رونلاين دومينيك: الرغبة في أن تكون كاتباً

ترجمة: ميادة خليل
أحلام الطفل الميت

أحلام الطفل الميت

أعرف اللحظة التي أدركت فيها بأني سأقضي حياتي مع الكتابة. كان يوم الأحد في أغسطس 1987. أحد الأصدقاء شاركني ولعي بأفلام الدرجة الثانية (B-movies)، مجموعة مونتي بايثون الكوميدية، وفرقة روش. عدنا بالسيارة الى بيتي بعد أن قضينا المساء في حديقة مجاورة. نظرت إليه عندما كان يتحدث عن آرائه ومعرفته البسيطة. في ذلك الوقت، كان الأمر سخيفًا. لم أشعر بأيّ تواصل رومانسي بيني وبينه. ولكن في تلك اللحظة، شعرت بما أسميه “معرفة عميقة”. بعد سنة من ذلك، كنت في علاقة حبٍّ معه. وبعد تلك اللحظة بسبعة عشر عاماً، لا زلتُ أحبه.

معظم الناس يعرفون “معرفة عميقة” واحدة على الأقل في حياتهم. إنها نظرة عميقة وعقلانية، بلا بديهة ولا شعور، هي أنقى شكل من أشكال المنطق. يشعر المرء بأنه في خلاياها، ينظر في دواخلها. حتى الآن، أنت تفكر بنفسك، في اللحظات التي عرفتها للتو.

وإليكم معرفة عميقة أخرى. بعد أن تخرجت من الجامعة، حصلت على وظيفة جيدة في شركة استشارات إدارية. في تلك الأيام حيث إعادة الهيكلة وتحجيم اليمين. كنت أدير المكتب الإداري لفريق يتألف من 20 عضواً. كنت كفوءة، وحريصة على التعلم. نائب المدير أعجب بشجاعتي وقدم لي فرصة في الحصول على ماجستير إدارة أعمال على نفقة الشركة وضمان لوظيفة جيدة بعد التخرج. رفضت شاكرةً عرضه. لا أحد كان يصدق أني فعلت ذلك، ولا حتى الرجل الذي قضيت حياتي معه. في تلك الحالة، كان لدي “لا” عميقة. ليس من المفترض أن أصبح مستشارة إدارية ــ على الرغم من أنني أظن بأني سأكون جيدة في هذا العمل. هناك شيء آخر كان من المفترض أن أفعله.

بصراحة، فهمت ماذا كان ذلك. كان من المفترض أن أكون كاتبة، لكني تجاهلت الأمر. التطبيق العملي للبالغين ساعد في خنق تلك الرغبة. كنت جيدة حقاً في ذلك.

خلال العشرينات من عمري، كنت أحلم بأحلام أسميتها ” أحلام الطفل الميت”. كنت أحلم بأني خسرت جنيني بالإجهاض، أو ولدت جنينًا ميتًا، أو تبنّيتُ طفل. الأطفال كانوا لا يريدون ذلك أبداً، وشعرت بالذنب من تركهم وفشلي معهم. ثم من لا شيء، أدركت بأن الأطفال الميتين كانوا كتبي التي لم أكتبها.

الأحلام توقفت. لم أحلم بحلم آخر منذ ذلك الحين.

بدأت الكتابة من جديد. التحقت بدورة لكتابة القصص. أول قصة قصيرة كتبتها، تصورتها كرواية، وأستاذي لاحظ ذلك. كان أستاذي الملهم لأنه سألني أن كنت في برنامج الماجستير للكتابة الإبداعية. ” لم أصل الى هذه المرحلة في حياتي”، قلت له. “لا معنى لذلك الآن”. بعد تسعة أشهر أخرى، استيقظت وأنا أتعرق وأردد همهمة. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أخبرني الأستاذ، بأني قد قضيت حياتي مع، “آه، لا، من المفترض أن ألتحق بالدراسات العليا، من المفترض أن أحصل على الماجستير”.

بعد أربع سنوات، القصة القصيرة التي كتبتها تطورت الى روايتي الأولى. تلك الهمهمة تعود تقريباً في كل مرة أجلس فيها لأكتب، ثم يبدأ اهتزاز دافئ في أذني، وهذا يعني بأنني كنت في “المكان”. مهما يكن، لم تكن الرواية مثالية. فلتت مني نقطة الالتقاء في تلك الرواية، وحتى في المسودة الأخيرة. ثم حدث ما حدث. كتبت المشهد، سمحت لصورة الأبطال أن تتحدث عن نفسها – وظهرت لي خمس كلمات: the mercy of thin air. اقشعر جلدي، واشتعلت أنفاسي، والهمهمة تتردد في أذني. “the mercy of thin air” استحضرت اسم الرواية، كشفت ثيمة موحدة، وشعرت بــ”المعرفة العميقة”. أصبحت روايتي كما من المفترض لها أن تكون.

هذا هو الوحي. كل معرفة عميقة في حياتي التقت بتلك اللحظة. لأن ما لم أنتبه له هو أن المعرفة العميقة حدثت لأول مرة معي عندما كنت في الثامنة. عندما كتبت رواية بوليسية. أنا، بدون شك، أعرف بأني من المفترض أن أكون كاتبة. كنت صغيرة جداً على معرفة التوقعات، الظروف، والخوف ــ أعداء الفطرة.

أنت تعرف جيداً ما أعني. لقد شعرت بذلك أيضاً. عندما تريد أن تبدأ (أو تنهي) تلك القصة التي تحكك تحت جلدك لسنوات. هناك شك في أنك ـــ أو حتى شخص ما تحبه ــ تقوض رغبتك في الكتابة. ولا تتقدم خطوة، لأنك، حسناً، لديك أسباب وجيهة. أنا لا أدعي بأن شرف “المعرفة العميقة” سهل. ولا أريد حتى أن أدعي بأن ذلك كان ممكناً دائماً. لكن هذه البديهة: “حيث تكون الإرادة، يكون الطريق” أعتقد أن هناك بعض الحقيقة فيها.

والان ماذا تفعل؟ سؤال يعترضك وتحاول الإجابة عنه. إذا كان معك “معرفة عميقة” لفترة من الوقت ولكنك لم تقدرها، ربما أنت تحاول معرفة خطواتك القادمة. هل تقف إحدى العقبات التالية في طريقك؟

• التوقّعات: علينا جميعاً مواجهة توقعات المجتمع، عائلتنا، أصدقائنا، وزملائنا. تأمل 100 سنة مضت، الكثير من الناس كانوا يعتقدون بأن النساء لا ينبغي لهن الالتحاق بالجامعة، ومؤخراً قبل ثلاثين سنة، كان عمل المرأة خارج المنزل أمر غير مقبول. وبالنسبة للرجال، حسناً، بالطبع، لديهم حياة عادلة ومريحة. قد تسأل نفسك: “أريد أن أكتب، ولكن ماذا سيقول الآخرون؟”، بدلاً عن ذلك، أسأل نفسك: “ماذا أريد أنا؟”، في النهاية، هي حياتك أنت – قصتك انت.

• الظروف: طريقك مليء بالعراقيل. تريد أن تحصل على الماجستير، ولكن لا يمكنك تجنب التكلفة والوقت. هل يمكنك العمل نصف دوام؟ هل برنامج التخصص مناسب لك؟ ربما تريد الكتابة ببساطة، ومن الصعب تكريس الوقت للعمل على كتاب قد بدأت به، لأن لديك أطفال. هل يمكنك تخصيص ساعة كل صباح أو عند الغداء للكتابة؟ هل من الممكن أن يعتني شريك حياتك أو صديقك بالأولاد لمدة ثلاث ساعات مرتين في الأسبوع؟ إذا كان لديك زوج لا يدعمك، أو أحد أفراد العائلة، أو صديق، ما هو أساس رفضهم لمساندتك؟ هل تستحق هذه العلاقة تعزيزها من خلال المشورة، أم أن الوقت قد حان لوضع نهاية لها؟.

• الخوف: هذا هو الأسوأ. الخوف له علاقة بظلامية المجهول وعدم الثقة بالنفس. بعض الأحيان، تتساءل عن جدوى الكتابة، ما الأهمية في أن تكتب. بريندا أولاند قالت الأفضل: “كل شخص لديه موهبة وإبداع، ولديه شيء ما مهم ليقوله.” أحياناً، الخوف يطاردك لأنك لا تعرف ما يمكن توقعه. لنقل أنك انتهيت من قصة قصيرة أو رواية وتريد أن تنشرها. وماذا بعد؟ هناك عشرات من المصادر في الأنترنت والكتب التي تمنحك فكرة عن كيفية فعل ذلك. يمكنك أيضاً حضور المؤتمرات ـــ أو ربما تجد مجموعة لكاتب في الأنترنت ــ تحدث مع الآخرين عن كيفية تحقيقك ما تريد. تعلم ما الخطوات التي أتخذها الكتّاب، تعلم من أخطاءهم. بالنسبة لعدم الثقة بالنفس، ما يساعدك على تجنب ذلك مجموعة من المحبين الذين يؤمنون بك. ولكن في النهاية، عليك أن تحفر بعمق، مباشرة نحو الهدف، وتغذي الأمل هناك.

لم أشعر بالندم، ولكن لم يكن كل شيء سهل. واجهت ونجوت من الرافضين. الى جانب، عواقب الحاجة، و ــ نعم ــ الشك الذاتي.

استمعت الى معرفتي العميقة، ولقد كوفئت على ذلك. روايتي الأولى، طفلي الأول “رحمة من الفراغ” ظهر الى العالم في سبتمبر 2005. لقد جربت الهمهمة السحرية عندما تأتي الكلمات. أبدأ وأنتهي كل يوم مع رجل هو حب حياتي. وبالتأكيد، “معرفة عميقة” أخرى قادمة في الطريق. أنا ببساطة لم أشعر بها حتى الآن.

المصدر: FSB Media

* رونلاين دومينيك، كاتبة أمريكية صدرت روايتها الأولى “رحمة من الفراغ” في 2005. وصدر لها في 2013 روايتها الثانية “رسام خرائط الحرب”، وستصدر تتمة هذه الملحمة “تاريخ سيكرت ريفن” في 2014. ترجمت روايتها الأولى ــ التي استقبلت بنقد لاذع ــ الى عشر لغات. ونشرت مقتطفات من كتاباتها في صحف أمريكية وبريطانية معروفة.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *