بشرى خلفان: الكتابة هي ملاذنا الوحيد من جنون العالم

نحن نعيد صناعة الجرح في كل مقاربة للكتابة

نحن نعيد صناعة الجرح في كل مقاربة للكتابة

حاورتها: بثينة العيسى

• ما الذي يجعل الكاتب كاتبا؟ وما الذي يجعل الكاتب قاصا، أو شاعرا؟

في لحظة ما وبطريقة خارقة أو عادية جدا، يكتشف الكاتب أن الكتابة هي وسيلته الوحيدة للعيش. يكتشف الكاتب أن الكتابة هي ملاذه الوحيد من جنون العالم، ومكان اختبائه الحميم، وهي في ذات الوقت أصل الجرح الذي لا يكف عن التجدد في روحه.

أن يكتشف الكاتب أن الكتابة وحدها طريقه لاكتشاف ذاته وإعادة صياغة الوجود الذي يشكل بالنسبة له أحجية عظيمة لا يستطيع التسليم بفشله في فهمها . قاصا كان أو شاعرا،لا يهم، فكل ذئب يختار طريقته في العواء لكن الجرح واحد..جرح الوجود.

• تحدثنا مرة عن علاقة تشكيل الكلمة، بالصوت والمعنى. هل تأخذين هذه الأمور بعين الاعتبار عند الكتابة أم أن اللغة تنفجر بشكل تلقائي وغير مقصود أثناء الكتابة؟

عند الكتابة تتفجر اللغة بشكل تلقائي وأتركها تفعل ذلك بمحبة وامتنان تام. لكن في مراجعاتي للنص أحاول تشذيب اللغة، أعيد اختيار بعض الكلمات لأصل إلى المعنى بشكل أعمق وأدق. مع هذا لا أستطيع الادعاء بأنني أنجو من غواية الكلمات، فأغمض عيني عن تلاعبها بي أحيانا.

وأستمتع بالكلمات، أحب ترديد كلماتي الأثيرة وأنساق إلى غواية الصوت، إلى جرس المعنى البعيد. الكلمات تصبح غابات أحيانا، وتتحول كرات ثلج، أو انثيال لحفنة رمل، أو أرنب بري. الكلمات صور وموسيقى، غواية حقيقية، وعلى السارد أن يكون حذرًا جدًا في تعامله الحميم مع الكلمات.

• متى بدأت علاقتك بالكتابة؟

أزعم أن هناك بدايتان، الأولى كانت بسبب فخذ دجاجة وكان عمري حينها ثمان أو تسع سنوات، كتبت رسالة غاضبة لأبي إثر حادثة فخذ الدجاجة (ربما رويتها يوما ما)، كانت رسالة غاضبة أعبر فيها عن تمردي الأول على سلطة أبي.

البداية الثانية، كانت بسبب صرصار وكان عمري حينها أربع وعشرين سنة، وكان بطلها صرصار، صرصار وجدت نفسي في مأزق معه، مأزق وجودي، مأزق البقاء، كما تخيلته لحظتها والذي أحالني إلى محاولة الجواب عن سؤال الصراع والقوة.

بين البدايتين خربشات كثيرة في دفاتر المراهقة التي امتدت لأكثر مما يجب، والتي لم تشِ في أي لحظة بأني وفي يوم ما أني سأقع في هذا الفخ اللذيذ، وأني سأختار الكتابة كطريقة عيش وهوية، وأن الكتابة ستصبح مكاني الآمن وربما الأخير.

تعزف دور النشر مؤخرا عن نشر القصص القصيرة بسبب قلة الإقبال عليها. ومع ذلك أنت ما زلت تصرين على كتابة القصة القصيرة تحديداً. ولأنني أعرف بأن الكاتب الحقيقي لا يكتب بحسب رغبة “السوق” بل يستجيب لرؤيته وحدسه الداخلي، أحب أن أعرف ما الذي تفعلينه لكي تضمني أن تحصل قصصك على الاهتمام نفسه الذي تحظى به الدواوين الشعرية والروايات؟

يبدو أننا في مأزق حقيقي هنا.

القصة القصيرة تتوارى أمام زخم الشعر والرواية، وربما توارى الشعر أيضا أمام زخم الرواية ونجوميتها في هذه المرحلة، وهذا شيء جيد جدا لكتاب الرواية وعشاقها وأنا منهم. وعندما يمل كتاب القصة القصيرة منها يهاجرون إلى الرواية، أحيانا يعودون إن كانت القصة القصيرة هي الأقرب إلى التعبير عما يريدون قوله، وأحيانا يقيمون في الرواية.

يقول صديقي الذي يكتب الشعر والرواية والقصة القصيرة، أن هناك روايات جيدة وأخرى متوسطة وأخرى ضعيفة، يقول الرواية تحتمل، أما القصة القصيرة فتعاني من الحدة فإما أن تكون جيدة أو ألا تكون.

لا أعرف إن كنت أتفق معه تماما (ربما احتاج الأمر إلى شيء من الصمت والتأمل). لكنني مضطرة لذلك حتى لا أتساهل مع كتابتي، وحتى لا أعطي نفسي مبررا للتخلي عن القصة القصيرة بوصفها الشكل الأدبي الذي أدعي إجادته.

ماذا أفعل حتى أضمن نيل قصصي الإهتمام المطلوب، في الحقيقة أنا لا أفعل شيئا. كل ما أفعله أن أكتب قصصي ثم أبعثها للناشر، في مرحلة ما بين الكتابة والنشر، أرسل بعض القصص لبعض المجلات الثقافية داخل وخارج عمان. وعندما تظهر مجموعتي، أرسلها لبعض الأصدقاء هنا وهناك.

هذا ما أفعله تقريبا. نعم أشعر أحيانا بأنني مقصرة في إشهار كتابتي ومحاولة الوصول إلى قاريء جديد ومختلف، لكنني كسولة على ما يبدو، والوضع مريح، في الحقيقة مريح جدا. يكفيني جدا الآن أنني وجدت مكاني الآمن، حيث أستطيع أن أفهم العالم وأعيد صياغته كما أحب، يكفيني أنني سعيدة الآن، وأنني ما زلت أكتشف عوالم الكتابة، وأساليب جديدة للتعبير عن أفكاري وعذاباتي وأن أعيد الحياة للحكايات المنسية.

• يكتب الناس أحيانا راغبين بالتشافي. يرددون بيت المجنون “وما أنشد الأشعار إلا تداويا”. إيميل سيوران يرى بأن الكتابة الحقيقية لا تكتفي بأن تغرف من الجرح، بل هي صناعة مستمرة له. إلى أي الرأيين تميلين؟

أظن كلاهما يحتمل الصواب، أحيانا تريحني الكتابة فاعتبرها شكلا من أشكال التشافي، وأحيانا تكشف الكتابة (التي هي محاولة للفهم وتقديم قراءة ذاتية أو شخصية للوجود) عن حجم الجرح الذي نعيشه، جرح الوجود، وبهذا نعيد صناعة الجرح في كل مقاربة للكتابة.

• كيف تنجو الكاتبة بداخلك من التآكل في غمرة الطوفان السياسي الذي يسمى “بالربيع العربي”؟

هل نجت الكاتبة فعلا؟

في فبراير 2011، في فترة الحراك الشعبي في الشارع العماني كنت هناك، جزأ منه، كان الأمر واضحا في بداية الأمر، ثم التبس علي وتشوش تماما. دخلت في متاهة “الربيع العربي” الذي تحول صقيعا ودما. توقفت عن الكتابة. كنت أكتب مقالا أسبوعيا في جريدة الرؤية العمانية، وعندما أصبحت الرؤية ضبابية تماما توقفت. كنت خائفة، ففضلت الإنسحاب.

صرت أراقب من البعيد التحولات في المواقف والخطاب، أراقب تأثير الجموع، أبطال الورق، ردود فعل السلطة، المنحى المأساوي لثورة الورد، القرابين البشرية التي تقدم بشكل يومي. أراقب فقط.. وأتجمد! لم أكتب، مكاني الآمن لم يعد آمنا، لم يعد هناك مكان آمن في الحقيقة. كان علي أن أعبر نهر الموت والعودة منه بالحياة التي فقدتها أثناء تلك التجربة.

غرقت في القراءة، في الحياة اليومية، في وظيفتي، في التفاصيل الصغيرة، في الأشياء الأخرى كلها، كل الأشياء التي تبعدني عن مواجهة السؤال/الجرح، موجهات الخيبات والخيانات، مواجهة الكاتبة في داخلي . في أوائل 2012 بدأت أستعيد نفسي. كتبت روايتين لم تكتملا أبدا. تدريجيا عدت للمشاركة في الفعاليات الثقافية ” بحكم أني كائن إجتماعي جدا”، تدريجيا بدأت أشعر بالحياة تتسرب إلي ثانية.

في 2013، عدت، انتهيت من كتابي: ” مظلة الحب والضحك” الذي بدأت كتابة نصوصه الصغيرة منذ فترة، أصدرته في أبريل.
أصدرت النسخة الثانية من كتابي الأول” رفرفة”. ثم قررت أن أعود لمكاني الآمن، للقصة القصيرة فكتبت مجموعتي القصصية ” حبيب رمان” والتي هي الآن قيد الطباعة.

نعم عبرت نهر الموت وعدت، لكن لم أعد كما كنت، دائما هناك شيء يفقد ولا يمكننا استرجاعه أبدا. هناك شيء جديد يكتسب أيضا، لمقاومة هذا التآكل ،عليك بالحياة والكتابة. عليك أن تكون مستعدا للتعلم واكتساب الخبرات الجديدة وتدريب نفسك على النظر جيدا والتأمل جيدا والعمل بطاقة متجددة.

لم تعد الكتابة بيتي الآمن فقط، أصبحت الكتابة أسلوب حياة وهوية وسؤال وجرح دائم التجدد.

– نشرت في آراء. 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *