي شاق جدًا، وليس ذلك لأن دراما الحياة الحقيقية تفنّد الكاتب الساخر، بل لأن الحياة الحقيقية كاتبة ساخرة.

أنظر فقط، من الذي يتحدث في المؤتمر الصحفي: واحد من درزينة المحامين ذوي الأجرة العالية، تم استئجاره ليمنع والد إليان من استعادة حضانته. لماذا؟ إنه ليس مختلفا عن كندل بي. كوفي، النائب العام الأمريكي سابق الذكر، عضاض الراقصة المتعرية المزعوم!

كم هي الأمور ملتوية وسريالية بشكلٍ لذيذ. في السابق، كان يمكن أن تصنع منها مشهدًا عظيما في رواية مضحكة، ولكن ليس الآن. إنها حقيقية جدًا لتكون جيّدة.

————

* مخرج، وسيناريست، ومنتج، ورسام، وفنان كرتوني، وملحن، وفنان فيديو، ومؤدي أمريكي. حصل على ثلاثة ترشيحات لجائزة الأوسكار لأفضل مخرج عن أفلام الرجل الفيل، ومخمل أزرق، وطريق مولهولاند.

نشرت في آراء. 

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *