تجلسُ روائيًا، تنهضُ كاتبَ مسرح

ترجمة: أحمد بن عايدة
لم يخطر لي أبدًا أن تكون كتابة الروايات عمل كله شقاء.

لم يخطر لي أبدًا أن تكون كتابة الروايات عمل كله شقاء.

لم يخطر لي أبدًا أن تكون كتابة الروايات عمل كله شقاء. كان العمل الشاق عبارة عن الخوض في تجارة صيد السمك في مدينة نيو برادفورد أو غلوستر، أو قيادة شاحنة ذات ستة عشر عجلة. أما كتابة الروايات فهي تتعلق أكثر بالتعطش، وترجمة هذا التعطش إلى نثر، وبالقدرة النفسية على التركيز لفترات طويلة؛ أي القدرة على الجلوس منعزلًا في المكان ذاته لأيام عديدة.

كتابة الروايات تحمل شبهًا متواضعًا (جدًا) بمباريات الغولف. حيث تقوم بذرع المنحدرات جيئة وذهابًا، وتلعب بمهارة خلال فترات ما بعد الظهر السحرية، لتعيقها فترات أخرى من اللعب الرتيب والسيء، فتذكّر نفسك، في كل دقيقة، أن تثق بضربتك.

أشاح لاعبو الغولف المخضرمون وجوههم نحو الحائط عندما شاهدوا في التلفاز في شهر مايو الماضي لاعب الغولف كريغ ستادلر، البالغ من العمر السادسة والأربعين، بعدما كان يلعب بمهارة فاتنة من نقطة الانطلاق حتى الرقعة الخضراء الأخيرة، فإذا هو يخفق أربع مرات على التوالي في تسديد الكرة من مسافة قصيرة جدًا من الهدف. ليخسر المباراة أمام روبيرت ألينباي، الذي لم يبلغ سن الثلاثين بعد. وحتى أداء ألينباي لم يكن جيدًا سوى في الرقع الخضراء، حيث كانت تحتسب له النقاط.

انفطر قلبي لستادلر، بشعره الأشيب، ووجهه المحمر المرهق والمتبرّم للغاية، المتلهّف إلى أن ينتهي كل شيء. فقد استنفذ ستادلر مؤونته من التركيز بالكامل خلال الأيام الأربعة المتتالية في البطولة. وكان في حاجة إلى صرف انتباهه إلى أمرٍ سخيف أو مُقلق، أو إلى أي شيء في سبيل انتشال نفسه من المهمة التي بين يديه، ليتيح لنفسه أن يعيد النظر في جميع الأمور. فإن مسافة الخمسة أقدام التي تفصل كرة الغولف والحفرة قد جعلت تضطهده. (ومسافة الخمسة أقدام هذه بمثابة الجملة المثالية التي تختم بها فصلًا من رواية).

كنت أدعو بأن تهبّ عاصفة فظيعة في ذلك اليوم، فتتيح لستادلر ترك المباراة، وقضاء ليلة هانئة بالنوم، ليعود ويكمل المباراة في اليوم التالي. ففي الجهة الأخرى كان خصمه ألينباي متوازنًا كالميترونوم i حيث كان يختم فصوله على طريقة هنري جيمز في أيامه الأخيرة- مثقلةً بالرتابة.

لقد حاولتُ لعدة سنوات العثور على سلوى مناسبة، عمل إضافي أكثر من كونه هواية. مهنة لا تكون شاقة أو متعسّفة أو طويلة الأمد. حيث إذا بدت الجمل التي أكتبها على وشك الانهيار، حينها يمكنني اللجوء إليه على سبيل الهرب. إنه بمثابة ليلة ستادلر الهانئة بالنوم؛ غير أنه في حالتي، قد يمتد النوم لأسابيع. ولا شك في أن هذه السلوى، أيًا كانت، ستتطلب المال.

كنت على استعداد لتجربة جميع النشاطات تقريبًا. وفي الحقيقة، خطر لي أن يكون هذا النشاط عبارة عن قضاء يوم في مضمار السباق. فإذا تخليت عن فكرة “الحدس”، وعاينت الأمر جيدًا، وقمت بالمراهنة في جميع السباقات، فإن الحظ سوف يوافيك وتربح على الأقل تذكرة دخولك. وإذا كنت أكثر حذقًا، قد تكسب تذكرة رابحة، أو حتى جائزة الرهان الكبرى.

وصف أولادي هذا النشاط: “حيلة أبي لكسب المال في وقت قصير”. بينما كنت فقط بحاجة للخروج من المكتب.

لطالما ظننت أنه يمكنني إتقان التمثيل الصوتي، كما اتقنها ديڤيد ميكوله بجدارة في المسلسل الوثائقي “التجربة الأمريكية”. فأنا أمتلك ما يسمى بالصوت الجهوري الموزون. المتضرر قليلًا بسبب التبغ والويسكي الأسكتلندي، غير أنه جذّاب برغم ذلك. “هذا الصوت..” كنت أتصوّر أن يقول الآخرين “هذا الصوت، لقد كان موجودًا منذ القدم”. قمت بسؤال صديقة لي عما أستطيع فعله بهذه الموهبة المختبئة، وبعد أن استمعتْ إلى تسجيلٍ لصوتي، قامت باقتراح الإعلانات التجارية. ربما اعلان لعلاج مرض التهاب المفاصل، أو حرقة المعدة أو التوتر. وقالت مضيفة: على كل حال إن ميكوله بمأمنٍ من موهبتك.

ومن هنا وصلنا إلى باريس في شتاء فبراير ١٩٩١ بلونه الرمادي وأيامه الطويلة، في وقت كانت قيمة الدولار في انهيار. فكنت اتنقّل مع زوجتي من شقق سكنية باهظة الثمن إلى أخرى أغلى ثمنًا. وقد أنهيت الرواية التي كنت أعمل على كتابتها ولم أنوِ الشروع مباشرة في كتابة رواية أخرى.

فبدأت دودة السلوى بالزحف مرة أخرى نحو نتائج لا طائل منها. إذ قضيت وقتي بمشاهدة حرب الخليج على التلفاز، وزيارة المتاحف، ولم أهمل أي من هذه الوجبات الروحية التي أكون بحاجتها في نهاية اليوم. وفي إحدى هذه المرات اقترح صديقاي الألمانيان، دبلوماسي ومؤرخ، حضور مسرحية “الكمان الكبير” للكاتب الألماني باتريك زوسكيند سويًا، بمسرح هيبرت للفنون. كانت تربطهما علاقة صداقة بالمؤلف.

كتابة الروايات تحمل شبهًا متواضعًا (جدًا) بمباريات الغولف.

كتابة الروايات تحمل شبهًا متواضعًا (جدًا) بمباريات الغولف.

لقد أعجبت للغاية بروايته “عطر”. وكنت سأوافق على الفور لو كانت الظروف تسمح. فإنه لمن المثير أن يتبادل الكتّاب القبعات: شعراء إلى روائيين، روائيون إلى كتّاب مسرح. غير أن الظروف لم تسمح. فقد كانت مسرحية “الكمان الكبير” باللغة الفرنسية، ولم أكن أفقه اللغة. أما زوجتي فإنها تتحدث بالفرنسية عندما تتعامل مع السباكين، والكهربائيين، والأطباء، وأطباء الأسنان، وعندما تقرأ جريدة “العالم”. لقد كنت ذلك الشخص الذي يجلس في المقاهي ويستمع للأحاديث من حوله مخترعًا ترجماته الخاصة.

لا تقلق، قال الدبلوماسي. سنقوم نحن بالترجمة. وافق المؤرخ.

أصرّت زوجتي على أنني كنت أعرف اللغة الفرنسية أكثر مما أظن. en tout cas، ii يبدو أن الجميع سوف يشارك بترجمة عبارة أو كلمات مهمة يلقيها عليّ خلال المسرحية. يا له من وقت ممتع سيقضونه الجالسين من حولنا في المسرح. قلت في نفسي.

حضرنا مسرحية “الكمان الكبير” لـ باتريك زوسكيند في مسرح هيبرت للفنون. واتضح أنها مسرحية من شخصية واحدة تتمحور حول موسيقار وكمانه الكبير. جميع الأمور كانت على أحسن ما يرام، حتى جاءت الدقيقة الخامسة، عندما توقف السرد. لم تكن لدي أدنىّ فكرة عما كان يتفوه به الممثل چاكيس ڤيليري. فرحتُ أتصوّر أن هناك علاقة معقدة للغاية بينه وبين كمانه الكبير، وأن الأمور ليست على ما يرام.

كان الجمهور يضحك: زوجتي والألمانيان كانوا مسحورين. ولذا فقد أصبحت فكرة نجدتي بترجمة العبارات الواضحة والكلمات البارزة، منسيّة. فأصبحت هذه الدقائق بالنسبة لي مضجرة بحجم المحيط، حتى حصل فجأة أن انزلق ذهني إلى دنيا مختلفة تمامًا. وكما كنت أفعل في المقاهي، بدأت أترجم بطريقتي الخاصة. وبنفس السرعة المفاجئة، اختفى الموسيقار وكمانه الكبير. وظهر في أماكنهما مراسل صحفي وآلته الكاتبة.

مراسل صحفي بمنتصف العمر، كما كان الموسيقي، وآلة كاتبة بالية وعتيقة، مثلما كان الكمان الكبير. ويبدو أن بين المراسل والآلة علاقة عاطفية، فقد كانت تمثل مهنته الماضية نحو الجحيم.

وكان المشهد كما هو: كنبة، ومكتب، وطاولتان، وعدد من الكراسي المبعثرة، وخزانة كتب. غير أن باريس اصبحت سينسيناتي، وذلك لأني رأيت بعين نفسي ملصقًا معلقًا على حائط مكتبي في منطقة رو دو سان بيريز: تظهر عليه لوحة إدوارد هوبر لمشهد شارع مدينة غلوستر iii المعروضة في متحف سينسيناتي للفنون.

كان المراسل يناهز الخامسة والخمسين. منفردًا في وظيفته، محتقرًا فريق عمله. وقد تمكن من الفوز بجائزة البوليتيزر، وسامًا كان يظن أنه لا يستحقه تمامًا. وعندما ارتفع الستار، الفصل الأول، المشهد الأول، انفجر على المسرح ثائرًا، كما فعل الممثل چاكيس ڤيليري.

ليس لدي أدنى فكرة عن السبب الذي تسبب بثورة الموسيقار، غير أن المراسل كان عائدًا من جنازة زميله في العمل، مثقلًا بهاجسٍ مبررٍ بأن المحرر يرغب بطرده من منصبه. ولو أن المراسل بمحل الموسيقار، لكان عزف مقطوعةً لباخ، لإيقاعه الموزون، ورزانة تعبيره. لكن بما أنه يظن نفسه فنانًا، أعتقدُ أنه في أفضل حالاته كان يقبس بعضًا من روح إدوارد هوبر. غير أن محرّره كان يفضل روح روي لينشتينشاين، وعلى هذا، كانت نهاية المراسل على رفوف النسيان.

كيف كانت؟ سألت زوجتي عند إنتهاء المسرحية.

رائعة. كان جوابي.

صوّبت نظرة كلها ذهول نحوي.

هل فهمتها؟

بالكامل. قلت لها. (لا).

وفي غضون أربعة أيام، أنهيت كتابة مسرحية “لويل ليمبيت”. كل ما كان علي فعله هو نقل ما قد دونته في رأسي خلال حلم اليقظة الذي استغرق تسعين دقيقة في مسرح هيبرت للفنون. لقد كان الأمر كما لو أُعطيت فرصة مجانية للمراهنة في مضمار السباق. ولذا فقد كان أسلوب الكتابة ضعيف، كما لو كنت أحرر رسالة طويلة لصديق، أو أكتب قصة ما قبل الأحلام لأحفادي.

سكبت في هذا العمل كل ما عرفته وسمعته حول الصحفيين الماضين في طريقهم إلى نهاية شارع اللاعودة، وذلك من منظور تجربتي الممتدة لأعوام في الصحافة – أو كما صنّف البعض العمل، نظرة مغايرة للتاريخ. ولقد كانت شخصيتي مقيدة أكثر من شخصية باتريك زوسكيند، أو على الأقل مقارنةً بأداء الممثل چاكيس ڤيليري. غير أن هناك علاقة أخوية تربط بين آلتي الكاتبة وكمانه الكبير. ويمكنني تذكر تلك اللحظة الغامضة حيث انمسخت اللهجة الفرنسية التي تشبه إطلاق الرصاص، إلى لهجة أمريكية، ودهشتي عندما أُسدل الستار وانفجرت الصالة بالتصفيق.

كتبت المسرحية، واستمتعت بذلك، وظننت أني وجدت سلوايَ المنشودة. ولم يكن لدي أية توقعات بوجود من يرغب بالمخاطرة في إنتاج مسرحيتي. ولذا كانت سلوى للمصلحة العامة، يمزجها بعض الزهو.

أول عرض لمسرحية “لويل ليمبيت” كان في باريس ١٩٩١، في صالة صغيرة يملؤها المدعوون. وقبل ارتفاع الستار كان الجميع قد شرب قدرًا كبيرًا، كبيرًا جدًا من الكحول. ليظهر الممثل ألان رايدينغ، مراسل لجريدة نيويورك تايمز؛ المقصود في العنوان. وهناك شريط مسجل لهذا العرض محفوظ بمكانٍ ما. غير أنه سُجل بطريقة مهملة، إن كان ذلك بسبب الكحول، أو فشل فني، فالعرض المسجل بلا صوت. ويعود ذلك لانشغال الحضور ذهنيًا بآخر أخبار العمل، كان الجميع مبتهجًا. فقد ظن الجميع أن غاية المسرحية تجارية. يا لها من وسيلة! وفكاهية كذلك! (تعليقات الحضور)

وفي صيف ذلك العام قمت بإرسال المسرحية إلى عددٍ من المعارف. أولًا إلى أصدقاء كانوا يعملون في المسرح. وبعد ذلك إلى أصدقاء أصدقائي. وأخيرًا إلى شركات مسرحية. الحكاية المعروفة؛ حكاية قديمة تفتقر إلى الاحتمالات، فإن جميع حكايات المسرح التعيسة متشابهة. والحكايات السعيدة، فإنها سعيدة بطريقتها الخاصة. طرحتُ مسرحية “لويل ليمبيت” في ملف المهملات ونسيتها. وإني أتذكرها فقط حين ألمح صورة إدوارد هوبر المعلقة على جدار مكتبي.

وإلى هنا توقفت الأمور لثمان سنوات. عدنا إلى إنجلترا. نشرتُ أربعة روايات، وعملت في مجال التمثيل الصوتي، واستمرت معاناتي في لعبة الغولف، وبحثي الدائم في العثور على سلوى ملائمة.

تلقيت اتصالًا قبل بضعة شهور من الكاتب المسرحي مايكل ويلر. كان قد قرأ مخطوطة مسرحية “لويل ليمبيت” في ١٩٩١ وأعجب بها. وأقترح عليّ التسجيل في برنامج لإرشاد كتاب المسرح الناشئين، في مسرح تشيري لاين المتطرّف في مانهاتن. وقال، سوف تحظى بمعلم يمّهد لك الطريق، وفرصة عرض مسرحيتك لعشرة أيام في المسرح.

لو كانت لدي شكوك – وأي شكوك ممكن أن تقف أمام عرض كهذا؟ – فإنها تلاشت فور معرفتي بهوية معلّمي. ويندي واسيرتين، الحاصلة على جائزة البوليتيزر، مثلما حصل عليها لويل ليمبيت. غير أنها على عكسه، يافعة لدرجة أن أعتبرها ابنتي.

ستصبح تلميذًا. قالت مقهقهةً.

وماذا هناك لأتوقعه؟ سألتها.

إنها “حيلة لكسب المال في وقت قصير”. قالت ذلك واستمرّت بالضحك.

i . الميترونوم : هو بندول إيقاعي يستخدم في تحسين أداء الآلات الموسيقية

ii. “على كل حال” بالفرنسية.

iii. لوحة إدوارد هوبر لمشهد الشارع في غلوستر

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *