أمبرتو إيكو: النص كيان متكامل له ذكاؤه الخاص

ترجمة: رؤوف علوان
أعيد كتابة نفس الصفحة أكثر من مرة. وأحيانًا أقرأ مقاطع منها بصوتٍ عالٍ. أجدني حسّاسًا جدًا فيما يتعلق بنبرة السرد في قصصي.

أعيد كتابة نفس الصفحة أكثر من مرة. وأحيانًا أقرأ مقاطع منها بصوتٍ عالٍ. أجدني حسّاسًا جدًا فيما يتعلق بنبرة السرد في قصصي.

أجرى اللقاء Lila Azam Zanganeh لِيلا أزام زانغانيه. (كاتبة من أصل إيراني نشأت ودرست في باريس، حاليًا تسكن وتعمل في نيويورك).

الصحفية: هل تكتب بشكل منهجي محدد؟

إيكو: كلا، على الإطلاق. ففكرة قد تأخذني إلى فكرة أخرى. أو كتاب اقرأه يفضي بي إلى كتاب آخر. ويحدث في أوقات كثيرة، أن أجدني أقرأ في وثيقة عديمة الفائدة، وفجأة أجد فكرة أبحث عنها تدفع أحداث قصتي للأمام. أو بإمكاني القول بأنني أضع صندوقًا صغيرًا في بطن صغيرٍ أكبر في مجموعة صناديق تحوي بعضها البعض.

الصحفية: قلتَ ذات مرة بأنك حين تريد كتابة رواية تبتكر عالمًا متكاملاً وثم “الكلمات ستتدفق من ذاتها”. هل هذا يعني أن موضوع الرواية يحدد أسلوب الرواية؟

إيكو: أجل، فبالنسبة لي الجزئية المهمة تكمن في أن أشيد عالَمًا متكاملاً – سواء دير في القرن الرابع عشر برهبان مسمومين، أو شاب يعزف الترومبيت في المقبرة، أو مخادع في زمن سقوط القسطنطينية. إن القيام بالبحث يعني أن أخلق عالَمًا دقيقًا محددًا وواضح المعالم من مثل: كم عدد درجات السلم الحلزوني في الدير؟ كم عدد الأشياء في قائمة غسيل الثياب؟ كم عدد المشاركين الذين سيقومون بالمهمة أو تلك؟ بعد ذلك، الكلمات ستتشكل من كل هذه التفاصيل. في الأدب، أشعر أننا نرتكب خطأ الاعتقاد بأن الأسلوب الأدبي له علاقة فقط بصياغة اللغة من مفردات ومترادفات في عبارة أو جملة. وهناك أيضًا ذلك الأسلوب السردي، الذي يتحكم في كيفية بناء مقاطع كبيرة بطريقة معينة لخلق موقف. خذ الفلاش باك على سبيل المثال، الفلاش باك أحد عناصر بناء الأسلوب، لكن ليس له علاقة باللغة. لهذا، الأسلوب أكثر تعقيدًا من أن يكون مجرد كتابة. بالنسبة لي الأسلوب يشبه تمامًا وظيفة المونتاج في الأفلام.

الصحفية: إلى أي مدى تجتهد في الكتابة لتحصل على النبرة الصحيحة في سرد قصصك؟

إيكو: أعيد كتابة نفس الصفحة أكثر من مرة. وأحيانًا أقرأ مقاطع منها بصوتٍ عالٍ. أجدني حسّاسًا جدًا فيما يتعلق بنبرة السرد في قصصي.

الصحفية: هل أنت مثل غوستاف فلوبير، تتعذب حتى تجد جملة واحدة جيدة؟

إيكو: كلا، الأمر هذا لا يعذبني. لأنني أعيد صياغة نفس الجملة مرات عديدة. لكن الآن، بفضل الحاسوب، طريقتي بالكتابة تغيرت. حين كتبتُ رواية اسم الوردة بخط يدي، ولاحقًا السكرتيرة طبعتها بالآلة الطابعة. كان الأمر صعبًا، حينذاك، لإعادة صياغة جملة عشرات المرات ونسخها من جديد. كنا نستخدم ورق الكربون، لكن أيضًا استخدمنا المقص والصمغ. مع الحاسوب بدا الأمر سهلاً لإعادة صياغة الصفحة عشر مرات أو عشرين مرة بنفس اليوم، مع التصحيح والتنقيح. أعتقد بأننا في طبيعتنا لسنا سعداء بكل ما توصلنا إليه. لكن الآن الأمر سهل، سهل جدًا للتصحيح. لهذا بشكل ما أصبحنا أكثر تطلّبًا.

الصحفية: الروايات ذات الشخصية التي تنضج وتتطور عبر تجارب الحياة، عادة تحوي العاطفة والجنس والتعلّم. وفي مجموع رواياتك، هناك فقط مشهدان جنس أحدهما في رواية اسم الوردة، والآخر في رواية باودلينو. ما السبب في ذلك؟

إيكو: أظن لأنني أحب ممارسة الحب على أن أكتب عنه.

الصحفية: لماذا كان آدسوAdso في رواية اسم الوردة ينشد ” نشيد الإنشاد Song of the Songs” حينما كان يمارس الحب مع الفتاة الفلاحة؟

إيكو: كان ذلك من أجل متعة التلاعب بالأساليب الأدبية، لأنني لم أكن مهتمًا كثيرًا بفعل الجنس بحد ذاته في المشهد، بقدر ما كنت مهتمًا بوصف كيف لراهب شاب أن يختبر تجربة الجنس من خلال تعليمه الديني. فصنعت تركيبة مما لا يقل عن خمسين نصًا من النصوص الروحانية القديمة فيها وصف للذّة النشوة، وأضفت عليها بعض الآيات من سِفْر نشيد الإنشاد (أحد أسفار العهد القديم في الكتاب المقدس). ففي الصفحتين اللتين خصصتهما لوصف مشهد الحب، بالكاد توجد كلمة واحدة من ابتكاري. شخصية آدسو لا يمكنها فهم ممارسة الحب إلا عبر ثقافتها التي تعرفها. بإمكانك أخذ هذا كمثال لمفهوم الأسلوب الأدبي، كما أعرّفه.

الصحفية: في أي وقت من اليوم تكتب؟

إيكو: لا توجد هناك قاعدة. فبالنسبة لي من المستحيل أن ألتزم بجدول معين. قد يحدث أن أبدأ الكتابة في السابعة صباحًا وأنتهي عند الثالثة بعد منتصف الليل. أتوقف فقط لأتناول شطيرة. وأحيانًا لا أشعر بالرغبة في الكتابة أبدًا.

الصحفية: حينما تكتب، كم عدد الصفحات التي تنجزها باليوم الواحد؟ أم لا توجد قاعدة لذلك أيضًا؟

إيكو: لا توجد قاعدة لذلك أيضًا. اسمعي، الكتابة لا تعني بالضرورة أن نضع الكلمات على الورق. لو كان الأمر كذلك، إذن سيكون بإمكانك أن تكتبي أثناء المشي أو الأكل.

الصحفية: هل هذا يعني أنك كل يوم تنجز كمًا مختلفًا؟

إيكو: لو كنتُ في منزلي الريفي فوق تلال مونتفيلترو Montefeltro، سيكون لدي روتين كتابة معين: أفتح الحاسوب، أنظر في بريدي الإلكتروني، أقرأ بعض الرسائل، ثم أكتب إلى ما بعد الظهيرة. فيما بعد أتجه إلى القرية، حيث أحتسي كأسًا في الحانة، وأقرأ الصحيفة. بعد ذلك أعود للمنزل أشاهد بعض البرامج المتلفزة، أو أشاهد فيلمًا في المساء حتى الحادية عشر ليلاً، ثم أواصل الكتابة قليلاً إلى الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل.

كما ترين، حينها يكون لي روتين بالكتابة لأنه ما من شيء يقاطعني. بينما حين أكون في ميلانو، أو في الجامعة، لا يصبح الوقت ملكي – لأنه دائمًا هناك شخص آخر يقرر ما يجب عليّ القيام به.

الصحفية: هل هناك مخاوف أو قلق ينتابك حين تبدأ بالكتابة؟

إيكو: ليس لدي أي قلق أو مخاوف.

الصحفية: ليس لديك قلق. إذن حين تكتب تبدو متحمسًا؟

إيكو: حينما أجلس وأبدأ بالكتابة، أشعر بسعادة عميقة بداخلي.

الصحفية: ما سرّ الإنتاج الغزير في كتاباتك؟ وأعني لقد أنجزت العديد من الأعمال الأكاديمية، بالإضافة إلى رواياتكِ الخمس في فترة قصيرة.

إيكو: دائمًا أقول بأنني أستطيع أن أستغل فترات الفراغ القصيرة. هناك الكثير من الفراغ بين الذرّة والأخرى، وبين الإلكترون والآخر، لو استطعنا أن نقلّص مادة الكون بإلغاء كل الفراغات التي تفصل بين الأجرام، حينها كل الكون سيبدو في حجم الكرة. حياتنا بالمثل، مليئة بتلك الفراغات. على سبيل المثال، حين اتصلتِ بي هذا الصباح، وبعدها اضطررتِ أن تنتظرين وصول المصعد، انقضت عدّة ثوانٍ حتى وصلتِ إلى بابي. في لحظات انتظاري لك، وفي تلك الثواني القليلة، كنت منشغلاً بالتفكير بما كنتُ أكتبه. بإمكاني الكتابة في دورة مياه قطار. وحين أعوم في المسبح تأتيني أفكار كثيرة، وبخاصة حين أسبح بالبحر. بينما في مغطس الحمّام لا تأتيني أفكار كثيرة، لكن تأتي أفكار لا بأس بها.

الكتابة لا تعني بالضرورة أن نضع الكلمات على الورق. لو كان الأمر كذلك، إذن سيكون بإمكانك أن تكتبي أثناء المشي أو الأكل.

الكتابة لا تعني بالضرورة أن نضع الكلمات على الورق. لو كان الأمر كذلك، إذن سيكون بإمكانك أن تكتبي أثناء المشي أو الأكل.

الصحفية: ألا تأخذ قسطًا من الراحة من الكتابة بتواصل؟

إيكو: كلا! هذا لا يحدث. أووه، حسنًا بلى يحدث ذلك. أذكر ذات مرة أخذت قسطًا من الراحة لمدة يومين بسبب عملية جراحية أجريتها.

الصحفية: كيف تستمع في يومك؟

إيكو: بقراءة الروايات ليلاً. وأحيانًا أتساءل بيني وبين نفسي، هل قراءة الروايات بالنهار تعتبر خطيئة. بإمكانكِ أن تلاحظي أن النهار عادة لكتابة المقالات والأعمال الشاقة الأخرى.

الصحفية: ماذا عن مُتعكَ المحرّمة؟

إيكو: لن أعترف! لكن ها هي: كأس من السكوتش، وكان التدخين إحدى مُتَعي إلى أن امتنعت عنه قبل ثلاث سنوات. كنت أدخّن تقريبًا ستين سيجارة باليوم. وسابقًا كنت أدخن الغليون، لذا كانت متعتي بنفث الدخان أثناء الكتابة. لم أكن أسحب الدخان لصدري كثيرًا.

الصحفية: ينتقدُكَ الكثير بأنك تستعرض معرفتك في أعمالك. لدرجة أن أحد النقاد قال بأن الشيء الوحيد الذي يجده في أعمالك هو قدرتها على جعل القارئ العادي يشعر بمهانة جهله. بالمعنى أنك تستعرض عضلاتك المعرفية.

إيكو: هل أنا شخص ساديّ؟ لا أعلم. استعراضي؟ ربما. إني أمزح. بالطبع لستُ كذلك! لا أقوم بكل هذا الجهد من الكتابة فقط لأكدّس معرفتي على القارئ. بالتحديد كل ما أعرفه يوجد تحت تفاصيل البناء الروائي لقصصي. والأمر يعود للقارئ بأن يراها أو لا يراها.

الصحفية: هل تجد نجاحك الباهر كأديب غيّر نظرتك لدور القارئ؟

إيكو: بعدما أمضيت الكثير في الحقل الأكاديمي، بدت كتابة الرواية ككتابة النقد المسرحي حيث فجأة تجد نفسك تقف تحت الأضواء، يحدق بك زملاؤك السابقين – النقاد. كان الأمر بالبداية مربكًا.

الصحفية: لكن هل كتابة الرواية غيّرت فكرتك عن مدى إمكانية تأثيرك كمؤلف على القارئ؟

إيكو: دائمًا أعتقد أن الكتاب الجيد أكثر تأثيرًا من مؤلفه. فبإمكان كتاب أن يخبر القارئ بأشياء لم تخطر على بال المؤلف نفسه.

الصحفية: هل برأيك بعدما أصبحت من أصحاب الروايات الأكثر مبيعًا، أن هذا أثّر على صورتك كمفكّر جاد في العالم؟

إيكو: منذ أصدرت رواياتي تسلمتُ خمسَ وثلاثين شهادة فخرية من مختلف الجامعات حول العالم. من وجهة النظر هذه أستطيع أن استنتج بأن الجواب على سؤالك هو: كلاّ. بينما في الأوساط الأكاديمية، الكثير من الأكاديميين كانوا مهتمين بالعلاقة بين جانبَيْ السرد الأدبي والأكاديمي لديّ. وكانوا عادةً يتوصلون لإيجاد رابط بينهما، روابط حتى أنا شخصيًا لم أكن أتخيل أنها موجودة. ولو شئتِ، بإمكانكِ رؤية جدارية الإصدارات الأكاديمية التي كُتبت عني.

بالإضافة لذلك، لا زلت أكتب مقالات أكاديمية. لا زلت أواصل العيش كبروفيسور يكتب الرواية خلال إجازة نهاية الأسبوع، وليس كمؤلف يدرّس في الجامعة. أحضِر المؤتمرات العلمية أكثر مما أحضر المؤتمرات التي تعقدها حركة المؤلفين والنقاد الأدبية. وفي الحقيقة، بإمكاني أن أقول: ربما وظيفتي الأكاديمية هي التي زعزعت صورتي عن ذاتي كمؤلف مشهور.

الصحفية: الكنيسة الكاثوليكية بالتأكيد جعلتك تذوق المُرّ. صحيفة الفاتيكان الرسمية أطلقت على روايتك بندول فوكو بأنها “مليئة بالبذاءة، والتجديف، والحماقات، والقذارة، يقذف كل هذا مدفعٌ من التعجرف والتهكم.”

إيكو: الغريب بالأمر أنني استلمت منذ مدة شهادات فخرية من كنيستين كاثوليكتيين، لوفين Leuven و لويولا Loyola.

الصحفية: هل تؤمن بوجود الله؟

إيكو: لماذا يقع المرء في حب شخص بيوم ما، وثم بيوم آخر يكتشف أن مشاعر الحب لديه تلاشت؟ آهٍ، إنّ المشاعر تختفي بلا تبرير، وغالبًا بلا أثر.

الصحفية: إن كنت لا تؤمن بالله، فلماذا تكتب كثيرًا عن الدين؟

إيكو: لأني أؤمن بالأديان. فالإنسان حيوان يتوق للدين، وخصلة كهذه في سلوك الإنسان لا يُمكن تجاهلها أو استبعادها.

الصحفية: بالإضافة إلى شخصيّتَيْ الأكاديمي والأديب، هنالك شخصية ثالثة تحاول أن تجد حيزًا بداخلك: شخصية المترجم. إذ لديك أعمال كثيرة قمت بترجمتها ونُشرت بشكل واسع، وأعمال حول مشاكل الترجمة.

إيكو: قمت بتحرير الكثير من الترجمات، وترجمتُ عملين بنفسي، ورواياتي تُرجمت لغات عدّة. وجدتُ بأن الترجمة هي نوع من أنواع التفاوض. لو أردت أن تبيعني شيئًا فإننا سنتفاوض- ستخسر شيئًا وسأخسر شيئًا أنا الآخر من ناحيتي. لكن في نهاية الأمر كِلانا سنخرج بشكل ما، بنتيجة مُرضية.

في الترجمة، الأسلوب لا يتعلق بثراء المفردات اللغوية للمترجم، إذ بإمكانك الاستعانة بموقع AtraVista الإلكتروني لذلك، لكن الأمر يتعلق بالإيقاع. الكثير من الباحثين أقاموا اختبارات على تواتر الكلمات في رواية مانزوني The Berthold ، روايته التي تعتبر أحد التحف الفنية في الأدب الإيطالي بالقرن التاسع عشر. لم يكن لدى مانزوني Manzoni أي ثراء لغوي أبدًا، ولم يأتِ بمجازات مبتكرة، وقد استخدم الصفة “جيد” بكمية مخيفة. لكن أسلوبه الأدبي مميز، نقيٌّ وبسيط. وللقيام بترجمة روايته، وكذلك هو الأمر مع كل الترجمات العظيمة، عليك أن تغوص في أعماق عالمه، وتستحضر أنفاسه، وإيقاعه الدقيق.

الصحفية: هل تشارك في ترجمة أعمالك؟

إيكو: عادة أقرأ ترجمات رواياتي بكل لغة أعرفها. وغالبًا ما أكون راضيًا على النتيجة. ذلك بسبب أنني والمترجمين نعمل سويًا، ولا بد أنني محظوظ، لأني حظيت بنفس المترجمين طوال فترة حياتي. نتعامل مع بعض بتفاهم متبادل. وأحيانًا أعمل معهم في ترجمات لغات لا أتقنها مثل: اليابانية، الروسية، والهنغارية – وهذه لغات صعبة، فنتعاون سويًا للعمل على حل بعض مشاكل الترجمة.

الصحفية: هل يعرض عليك أحد المترجمين اقتراح يفتح احتمالات جديدة ليست موجودة في النص الأصلي؟

إيكو: أجل، هذا يحدث. وأكرر من جديد، النصّ بحد ذاته كيان متكامل له ذكاؤه الخاص أكثر من المؤلف. أحيانًا بإمكان النصّ أن يلمّح بأفكار إلى القارئ لم تخطر على بال المؤلف. لهذا بينما يضع المترجم النصّ في لغة أخرى، يعثر على تلك الأفكار ويحاول أن يكشفها لنا.

الصحفية: هل لديك الوقت لقراءة روايات المؤلفين المعاصرين لك؟

إيكو: ليس كثيرًا. منذ أن أصبحت روائيًا وجدتني بت متحيزًا. فإما أجدني مع رواية جديدة وأظنها أسوأ من روايتي، فأكرهها. أو أجدني مع رواية أتوجس أنها أفضل من رواياتي، فأكرهها أيضًا.

الصحفية: ما رأيك بالأدب الإيطالي اليوم؟ هل هناك أدباء في إيطاليا سنسمع عنهم قريبًا هنا في أميركا؟

إيكو: لا أعلم إن كان هناك أدباء جيدون، لكن أدباءنا المتوسطين الجودة تطوروا. لا تكمن قوة الأدب الأميركي، كما تعلمين، بوجود فولكنر أو همنغواي أو بيللو فقط. بل وأيضًا بوجود أدباء متوسطي الموهبة ينتجون أدبًا معقولاً يدرّ الربح. هذا النوع الأخير من الأدب، يتطلب أدباء حِرفييّن، بخاصة في روايات المحققين البوليسية، والتي بالنسبة لي هي مقياس للأدب بكل بلد. كثرةُ الأدباء متوسطي الجودة، يعني أيضًا، بأن أميركا بإمكانها إنتاج مادة كافية لإشباع حاجات القارئ الأميركي. لهذا نجد الأعمال المترجمة قليلة بالمقارنة. وهذا الأدب -المتوسط الجودة- كان غائبًا لفترة طويلة عن إيطاليا، لكن الآن وأخيرًا، هناك مجموعة من الكتّاب الشبان ينتجون هذا النوع من الأدب. لستُ مثقفًا متعاليًا، لا أعتقد ذلك، لكنني أرى بأن هذا الجنس الأدبي جزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي بكل بلد.

الصحفية: لكن لماذا لا نسمع عن الكتّاب الإيطاليين؟ فأنت ربما الكاتب الإيطالي الوحيد المعاصر، الذي يقرأ العالم أعماله، أو على الأقل دعنا نقول أنّ أعماله منتشرة.

إيكو: إن الترجمة هي السبب. ففي إيطاليا 20% من مبيعات الكتب تذهب لصالح الكتب المترجمة. بينما في أميركا النسبة 2% فقط.

الصحفية: يقول فلاديمير نابوكوف “أقسّم الأدب إلى فئتين، الكتبُ التي تمنيت لو كتبتُها، والكتبُ التي كتبتها.”

إيكو: حسنًا، في فئة الكتب التي تمنيت أن أكتبها سأضع كتب كيرت فونيجت Kurt Vonnegut، دون دليلو Don DeLillo، فيليب روث Phillip Roth ، وبول أوستر Paul Auster. لكن بشكل عام، فإني أميل للأدب الأميركي المعاصر أكثر من الأدب الفرنسي، رغم أن اللغة الفرنسية هي أساس منشأ ثقافتي لكن هذا يعود لأسباب جغرافية لا أكثر. بصفتي نشأت في بلدة قريبة من حدود فرنسا، واللغة الفرنسية كانت أول لغة أجنبية أتعلمها. ولعلني أعرف الأدب الفرنسي أكثر من الأدب الإيطالي.

الصحفية: من الذين ألهموا إيكو؟

إيكو: جوابي عن سؤال كهذا عادة يكون: جويس وبورخيس لكي أُبقِي الصحفيين صامتين. لكن جويس وبورخيس ليس فقط من تأثرت بهما، فهناك أسماء كثيرة تأثرت بها. بالطبع منهم جويس وبورخيس، لكن أيضًا تأثرت في أرسطو، توما الأكويني، جون لوك John Lock – والقائمة لا تنتهي.

الصحفية: مكتبة منزلك في ميلانو بحد ذاتها أعجوبة، ما هي أنواع الكتب التي تفضّل اقتنائها؟

إيكو: أمتلك حوالي خمسين ألف كتاب. لكن كجامع للكتب النادرة أنا مهتم بنزعة تطور الفكر الإنسانيّ. فأجمع كتبًا حول مواضيع لا أؤمن بها، مثل الكابالا (فلسفة دينية سرية عند أحبار اليهود والنصارى في العصر الوسيط أو مذاهب صوفية)، وحول موضوع الخيمياء، والسحر، واللغات المبتكرة، والكتب التي تكذب بشكل ساذج. لديّ بطليموس، لكن ليس غاليليو، لأن هذا الأخير اعتاد أن يقول الحقيقة. إني أفضّل العلماء المجانين.

الصحفية: حينما تقف أمام كل هذه المجلدات الكثيرة في مكتبتك، كيف تقرر اختيار الكتاب الذي تريد؟

إيكو: لا أقف أمام مكتبتي واختار كتابًا لأقرأه، إنما اختار الكتاب الذي أجدني في حاجة إليه في وقتها، وهذا أمر آخر. على سبيل المثال، لو سألتِني عن الكتّاب المعاصرين سأبحث في كتب Roth و DeLillo كي أتذكر الصفحات التي أحبها. ولا تنسَيْ بأنني أكاديميّ، لا أختار قراءة كتاب بشكل عشوائي. بل لأقرأ حسب حاجتي لمادة البحث الذي أقوم به حينها.

الصحفية: هل تعير كتبك لأحد؟

إيكو: تصلني مجموعات هائلة من الكتب كل يوم – روايات، أو طبعات جديدة من كتب كنت أمتلكها مسبقًا – لهذا تجدينني بين أسبوع وآخر أملأ صندوقًا وأرسله إلى الجامعة، حيث هناك طاولة كبيرة مكتوب عليها بخط عريض: خذ كتابًا واهرب.

الصحفية: بصفتك أحد المفكرين المهمين في عالمنا اليوم، ما هو تعريفك لمصطلح كلمة “المفكر”؟ هل لا زالت لهذه الكلمة معنى معين؟

إيكو: إن كنت تعني بكلمة “مفكر” الشخص الذي يستعمل عقله أكثر مما يعمل بيديه، إذن بهذا المعنى يعتبر موظف المصرف مفكرًا ومايكل أنجيلو ليس مفكرًا. لكن اليوم، وبفضل الحاسوب، الكل أصبح مفكرًا. لهذا لا أعتقد أن مفهوم “المفكر” له علاقة بوظيفة شخص أو طبقته الاجتماعية. من وجهة نظري، “المفكر” هو كل شخصٍ ينتج معرفة جديدة. فالفلاّح البسيط الذي يفهم أنه من خلال طريقة جديدة في تطعيم البذور بإمكانه انتاج نوع جديد من التفاح، هو بتلك اللحظة شرّع معرفة جديدة. بينما بروفيسور الفلسفة الذي يقضي عمره كله يكرر نفس المحاضرات عن هيدجرHeidegger لا يستحق لقب “مفكر”. الإبداع النقديّ – في إعادة التفكير ونقد كل ما نبدعه وابتكار طرائق جديدة للإبداع – هو السمة الوحيدة في مهمة المفكرين.

الصحفية: هل لا زال المفكر اليوم يشعر بواجب التزاماته السياسية، كما كان الحال أيام سارتر وفوكو؟

إيكو: لا أؤمن أن كل مفكر يجب أن يؤدي دورًا شبيهًا بعضو في أحد الأحزاب السياسية. أو الأسوأ، بأن تكون كتاباته محصورة فقط في جانب المشاكل الاجتماعية المعاصرة. فالمفكر يجب أن يكون مهتمًا بالسياسة مثله مثل أي مواطن عادي. وفي الغالب، بإمكان المفكر أن يستخدم مكانته وسمعته في مساندة قضية ما. فلو كان هناك عريضة حول مشكلة البيئة مثلاً، وجود اسمي سيساعد القضية حتمًا باستغلال مكانتي وسمعتي في شيء كهذا. مهمة المفكر تقع في أنه يفكر للمستقبل وليس للحاضر. فلو حدث حريق في مسرح مثلاً، فلن يقف شاعر على كرسي ويتلو قصيدة، بل عليه أن يستدعي رجال الإطفاء على عجل كأي شخص آخر بهذه الظروف. فوظيفة المفكر أن يرى المستقبل، بأن يحذرنا من أن هذا المسرح قد يحترق لأن المبنى قديم وليس آمن. فتبدو لكلمات المفكر وقع النبوءات. وظيفة المفكر باختصار تقع في: علينا أن نقوم بفعل هذا الشيء أو ذاك. ولا تقع مهمته في: لنفعل هذا الشيء الآن.. لأن الأخيرة هي مهمة الساسة. لو أن مدينة توماس مور الفاضلة تحققت بشكل ما، بلا شك لكانت ستكون مدينة ستالينيّة.

الصحفية: ما الذي أضافته الثقافة والمعرفة لحياتك؟

إيكو: إن رجل غير متعلم، دعينا نقول بمثل عمري، سيتوفى بعد أن يعيش حياة واحدة. بينما أنا عشت حياة كل من: نابليون، والقيصر، و D’Artagnan ( دارتانيان شخصية روائية خيالية وأحد أبطال رواية الفرسان الثلاثة للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما ). لهذا كثيرًا ما أحث الصغار على القراءة. لأنها الطريقة المثالية لاكتساب ذاكرة عظيمة، ولصقل الشخصية. ثم لاحقًا في النهاية سيبدو الأمر وكأنما عاشوا حيوات متعددة، وهذه مزية رائعة.

الصحفية: لكن الذاكرة الحادة قد تعني عبئا ثقيلا أيضًا، مثلما لدى شخصية فونيسFunes أحد شخصيات بورخيس المفضلة لديك من قصة “Funes the Memorious فونيس ذو الذاكرة العظيمة.”

إيكو: أحب ذلك الشعور بالجوع المعرفي، ولإشباع هذا الجوع، عليك أن تحدد مجالات معينة من المعرفة. لا يمكنك أن تلتهم كل أنواع المعرفة. عليك أن تتعلم كيف أن لا تعرف كل شيء عن كل شيء وإلا، لن تتعلم شيء. بهذا المعنى، الثقافة هي طريقتنا في أن نتعلم كيف أن ننسى. عدا ذلك، سيغدو المرء منا مثل شخصية ” فونيس”، الذي يتذكر كل ورقة شجرة رآها قبل ثلاثين عامًا. القدرة على نسيان ما لا نريد معرفته، وتذكّر ما نريد معرفته، أمر حاسم في عملية الإدراك المعرفي.

الصحفية: لكن أليست الثقافة بمفهومها العام إقصائية؟

إيكو: أجل. فثقافتنا هي عملية تأتي بالدرجة الثانية، لأن الثقافة بمفهومها العام تعمل عمل المرشح (الفلتر). بطريقة ما، الثقافة عملية آلية من خلالها يقوم مجتمع ما باقتراح ما يجب أن نحفظه وما يجب نسيانه. على سبيل المثال، الثقافة قد قررت – وانظري في كل موسوعة – بأن ما حدث لكالبيرنيا بعد موت زوجها يوليوس قيصر أحداث لا تستحق الذكر. وفي أغلب الأحوال لم يحدث لها شيء يستحق الذكر. بينما كلارا شومان تصبح لها أهمية بعد موت الموسيقار شومان. فالإشاعات تقول بأن كلارا كانت عشيقة برامز Brahms، وبأنها أصبحت عازفة بيانو مشهورة بحد ذاتها. هذه تبقى حقيقة إلى أن يأتي مؤرخٌ في لحظة ليستخرج وثيقة مجهولة فيها ما ينقض هذه الحقيقة.

لو كانت الثقافة غير إقصائية، فستكون تافهة، بمثل تفاهة الثقافة اللامحدودة التي يوفرها الإنترنت. ولو حدث أننا امتلكنا مثل هذه المعرفة اللامحدودة في عقولنا عبر الإنترنت، فسنتحول إلى أغبياء وحمقى. فالثقافة أداة لخلق نظام تسلسلي من المعرفة. بالنسبة لي ولك يكفي أن نعرف بأن آينشتاين قدّم نظرية تدعى النسبية. لكن لفهم تفاصيل النظرية بدقة فهذا من شأن المتخصصين. تقع المشكلة الحقيقية بمنح الحق للكثير بأن يصبح متخصصًا.

أحب ذلك الشعور بالجوع المعرفي، ولإشباع هذا الجوع، عليك أن تحدد مجالات معينة من المعرفة.

أحب ذلك الشعور بالجوع المعرفي، ولإشباع هذا الجوع، عليك أن تحدد مجالات معينة من المعرفة.

الصحفية: ماذا عمّن أعلنوا عن: موت الرواية، موت الكتب، وموت القراءة؟

إيكو: الإيمان بنهاية شيء، هو أنموذج ثقافي مكرر. فمنذ الإغريق والرومان، كنا نؤمن وبإصرار بأن أسلافنا أفضل منا. دائمًا تدهشني تلك اللعبة التي تمارسها علينا وسائل الإعلام وبشراسة متزايدة. ففي كل موسم تجد مقالاً يتحدث عن نهاية الرواية، ونهاية النثر، ونهاية الأدب الأميركي. وأن الناس ما عادت تقرأ! وأن المراهقين مهتمين فقط بألعاب الفيديو!

في حقيقة الأمر، أينما تذهب حول العالم هناك آلاف المكتبات المليئة بالكتب والممتلئة بالفئات العمرية الشابة. لم يحدث قط في تاريخ البشرية أن يتوفر هذا الكم الهائل من الكتب، بهذا المعدل المرتفع من بيع الكتب، وبهذا الكم من الفئات العمرية الشابة التي تذهب للمكتبات وتشتري الكتب.

الصحفية: ماذا تقول للخائفين من موت: الرواية، الكتب، والقراءة؟

إيكو: الثقافة تتشكل وتتغير بشكل دائم. سيكون حتمًا هناك ثقافة أخرى (في المستقبل)، لكنها ستبقى ثقافة.

فبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، كانت هناك قرون من التحولات الجذرية، على مستوى اللغة، السياسة، الأديان، والثقافة. هذه التغييرات تحدث الآن عشر مرات أسرع مما كانت عليه بالأزمنة السابقة. حتمًا أشكال جديدة من التعبير قد تنشأ، ولكن الأدب سيبقى.

الصحفية: قلت بوقت ما، أنك تريد يتذكرك الناس كأكاديمي أكثر من روائي. هل كنت تعني ذلك حقًا؟

إيكو: لا أتذكر أني قلت شيئا كهذا، لأنه قد يكون أحدهم حرّف معنى كلامي ليتناسب مع صيغة سؤاله. لكن عند هذه النقطة، علّمتني التجربة بأن الأعمال الأكاديمية لا تبقى لفترة طويلة. وهذا بسبب أن كل دقيقة تظهر نظرية جديدة تنقض سابقتها. أعمال أرسطو نجت عبر الزمان ولم تُطمس، لكن العديد من النصوص الأكاديمية منذ قرن مضى لم تعد تُطبع من جديد. بينما الكثير من الروايات يعاد طباعتها بشكل مستمر. لذا علميًا، نسبة أن يُخلّد عملك كأديب أعلى من نسبة أن يُخلّد عملك كأكاديمي. مع الأخذ بالحسبان الاستثناءات بالطبع.

الصحفية: ما أهمية أن تُخلّد أعمالك بالنسبة إليك؟ هل تفكر بين الحين والآخر بما ستتركه من بعدك؟

إيكو: لا أعتقد أن أحدًا يكتب لنفسه. أرى الكتابة مثل الحب.. نحن نكتب لأننا نريد أن نعطي شيئًا للآخرين. أن نتواصل مع الآخر. وأن نشارك الآخرين بمشاعرنا. ومشكلة أن يُخلّد عملٌ ما، مشكلة تؤرق كل كاتب وليس فقط الأدباء والشعراء. في الحقيقة، حتى الفيلسوف يكتب محاولاً أن يقنع أكبر قدر من الناس بنظريته، ويعزوه الأمل بأن الناس ستبقى تقرأ له طوال الثلاثة آلاف سنة قادمة. الأمر يشبه أن يخلفك أبناؤك، أو حفيد يخلف أبنائك. الكل يأمل بالاستمرارية. حين يقول لك أحد الكتّاب بأنه لا يكترث بمصير كتبه، تأكد أنه ببساطة يكذب. وأنه يقول ذلك فقط ليُرضي غرور الصحفي الذي يسأله.

الصحفية: في هذا العمر، هل أنت نادم على شيء؟

إيكو: نادم على كل شيء، لأني ارتكبت الكثير، الكثير من الأخطاء في كل اتجاهات الحياة. لكن لو أني كنتُ سأبدأ حياتي من جديد، بصراحة سأكرر كل الأخطاء التي ارتكبتها. إني أحدثك بكل جدية، أمضيت عمري أحلل سلوكي وأفكاري، وأضع نفسي تحت المساءلة. إنني قاسٍ بما يتعلق بمحاسبة نفسي، ولن أخبرك ما هو أسوأ انتقاداتي لنفسي، ولا حتى لو عرضتِ عليّ مليون دولار.

الصحفية: هل هناك كتاب لم تكتبه بعد، وتمنيتَ أن تكتبه؟

إيكو: أجل، كتاب واحد فقط. منذ صغري وحتى الخمسين من عمري، كنت أحلم أن أكتب كتابًا عن نظرية الكوميديا. لماذا؟ لأن كل الكتب عن هذا الموضوع كانت مخيبة، على الأقل الكتب التي استطعت قراءتها. فكل أصحاب النظريات حول الكوميديا من فرويد ، إلى بيرغسن، حاولوا شرح جانب واحد من هذه الظاهرة، لكن ليس كل الجوانب. الكوميديا ظاهرة معقدة جدا لدرجة أنه لم توجد نظرية إلى الآن تشرح الكوميديا بشكل متكامل. ففكرّتُ بأن أضع نظرية حقيقية حول الكوميديا. لكن لاحقًا، بدت المهمة صعبة جدا. لو كنت أعرف لماذا كانت صعبة، لكنتُ حصلت على الجواب واستطعت أن أضع نظرية للكوميديا.

الصحفية: لكنك كتبتَ عن الجمال، ومؤخرًا كتبتَ عن القبح. ألا ترى أنه ليس من المستحيل أن تضع نظرية للكوميديا؟

إيكو: بالمقارنة مع الجمال، والقبح، الكوميديا مخيفة. انتبهي، أنا لا أتحدث هنا عن فعل الضحك ذاته. كلا، فهناك شيء مدهش وبشكل عاطفي في الكوميديا، وهو معقّد جدا، لدرجة أنني لا أستطيع الكفّ عن شرحه. وعدم استطاعتي فهم هذا الشيء، يا للحسرة، هو السبب في أنني لم أكتب الكتاب.

الصحفية: هل الكوميديا فعل انساني بشكل خاص، مثلما قلتَ عن الكذب؟

إيكو: أجل بالطبع، بما أن الحيوانات تفتقد لحس الفكاهة. نحن نعلم بأن الحيوانات تميل للعب، والشعور بالشفقة، ونعلم أنها تنتحب، وتعاني. نحن موقنين أيضًا بأنها تكون سعيدة حينما تلاعبنا. لكن ليس لدينا أي دليل علمي أن لديها حس فكاهي. الكوميديا تجربة انسانية بحتة، تجربة تتركب من… كلا، كلا لا أستطيع شرح ذلك.

الصحفية: ولمَ لا؟

إيكو: حسنًا، لدي تلك الشكوك المتعلقة بفكرة: أننا الحيوان الوحيد الذي يدرك بأنه سيموت ويفنى. بينما الحيوانات الأخرى ليس لديها هذا الإدراك بفنائها. إنها تدركه فقط بلحظة وقوعه، لحظة موتها. لكنها غير قادرة أن تفصح عن فكرة مثل: كل شيء فانٍ. بينما نحن نستطيع أن نفصح عن ذلك، وهذا ربما السبب وراء وجود الأديان، والشعائر، وما إلى ذلك. إذ أعتقد بأن الكوميديا هي ردة فعل الإنسانية على جوهر فكرة الخوف من الموت والفناء. لو طلبت مني أن اشرح لك أكثر فلن أستطيع. لكن ربما سأبتكر الآن سرًا مفرّغًا من كل معنى، وأدع الآخرين يظنون بأن لديّ نظرية عن الكوميديا في أعمالي. وحين أرحل عن هذه الحياة، سيقضون جُلَّ أعمارهم يفكرون بحلّ هذا اللغز.

في الحقيقة، ما حدث أنني حين أردت أن أكتب نظرية عن الكوميديا بشكل أكاديمي، وجدتني أكتب رواية اسم الوردة. إنها تلك الحالة التي فيها لا نستطيع أن نضع نظرية بشكل علميّ، عوضًا عن ذلك نسردها روائيًا. وأؤمن بأنني في رواية اسم الوردة وضعت نظريتي حول الكوميديا مجسدة بقالب سرديّ. حيث الكوميديا (في هذه الرواية) تلعب دورًا حاسمًا في القضاء على التعصب. والتعصب مثل ظلّ شكّ شيطاني يلاحق ادعاء كل حقيقة.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *