كيرت فونيغت وأشكال الكتابة القصصية

ترجمة: موسى بهمن


 

 ماريا بابوفا*

  “الحقيقة هي أننا لا نعرف سوى القليل فقط عن الحياة. فنحن لا نعرف حقاً ما الأحداث السارة وما الأحداث السيئة.”

بدأ هذا الموسم بمجموعة إصدارات لـ “كيرت فونيغوت”، تضم معظم الرسائل التي كتبها، إضافة إلى أوّل وآخر أعماله التي أنجَزَت ابنته مقدمتها. لتسليط الضوء على هذا الكاتب المحبوب باعتباره شخصية عصية على الفهم وروائي بارع على حد سواء.

كل هذه الحقائق التي أشعر بها مؤخراً تذكرني بدرس مميز. تخطيط “فونيغوت” ورسمه لأشكال القصص. يشرحها بواسطة رسم خطوط متقاطعة.

أولاً “المحور الرأسي” والذي يشير إلى الأحداث الجيدة والسيئة في القصة، ثم يخط “المحور الأفقي” للإشارة إلى بداية الزمن الكوني. اللقطات أدناه مقتطفة من حديث أطول، نشر “فونيغوت” أغلبه في كتاب -شِبه سيرة ذاتية- رجل بلا وطن “A Man Without a Country” تحت فصل بعنوان “هذا درس في الكتابة الإبداعية”، ويضم مخططاته المرسومة باليد.

“أرجو أن تسمحوا لي بتقديم نصيحة اقتصادية. الناس الذين يستطيعون تحمل نفقات شراء الكتب والمجلات ويذهبون إلى السينما، لا يحبون السماع عن الفقراء أو المرضى، لذا ابدأ روايتك هنا ( يشير إلى الجزء العلوي من المحور الرأسي). سوف ترى هذه القصة مراراً وتكراراً. الناس يحبونها، ثم إنها لا تخضع للحق الأدبي أو حقوق الطباعة والنشر. القصة هي “إنسان في حفرة”، لكن لا حاجة لأن تكون القصة عن رجل أو حفرة. إنها: شخص ما في ورطة، ثم ينجو منها مجدداً (يرسم الخط A). وليس من قبيل الصدفة أن ينتهي الخط في نقطة أعلى من التي بدأ بها. هذا أمر مشجع للقراء. “

1

2

3

على الرغم من أن الفيديو ينتهي بعد سندريلا، في “رجل بلا وطن” فونيغت يقدم رسماً توضيحياً للحبكة الرابعة، متخذاً كافكا نموذجاً: الآن لدينا قصة فرانز كافكا (يبدأ الخط من أسفل المحور الرأسي). شاب غير جذاب نوعاً ماً، وليس أنيقاً جداً. لديه أقارب كريهون والعديد من الوظائف لكن بلا تقدّم / تطوّر. لا يتقاضى راتبا يكفي ليأخذ حبيبته للرقص في نادٍ أو الذهاب إلى الحانة لاحتساء جعة مع صديق. في صباح أحد الأيام استيقظ، وحان وقت الذهاب الى العمل مرة أخرى، وقد تحول إلى صرصور (يرسم خط الهبوط متجهاً نحو الأسفل إلى اللانهاية). انها قصة تشاؤمية.

4

ثم ينتقل لهاملت، لتفنيد بصمته المتألقة في الأدب والفلسفة الوجودية:

السؤال هو، هل هذا النظام الذي وضعته يساعدنا في تقييم الأدب؟ أظن بأننا لا نستطيع صلب تحفة حقيقية على هذا التصميم. ماذا عن هاملت إذاً؟ إنه عمل جيد برأيي. هل هناك من يعترض على هذا؟ لا حاجة لرسم خط جديد لأن وضع هاملت مشابه لوضع سندريلا. إلا أنهما من جنسين مختلفين.

توفي والده للتو. يشعر بالجزع. وذهبت أمه للزواج من عمه اللقيط على الفور. لذلك سار هاملت في خط سندريلا نفسه عندما قال له أحد الحرّاس: “هاملت، انظر، ذلك الشيء هناك عند المتراس، أعتقد بأن عليك محادثته. إنه والدك.”

لذا ذهب هاملت لمحادثة الشبح، كما تعلمون، هذا الشيء الذي ظهر للتو كان شبحاً، قال لهاملت “أنا والدك، لقد قُتِلت، عليك أن تثأر لي، عمك هو من فعلها، إليك التفاصيل…”

حسنا، هل كانت هذه أحداث جيدة أم أحداث سيئة؟ حتى يومنا هذا ونحن لا نعرف ما إذا كان هذا الشبح حقاً هو والد هاملت أم لا. إذا ارتكبت حماقة أمام لوح الـ”Ouija”، فإن هناك أرواحا خبيثة ستحوم في المكان، تستطيع إخبارك بكل شيء، وعليك عدم تصديقهم كما قالت السيدة بلافاتسكي -التي كانت تعرف عن عالم الأرواح أكثر مما يعرفه أي شخص آخر- “أنت أحمق إذا أخذت كلامهم على محمد الجد، لأنهم سيئين عادة، وغالباً ما تكون هذه الأرواح هي أرواح أناس قُتِلوا، انتحروا، أو خُدِعوا بطريقة رهيبة في حياتهم، وهم الآن هنا للانتقام.”

لذلك نحن لا نعرف ما إذا كان هذا الشيء هو حقاً والد هاملت أو ما إذا كانت الأخبار سارة أو سيئة. كما هي حيرة هاملت أيضاً. لكنه يقول : “حسناً، وجدت الوسيلة للتحقق من ذلك. سأوظف ممثلين ليجسّدوا ما قاله الشبح حول قتلُ عمي لوالدي، وأُلاحظ أثر ذلك على عمي. قدَّم الممثلون العرض. لكن عمه لم يكن مجنوناً ليقول. “حـ… حسـ.. حسناً لقد نلت مني، نلت مني، أنا مَن فعلها، أنا الفاعل.”

فشلت خطته هذه، ليس حدثا جيدا أو سيئا حتى. وبعد هذا الإحباط ينتهي الأمر أثناء حديث هاملت مع والدته فتتحرك الستائر، ويظن بأن عمه يختبئ خلفها، فيقول: “اللعنة! لقد سئمت من هذه الحيرة”، ثم يغرس سيفه في مَن خلف الأقمشة. من هذا الذي يقع من خلف الستائر مقتولاً؟ بولونيوس. رئيس مستشارين الملك. شكسبير يراه أحمقاً ومناسباً للموت.

هل تعلمون أن الآباء الحمقى يعتقدون بأن النصائح التي قدمها بولونيوس لابنه، عندما ذهب للدراسة بعيداً، هي أفضل النصائح التي قد يعطونها لأبنائهم على الإطلاق، وهي أغبى نصيحة ممكنة، حتى أن شكسبير كان يظن بأنها هزلية.

“لا تقرض ولا تقترض.” إذاً ما هي الحياة سوى اقتراض وتسديد، أخذ وعطاء؟

قبل كل شيء، لتحقيق النجاح الشخصي، “كن نرجسياً”!

هذا أيضاً، ليس من الأحداث الجيدة ولا السيئة. لم يتم القبض على هاملت. إنه أمير. يمكنه قتل أي شخص يريد. لذلك فهو يتقدم، وأخيراً يدخل في مبارزة، ويُقتل. حسناً، هل سيذهب إلى الجنة أو إلى الجحيم؟ هذا يعتمد. سندريلا أو حشرة كافكا؟ لا أظن بأن شكسبير يؤمن بوجود الجنة والجحيم أكثر مما أفعل. لذلك فنحن لا نعرف ما اذا كان الحدث جيد أم سيء.

أثبتُّ لكم للتو أن شكسبير لم يكن قاصاً جيداً. لكن هناك سبب لنعتبر أن هاملت نموذجاً فنياً: هو أن شكسبير قال لنا الحقيقة، والناس نادراً ما يقولون لنا الحقيقة في هذا الارتفاع والانخفاض هنا (يشير إلى الرسم). الحقيقة هي أننا نعرف القليل جداً عن الحياة، ولا نعرف حقاً ما الأحداث الجيدة وما هي الأحداث السيئة.

إذا أنا مت -لا سمح الله- أود الذهاب إلى الجنة لسؤال أحد المسؤولين هناك، “قل لي، ما الأحداث الجيدة وما الأحداث السيئة؟

المصدر- brainpickings.org

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *