روزلين براون: نقاط ضعف الشخصيات تبني قوة العمل الأدبي

ترجمة: ناصر البريكي مراجعة: أحمد بن عايدة
متى ما بدأت الشخصية تصبح شائكة.. تبدأ بإثارة الاهتمام

متى ما بدأت الشخصية تصبح شائكة.. تبدأ بإثارة الاهتمام

 قبل سنوات عديدة، تحديدًا بعد أن نُشِرَتْ روايتي الأولى، السيرة الذاتية لأمي، كنت أتناول العشاء في كامبردج، ماساتشوستس، مع صديقي المحامي. في الحقيقة، كان محامٍ للحريات المدنية، حليمًا جداً، فقد استشرته أكثر من مرة بعددٍ من نقاط القانون بينما كنت أكتب كتابي ذاك، حيث كانت الأم نفسها في العنوان محامية حريات مدنية. رافقته للمطعم صديقة له، امرأة حديثة التخرج من مدرسة هارفرد للقانون. وخلال الحديث، تبيّن لهما، بطريقة ما – ويبدو أن الكتّاب يحرصون دائمًا على أن يبين هذا الأمر- أني قد نشرت رواية.

عندما صرّحتُ بعنوان كتابي للسيدة الشابة، رأيت كيف ارتسمت الخيبة على وجهها. ومن الواضح أنها لم تخبر الكُتّاب بشكل كاف، فتدرك أن مهنتنا علمتنا أن نكون شرهين ودقيقين بشكل مزعج في قراءة ردود الفعل؛ فنانو التلميحات، وما من مكانٍ يمكن لكم، كجمهور، أن تختبئوا فيه. لذا فقد كان من الواضح أن كتابي لم يحظَ بتقدير هذه السيدة الشابة. فصارت تتخبط وتردد بعض الصفات المبهمة للغاية وغير المرتبطة بالموضوع، والتي أظن أنها كانت تعني بها مدحاً. كانوا بشكل واضح بعيدين عن قلب المسألة، وبعيدة عنها وعني.

في الأخير قلت لها “واضح أنك لم تستمتعِي بكتابي كثيرًا” وسألتها عن السبب. وذلك لأمر فظيع أن تأتي به على أحد. قبل ذلك كنت قد افترضتُ افتراضًا بسيطًا للغاية. وهو أنها كمحامية، ربما وجدت المتعة في رؤية محاميتي بينما تعمل، فتتيح لها فرصة التطفل على الظنون ذاتها، وتشريح التعقيدات التي عايشتها.

لكن جوابها: رغم ترابطه، لامس وترًا مختلفاً جداً. بعد تجاوزها ما استهلت به من إحراج كوني قد غمرتها بسؤالي على حين غفلة -لا، لم يعني ذلك أن الكتاب راق لها، بل مجرد أنها لم تتوقع أن شعورها قد بان لي، قالت: “حسناً، انظري، أنا محامية أيضاً وامرأة مثل شخصيتك، ولكن..” صار تعبيرها أكثر إلحاحًا كما لو أنها أحكمت يدها على ذراعي “..الكتاب لم يساعدني. لم يخبرني كيف عليّ عيش حياتي”

براءة خيبتها فتنتني. أنا نفسي، خالقة هذا الكتاب، ظننت بأني كنت أعالج هذا النوع من العقد، مثل العلاقة الأزلية بين الأم وابنتها، مظهرةً أكثر من رؤية فريدة ومحددة للتاريخ، وجه الإختلاف بين الحادث ونية الحدث، سؤال أين يمكننا صبّ كلٍّ من المسؤولية واللوم للوصول إلى حالة الرضا في الحياة، خاصة عندما تشعر الأم والإبنة بهذه المسؤولية.

إنه كتابٌ عن أمٍّ ذكية، صعبة وصارمة، وعيها الإجتماعي أكثر نضجًا مما نسمّيه “مهارات الأمومة”، وعن طفلتها، الزهرة الذابلة، الفتاة التي عاشت حياتها في ظلّ هذه المرأة الثقيل. في النهاية، عندما تتصارعان حول تربية طفلة الفتاة، كلاهما يخسر.

كذلك كنت أرجو أني قدّمت بشكل ملموس ومحسوس مجموعة خاصة من الحيوات في زمن ومكان محددين، حيث يواجه كلاهما عدة مآزق أخلاقية. وأني أنجزت ذلك بشكل مقنع. وربما، لو كنت محظوظة، تمكّنت من جعل أصواتهما مؤثرة. لكن ما حصل هو العكس. ذُعرت عند اكتشافي أن هناك قرّاء تناولوا روايتي بذلك الجوع اليائس لتقويم حياتهم، الذي يبحثون عنه في “التفوق بذكاء على الخلية الأنثوية السمينة” أو “النساء الذين يتخذون قرارات سيئة”. إذا احتاج أيٌّ من الناس إلى كتب الكيفية ليضعوا أرواحهم في الطريق المستقيم والضيق، فهي شخصياتي الناقصة والضائعة.

كروائية، بدى لي كافياً أن تدرك التساؤلات ثم تقدّم رجالاً، ونساءً، وأطفالًا مميزين تنوّرهم معارف إنسانية لا إلهية، فتكون كتذاكر البيسبول الموسمية، غير قابلة للمبادلة. “انظروا كيف تعيشون حياتكم يا أصدقائي”، قال تشيخوف، الذي لم يكن حقًا قد استقبح أفعالهم ، لكن في الوقت ذاته لم يشح نظره، “كم هو مثير للشفقة أن تعيشوا بهذه الطريقة”.

ومع ذلك عندما تنتهي من مشاهدة إحدى مسرحيات تشيخوف أو تقرأ إحدى قصصه، تكون قد تعرفت على أشقّاء وشقيقات في الحيرة والأمل، وفي عزلتك، قد يقلل ذلك من الشعور بالوحدة. أجد صعوبة في تخيل أنه ما زال بإمكاننا تمثيل مسرحية لتشيخوف أو قراءة إحدى قصصه ونجد أن شخصياته لا تزال تتفوق علينا في كونها أكثر انشغالًا، وابتهاجًا، ودهاءً مما نحن عليه في وقتنا الحاضر. لكن الكثيرين منا ليسوا جائعين بالقدر الكافي ليعتبروا الكاتب مستشارًا إرشاديًا: نحن نشبه خريجة جامعة هارفارد للقانون هذه، في أننا لا نتوقع من الرواية أن تكون بمثابة خريطة ذات اتجاه واحد حيث تقودنا بأمان عبر أراضي النفس المجهولة. بالنسبة لي، كل القراءات هي قراءة للهروب. أن أقوم بانتحال حياة شخصيات الأدب الأكثر إثارةً، في احتياجاتهم، وحماسهم، والتغييرات التي تحدث لأفكارهم، هو أن أتحرر من ذاتي المألوفة لبرهة من الزمن، أن أخوض أكثر العلاقات حميمية مع أشخاص يثيرون اهتمامي فقط لأنهم ليسوا أنا.

وما يثير جنوني هي تلك العادة الدارجة عند الكثير من القراء، بنت الحاجة الملحّة في العثور على نماذج للإقتداء بها. كل من حضر أندية القراءة صادفها، ناهيك عن تعرّض الكتّاب منا، من فترة إلى أخرى، لنزوات المراجعين والنقاد غير الصبورين. إنها الجملة التي تبدأ على وجه التقريب “أنا لم أحب الكتاب لأن (أ) كان مزعجاً”. أو “آه، لم أُكملها، عندما قام (ب) بـ (ج)، رميت الكتاب عبر الغرفة”. (بعض القُراء شغوفين، ويملكون روح رياضية فيما يحبون أو يكرهون).

مع العلم أن شخصياتي ليست فذّة في عفتها، فإنها أحياناً تقوم باتخاذ قرارات مريعة، فأفضّل أن يكون جوابي (لو منحني المتشكي فرصة الإستماع إليّ) “قل لي شيئاً لا أعرفه”. فلقد قمت بخلق الشخصيات، بعثت فيهم الحياة، ووهبتهم مشاكلهم. ومقابل هذا المجهود، لا أريد معرفة عما إذا نال ذلك رضا قرائي أو لا، كما هو الحال مع جماعة الرقابة، بل بالأحرى “هل هذا الفعل أو التصرف يبدو معقولاً بالنسبة إليك؟ هل يحاكي واقعاً تستطيع أن تميّزه؟”

لأنه بالنسبة لي متى ما بدأت الشخصية تصبح شائكة، تبدأ بإثارة الإهتمام. هل نرفض (لير) لأنه لم يتقن التصرف مع لحظته المصيرية؟ هل ندين (غوروف) في قصة تشيخوف “السيدة والجرو الصغير” لأنه شخص فاسق، وزير، ومنافق، مذنب بغواية امرأة بريئة متزوجة لعلاقة غرامية من المحتمل أن تسبب كماً كبيرًا من الألم للكثير من الناس؟ على الرغم من أن شخصية جين أوستن (إليزابيث) كانت تشرح الصدر، فإن شخصيتها الأخرى (إيما) لم تكن كذلك. تمامًا كما أن شخصية جورج إليوت (دوروثيا) لم تكن الأجدر في اتخاذ قراراتها الزوجية. وشخصية توماس هاردي (سو برايدهيد) في روايته (جود الغامض) قد جعلت تخيب آمال (جود) حتى مات، حرفيًا. وهلمّ جرا.

واضحٌ أنني لا أتكلم عن تصرف شنيع هنا: الشرير في “مذكرات من العالم السفلي”، أو القاتل في “الأمريكيّ المجنون”. أنا مهتمة بما أسميه التصرف السيء الطبيعي، النوع الذي كثيراً منا يلج فيه بشكل متكرر رغم حسن نوايانا.

إن قائمة نواقصنا الشعورية طويلة عند أغلبنا: ووحدها الروايات ذات الخيال الرومانسي، والأدب القوطي، والمعاصر، حيث يرتدي الناس ثياباً أفضل بكثير من التي نلبس، ويعيشون في مساكن بهيّة. فيخفي ذلك البثور والتجاعيد الشعورية، كما يطلى الجدار المشوّه بالألوان. أما الروائيين الجادين فإنهم يقومون بطلاء الجدار بطريقة ماهرة غير ملحوظة عندما يختمون الأحداث بصورة مثالية بعض الشيء، عندما يبلون شخصياتهم بتحديات فظيعة قادرة على ترك جروح عميقة في “الحياة الواقعية” ثم يقومون بالتربيت على رؤوسهم بحب عوضاً عن إلحاقهم بأي ضررٍ يبقى للأبد.

في روايتي الجديدة، “نصف قلب”، إحدى شخصياتي، ميريام، امرأة ذات بشرة بيضاء، والأخرى، فيرونكا، ابنتها المراهقة ثنائية العرق والتي فُصلت عنها بسبب سياسة قوة السود في ستينيات القرن العشرين. تدور القصة حول الغرابة والإرتياب اللذان كنّفا شملهما بعد فراق ١٧ سنة.

قامت احدى أولى الناقدات بإدانة الشخصيتين لفشلهما في إنجاح هذا اللقاء الصعب بما يكفي من الكياسة. رؤيتهما، كتبت الناقدة، كانت مثل رؤية قطارً شعوريّ يتحطم. فوجدت نفسي مجيبةً “لقد عملت باجتهاد في تهيئة ذلك القطار للتحطم. فقد اضفت المفاجآت على طول المسار، أحوال جوية غير متوقعة، ثقة ناقصة ومشاعر غير معترف بها. ما هي الغاية لو سارت جميع الأمور بأفضل حال؟ سيكون ذلك حلماً”. هناك أمل لهذه العلاقة في نهاية الكتاب، ولكنه ليس وعداً.

قال ناقد آخر أنه في أحد المرات أراد أن يرشّ ماءاً مثلجاً على شخصيتي ميريام ويخبرها أن تبحث عن وظيفة. جيد، أنا رغبت بفعل ذلك أيضاً. لماذا يصبح النقد على شخصية نقداً على الكتاب الذي يحتويها؟ حيث أن في الواقع، عيوب ميريام، هو أحد الأمور التي يناقشها الكتاب.

ميريام، ربة منزل في الضواحي، وناشطة سابقة، رضخت للسكون بشكل ميؤوس منه بعد أن خسرت طفلتها. أعتقد أن ذلك أفضل تعبير عن حالها. فهي بليدة، وهذا أقل ما قد يقال. ومصابة باكتئاب مزمن. راسية في حياة لم تنوِ اختيارها لنفسها، حياة أمها. لكن دون حيوية أمها وأسلوبها. لذا، بما أنني صممتها على هذا النحو، فإن عدم تحمّل القارئ لها ليس مفاجئًا بالنسبة لي. لو أني جعلتها تتلاءم مع وضعها منذ البداية لكانت بطلة، بينما في الواقع، أنني أقوم بمساندتها في خطواتها المؤلمة الأولى نحو فهم الذات.

علاوة على ذلك، في أواخر السبعينات، شوَّه الروائي المحبوب والناقد (جون جاردنر) غاية الأدب القصصي، بقوله أنه يتوجب أن يحمل على عاتقه ثقلًا أخلاقياً، وتوجيهياً. وقد قال عن الأدب المعاصر “هناك الكثير من الأنوار الخاطفة، ليس هنالك ما يكفي من الإحتجاجات أو الدروس الأخلاقية”.

واسترسل في قوله واقترح أن إذا كان الفنان لا يجد الرضا فيما اعتبره السعداء من الناس جيداً لقرون، كالأطفال، والكلاب (لست أمزح)، والسلام، والغنى، والراحة، والحب، والأمل والإيمان “إذًا لن نجازف بالقول أنه لم يبذل مجهوداً جادًا في التعاطف والفهم”. لقد نصحنا (جون جاردنر) بعدم منح انتباهٍ مستديمٍ للمُبتلى والبائس – وقد أطلق عليهم أسم غريبي الأطوار – لأن تبجيل الفريد، والذي لا يمكننا تفسيره، وغريبي الأطوار، هو، لو استمرّ الأمر، “أن نتخلى عن حقنا في أن نقول لأطفالنا، أحسنوا التصرف.”

إني أختلفُ معه كثيرًا. مجرد أن تتذكرالمرة تلو الأخرى كم هي الأمور صعبة – إدراك عقدة العالم التي لا مفر منها- يجعل المرء عاجزًا عن أن يكون قاضي أخلاقي بشوش. قد ينظم الكاتب فوضى حيواتنا قليلاً، مما يجعل تساؤلاتنا أوضح. لكن هذا لا يعني أن يوفّر الكاتب الأجوبة المختزلة أو الشخصيات التي دائماً ما تجيب “بشكل مناسب”.

لا أحمل شيئاً ضد الشخصيات المحبوبة، فإن هناك الكثير من الرائعين منهم في حياتنا، ولا يُستوجب على أي أحد أن يحيد عن حدوده وينكر أفضل مواصفات الشخصية مستقصداً أن يقال عنه “عنيد، صعب التجاوب”. لكن مهمتنا الأولى هي خلق مواقفَ مشوّقة، ذات معنى، وواقعية، وربما حتى عسيرة، ثم نضع شخصياتنا فيها ونرى ما سيحصل. قد لا يكون الأمر الذي كنتَ تتمنى حصوله، ولكن هو بالأحرى، بناءً على هوية الشخصيات، الطريق الذي وجب عليهم أن يسلكوه.

نادراً ما يكون لدي فكرة في كيفية تفاعل شخصياتي قبل أن يكونوا في الجزء الأصعب من الموقف، في محاولتهم للعثور على طريقة للخروج. إذا كنت أجبرهم على أفعالهم، فهذا يجعلني صانعة دمىً: إذا قمت بترك بنيتهم خشنة، وجعلت تجاوبهم واقعي إلى درجة خطيرة، فإني سأتجرّأ بالقول بأنني أملك شخصيات رنانة ومشوّهة ومغمورة بالتعقيد.

أعتقد أن أول الشخصيات الناقصين بصورة واقعية في عالم السرد كانوا في الإنجيل. وهناك قدر قليل لكن ثمين من الكمال في شخصيات التوراة. قد يُعاقب الفُسّاق، ولكن قلة منهم هي التي تصل إلى ما قد نسميه في عصرنا هذا الوعي الذاتي أو الإدراك الذاتي، ناهيك عن الشعور بتأنيب الضمير لهذه المعاصي. قصص ارتكاب الآثام، ابتداءً من آدم وحواء والأفعى، كانت دائماً أفضل بكثير، بل أغزر بوفرتها، من الروح التي لا يشوبها عيب، كوسيلة في توعية الجمهور على الوعي والتأمل.

– المصدر: نيويورك تايمز
– نشرت في آراء. 

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *