مورين هوارد: الالتزام الثابت للقاصّ المخلص

ترجمة: ناصر البريكي مراجعة: أحمد بن عايدة
كتابة الأدب القصصي ليست عن الحب الأول، ولا عن الحب الذاتي الذي يجعلك تحمرّ خجلًا عندما تجد اسمك مطبوعًا على كتاب. بل عن الشغف والجَلَدْ، مزيج من الرغبة والعمل الشاق يتصارعان فيما بينهما أغلب الأوقات.

كتابة الأدب القصصي ليست عن الحب الأول، ولا عن الحب الذاتي الذي يجعلك تحمرّ خجلًا عندما تجد اسمك مطبوعًا على كتاب. بل عن الشغف والجَلَدْ، مزيج من الرغبة والعمل الشاق يتصارعان فيما بينهما أغلب الأوقات.

 منذ مدة ليست طويلة، عثرتُ على نسخة من القصّة الأولى والوحيدة التي قمت بنشرها. لم تبدُ لي مريعة تمامًا، لكن ربما لأنني لم أقرأ إلا الصفحة الأولى. لم أكتب قصة منذ ذلك الحين، فقد أصبحت الرواية هي حرفتي.

عندما كتبت تلك القصة لم أكن غير جادة بشأن هدفي في أن أُصبح كاتبة، رغم أنني، على مرّ السنين، لم أملك أدنى فكرة عما يستلزمه الأمر. لا يمكنني، إذا نظرت للخلف، أن أتبرأ من تلك الفتاة السطحية التي افترضت أنها وجدت مدخلاً إلى عالمٍ شبحيّ من الحروف. الآن قد أسألها: ما الذي كنتِ تدفعين بنفسك إليه؟

كتابة الأدب القصصي ليست عن الحب الأول، ولا عن الحب الذاتي الذي يجعلك تحمرّ خجلًا عندما تجد اسمك مطبوعًا على كتاب. بل عن الشغف والجَلَدْ، مزيج من الرغبة والعمل الشاق يتصارعان فيما بينهما أغلب الأوقات. هل تشبه الزواج المعمّر؟ نعم، هي عبارة عن إعادة إضرام شعلة الحب للكتابة، وعن ذلك الالتزام بالساعات المنعزلة للبحث عن الكلمة، النبرة، الأسلوب – وهل لي بإضافة، المعنى؟- لماذا تروي هذه القصة التي سوف تتحول إلى صفحات كتاب؟

 هذا النداء الباطني، لن أسمّيه ”حرفة“، أصبح عبارة عن  مراقبة لوقتي، وقتي الشخصي ووقتي العام المجتمعين في الجوهر بطريقة لا يمكن فكّها. بدأ تعليمي في “الخمسينيات الصامتة”، وهي تسمية مغلوطة، كما هي التسميات العديدة التي تثبّت على العصور. فقد حظينا بفرصتنا للكلام، بكثير من التهذيب على ما يبدو، عندما جاء السيناتور مكارثي ليلقي علينا خطابه المشتت والمفكك في كلية النساء الخاصة بي.

حصلت حركة الحداثة على اعتبارٍ عالٍ في الصف الدراسي. قرأتُ فيرجينيا وولف بإجلال، وقمت بحفظ مقاطع طويلة من (الأرض اليباب) للشاعر ت. س. إليوت، وفُتنتُ باتساق قصيدة عزرا باوند (اجعلها جديدة)، وبجسارة جيرترود شتاين اللغوية لدى كتابتها قصصًا ساخرة بينما كانت طالبة، في محاذاة أناقة مجلة (النيويوركر) المتكلّفة. وفي تلك السنوات، في الخمسينيات التي لم تكن بذلك الخمول المزعوم، كان كُتاب أمريكيون عظماء -هرمان ملفيل، ناثانيال هاوثورن، إدغار آلان بو، وإميلي ديكينسن – يُستلّوْن من خزائن الكتب الزجاجية، ويُقرأون باهتمام جديد من قبل جيل حديث من الباحثين، أغلبهم لا زال يسدد فواتيره تحت قانون الجي آي[i].

نعم، كانت الخمسينات حافلةً بالنسبة لطالبة جادة تؤمن أن الأدب (Literature) يجب أن يُمنح الحرف (L) الكبير. وبالتأكيد كانت مبادئ الحداثة وأعمالها، التي كنت أعتز بها، جذرية منذ أكثر من أربعين سنة، إذا اتفقنا مع تصريح فيرجينيا وولف الشهير “في، أو بما يقارب، ديسمبر من عام ١٩١٠، الشخصية الإنسانية تغيرت”.

الحرب ضد التركيب الشعري للنظم الفيكتوري، وضد الآراء الأخلاقية المُطَمْئنة لروايات العصر الإدواردي، كانت قد انتهت منذ مدة. إلا أن أهداف الحداثة المعلنة قبل الحرب العالمية الأولى كانت ملائمة للسنوات التي تبعت الحرب العالمية الثانية. فقد تناغم تفكّك الإنسان في الحياة المدنيّة غير المكترثة بشكلٍ مناسب مع ضياع الذات الذي قرأناه في نبوءة الرئيس الأمريكي الرابع والثلاثين آيزنهاور في “مركّب عسكري صناعيّ”.

يجب أن تكون مكافأة النظر للخلف هي المضيّ للأمام، وإلا فسوف أعتبر نفسي قطعةٌ زمنية، كذلك الجمال القديم المتمثل في تسريحات البامبادور التي أراها في الحي، بأحمر الشفاه البراق وسوار كاحلها. نمضي قُدماً، لقد فهمتُ أن الأعمال الموقرة لسادتي وسيداتي الحداثيين لم تكن البادرة الوحيدة في المنطقة. فقد تعقبتهم، في تسلسل بانورامي، الأناشيد الدينية غير الموقرة في الستينات، والاكتشاف الذي حرر أصوات نسائية مكبوتة، وفترة ما بعد الحداثة القصيرة الحديثة اللعب (أو القفص) الساخر، الغمغمة الخافتة للحركة التقليلية وأدب التضمين، لنأمل لهم بالاستمرار.

خلال الأربعين سنة -هل مرّ كل هذا الوقت حقًا؟ – من الكتابة، أرى نفسي ساكنةً ومع ذلك أتحرك. تمامًا كالوقوف على أحد السيور المتحركة في المطارات. حيث المسار في النهاية يلفظ المسافر، وليس هناك من يمكنه معرفة وجهتي سواي: كما في غرفة القيادة الصامتة للطيران المنفرد حيث المغامرة الخطيرة تتمثل في اكتشاف نقطة التوازن. الغاية الثابتة للرواية يجب أن تكون عن عصري غير متأثرةً بالنمط السائد. فإن الفشل يُقحم في النص إقحامًا. وكما فعلا جنجير جروز وفريد أستير إذا سقطا خلال تأدية رقصاتهما على الجليد؛ عليك بالنهوض، ومسح الغبار، والبدء من جديد.

أعتقد بمثل هذه الصراحة كنت سأوقظ تلك الفتاة المفتونة بالنجوم. الفتاة التي ابتاعت تذكرة قطار لمدينة نيوهيفن بآخر دولار كانت تملكه، لتستمع إلى إلقاء ت. س. إليوت الكئيب لقصيدته “الصخور الناضبة”، أو وربما كان روبرت فروست، فقد كانت قراءاته كئيبة أيضًا. ولكن في مجموعة مقالات إليوت أجد الآن رسالة من شخص ما اسمه جيرالد يخبرني أن أستقل قطار الساعة ١١:١٥من نورثامتون، ماسيتشوسيس لأصل إلى كنيسة دوايت[ii] في الوقت المحدد. بعد ذلك كان عليّ أن أستدين المال حتى أتمكن من العودة للكلية، ربما من جيرالد، ولكنني نسيته تمامًا.

أعترف باختراعي لشخصيات نسائية تدفعها غاية موعظة اليافعين عن الماضي، أو عن التاريخ إن أحببت، كلاهما العام والخاص. وعظ أنفسهم، على أمل أن تخبرهم معاينتهم للزمن الذي عاشوه عن موضعهم، وربما حتى عن هويتهم. أنا أعلّم نفسي، فبالنهاية، أنا أول وأقسى اللا متسامحين من جمهوري.

متى كانت المرة الأولى التي من خلالها أدركت أن تسليم الصفحات لكي تطبع وتثبّت، لكي تُقرأ من قبل جمهور موجود خارج حدود مكتب العمل، هي عملية إفضاح؟ آه، لا أقصد أسلوب يوميات “سأقول كل شيء” المبالغ فيها بمجلات الإثارة، ولكن في الإظهار الفاضح لنفسي في إيقاع جملة، في شكل الفقرة، في تحول الحبكة بشكل مصادف، في انهيار المدن البشعة والحب المكسور الذين اختيروا كموضوع لعملٍ في الأدب القصصي.

من خلال كل الأصوات والأقنعة التي أدّيتها في أعمالي، توجد هناك حميمية مع القارئ. فإننا في هذه اللعبة معًا. القراءة، القراءة الحقيقية، هي رياضة التماس شاقة وممتعة. مسلية، لكنها ليست تلفازا. ذكرت جانيت وينترسن في كتابها (غايات الفن) أن القراءة مثيرة جنسيًا. سأماشي هذه الفكرة الذكية. قد أقول لتلاميذي أن القراءة ليست مثل الخروج في موعد غرامي، بل هي خطوبة كاملة.

 كوننا نتقدّم في الزمن، ماذا لو، كما أشار طالب لامع في الفصل الدراسي السابق، ماذا لو لم نشعر بأننا جديرين بما كان يُعتبر سلفًا جادًا؟ أو حتى بما هو بطولي؟ ماذا لو كنت تشعر بأنك قلق ومُحرج، إذا ما تحدثت عن الالتزام، ناهيك عن الفن؟ ماذا لو، في ظل تواجد وسائل الإعلام العامة، والأنظمة الكبيرة، تفشل الكلمات؟ إذاً اكتب ما يعتبره الإعلام رائجًا، ليس هنالك عيب في ذلك. فلتنسَ الروايات الأدبية السيئة والمهمّشة بتفانيها الصارخ. ولكن تذكر، حتى (ساينفلد Seinfeld ) [iii] رغم ظرافته ودهائه وواقعيته المسلية، جاء في الأخير إلى خاتمته.

انظر إلى العجائب والأهوال التي تنتظرنا في مواجهة الكتب للتكنولوجيا. اختفى النسّاخون مع اختراع الآلة الطابعة المتنقلة، ولكن احترام اللغة لم ينقضِ. وإني أرى الآن نبضات مؤشّر الكتابة، ودفاتر التدوين تتوسل إليّ لكتابة جملة أخرى. وإن الكلمات هي كل ما أملك، مع قدر قليل من الخيال، ولكن فكر فقط فيما ستؤول إليه حالك، أنت الذي أتيت فيما بعد. التكنولوجيا سوف تستجلب قوالب حديثة، ستكون أقرب إلى قاصٍّ متجول قديم في شبكة الانترنت، أو أيَّ لقب آخر سينتهون إلى تسميته. سوف تمتلك قدرة الولوج إلى منزل أي إنسان وتحكي له قصتك قرب المدفأة.

قد لا أكون في الجوار لأوبّخك إذا ما كنت حريصًا مع كلماتك. ففي “الأدب الحديث” تخيّلتْ فيرجينيا وولف لو أن الحياة دبّت في فن الأدب القصصي، فإنها “ستقوم بلا شك بأمرنا بأن نكسرها ونتنمر عليها، وأيضًا تشريفها وحبها، لأجل أن يتجدد شبابها وتتأكد سيادتها”. ها أنا أعود من جديد، وأعوّل على معبودة تلك الطالبة في الخمسينات، على مقالتها عن عام ١٩١٩.

أما بالنسبة لي، فإني حاليا أكتب عن أودوبون[iv]، محاولتي الأولى في كتابة حكاية تاريخية. لقد قتل أودوبون جميع تلك الطيور من فرط حبه للطبيعة والعلم، أو من أجل فنه، كما أظن.

في أحد الأيام قام أودوبون باصطياد نقار الخشب ذي القبعة الحمراء وجلبه معه حياً إلى غرفة عمله. أكمل الطير عمله عبر نقر الخشب في الحوائط فيما كان الفنّان يرسم ريشه الأسود المخطط بالأبيض، منقاره الحادّ، ومخالبه الزرقاء، والريش الأحمر على قبعته. في كتاب رسوماته (طيور أمريكا) هناك ثلاثة من طيور نقار الخشب تحط على غصن صنوبر، فكرة مبتكرة ليصوّر طيره بكافة أبعاده. وبهذه الطريقة، فإن غاية الطبيعيين هذه تشبه إلى حد كبير مهمة كاتب الأدب القصصي، تدوين الحقيقة معززةً بالخيال.

إنني أكتب هذه الرواية في عالمٍ افتراضي، تحوير بسيط ومذهل للواقع. ولكن دعني أُخبرك أفضل جزء في حكاية أودوبون: عندما انتهى من عمله، فتح النافذة، وترك الطيور تحلق بحرية.


[i]  قانون يعطي مساحة من الفوائد المادية للجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية بصكوك رهون منخفضة السعر وقروض منخفضة الفوائد، دفع تكاليف الجامعات والمعاهد الوظيفية والمدارس، مع سنة إجازة من العمل مدفوعة التعويضات.
[ii]  مبنى مكتبة جامعة ييل في مدينة نيوهيفن، ولاية كونيتيكيت في ذاك الوقت.
[iii]  مسلسل تلفزيوني أمريكي يعتمد على كوميديا الموقف، حقق نجاحاً استثنائياً في التسعينات من القرن العشرين.
[iv]  عالم طيور ورسام أمريكي من أصول فرنسية.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *