سول بيلو: لأننا نستطيع القراءة، فنحن نتعلم الكتابة أيضًا

ترجمة: موسى بهمن
أنا لا أتشتت عندما أشاهد فيلم "جزيرة الكنز" أولاً، ثم أقرأ الرواية بعد ذلك.

أنا لا أتشتت عندما أشاهد فيلم “جزيرة الكنز” أولاً، ثم أقرأ الرواية بعد ذلك.

 

عندما كنت يافعاً “أكتشف الثقافة”، كنت دائماً ما أتخيّل، كم سيكون الوضع جميلاً لو كان كل من في الشارع يعرف بروست وجويس، أو ديفيد لورانس أو باسترناك أو كافكا. لاحقاً، تعلّمت كيفية المقاومة في سبيل تثقيف هذا المجتمع الديمقراطي.

عندما كان لينكولن شاباً يقطن قرب الحدود قرأ لبروست وجويس، شكسبير والإنجيل أيضاً، ولكنه أصبح لنكولن.

لاحقاً عندما تنقّلت مسافراً بواسطة السيارة، الحافلة أو القطار، حرصت على زيارة مكتبات المدن الصغيرة وكنت أصادف قرّاءً يتصفحون كتب بروست وأتالو سفيفو وآندري بيلي، وكتب لورانس الذي كان من المفضلين في ذلك الوقت. حينها تولّدت رغبتي للمثابرة المجتمعية في سبيل البحث عن الثقافة العالية في الأماكن غير المتوقعة.

قضيت قروناً عديدة في كتابة الروايات الخيالية، ومنذ البداية اكتشفت بأن هذه المهنة مثيرة للريبة.

في عام 1931 قال لي جاري العجوز في شيكاغو بأنه قام بنشر رواية خيالية. “يتساءل الناس في الجوار لم لا أحصل على عمل، كانوا يرونني دائماً أتسكع في الجوار، أشذّب الأشجار أو أطلي السياج. حسناً، أنا كاتب، بعت روايتي لدار (آرجوسي) للنشر.” ثم أضاف بحزن “لا يسمّون هذا مصدراً للعيش”.

لقد لاحظ على الأرجح أنني صبيّ مولّع بالقراءة، مؤهل لتفهّم مشاعره والتعاطف معه، أو ربما كان يحاول تحذيري لأتجنب أن أصبح شخصاً غير مرغوب به. ولكن تحذيره كان متأخراً. منذ البداية، أيضاً، كنت أشعر بأن العمل الروائي هو أحد أوجه الموت.

أوسوالد سبنجلر، من أكثر الكتّاب شعبية في بداية الثلاثينيات. قال “إن مجتمعنا المسن المُتعب كان قريباً جداً من النجاح.” ونصح جيل الشباب بتجنّب الآداب والفنون واعتناق المجالات الإنتاجية والهندسية بدلاً من ذلك.

إن رفضتَ أن تصبح انساناً عديم الجدوى، فأنت تتحدّى وتصارع المؤرخين النشوئيين. كنت أكنّ الكثير من الاحترام لسبنجلر في شبابي، لكن حتى في حينها لم أستطع أن أوافق على استنتاجاته هذه.

بعد 60 عاماً، في عدد حديث من صحيفة “وول ستريت” طُرِحت نظرية سبنجلر بشكل جديد. تيري تيشاوت، على العكس من سبنجلر، لا يغرقنا بجبال من النظريات التاريخية، لكنه يفكّر في دلالاتها، يفحص ويتأمل الوقائع. تحدّث تيري تشاوت عن “الثقافة المتشظيّة”، وهو مسؤول عن هذا الرأي المدروس بعناية.

طرح موضوع “الأشكال الفنية كالتكنولوجيا”. قال بأن الأفلام السينمائية ستكون قريبا “قابلة للتحميل” – ويكون ذلك عبر نقلها من حاسب آلي إلى ذاكرة جهاز آخر. وتنبّأ بأنه سيتم تسويق الأفلام مستقبلاً مثل الكتب.

صرّح بأن قوّة التكنولوجيا الساحرة، ستنقلنا إلى عتبة العصر الحديث، وأخيراً قال: “عندما يحصل هذا، أظن بأن الأفلام المستقلة ستأخذ مكانة الرواية كوسيلة رئيسية لرواية القصص في القرن الواحد والعشرين”.

لتأكيد هذه الجدلية، سوف نستشهد بالانخفاض الخطير في مبيعات الكتب مقابل الحضور الهائل لجمهور السينما. “بالنسبة للأمريكيين دون الثلاثين عاماً، الفيلم حلَّ محلّ الرواية كشكل يسيطر على الذوق الفني.” بينما، “آخر مسلسل أنتجته قناة NBC شاهده ما يقارب الـ42 مليون مشاهد.”

لأسباب عديدة، الأفلام تربح ضد الروايات. قال تيشاوت: “قدرة الروايات على تشكيل الحوار الوطني قد تلاشت.” لكنني لست واثقاً من أن روايات مثل “موبي ديك” و “الحرف القرمزي” قد أخذت بعين الاعتبار مسألة التأثير في “الحوار الوطني”.

رواية “كوخ العم توم” هي التي أثّرت على المجتمع كافة. “موبي ديك” كانت رواية ذات شعبية محدودة.

كنت أشعر بأن العمل الروائي هو أحد أوجه الموت.

كنت أشعر بأن العمل الروائي هو أحد أوجه الموت.

أعظم الأعمال الفنية في القرن العشرين، كانت لأكثر من سبب، عمل روائي تمت كتابته بلا تفكير في الجمهور الغفير. روايات جويس وبروست كتبت في فترة ركود ثقافي، ولم يكن من المتوقع لها أن تُقرأ هكذا، بانبهارٍ تحت أضواء الشهرة.

 مقالة تيشاوت في “جورنال”، سلكت المسار الذي سلكه كل المراقبين الذين يهدفون لاكتشاف الخلل وعلاجه. “استناداً على إحدى الدراسات، فإن 55% من الأميركيين يقضون أقل من 30 ثانية لقراءة أي شيء.. قد لا تكون التربية الخاطئة هي المتسببة في تفضيل الأفلام على الروايات، بل لأن الرواية تقنية فنية عتيقة.

“لم نعتد على التمعّن في الأنماط الفنية كتقنيات، لكنها الحقيقة، والتي تعني بأن الذين سبقونا قد أفنوا حياتهم في سبيل تطوير هذه التقنيات.”

مع هذا التشديد على التقنيات التي تجذب العقول الشابة، هنالك مفضّلات أخرى أكثر تميزاً؛ فمن الأفضل أن تفعل مثل ما يفعل الأغلبية من أقرانك. أن تكون واحداً من ملايين يشاهدون فيلماً، أفضل من أن تكون مجرّد قارئ بين بضعة آلاف يقرؤون كتاباً. فضلاً عن ذلك، فالقارئ يقرأ في عزلة، بينما المتفرج ينتمي للأغلبية؛ فهو الذي يمتلك القوى غير المحدودة، تماماً كقوى الصناعات.

أضف إلى ذلك أهمية تجنّب طغيان التكنولوجيا على التفكير الفردي، وجاذبيتها في الإجابة على تساؤلاتنا بشكل موثوق به أكثر من التفكير الشخصي، مهما كان هذا الشخص متميزاً.

جون شيفر، أخبرني منذ أمد طويل، بأن قرّاء رواياته هم سبب استمراره، يراسلونه من كل أنحاء البلد. عندما كان يعمل، كان حريصاً على القرّاء، وبشكل خاص الذين يقطنون المناطق البعيدة في الغابات والأدغال، “إن لم أستطع تصوّرهم، سأكون قد هلكت”

الروائي رايت موريس يلحُّ عليّ كثيراً لأقتني طابعة الكترونية، قائلاً بأنه نادراً ما يطفئها: “عندما لا أطبع، استمع للكهرباء. فهي تبقى برفقتي، وبيننا حوارات مشتركة.”

أتساءل كيف استطاع تيشاوت المحافظة على نظريته الفذّة “الأشكال الفنية كالتكنولوجيا”. من الممكن أنه أراد تقديم الحجج لهذان الكاتبان اللذان عزلا نفسيهما عن ” تفشّي التأثير الثقافي السيئ”. لدى تيشاوت -على الأقل- غاية محمودة: إذ يعتقد بأنه يبحث عن طريقة يجمع من خلالها الجمهور الكبير للأفلام، بالجمهور النوعي المحدود. فهو على كل حال لا يهتم سوى بالملايين: ملايين الدولارات، ملايين القرّاء، ملايين المشاهدين.

قال تيشاوت: ” الشيء الوحيد الذي يقوم به (الجميع) هو الذهاب لمشاهدة الأفلام. ” وكم هو محق في ذلك.

لنسترجع قليلاً حياة الأطفال في عشرينيات القرن الماضي، خاصة الذين تتراوح أعمارهم ما بين 8 أعوام أو 12 عاماً، يصطفون أيام السبت لشراء تذكرة مصنوعة من النيكل، حتى يشاهدوا أزمة الحلقة الماضية تُحلّ. كانت البطلة مربوطة على سكة حديدية قبل ثوان من وصول القاطرة التي ستدهسها، ثم يأتي جزء جديد.

لا توجد أوجه للمقارنة بين المشاهد والقارئ، فلا أحد يشرف على قراءاتنا. نكون مُلكاً لذواتنا. بأنفسنا نصقل أنفسنا. نجد أو نختلق حياة عقلية ومُتَخيَّلة.

لأننا نستطيع القراءة، فنحن نتعلّم الكتابة أيضاً. أنا لا أتشتت عندما أشاهد فيلم “جزيرة الكنز” أولاً، ثم أقرأ الرواية بعد ذلك. لا شيء يضاهي تركيزنا.

من أكثر الأمور جاذبية وغرابة في الولايات المتحدة، هي أن الأقليات لدينا متعددة، وضخمة جداً. إن أقلية تتكون من ملايين، ليس شيئاً مُستغرباً جداً، لكن في الحقيقة هناك الملايين من الأمريكان المثقفين في حالة انفصال عن الآخرين الذين يشبهونهم. وهذا الحشد الكبير من القراء، قرّاء جون شيفر مثلاً، لا يمكن إخفاءهم بين شجيرات الغابة. الأقسام الأدبية في أنحاء البلاد لم تفلح في إبعادهم عن الكتب، والأعمال القديمة والحديثة.

أنا وصديقي كيث بوتسفورد شعرنا بأنه إذا امتلأت الغابة بقرّاء ضالّين، فعلى الأرجح سيكون بين هؤلاء القراء كتّاب جيدين. لتحليل وجودهم وتفصيله ليس عليك سوى أن تنشر مجلة مثل “جمهورية الحروف”. تقدّم التشجيع للقرّاء، كتّابها غير معروفين، وغالباً بلا أمل، ثم قم بنشرها.

إحدى القارئات كتبت عن صحيفتنا “بمحتويات حديثة كهذه، وبتعدّد الكتّاب” فهي “حقيقية، غير مصطنعة، غير متشتتة.” لم تكن ثمة إعلانات تجارية على صفحاتها، فتساءلت القارئة “هل هذا ممكن؟ هل تستطيعون الاستمرار هكذا؟” ونعتت هذا الشيء بـ” دواء لتقلًص الكيان الإنساني بداخلنا” ثم أضافت في خاتمة مراسلتها لنا “حريّ بالأجيال السابقة أن يتذكروا ما الذي اعتدنا عليه دائماً وما الذي نحتاج أن نكونه.”

هذا هو الذي كنت أنا وكيث بوتسفورد نأمل تحقيقه في “صحيفتنا الشعبية الأدبية”. كنا ثنائياً من المثالية والغرابة، التي شعرنا من خلالها بأن مهمتنا هي الأدب.

لم تكن ثمة طريقة لتخمين عدد القرّاء المستقلين. ثم إن المبادرات الفردية للخبراء ولمحبي الأدب الناجين في مناطق مختلفة من البلاد، والأدلة القليلة التي لدينا تشير إلى أنهم سعداء بالعثور علينا، إنهم ممتنون، ويريدون أن نكثر من المواد التي نقدمها. التكنولوجيا المبتكرة فشلت في توفير ما هم بأمسّ الحاجة إليه.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *