سباستيان جنغر: لماذا أكتب؟

ترجمة: ريوف خالد مراجعة: بثينة العيسى
عندما أكتب

عندما أكتب أصير إلى حالة عقلية متبدلة

حين أكتب، أصير إلى حالة عقلية متبدلة.

أنا في مكتبي. عادة ما يكون عندي بعض الموسيقى، وكوب من القهوة. عندما كنت أدخن، كانت عندي منفضة وسجائر. وعندما كنتُ أحاول ترك التدخين، دائما ما كانت علكة “النيكوتين” في فمي.

ما أكتبه غالبًا لا يندرج تحت الأدب القصصي؛ لهذا لا أحتاج أن أعصف عقلي ليُنتج أفكارًا جيّدة. أفكاري الجيدة تأتي من العالم، أقوم بحصدها ولكنني لا أحتاج لخلقها. كل ما علي فعله، هو أخذ الأشياء التي قد رأيتها – والتي قالها الناس لي، والتي بحثت عنها بنفسي، صنائع من العالم- وتحويلها إلى سلسة من الكلمات التي يرغب الناس بقراءتها. الكتابة، هذه الخيمياء العجيبة، المُشابهة للسحر، إذا قمت بها بشكل جيّد، ستتم قراءتها.

حين أكتب جملةً أو فقرةً أو فصلًا جيّدًا، فأنا أُدرك ما فعلت، وأدرك أن الناس سيقومون بقراءته. هذه المعرفة مبهجة جدًا –يا الله، لقد فعلتها، كتبت بشكلٍ جيّد مرةً أخرى!- في أحايين أخرى، أفشل وأدرك رداءة ما كتبت فيكون مصيره الحذف. أمّا حين يكون جيدًا، فهذا أشبه بموعدٍ يسير كما يُرام. توجد كهرباء مثيرة متعلّقة بعملية الكتابة لا تُقارن بأي شيءٍ آخر.

أعلى الشجرة دون جناح.

في الصف السابع، كتبت روايتي الأولى، في دفترٍ غلافه أخضر بأبيض، كتابةً متأنّية دون اختزال. قرأها أستاذي بصوتٍ عالٍ على الصف. لا عجب أنه لم يكن لدي أصدقاء.

لم أُفكّر بالكتابة كمهنة حتى السنة التي تلت تخرجي من الكليّة. كتبت أطروحة تخرج جيدة، وكنت مشتعلا بالحماسة أثناء كتابتها. انتقلت إلى بوسطن، وعملت ككاتب مستقل لصالح عدة منشورات مثل “بوسطن فينكس” مدةً من الزمن. نُشرت لي بعض القصص القصيرة. اتخذت وكيلًا لم أحقق له حتى عشرة سنتات طيلة عقد أو يزيد، لم أكتب بالقدر المؤثر على الصعيدين الإبداعي والاقتصادي. شققت طريقًا وسط خمائلٍ كثيفة بسكين غير حادة.

خلال عقدٍ من الكتابة، من الممكن أنني حققت خمسة آلاف دولار. تعلمت حينها كيف تشعر عندما تعمل وتعمل وتعمل دون نتيجة مضمونة، أو بلا نتيجة على الإطلاق!

اشتغلتُ في العديد من الوظائف العشوائية، محاولًا التوصّل إلى ما علي فعله، عملتُ في حانة وفي أعمال البناء.

توجد كهرباء مثيرة تتعلق بعملية الكتابة لا تقارن بأي شيء آخر

توجد كهرباء مثيرة تتعلق بعملية الكتابة لا تقارن بأي شيء آخر

نجحت في عدة تكليفات كلّفني بها محرر “سيتي بيبر” وحصلت مقالاتي على بعض الانتباه. ثم في آخر عشرينياتي، حصلت على وظيفة متسلقٍ عالٍ لشركة أشجار، أحببت العمل بحق، كان مُدهشًا وفيه احتماليّة خطورة شديدة. عليك أن تكون بالغ الدقة، ماهرًا وأشبه بالقرد. حقّق لي دخلًا لا بأس به، في بعض الأيام أقبض ألف دولار، وفي أخرى أعود لبيتي بمائة دولار.

حين كنت في الثلاثين، ارتطمت بالمنشار الكهربائي وأنا أؤدي عملي أعلى الشجرة ومزقت ساقي. في فترة العلاج خطرت لي فكرة كتاب عن الوظائف الخطرة. يموت الناس طيلة الوقت في مثل هذه الوظائف اليدوية ذات الأجور المنخفضة، والتي يُنظر إليها غالبًا بقلة الاحترام. تعتمد البلد على هذه الوظائف، ومن النادر أن نفكر بمن يقوم بها.

كتبت عرضًا لفكرة كتاب يدعى “العاصفة الكاملة” عن قارب صيد غرق أثناء عاصفة عظيمة خارج غلوسيستر في ولاية ماساتشوستس حيث كنت أعيش. أعطيته لوكيلي وغادرت إلى البوسنة. كنت أعرف أن وكيلي إما أنه سيجد قبولًا للكتاب فأعود مُنزلقًا إلى بيتي، أو أنه لن يبيعه وعليه سأصبح مراسل حرب. أخذت طائرة إلى فيينا، ثم بالقطار ذهبت إلى زغرب والتقيت هناك ببعض الكتاب. لم تكن لدي مهمّة، لكنني مؤمنٌ بأن من يقفز من الجرف لابد وأن يتعلم الطيران.

هبطت في قلب أحداث عالميّة لا تُصدّق. وفّرت بعض المال، كنت أعيش بتقشف مع كتّاب آخرين نتشارك المصروف. في زغرب الطعام لذيذ والأرض بهيّة والنساء جميلات جدًا، وللحرب كلمتها الواضحة حيال الحق والباطل. وهذا تقريبًا أفضل ما يمكن حصوله لشخصٍ ثلاثيني.

بدأت بإعداد تقارير للراديو، وقفات صوتية لثلاثين ثانية، لصالح محطّاتٍ عدّة. لم تحقق لي ربحًا ولكنها كانت تقاريرًا إخباريةً محترمة. كتبت العديد من المقالات التي لم يُنشر أغلبها، لكن “كريستشن ساينس مونيتور” نشرت واحدًا.

لاحقًا، في أحد أيّام 1994م. بحث شريكي في السكن عني هاتفًا “هيه! يا رجل، وصلك فاكس” كان الفاكس من وكيلي، أتمنى لو أنني احتفظت به، يقول فيه “لقد بعتُ الكتاب، يجب أن تعود”. شعرت بالخيبة قليلا، لم أكن أرغب المغادرة. لكنه حصل على مقدّم من خمسة وثلاثين ألف دولار، وبالطبع قبلت. كنت سأكتب هذا الكتاب مقابل عشرة دولارات.

استغرقتني كتابته ثلاث سنوات، كنت أعيش في المنزل الصيفي لوالديّ، غير المزوّد بنظام تدفئة، في كيب كود. وأبقيتُ على عملي في شركة الأشجار، لأنني عرفتُ بأنني بحاجة لخطة بديلة.

العاصفة الكاملة.

في الصحافة، يوجد خط فاصل بين الحقيقة والخيال وأشعر أن علي أن أتمسك به. كصحفي، لا يُمكنك أن تتخيّل مشهدًا أو محادثة.

في منتصف كتابة “العاصفة الكاملة” واجهت مأزقًا مخيفًا. كنت أكتب عن قاربٍ اختفى، حالما غادرَ القاربُ الساحلَ فقدت الخيط. ماذا تقول عن قاربٍ غرق؟ أين الحدث؟ ماذا يقول الناس لبعضهم؟ كيف يبدو الموت على قاربٍ أغرقته العاصفة؟ كانت عندي فجوةٌ كبيرة تتوسط السرد، لم أستطع ملؤها بالخيال.

كل معرفتي بالكتابة أخذتها من قراءتي لأعمال جيدة لآخرين؛ توبايس وولف وبيتر ماثيسن وجون مكفي وريتشارد بريستون. في “المنطقة الحارة” واجه بريستون ذات المشكلة. ماتت شخصيته الرئيسية، وخلّف هذا فجوات في السرد. ملأها بالافتراضات، قال للقارئ “لا نعرف، ربّما قال هذا، ربّما فعل هذا. نعرف أن حرارته كانت 41 درجة مئوية، لهذا فقد شعر بهذا”.

أدركت أنني أستطيع أن أقترح سيناريوهات ممكنة لقرائي دونما كذب، طالما أنني كنت صادقًا بشأن كونها مجرد احتمالات نأخذها بالاعتبار، مُبقيها ضمن نطاق الصحافة. وعليه، فقد عثرت على قوارب أخرى نجت من العاصفة واستمعت إلى اتصالاتهم عبر الراديو. كان بإمكاني القول “لا نعلم ماذا حدث لقارب رفاقي، لكننا نعرف ما حدث في قاربٍ آخر”. قابلت شخصًا قد انقلب به قاربه في أمواجٍ عاتية. فوجد نفسه برئة ممتلئة بالهواء في قارب يغرق.

بناءً على هذه الحادثة، أخبرني عمّا اعتقد أنه قد حدث مع طاقم باخرة “أندريا غيل” وعليه استطعت أن أقصّ هذا على القراء. ملأت الفجوات بمنطقيّة، لا بالخيالات. معالجة هذه المشكلة كانت مثيرة جدًا بالنسبة لي.

النجاح يجلب البهجة والبؤس.

ظهر كتاب “العاصفة الكاملة” في ربيع عام 1997م. كان للناشر آمالًا بشأنه، ولكن لم يعرف أحد بأنه سيكون بهذا الحجم. كان على قوائم أفضل المبيعات لثلاث أو أربع سنوات، والمركز الأول لفترة. بِيعَ الفيلم لشركة “وارنر برذرز” للإنتاج بمبلغٍ جيد. يبدو كما لو أن الأبواب قد شرّعت لي للتو. لقد كان الحلم المكتمل للكاتب.

كنت فخورًا جدًا بالكتاب، لكن الانتقال من كوني شخصا منعزلا إلى هذا النوع من تسليط الأضواء كان مُزعجًا حقًا. كنت خائفًا من التحدث أمام الجمهور، وفجأة صرت في جولة من أجل كتابي، أتحدث يوميًا وأحيانًا أمام آلاف الناس، كان هذا مخيفًا حقًا.

يقوم الإعلام بفعل هذا الشيء الغريب، إذا قرروا أنك قد أعجبتهم، سيرسمون لك صورة غير واقعية، لا يُمكن لأحد أن يرقى إليها. طولي خمسة أقدام وثمانية إنش، والناس الذين قابلتهم استمروا في القول: “تصوّرتك ستة أقدام وثلاثة إنش”، ما الذي في كتابي جعلني أطول؟ إذا كان لديك معدل صحي من عدم الأمان، فهذا سيعطيك جرعةً أكبر بكثير. أدّى بي هذا إلى الكثير من التفحص الذاتي المؤلم. كنت أشعر بالانكماش، كنت تعيسا كل يوم ولم يتغير الحال إلى الأفضل قط.

لم أقترف خطأ تأليف كتاب

لم أقترف خطأ تأليف كتاب آخر مباشرة

لهذا لم أقترف خطأ تأليف كتاب آخر مباشرةً، وهو ما توقعه مني الجميع. عدت إلى إعداد التقارير للمجلات، من بلادٍ وراء البحار، في كوسوفو وليبريا وكشمير وأفغانستان ونيجيريا وتشاد وأماكن أخرى. كنت أكتب عن أوضاعٍ ميئوس منها فعليًا. ما قُمت به أنا وصحفيّون آخرون يحتمل أنه أنقذ حياة البعض بلفت انتباه العالم إليهم. هناك الكثير من المراسلين الأكثر خبرةً مني، ولكنني إذا كتبت عن السيراليون في مجلة “فانيتي فير” مثلًا، فغالبا ما سيحصل ما أكتبه على الانتباه بسبب ظهوري الجديد كمؤلف.

المُخدّر

عندما ذهبت إلى ساراييفو عام 1993م، كنت مع كتاب مستقلين نُعد التقارير عن هذه القصة التي لا تُصدّق. انتقلت من وظيفة نادل إلى مراسل حرب خلال ثلاثة أسابيع. رؤية اسمك على المطبوعات للمرة الأولى لا يضاهيه شيء.

حين تكون في الترتيب الذي من الممكن أن تكونه على قوائم التايمز، فهذا جزء من عملك. هناك كتب جميلة جدًا لم تدخل القائمة، وكتب تغصّ بالسخف تدخلها. كل كاتب، وكل شخص يدرك أن دخول القائمة أو مدة البقاء فيها لا يعتمد كليًا على جودة العمل.

هناك لحظات في الميدان أو على طاولة الكتابة لا تصدق فيها ما يتدفق منك على الورقة. إنها يد الرب، أو سمّها ما شئت، تجعلك تكتب شيئًا يتجاوزك.

هناك موسيقيّون يتحدّثون عن مقطع “سولو” عزفوه دون أن يعرفوا من أين لهم به. رياضيّون حقّقوا أرقامًا قياسيةً عالميةً يقولون:”ما قدّمته يفوق استطاعتي، لا أعرف ما كان ذلك”، ويحدث هذا أيضًا للكتّاب.

رؤية اسمك على قوائم التايمز لا يعني الكثير، إنها تجربة شاحبة وفارغة مقارنةً بهذه اللحظات، لا يمكنك حتى المقارنة بينهما.

الكُتّاب مقابل شريحة القرّاء.

أقوم بهذا النوع من التمييز عندما أكتب، أنا مدرك جدا لكوني أكتب لقراء، وأقوم بكل ما أستطيعه لجذبهم، لأجعل كتابتي متاحة وآسرة، وفي الوقت ذاته، أحاول ألا أهتم أبدا بما أعتقد أن الناس سيحبونه. إنني أكتب لنفسي، فأنا أسعى لمعرفة العالم والكتابة سبيلي في هذا. على أيّة حال، لن تعرف كل أذواق الناس. لم يكن ممكنا لأحد بأن يتنبأ بأن “العاصفة الكاملة” ستكون ضربة، قارب صيد يغرق في عاصفة؟ الناشرون لا يعرفون، والقرّاء لا يعرفون، ولا أحد يعرف كيف حدث هذا.

في كل كتاب كتبته، كانت هناك لحظاتٍ فكرت فيها: لا أستطيع إدراج هذا الموضوع، سوف أخسر نصف قرائي. في “العاصفة الكاملة” كان الموضوع عن فيزياء الحركة الموجيّة، من يريد أن يقرأ عن هذا الأمر؟ ولكنني قلت لنفسي: القصة تتطلب ذلك، الأمواج أغرقت القارب، عليك أن تشرح كيف تعمل الأمواج. وعليه، أدرجتُ الفيزياء وفكّرت في أنه إن لم يقرأها أحد، فليكن. ليست هذه نهاية حياتي، إذا لم تنجح حياتي كمؤلف فمن الممكن دائمًا أن أعود للعمل في الأشجار. سوف أكتب أفضل كتاب يمكنني كتابته. ومع ذلك، إن أدرجت موضوعًا أعتقد بأن القراء سيقاومون قراءته، فأنا أعمل على لغتي بجهد إضافي لأجعلهم “يأكلون السبانخ”. أنا لا أحب أكل السبانخ لكنك لو أضفت ما يكفي من الثوم فسآكله.

لماذا أحاول أن أكتب جيدًا؟

أعرف الآن بأن عندي جمهور، لذا أشعر بمسؤولية كبيرة للكتابة بشكلٍ جيد. عندما كنت أكتب “حرب” شعرت بهذه الحاجة. هناك مئات الكتب التي تناولت الحربين الأخيرتين، من أنا لأُضيف شيئًا إلى هذه الأكداس؟ أردت أن أكتب شيئا عميقا ومُؤثرا ومفيدا. شيء سيقرأه الناس. شعرت بأن علي أن أكتب شيئا عميقا جدًا عن الموضوع.

كتبت “حرب” في ستة أشهر، كتابتها لامست شيئًا عاطفيًا وحدسيا في داخلي. كنت مُشبّعًا بالكامل نفسيًا. لم أمر بمثل هذه التجربة من قبل ولا منذ ذلك الحين. كنت ليلة كنت أحلم بأنني أعود إلى الفصيلة العسكرية. كنت أعمل أثناء كتابة الكتاب على فيلم “ريستريبو” أيضًا.

حاولت التوصل إلى ماهية الكتابة الجيدة. إنني أشعر بها في أعمالي وأعمال الآخرين. أقرب ما توصّلت إليه حيال هذا، أن هناك إيقاع للكتابة، في الجمل والفقرات. إذا كان الإيقاع مُعطّلًا فمن الصعب قراءة النص. يشبه هذا الموسيقى كثيرا؛ يوجد إيقاع داخلي يقوم بالقراءة لك. إنه يقرأ نفسه تقريبًا. وهذا أحد الأشياء التي يصعب تعليمها للناس. إذا كنت لا تسمع الموسيقى، فلن تسمعها أبدًا. ذلك الإيقاع في جملة أو فقرة، هو الحمض النووي للكتابة، هذا ما تعنيه الكتابة الجيدة.

أولي اهتمامًا فظيعا باللغة. اللغة مهمة جدًا بالنسبة لي. يفرض علي هذا وقتًا أطول أثناء الكتابة، ولكن الأمر يستحق.

نصيحة سباستيان جنغر للكتّاب :

– لا تلق بجملٍ كسولةٍ على قرائك. إذا فعلت، سيغادرونك إلى مشاهدة التلفاز. عليك أن تكسب أجرك بكسب اهتمامهم.

– اكتب لنفسك، لا للسوق. لا يمكنك أن تتنبأ أي واحد من أعمالك سيعجب الشريحة الأكبر من القرّاء. فمن أفضل أعمالي ما حقق مبيعات منخفضة، والعكس صحيح.

– لا يمكنك أن تكون غير واضح بشأن الصور التي تستخدمها. إذا رضيت مثلًا بجملة “طَرَقَ المطرُ”–الجملة التي يبدو أنني قد كتبتها في مكانٍ ما- فهذه كتابة ميتة. عليك أن تدفع نفسك لتفكر بعمق ومخيلة حول ما تبدو عليه الأشياء، الأصوات التي تصدرها، ملمسها. عليك أن تدفع نفسك للعثور على طرق أصيلة ومؤثرة لوصف الأشياء. إذا تمكّنت من هذا، وكان لجُملكَ إيقاع جيد، سوف يقرأ الناس كل شيء تكتبه، ويتوسّلونك للمزيد.

This entry was posted in لماذا تكتب؟ and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *