والتر موزلي: لماذا أكتب؟

ترجمة: هيفاء القحطاني
أحب وضع الكلمات مع بعضها

أحب وضع الكلمات مع بعضها لرواية قصة ..

 

أحب وضع الكلمات مع بعضها لرواية قصة، إنّه أمر عظيم!

لا أستطيع التفكير في سبب يمنعني من الكتابة. ربما يكون أحدها ألا يشتري أحد كتبي وحتى هذا السبب عندما أفكّر به لا يمنعني من الكتابة. سأكتب بأية حال. لم تكن الكتابة ملازمة لي في حياتي، كنت أرسم. أرسم كلّ يوم في صغري وبدأت الكتابة في الثلاثينات، ووقعتُ في حبها. الكتابة مثل العلاقات بين البشر، تلتقي بأحد ما ثم تقع في حبه فجأة وبشكل لم تتوقعه. قد أسألك لماذا تحبه؟ ولكنك لن تستطيع الإجابة. أحب الكتابة لكنني لا أصل إلى حدّ الهوس بها. إذا كتبت جملة جيدة يزورني نفس الشعور الرائع المرافق للإنجاز، مثل لعب لعبة الكترونية أو لعب الشطرنج. هناك لحظات كهذه عندما أكتب أكثر منها مع أي شيء آخر، وحتى عندما أمشي في الشارع وحسب، فإن حياتي هي حياةٌ من خيال.

النّمل النّاري

قبل أن أصبح كاتباً كنت مبرمج كمبيوتر. لم أكره عملي لكنني لم أجد فيه معنى. لم أكن أعود إلى المنزل وأرى نفسي منهمكاً في العمل كما أفعل الآن. كنت أعمل مستشار برمجة في شركة موبيل للنفط، وفي إحدى عطل نهاية الاسبوع كنت وحدي في المكتب. تملكني التعب من كتابة البرامج فتوقفت لأكتب هذه الجملة “في الأيام الحارة اللزجة بجنوب لويزيانا يحتشد النّمل النّاري” لم أذهب للويزيانا من قبل، ولم أرَ نملة نارية. لكنني فكرت “تبدو هذه الجملة كافتتاحية لرواية، ربما يمكنني كتابة الروايات” وهكذا كتبت كتابي الأول.

لم يرغب أحد بنشره، ولم يمكنني العثور على وكيل أعمال يمثلني. لم يكن الكتاب عن الرجال البيض أو السيدات السود، ولا أحد يريد قراءة كتاب عن الرجال السود! فكّرت “قد لا تُنشر كتاباتي أبداً” ولكني لم أتوقف، قررت عدم التوقف. وفكرت في الحصول على دروس في الكتابة، والبحث عن وظيفة في التدريس. بعد أربع سنوات من الكتابة المتواصلة، كتبتُ “الشيطان في فستان أزرق” ثمّ سلمته لصديقي الكاتب الذي سلمه بدوره لوكيلته فوافقت على تمثيلي. بيعت الرواية لناشر خلال ستة أسابيع. كانت دور النشر تبحث عن أنواع جديدة ومختلفة من روايات الغموض، وهذه الرواية لكاتب أسود وهذا شيء نادر وعنصر محفز للبيع.

كانت لحظة بيع كتابي الأول أفضل لحظات مسيرتي الكتابية. اتصلت بوالدي وأخبرته “لقد بعت كتاباً، ودُفع لي مقابله ما أجنيه من عملي في عام كامل” لم يصدقني، لم أصدّقني! هكذا بدأ كلّ شيء. حقق الكتاب النجاح وحصلت على اهتمام القراء. وأفضل من هذا لم يتوجب عليّ العمل في وظيفتي بعد الآن، وهذا رائع.

ما إن بدأت

لم يمكنني التوقف، لم أكن أريد أن أتوقف. على جهاز الكمبيوتر ثلاث أو أربع روايات لم تُنشر بعد. ولم أقدمها لوكيلتي. تقول لي “لا مزيد من الكتب، ليس لديّ وقت للقراءة” أشعر أنها كتب جيدة، وهكذا شعرت حيال كتابي الأول. إذا لم ترد وكيلتي نشرها ستجد هذه الكتب من ينشرها عاجلاً أم آجلا.

قد يكون الرفض مثيراً

الرفض أسوأ لحظة يمر بها الكاتب

الرفض أسوأ لحظة يمر بها الكاتب

الرّفض، أسوأ لحظة يمرّ بها الكاتب وقد تتكرر مرارا خلال مسيرته الكتابية. عندما تستمر في كتابة ما ترغب أنت بكتابته ستجد الكثير من الرفض. “لن نطبع هذا الكتاب لأنه يحوي الكثير من الجنس” “لن نطبع هذا الكتاب الواقعي. من تظن نفسك لتتحدث في هذا المجال؟”.

الرفض دائما مؤلم، لكنك ستتعلم الاستمتاع به. إنه جزء من حياة عجائبية، وستدرك أنك لم تكن لتحصل على هذه الحياة لولا الألم. سيتمكن الألم من إغواءك وستستمتع به. لاحقاّ أيضاً، ستحب الاجتماع مع رفاقك الكتاب لتتحدثوا عن أسوأ رفض واجهكم. أذكر أنني حصلت على قراءة نقدية لأحد كتبي في Publisher’s Weekly قال فيها الناقد أنّ شخصياتي ليست بقوة الورق المقوى. أحب إطلاع الآخرين على هذه القصة، إنّها مضحكة. إن قول ذلك لكاتب –وإن كان في الصف الثالث الابتدائي- أمر فظيع جداً، لكنني نشرت كتاباً لذلك أنا بخير ولا أتأثر. هذا ما قررت فعله، أنا ملاكم، تلقي الضربات أسوأ لحظاته وأفضلها. أنا أحاول النجاة.

مشكلتي

قد يبدو هذا جنوناً لكنّ الرأسمالية مشكلتي الأكبر. الأمر يعمل بهذه الطريقة: مجموعة من البشر يقومون بتركيب منتجات على خطّ تصنيع ثم تباع هذه المنتجات. إذا كانت مهمّتك –مثلاً- تركيب حاجز الاصطدام الأمامي في سيارة فورد، لا يمكنك تركيب المكابح. لا يمكنك تغيير طبيعة عملك بقرار مفاجئ. حياة الكاتب لا تختلف عن ذلك. أكتب في الخيال العلمي، الكتب، والواقع وبرامج التلفزيون. أكتب عن كلّ شيء، لكن الناس لا يرغبون في ذلك. وهي مشكلة يعاني منها كثير من الكتاب. وكلما كان نجاحهم أكبر كلما زادت مشاكلهم. عندما تكتب كتابا ثم يبيع نسخاً بقيمة مليون دولار ثم تكتب كتاباً آخر ويبيع نسخاً بقيمة مئتي ألف دولار فقط، لن يبدأ ناشرك بالتساؤل عن جودته. حتى أنت ستفعل ذلك.

يُهزم الكثير من الكتاب بسبب نظام الكتابة. كنت أتحدث مع أحدهم مؤخراً، وأخبرني بأنه لم يتمكن من نشر كتاباته، لذا يفكر باعتزال الكتابة ككل. قلت له “لا بدّ أنك تمازحني. أنت لا تكتب من أجل النشر، أنت تكتب لأجل الكتابة”. إذا كنت ترغب بالزواج ستحتاج لشخص آخر، وإذا كنت ترغب بالكتابة، لن تحتاج لأحد. كتّابي المفضلين تشارلز ديكنز ومارك توين يأتيان من زمن لم يكن النشر فيه واقعاً تحت سيطرة الرأسمالية. أنا كاتب، ولستُ بائع. لذلك أنا بحاجة للحفاظ على ذهني بعيداً عن الناتج النهائي. سأترك ذلك لناشري الذي سيقول “أريد أن تصنع الكثير من المال” وشخصياً لن أفكر بذلك.

الرأسمالية هي مشكلتي الأكبر

الرأسمالية هي مشكلتي الأكبر

تفاهة التصنيفات

هناك سلّم من الرتب لتصنيف الكتّاب في عالم النشر. هناك كُتّاب الروايات التجارية –أو الأكثر مبيعاً- وهناك كتّاب الرواية الأدبية. الذين يفضلون الروايات التجارية يقولون أن والتر موزلي كاتب روايات أدبية ويجدر بنا ألا نلتفت لما يكتب. مناصرو الأدب يقولون موزلي كاتب مشهور لذلك ينبغي ألا نعيره اهتماماً. هذه التعابير سخيفة. لا أهتم للتسمية التي تطلقها علي. السؤال هو: هل كتبت كتابا جيداً أم لا؟ وكلا الخيارين يرضيني.

سنة بعد سنة، تتم دعوتي للمشاركة في احتفالات الجوائز الأدبية وجمع المال لها، ولكنني لا أرشح للحصول على هذه الجوائز. أجد نفسي مغفلاً عندما أجمع المال لنظام لا يعترف بي.

هناك مجموعة من الأدباء الذين يعتقدون بأنهم مهمّين ويكرهون ما يسمى بالكتّاب التجاريين. ما لا يعرفه هؤلاء أن أهم الكتاب الذين عرفهم التاريخ كانوا “تجاريين” بطريقتهم. شكسبير، ديكنز، توين، دوما، غوغول ودوستويفسكي. كلّ كاتب مهمّ في مجاله كان كاتباً مشهوراً. كان ميلفيل كاتب مغامرات، يكتب كتباً عميقة لكنه لم يمنع القرّاء من تسميتها كتب مغامرات. كتب ميلفيل كتبا بتصنيفات متنوعة، ولستَ بحاجة لتصنيف كتبه كي تحبّها. هنا يكمن بهاء الكتب وقوّتها.

عندما تكتب كتاباً واقعيا عن عمال كاليفورنيا الذين لا يحملون وثائق ثبوتية سيقرأه أشخاص يهتمون بالموضوع. وعندما تكتب رواية عن مكسيكي مشكوك في وثائقه يقتل الشخص الذي ساعد في تهريبه عبر الحدود، ستجد قرّاء من كل الأنواع. يأتي القراء لتصنيف معين من الكتب بسبب شيء خارج القصة، لكن القصة تبقى موجودة وسيصلون إليها.

كنت أتحدث مع إحدى الأديبات ذات يوم وقالت بفخر “لا يتمكن الجميع من فهم رواياتي” وقلت لها “هذا ليس جيدًا، يجب أن يصل أدبك للجميع. يجب أن يصل لأكبر قدر ممكن من القراء وأن يخرجوا بشيء منه. إذا كتبتِ شيئاً وفهمه عشرة أشخاص فقط، فأنتِ لستِ بحاجة لكتابة هذا الكتاب”.

نحنُ بحاجة لإزالة التفضيلات بين تصنيفات الكتب، وفي النهاية ما يمكن قوله عن الكتابة سنجده في الكتابة نفسها.

القلب الغامض

لم يعد القراء بحاجة للروائيين لإخبارهم عن عبور العالم على سفينة، أو كيف يخوضون حرباً. في القرن الحادي والعشرين أصبحنا نجد المعلومات بطرق مختلفة. وما زال القلب البشريّ أكثر الأشياء غموضاً لدينا. ما نريده حقاً هو فهم البشر، ما الذي يفعلونه ولماذا يفعلونه.

كلمة والتر موزلي للكتّاب

– الكتاب الذين يفشلون في الكتابة هم أولئك الذين يستسلمون بسبب المؤثرات الخارجية والضغوط أو بسبب تأخر نشر كتاباتهم. ارفعوا إرادتكم فوق كل الظروف.

– الكتابة استثمار طويل المدى. إذا التزمت به ستصل إلى ما تصبوا إليه من نجاحات.

– لا تتوقع من مسودتك الأولى أن تكون كالكتب التي تقرأها أو تحبها. قد لا ترى في الكتب المنشورة العشرين أو الثلاثين مسودّة التي سبقتها.

– توماس اديسون ليس من المفضلين لدي لكنه قال “العبقرية تحتوي على 1% من الإلهام و 99% من العرق”. وهو على حقّ.

This entry was posted in لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *