جوزيه ساراماغو: الكتابة بالنسبة لي وظيفة

ترجمة: أحمد بن عايدة
إن الكتابة بالنسبة لي وظيفة. فلا أفصل بين العمل وعملية الكتابة كما لو كانا أمرين مختلفين لا يجمعهما شيء.

إن الكتابة بالنسبة لي وظيفة. فلا أفصل بين العمل وعملية الكتابة كما لو كانا أمرين مختلفين لا يجمعهما شيء.

حوار: دونزلينا باروسّو – باريس ريفيو
ترجمة: أحمد بن عايدة 

بعد سنوات عديدة من كونه ضمن القائمة القصيرة، حصل خوسيه ساراماغو على جائزة نوبل الأدبية في الثامن من أكتوبر عام ١٩٩٨ ليكون أوّل أديب برتغالي يوَّسم بالجائزة. قال ساراماغو معبّرًا عن رأيه في فوزه بالجائزة “لن أمارس واجبات الفائز بنوبل كمن فاز بمسابقة الجمال، ذلك الذي يتوجّب عليه المفاخرة في كل مكان.. لستُ أطمحُ لذاك العرش، وبالطبع، لستُ قادرًا على اعتلائه.”

ولد ساراماغو في عام ١٩٢٢ لعائلة ريفية بسيطة في أوساط منطقة ريباتيغو، البرتغال. عندما كان في عامه الثاني، انتقلت العائلة إلى لشبونة حيث عمل والده شرطيًا. وفي مراهقته، اضطرّته متاعب مادية للإنتقال من ثانوية عادية إلى مدرسة للتدريب المهني. وقد أدى ذلك إلى اشتغاله في العديد من الوظائف المختلفة قبل أن يصبح كاتبًا، من ضمنها عامل ميكانيكي.

في عام ١٩٤٧، في عامه الرابع والعشرين، نشر ساراماغو روايته الأولى”أرض الخطيئة” والتي كانت تحمل عنوان “الأرملة” غير أن الناشر غيّر أسم الرواية آملًا أن تحظى بمبيعات أكبر. (وقد علّق ساراماغو لاحقًا بأنه آنذاك لم يكن يعرف شيئًا عن الأرامل أو الخطايا.) بعد ذلك لم ينشر أي عمل لتسعة عشرة عام. ثم ظهرت في ١٩٦٦ مجموعته الشعرية الأولى، “القصائد المحتملة.” وفي عام ١٩٧٧ نشر روايته الثانية، “كتاب الرسم والخط” وقد كان ساراماغوا ناشطًا في الصحافة في الستينيات والسبعينيات. ولوقت قصير اشتغل مساعدًا لمدير جريدة الأخبار البرتغالية اليومية. وفي الأوقات العصيبة، كان يعين نفسه من خلال الترجمة من اللغة الفرنسية. وقد انضم ساراماغو إلى الحزب الشيوعي البرتغالي في ١٩٦٩، حيث كان من الأعضاء الفعّالين. مما جعل كتاباته متّصلة بشكل معقّد بالأوضاع الإجتماعية والسياسية.

وجد سارامغو صوته أخيرًا في فن الرواية بعد نشره “ثورة الأرض” في ١٩٨٠، وقد كتبها ساراماغو بعد ثورة القرنفل التي نشبت في البرتغال عام ١٩٧٤.

الصحفي: عندما انتقلت إلى لانزاروت، بعيدًا عن تلك البيئة التي احاطت بحياتك وكتاباتك لسنوات عديدة، هل اعتدت على فسحتك الجديدة سريعًا، أم أنك تفتقد فسحة عملك القديمة؟

ساراماغو: لقد تكيّفت بسهولة. أعتقد أنني من أولئك الذين لا يحاولون تعقيد حياتهم. لطالما عشت حياتي دون أن أضخّم من الأمور، جيدة كانت أم سيئة. إنني ببساطة أعيش تلك اللحظات. بالطبع، إذا كنت أشعر بالحزن، فإنني أحزن، غير أني لا أقوم… دعني أعيد صياغة الجملة: غير أني لا أحاول أن أكون مثيرًا للإهتمام.

في الوقت الحالي أقوم بكتابة رواية. وكم سيكون الأمر أكثر دهشة بالنسبة لي لو حدّثتك عن العذاب الذي أقاسيه في كتابتها، وعن المشقة في بناء شخصياتها، والدقة المفرطة في سرد حبكتها معقدة. ما أرمي إليه هنا هو أنني أنجز ما ينبغي إنجازه بأكبر قدر من الطبيعية. إن الكتابة بالنسبة لي وظيفة. فلا أفصل بين العمل وعملية الكتابة كما لو كانا أمرين مختلفين لا يجمعهما شيء. فأنا أقوم بترتيب الكلمات، الواحدة بعد الأخرى، أو الواحدة أمام الأخرى، كي أقول حكاية، لأقول شيئًا أعتبره هامًا وذا فائدة، أو على الأقل هامًا وذو فائدة بالنسبة لي. ذلك كل ما في الأمر، ولا شيء سوى ذلك. وإنني أعتبرها وظيفتي.

الصحفي: وكيف تعمل؟ هل تقوم بالكتابة كل يوم؟

ساراماغو: عندما أعمل على شيءٍ يتطلب الملازمة، الرواية مثلًا، فإني أكتب يوميًا. بالطبع، أنا معرّض لجميع أنواع العراقيل في المنزل، وتلك بسبب السفر، ما عدا ذلك أنا شخص مواظب ومنضبط للغاية. لا أجبر نفسي على العمل لساعات محددة يوميًا، غير أنني أحتاج إلى قدر محدد من الكتابة في اليوم، والذي عادةً ما يساوي صفحتين. هذا الصباح قمت بكتابة صفحتين من رواية جديدة، وغدًا سوف أكتب صفحتين إضافيتين. هناك أمور أخرى علي القيام بها، كتابة نصوص أخرى، الرد على الرسائل. قد يخيّل إليك أن صفحتين في اليوم ليس بالكثير، غير أنها تعادل ما يقارب ٨ آلاف صفحة في السنة.

في النهاية، أنا شخص طبيعي للغاية، لا أملك عادات غريبة، ولا أضخّم من الأمور. والأهم من ذلك، لا أتناول الكتابة بطريقة رومانتيكية. لا أتحدّث عن العذاب الذي أقاسيه في الخلق. ليس لدي خوف تجاه الصفحات الفارغة، أو حبسة الكاتب، وجميع تلك الأمور التي نسمعها عن الكتّاب. لستُ أملك أي من تلك المشاكل، لكني أملك مشاكل مثل أي شخص يحاول إنجاز أي نوع من الأعمال. أحيانًا لا تنتهي الأعمال بالطريقة التي رغبت بها، أو حتى لا تنتهي على الإطلاق. وعندما لا تنتهي الأعمال بالجودة التي طمحت لها، فإني أرضخ إلى قبولها كما هي.

الصحفي: هل تكتب مباشرة على الحاسب الآلي؟

ساراماغو: نعم. وقد كانت “قصة حصار لبشونة” آخر عمل قمت بكتابته على آلة الكتابة الكلاسيكية. في الحقيقة، لم أواجه أي صعوبة في التأقلم مع لوحة المفاتيح. على عكس ما يقال عن الحاسب الآلي، كيف أنه يٌضعف من أسلوب الكاتب. لا أعتقد أنه يُضعف من أي شيء، بل وأقل من ذلك بكثير إذا استخدم كما استخدمه أنا – كالآلة الكاتبة. طريقة كتابتي على الحاسب الآلي هي ذاتها على الآلة الكاتبة، الفرق الوحيد هو أنه الآن اصبح أكثر ترتيبًا، وأكثر راحة، وأسرع. لم يؤثر سلبيًا الحاسب الآلي على كتابتي. إن الأمر أشبه بالقول أن انتقال الكتابة من القلم إلى الآلة الكاتبة يغيّر من أسلوب الكاتب. لا أؤمن أن ذلك هو السبب. إذا كان الشخص يملك أسلوبًا خاصًا به، مفرداته الخاصة، كيف يمكن العمل على الحاسب الآلي أن يغيّر ذلك؟

رغم ذلك، ما زالت تربطني علاقة متينة بالأوراق، الأوراق المطبوعة، وهو أمر طبيعي. لا بد من أن أطبع كل صفحة أنجزها. فمن غير صفحة مطبوعة أشعر..

الصحفي: تحتاج لدليل ملموس.

ساراماغو: نعم، بالضبط.

الصحفي: بعد انجازك لتلك الصفحتين في اليوم، هل تقوم بعد ذلك بعمل التعديلات على النص؟

ساراماغو: نعم، فعندها تتشكّل لدي فكرة عن وجهتي، وعن الطريق المؤدي إليها. لكنها ليست خطة ثابتة. ففي النهاية، أود قول ما أود قوله، غير أن هناك مرونة بالهدف نفسه. إليك مثالًا يوضّح ما أرغب بقوله: أعلم أني أريد السفر من لشبونة إلى بورتو، لكني لا أعلم ما أن ستكون الرحلة عبارة عن خط واحد إلى لشبونة. قد أعبر من خلال كاستيلو برانكو، وقد يبدو ذلك غير منطقيًا، فإن كاستيلو برانكو تقع في الجانب الداخلي من الدولة ولشبونة وبورتو تقعان على الساحل الأطلنطي.

ما أقصده هو أن الطريق الذي أسافر عليه من مكانٍ إلى آخر دومًا متعرّج، فلا بد من مواكبته لتطوّر السرد، والذي قد يحتاج إلى تعديل هنا أو هناك لم يكن بحاجة إليه من قبل. على السرد أن يكون متيقظًا لإحتياجات اللحظة. وذلك يعني أنه ما من شيء محتوم. إذا كانت القصة مقدّرة سلفًا – حتى لو كان ذلك ممكنًا – فإن العمل بالكامل سيكون فاشلًا. وذلك يقتضي وجود الكتاب قبل إيجاده. إنما الكتب تخرج إلى الوجود. لو أوجدتُ كتابًا بالقوة قبل أن يخرج بنفسه إلى الوجود، فإني أقوم بمنافاة طبيعة تطوّر قصة السرد.

لا أؤمن بفكرة امتلاك الشخصيات حياتها الخاصة وأنّ على الكاتب اتّباعها وحسب.

لا أؤمن بفكرة امتلاك الشخصيات حياتها الخاصة وأنّ على الكاتب اتّباعها وحسب.

الصحفي: هل تكتب دومًا على ذلك النحو؟

ساراماغو: دائمًا. لم يحدث أنني امتلكت طريقة أخرى للكتابة. وأعتقد أن هذه الطريقة اتاحت لي – ولست واثقًا مما قد يقوله الآخرون- لبناء أعمالًا ذات بنية قوية. في كتبي، كل لحظة تمر مبنية على ما حدث سابقًا. كالذي يبني فيحتاج مساندة كل قطعة على الأخرى ليتجنّب انهيار البناء بأكلمه. وكذلك بالنسبة لتطوّر الكتاب، الذي يكمن في بحثه لمنطقه الخاص، وليس في بنيته المقررة سلفًا.

الصحفي: ماذا عن شخصياتك؟ هل تقوم بمفاجأتك؟

ساراماغو: لا أؤمن بفكرة امتلاك الشخصيات حياتها الخاصة وأنّ على الكاتب اتّباعها وحسب. يجب أن يحرص الكاتب على عدم إقحام شخصياته بفعل أمر ينافي منطقها، ومع ذلك، فإن الشخصية ليست مستقلة بذاتها. إنها مسجونة بين يد الكاتب، لكن غير واعية بسجنها. فالشخصيات مربوطة بخيوط، غير أن الخيوط مرخية. فتتمتع بحريّتها الوهمية، لكن لا يمكنها المضي إلى حيث لا أرغب. فإذا حدث ذلك، أشدّ الخيط لأذّكرها أنني السيد هنا.

إن القصة جزء لا يتجزّأ من الشخصيات التي تظهر من خلالها. ومهمة الشخصيات هي المساعدة في بناء الهيكل الذي يريد الكاتب تشييده. عندما أجلب شخصية جديدة، فأنا مدرك بحاجتي لها وما أريده منها بالتحديد، غير أن الشخصية ليست مكتملة بعد، بل في طور الإكتمال. أنا من يطوّر تلك الشخصية، لكن بطريقة ما هو نوع من التطوّر الذاتي للشخصية أقوم أنا بإتّباعه. وبذلك، لست قادرًا على تطوير الشخصية رغما عنها. عليّ احترام الشخصية وإلا ستبدأ باتخاذ قرارات هي عاجزة عن تنفيذها. على سبيل المثال، ليس بإمكاني دفع شخصية لإرتكاب جريمة إن لم يكن ذلك متماهيًا مع منطقية الشخصية – ولولا ذلك الدافع الذي يبرر الأفعال للقارئ، لن يصبح الأمر منطقيًا.

سأطرح مثالًا آخر. رواية “بالتاسار وبليموندا” عبارة عن قصة رومانسية. في الحقيقة، إن أمكنني القول، إنها قصة رومانسية رائعة. والتي أدركت عند وصولي إلى آخرها أنني كتبت قصة رومانسية من دون كلمات تتعلق بالحب. لم يتفوّه بالتاسار ولا بليموندا بتلك الكلمات التي نعتبرها غرامية. قد يظن القارئ أن ذلك أمرًا مدبّرًا، غير أنه ليس كذلك. فقد كنتُ أوّل المتفاجئين. ثم جعلت أتأمّل، كيف حصل ذلك؟ لقد كتبت قصة رومانسية دون كلمة واحدة عن الحب.

لنتخيل فيما بعد في المستقبل، في نسخة معدّلة، قد مضيت وراء نزوتي في تغيير الحوار بين الشخصيتين، واضفت بضعة كلمات هنا وهناك. سوف يزعزع ذلك من مصداقية الشخصيتين. وأعتقد بأن القارئ سوف يلاحظ، حتى قبل معرفته الشكل الذي انتهى إليه الكتاب الآن، أن هناك خطب ما. كيف لهاتين الشخصيتين اللتين بقيتا سويًا منذ الصفحة الأولى، أن تقولا على حين فجأة في صفحة مئتين وخمسين، “أحبك”؟

وذلك هو احترام ذات الشخصية الذي أقصده – عدم ارغام الشخصية على فعل ما ينافي ذاتيتها، أو نفسيّتها الداخلية، أو ما يحدّد هويتها. فإن الشخصية في الرواية عبارة عن كائن بشري آخر- ناتاشا في الحرب والسلم إحدى البشر. راسكولنيكوف في الجريمة والعقاب عبارة عن أحد البشر، وكذلك جوليان في الأحمر والأسود – فالأدب يضيف بشريًا آخرًا إلى سكّان العالم. نحن لا نعتبر أولئك الثلاثة مخلوقات ليس لها وجود، أو مجرد تركيبة من كلمات على صفحات كثيرة تشكّل ما نطلق عليه كتاب. إننا نعتبرهم أناس حقيقيون. وأعتقد أن ذلك حلم جميع الروائيون، أن تكون شخصياتهم بشرًا.

الصحفي: أي من شخصياتك تود رؤيتها حقيقية؟

ساراماغو: قد يؤدي ذلك إلى جعلي متغطرسًا، لكن في الحقيقة، أشعر بأن جميع شخصياتي أناس حقيقيون. من الرسّام “أتش” في “كتاب الرسم والخط” إلى سينور خوسيه في “كل الأسماء”. وأظن أن ذلك يعود لإبتعاد شخصياتي عن كونها مجرد نسخ، أو تقليد لشخوص حقيقيين. فهي تفرض نفسها على هذا العالم لتعيش فيه. إنها شخصيات خيالية تفتقد إلى البدن. وإني على ذلك النحو أراهم، غير أننا نعلم أن المؤلفين متهمين بالتحيز إلى شخصياتهم.

الصحفي: بالنسبة لي، زوجة الدكتور في “العمى” شخصية دقيقة جدًا. ولديّ أيضًا تصورًا دقيقًا لها، كما لجميع الشخصيات في “العمى” برغم أنه لا يوجد وصف مفصّل لها.

ساراماغو: يسعدني تصوّرك لها بتلك الدقّة. وذلك بالتأكيد لم يأتِ عن طريق وصفٍ جسديٍ لها، ففي الرواية لا يوجد أي وصف من ذلك النوع. لا أعتقد بأن هناك فائدة من وصف أنف شخصية أو ذقنها. أشعر أن القرّاء يفضّلون بناء الشخصية الخاصة بهم، شيئًا فشيئًا. وسوف يوفّق المؤلف إذا ما وثق بالقارئ في توكيله ذلك الجزء من العمل.

الصحفي: كيف نشأت فكرة “العمى”؟

ساراماغو: كما نشأت جميع رواياتي. بزغت رواية “العمى” من فكرة انبثقت فجأة من رأسي. كنتُ منتظرًا الغداء في مطعم وفجأة، دونما سابق إنذار، قلت في نفسي، ماذا لو كنا جميعنا عميان؟ فقلت كمن يجيب على تساؤله: لكننا بالفعل عميان. وكانت تلك مضغة الرواية. وبعد ذلك، كل ما كان عليّ فعله هو أن أحبل بالظروف المبدئية، والسماح للنتائج بولادة نفسها. إنها نتائج فظيعة، غير أنها تملك منطق من فولاذ. ليس هناك الكثير من الخيال في “العمى”، إنها عبارة عن تطبيق منظّم للعلاقة بين السبب وأثره.

الصحفي: لقد ذكرت أن كتابة “العمى” كانت الأصعب من بين رواياتك. هل يعود ذلك إلى، برغم تصويرك الشنيع للوحشية التي يعامل بها الإنسان أخيه الإنسان تحت وطأة وباء العمى الأبيض، والشعور بالضيق في كتابة موضوع كهذا، أنك في قرارة نفسك، شخص متفائل؟

ساراماغو: أنا شخص متشائم، لكن ليس لدرجة الرغبة بإطلاق رصاصة في رأسي. الوحشية التي ذكرتها هي ذاتها تحدث كل يوم في كل أنحاء العالم، وليس في الرواية وحسب. وإننا في هذه اللحظة غارقون في وباء العمى الأبيض. إن رواية “العمى” رمز لعمائنا عن العقل. إنه عمى يسمح لنا، بكل بساطة، إرسال مركبة إلى مارس لتفحّص تركيبة الصخور على ذلك الكوكب فيما نسمح بنفس الوقت للملايين بأن يجوعوا على هذا الكوكب. إما نحن عميان، أم مجانين.

الصحفي: لديك جمهور كبير من القراء في أوروبا وأمريكا اللاتينية، بينما هناك قلة قليلة تقرأ لك في أمريكا.

ساراماغو: المواضيع المفرطة بالجدية بطبيعتها لا تجذب القارئ الأمريكي. وإنه لأمر محير أنني أحظى بمراجعات ممتازة من الولايات المتحدة.

الصحفي: هل آراء النقاد مهمة بالنسبة لك؟

ساراماغو: الذي يهمني هو أن أقوم بعملي على أفضل وجه، وعلى حسب مقاييس العمل الجيد الخاصة بي – وذلك أن يُكتب الكتاب بالطريقة التي أريده أن يُكتب بها. بعد أن يخرج العمل من يدي، فإن الأمر يصبح كسائر الأشياء في الحياة. تولد الأم طفلها وتتمنى له الأفضل، غير أن الحياة تلك تعود للطفل، وليس للأم. فيصنع هو بها ما يشاء، أو يصنع الآخرون ما يشاءون بها. ومهما يحصل فإنها بالتأكيد ليست الحياة التي حلمت بها الأم. ليس هناك طائل من تمني أن تحظى كتبي بتلقّي عظيم من قبل القرّاء، وذلك أنهم سوف يتلقّونها كيفما أرادوا أن يتلقّونها.

لن أقول أنه يستوجب على كتبي أن تُسعد القرّاء، فإن ذلك يعني أن قيمة الكتاب تعتمد على عدد قرائه. وجميعنا يعلم أن ذلك غير صحيح.

 الذي يهمني هو أن أقوم بعملي على أفضل وجه، وعلى حسب مقاييس العمل الجيد الخاصة بي - وذلك أن يُكتب الكتاب بالطريقة التي أريده أن يُكتب بها.

الذي يهمني هو أن أقوم بعملي على أفضل وجه، وعلى حسب مقاييس العمل الجيد الخاصة بي – وذلك أن يُكتب الكتاب بالطريقة التي أريده أن يُكتب بها.

الصحفي: لقد زُرتَ خلال رحلتك إلى الولايات المتحدة تلك فول ريفير، منطقة مليئة بالمجتمعات البرتغالية.

ساراماغو: نعم، التقيت ببعض المهاجرين البرتغال، أولئك الذين، لسببٍ ما، مهتمّين بأعمالي. وإنه ليفاجئني أن يكون لي جمهور كبير برغم أني أفقد رغبتي بالتحدث عن الأدب شيئًا فشيئًا هذه الأيام. وأعتقد أن ذلك يشكّل تناقضًا كوني أكتب، وإذا كنت أكتب، فما عسى أن يكون محور حديثي سوى ذلك؟ نعم، أنني أكتب، وأيضًا عشتُ قبل أن أصبح كاتبًا وكانت لدي جميع الإهتمامات التي يهتم بها أي شخص يقطن العالم.

مؤخرًا كنت في مؤتمر عن أعمالي الأدبية في براغا، البرتغال، غير أننا تحدثنا عن أمور شتّى – وضع البرتغال وماذا سوف نفعل بشأنه. فأقول للجميع أن تاريخ البشرية قد يبدو بأنه معقّد للغاية، غير أنه في الواقع شديد البساطة. جميعنا يعلم أننا نقطن عالم متوحش. العنف ضروري لبقاء جنسنا – علينا قتل الحيوانات، أو يجب على أحد أن يقتلهم لأجلنا، لكي نحصل على الطعام. نختار الفاكهة، ونقتلع الزهور لنزيّن بها منازلنا. وتلك كلها تصرفات عنيفة ضد كائنات أخرى حية. والحيوانات تتصرف بشكل مماثل. يأكل العنكبوت الذبابة، وتأكل الذبابة أيًا كان الشيء الذي يأكله الذباب. إنما هناك فارق عظيم، الحيوانات ليست قاسية. عندما يلفّ العنكبوت الذبابة في شبكته، فإنه يقوم بحفظ وجبة غادئه للغد في الثلاجة. القسوة اختراع بشري. الحيوانات لا تعذب بعضها البعض، نحن نفعل ذلك. نحن الكائنات القاسية الوحيدة على هذا الكوكب.

لقد أباحت لي تلك الملاحظات السؤال التالي: إذا كنا قساة، كيف لنا المضي في القول أننا مخلوقات عقلانية؟ لأننا نتكلّم؟ لأننا نفكّر؟ لأننا نملك القدرة على الخلق؟ بالرغم من أننا قادرين على جميع تلك الأمور، فإنها ليست كافية لردعنا من اقتراف تلك الأفعال السلبية والوحشية التي نمارسها. إنها مشكلة أخلاقية يجب الإلتفات إليها، وذلك هو السبب الذي يجعلني أفقد الرغبة شيئًا فشيئًا في الحديث عن الأدب.

أحيانًا أتمنى ألا نستطع هجر هذا الكوكب على الإطلاق. فإذا حدث أننا انتشرنا في الكون، أغلب الظن أننا لن نتصرف بشكل مختلف عن هنا. وإذا استطعنا بالفعل العيش في الكون – ولستُ أؤمن أننا سنتمكن من ذلك – فإننا سوف نلوّثه. نحن على الأرجع عبارة عن فيروس، محتدش لحسن الحظ في هذا الكوكب. وقد اقتنعت بذلك كله مؤخرًا، بيد أنني قرأت عن انفجار نجم قد وصل ضوء إنفجاره إلى الأرض قبل ثلاثة أو أربعة سنوات – وتطلب وصوله إلينا إلى مئة وستة وستون ألف سنة. فقلت طيب، ليس هناك من خطر، سوف يكون من المستحيل أن نذهب إلى أي مكان.

* نشرت في آراء. 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *