روسل بانكس: الكتابة أنقذتني من الجريمة

ترجمة: نداء غانم
الأدباء يشبهون كثيرا رجال العصابات

الأدباء يشبهون كثيرا رجال العصابات

في إحدى ليالي أوائل مارس في بوسطن، وبينما كنت أقوم بجولة للترويج لروايتي التي صدرت حديثا، حظيت بفرصة قراءة مقاطع منها على المسرح عبر الشارع المؤدي لمكتبة زاوية كوليدج في عام 1961، ومع ذلك لم أكن سعيدًا، فقد عينت حديثا كموظف شحن لنقل البضائع إلى الطابق الأرضي. امتلأ المسرح بالأعداد الغفيرة التي حضرت لي خصّيصًا، حدث هذا منذ سنوات طويلة، أما الحدث الأعظم لي فكان عودتي منتصرا للوطن.

ذكرت ذلك للجمهور قبل البدء بالقراءة، ربما لإضفاء أجواء حميمة بيني وبين جمهوري، وقد يكون إرضاء لذاتي. حقيقة لا أعلم.

بالعودة لشتاء 1961، وفي الواحد والعشرين من عمري كنت منقطعًا عن الدراسة، أحلم بأنني كاتب، أقطن في باك باي ديميموند مع الشعراء والمحتالين والفنانين ومدمني المخدرات والموسيقيين. لقد كان توجهي أدبيا، مع أنني لست بذلك المتعلم، كونيٌ، متأخر في الوصول، مع شعور بأني نكرة. كنت مكتئبا، ومحتجزا في حجرة بالطابق الأرضي مثل بارتليبي في سكريفينر1، وأفر من انهيارعصبي يستهدفني.

في ذلك الوقت كل ما كان يقلقني هو أنني غير قادر على الذهاب للعمل اليوم، وغدا أيضا ينتابني نفس الشعور وهو عدم الرغبة في العمل، وهكذا حتى أصبحت بلا وظيفة. والمال القليل الذي بحوزتي صرفته بسرعة وحماقة. وهكذا تغيرت حياتي بأكملها، حتى بدت بائسة وفارغة، وأنا الفاشل الذي لم يحاول حتى البدء من جديد.

ذات صباح غائم أدركت أن كل ما أحتاجه هو العزلة والوقت وأشعة الشمس! ولكي أكتب كان يجب أن أصبح محترفا. شيكاتي المرتجعة والعاصفة الليلية القوية التي ضربت قبالة سواحل فلوريدا دفعتني قسرا للبقاء في المدينة وعدم مغادرتها، وانتهى بي المطاف في كيت ويست مستأجرا غرفة مهترئة في مبنى قديم لأكتب أولى قصصي القصيرة المستوحاة من طبيعة كي ويست وعن أحد مواطنيها بابا همنغواي. هكذا بدأت أولى خطواتي في عالم الكتابة.

هذا ما قلته لجمهوري في بوسطن، ثم انصرفت لقراءة بعض المقاطع من روايتي لأجلس بعدها لتوقيع كتبي. وحين أوشك طابور المصطفين للتوقيع على نهايته، اقترب مني رجل أشيب الشعر بوشم لزاحف أعلى ساعده وبقبعة على رأسه، انحنى على مقربة من طاولة التواقيع وقال لي بصوت منخفض: “روس الفاتنة لاتخضع بالطريقة التي ذكرت”.

ميزته على الفور، بدا لي رجل عصابات من الماضي البعيد ضيق الأفق، ثم عرفت أن اسمه جوكو. “هل تريد أن تعرف متى اختبرت ذلك، حين عبرت الشارع في تام. لكم كنت أريد الحصول على توقيع، هلا شاركتني الشرب؟”، وعلى ما اذكر كان مختصا ببيع الماريجوانا وتحصيل الديون التي ارتبطت بممارسة العنف الجسدي على الاخرين.

لا أخفيكم كنت خائفا نوعا ما من جوكو، ولكن بسبب ذكائه وروح الدعابة التي تنطوي على نوع من التهكم والتي اكتسبها من معيشته في الشارع فقد تغلبت على خوفي، لا بل أصبحت أشاركه التهكم.

بدا جوكو غير مكترث بما يدور حوله، بينما أنا مغلوب على أمري، قلت بعصبية: ” أنا سأجهز الشيكات وما عليه سوى جمعها بحرص.”

قلت له: “واو جوكو، ماذا تفعل هذه الأيام يا رجل؟”.

“قليل من هنا، وقليل من هناك.” قالها باسخفاف. “تماما كالعادة.”

حين نلتقي شخصا من الماضي البعيد، تستعيد كل تفاصيل الماضي.

مع الأيام تركت المسرح، بسبب تلك الفتاة التي هجرتني من أجل آخر، وهو ما دفعني لمغادرة بوسطن، ليس طمعا في ترميم روحي بل من أجل ألا أذرف دمعة واحدة على امرأة غدرت بي وارتمت في أحضان غيري. كانت فتاة جامعية تضج بالحياة من فيرجينيا، وعلى مدى ستة أشهر دأبت على التسلل من فراشها في مسكنها لتشاركني النوم في فراشي في الطابق الأرضي وحياتي الليلية في الشوارع. معا حلمنا بالزواج وإنجاب الأطفال، ولكنا لم نكن بالغين كفاية لتنفيذ ذلك، فقد كنا أنفسنا صغارا في الخمسينات، الأمر الذي لم يعِقنا عن الاستمتاع معا.

لم يكن مستهجنا عدم تقبل أهلها لحبيبها الجديد على الرغم من مدحها له أمامهم، حتى أنا لم أتقبله. بدت الحقيقة الواضحة والمؤكدة أن حيرة اشتعلت في داخلها، هل تتبع قلبها أم عقلها؟ لذلك هجرتني واختارت سليل العائلة العريقة، وابن هارفارد الأصيل الذي سيضمن لها مستقبلا يتناسب مع تاريخ سلالته العظيم. في الوقت الذي كنت فيه بلا ماض ولا مستقبل.

كان يتجدد شوقي إليها كلما مررت من طريق شارع بروكلين من المسرح إلى تام مع رذاذ المطر في فصل الربيع، فتتمثل أمامي بشعرها البني الطويل ووجهها البيضاوي الملائكي الذي يشبه الوجه الفيكتوري المنقوش على البروش الشهير في ذاك الوقت. كانت تعزف على الجيتار وتغني الأغاني الشعبية في المقاهي، ثم ترقد بسلام لم أجد له نظيرا.

مهما تأخرنا في السهر ليلا، كنت أسيقظ فجرا لأفكر مليا، وأحدق بنافذة غرفتي الفاتمة والبائسة المطلة على خليج باك، والتي تلقي بظلالها علي. وحبيبتي التي كانت تغرق بأحلامها الفنتازية حتى الظهر ثم تستيقظ براحة وسعادة تامة لتجدني بجوارها في حياة أبسط ما يمكن وصفها به أنها ساحرة. وهذا ما كنت أفتقده.

قال جوكو: ” يا رجل، أنت تبكي على تلك المرأة، ولا تعرف ماذا تفعل؟ وقد تعبت جدا من ذلك، لذلك غادر أوتوا في بوسطن، وابدأ من جديد في فلوريدا.”

وأضاف:” أتذكر، لقد كنت عائدا لتوي من فلوريدا. مطرودا من كوبا لأنني اشتركت في محاولة للعمل في تجارة الرقيق الأبيض. وتذكر عندما كنت حارسا شخصيا لروز لي روز2.” لا أحد سيناديني بطفل في عمر الثلاثين. “وظننا أننا وصلنا إلى ما نريد، غير أن روز كانت قد بدأت تكبر في السن. ثم ماذا بحق الجحيم؟ هؤلاء الشيوعيون لن يميزوا الفرق أبدا.”

كان جوكو أول من قال: “اتجه جنوبا، أيها الشاب” وليس همنغواي. وكان قد زودني بأسماء زملائه في الجماعات المسلحة العاملة في اسلامورادا التي تساعد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية C.I.A. التي تدرب الكوبيين للسيطرة على خليج الخنازير، وبعض زملائه في كي ويست الذين دأبوا على التسلية البريئة، وتزويد البحارة الأمريكيين بالعاهرات ولعب الورق. كل هذه الذكريات عادت لي الآن.

لقد كنت بمثابة مراقب لك أيها الطفل، معلّمك. ولكن يا رجل، كنتَ ساذجًا، ساذجًا جدا للتعلّم، إذا أردت الحقيقة. كما أنك رومانسي جدا. لم يكن الأدب هو السبب في أن تخسر وظيفتك في متجر الكتب، بل السفر. أذكرك عندما كنت تتنقل خارج البلدة بحقيبة الظهر وسكين سخيفة على حزامك وكنت أفكر في جعل هذا الطفل مرتبطًا بإرسالك إلى الشباب الذين يحملون أسلحة متطورة بينما أنت حصلت على مجرد سكين في حزام.

لقد فكرت في ذلك مسبقا ولكن جوكو قالها ” إنه لأمر جيد أنك أصبحت كاتبا أيها الطفل فقد كنت لتصبح رجل عصابة خسيس.”

لقد كان على حق بالتأكيد، بالنظر إلى الوراء يبدو واضحا أن الكتابة أنقذتني من عالم الجريمة. لم يكن لدي خيارات كثيرة. بالتأكيد لم أكن لأشق طريقي خارج قبو متجر الكتب. ولم أكن لأتزوج من فتاتي وأصبح رجل مبيعات، مدير متجر الكتب ما هو إلا قائد مؤثر في ارتفاع صناعة بيع الكتب.

لقد كنت حقا مثل باتلباي ذا سكريفنر وليس ستيفان داديلوس وليس همنغواي الشاب. وإذا اتجهت إلى الجريمة سأكون غير كفء وفاشل وسوف ينتهي بي المطاف في السجن أو قتيلًا في عمر صغير جدا حتى لرجل عصابات.

سألت جوكو: “لماذا يرافق هؤلاء الأدباء والموسيقيين والشعراء؟”، وقلت له: “لقد كنت رجلا مخيفا”. قال: “صحيح، إن الأدباء يشبهون كثيرا رجال العصابات، فهم جميعا يعلمون أن ما يؤمن به الجميع هو عبارة عن كذبة”

وقد كان محقا في ذلك أيضا.

1 Bartleby the Scrivener (1853) قصة قصيرة للروائي الأمريكي هيرمان ملفيل عن موظف يعمل في وول ستريت
2 Rose La Rose (1919-1972) ممثلة وراقصة تعري أمريكية، اسمها الأصلي روزينا ديبيللا

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *