غونتر غراس: ولادة رواية تكون بقصيدة

ترجمة: سارة أوزترك
لا يُعنى الكُتاب بحيواتهم الداخلية الفكرية فقط، بل بعملية الحياة اليومية أيضاً.

لا يُعنى الكُتاب بحيواتهم الداخلية الفكرية فقط، بل بعملية الحياة اليومية أيضاً.

الصحفية: اليزابيث جفني

الصحفية: كيف أصبحتَ كاتباً؟

غونتر غراس: أعتقد أن لذلك شأنٌ بالوضع الاجتماعي الذي نشأتُ فيه. كانت عائلتي من الطبقة الوسطى ـ الدنيئة؛ كانت لدينا شقة صغيرة ذات حُجرتين. لم تكن لأختي ولي غرفنا الخاصة، ولا حتى مكاناً خاصاً بنا. كان في غرفة المعيشة، على مسافةٍ من النافذتين، رُكنٌ به كُتُبي، وأشياء أخرى—ألواني المائية وغيرها. كثيراً ما كان عليَّ أن أتخيل الأشياء التي كنتُ أحتاجُها. تَعَلّمتُ مبكراً القراءةَ وسْطَ الضجيج. وبذلك شَرَعتُ في الكتابة والرسمِ في سِنٍّ مبكّرة. نتيجةٌ أخرى هي أنني أقوم الآن بجمعِ الغُرُفات. لديّ مكتبٌ في أربعةِ أمكنةٍ مختلفة. أخافُ أن أعود مجدداً لوضعِ صباي، بركنٍ فحسب في حُجرةٍ صغيرة.

الصحفية: مالذي أدى بك للالتفات إلى القراءة في هذا الوضع، عوضاً عن، لنقل، الرياضة أو لهوٍ آخر؟

غونتر غراس: كنتُ كذّاباً عظيماً في طفولتي. لحسن الحظِّ كانت أمي تحب أكاذيبي. وعدتُها بأشياء عجيبة. عندما كنتُ في العاشرة كانت تسميني بير جينت. بير جينت، كانت تقول، هاأنتذا تَقُصُّ عليّ قَصَصاً عَجباً عن رحلات سنقوم بها إلى نابولي وغيرها.. بدأتُ بكتابةِ أكاذيبي مبكراً جداً. وإنني ما زلتُ على ذلك! بدأتُ في روايةٍ لَمّا كنتُ في الثانية عشرة. كانت عن الكاشوبيين، الذين ظهروا بعد سنين عدة في طبل الصفيح، حيثُ جدة أوسكر، آنا، (كجدتي) كاشوبية. لكنني ارتكبتُ خطئاً عند كتابتي لروايتي الأولى: كل الشخصيات التي قدمتُها كانت ميتة في نهاية الفصلِ الأول. لم أتمكن من المواصلة! ذاك كان درسي الأول في الكتابة: كُن على حذرٍ بشأن شخصياتك.

الصحفية: أيُّ الأكاذيب منحتك المُتعةَ العظمى؟

غونتر غراس: الأكاذيبُ التي لا تؤذي، وهي تختلف عن الأكاذيبِ التي تحمي النفس أو تؤذي شخصاً آخر. تلك ليست شأني. لكن الحقيقة غالباً مُمِلةجداً، وبإمكانك أن تقدمي لها العون بالأكاذيب. لا أذية في ذلك. تعلمتُ أن أكاذيبي الفظيعة كلها ليس لها تأثيرٌ على ما هو قائم. لو أنني، قبل عدة سنين، كتبتُ شيئاً يتنبأ بالتطورات السياسية الحالية في ألمانيا، لقال الناس، يا له من كاذب!

الصحفية: ماهي المحاولة التي تَلَت الرواية الفاشلة؟

غونتر غراس: كان أول كتاب لي ديواناً شعرياً مصوراً. المسودات الأولى لقصائدي كلها تجمع أرسُماً وشعراً، منطلقة حيناً من صورةٍ، وحيناً من كلمات. ثم، عندما كنت في الخامسة والعشرين وكان بمقدوري شراء آلة كاتبة، فضّلتُ أن أطبع بنظام الإصبعين الخاص بي. النسخة الأُم لِـطبل الصفيح نُفِّذَت بالآلة الكاتبة فقط. إنني أتقدم في السن الآن وبالرغم من أنني أسمع أن عدداً من زملائي يكتبون على الآلات الحاسبة، فقد عُدتُ لكتابة المسودة الأولى باليد! النسخة الأُم لِـالفأرة موجودة على كتاب كبير بورق غير مسطّر، حصلتُ عليه من ناشري. عندما يكون أحد كتبي على وشك أن يُنشَر أطلُبُ دائماً نُسخة عمياء بأوراق فارغة للاستخدام للمخطوطة القادمة. أي أنه حالياً تُكتب النسخة الأم باليد وبإضافة الأرسُم ثم الثانية والثالثة تُنفّذان بآلة كاتبة. لم أُنهِ كتاباً قط من غير أن أكتب ثلاث نُسَخ. غالباً هناك أربعةٌ مع تعديلاتٍ عِدّة.

 كنتُ كذّاباً عظيماً في طفولتي.

كنتُ كذّاباً عظيماً في طفولتي.

الصحفية: هل تبدأ كلُّ نسخةٍ من البداية وتواصل نحو النهاية؟

غونتر غراس: لا. أكتب المسودة الأولى سريعاً. إن كانت ثمة ثغرة، لتكن. النسخة الثانية عموماً طويلة جداً، مُفَصَّلة، وكاملة. ما مِن ثغرات، ولكن ثمة جفاف. في النسخة الثالثة أعمل على استعادة عفوية النسخة الأولى، وإبقاء ما هو أساسيٌّ في النسخة الثانية. هذا أمرٌ شاقٌ جداً.

الصحفية: ما هو برنامجك اليومي عندما تعمل؟

غونتر غراس: أكتب ما بين خمس إلى سبع صفحات في اليوم عندما أعمل على النسخة الأولى. للنسخة الثالثة، ثلاث ساعات في اليوم. إنه بطئ جداً.

الصحفية: هل تفعل ذلك في الصباح أم في الظُهر أم في الليل؟

غونتر غراس: ليس في الليل أبداً، أبداً. لا أؤمن بالكتابة في الليل لأنها تأتي بسهولة أكثر من المطلوب. عندما أقرأها في الصباح أجدها غير جيدة. أحتاج لضوء النهار كي أبدأ. بين التاسعة والعاشرة أتناول صَبوحاً طويلاً مع القراءة والموسيقى. بعد الصَبوحِ أعمل، ثم آخذ فُسحة للقهوة في الظُهر. أبدأ مجدداً وأنتهي في السابعة مساء.

الصحفية: كيف تعرف أن كتاباً قد انتهى؟

غونتر غراس: عندما أعمل على كتاب ذي طول ملحمي، تستمر عملية الكتابة طويلاً. إنجازُ المسوداتِ جميعاً يستغرق من أربع إلى خمس سنوات. ينتهي الكتابُ عندما أكون مُستَنزَفاً.

الصحفية: كان برشت مدفوعاً لإعادة كتابة أعماله طوال الوقت. لم يَعُدّها منتهية حتى بعد نشرها.

غونتر غراس: لا أعتقد أنني أستطيع ذلك. أستطيع أن أكتب كتاباً مثل “طبل الصفيح” أو من “يوميات حلزونة” فقط خلال فترة خاصة من حياتي. ظهرت الكُتُب بسبب الكيفية التي كنت أشعر وأفكر بها وقت كتابتها. أنا متأكد من أنني لو شرعتُ في كتابة طبل الصفيح أو سنوات الكلاب أو من يوميات حلزونة، لأَبَدْتُها.

الصحفية: كيف تميّز نصوصك في الأدب الواقعي من نصوصك في الأدب القصصي؟

غونتر غراس: إنّ مسألة “الأدب الواقعي في مقابل الأدب القصصي” سخيفة. قد يكون تصنيف الكتب حسب النوع مفيداً لبائعي الكتب، ولكنني لا أحب أن تُصنَّف كُتُبي بتلك الطريقة. لطالما تخيلتُ لجنة مكوَّنة من بائعي الكتب تُقيم اجتماعاتٍ لتقرر أي الكتب ينبغي أن تُدعى أدباً قَصصياً وأيّها أدباً واقعياً. قُلت: ما يفعله بائعوا الكتب لَهُو أدبٌ قَصَصِيّ.

الصحفية: حسناً، هل يختلف النسق، الأسلوب، المستخدم عند كتابتك مقالاتٍ أو خُطَباً، عن إخبارك القصص أو اختلاقِكَ الأشياء؟

غونتر غراس: نعم، يختلف لأنني أواجه حقائقَ لا أستطيعُ تغييرها. لا أكتب يومياتي في الغالب، ولكنني فعلتُ ذلك استعداداً لِـمن يوميات حلزونة. كان لدي حدسٌ بأن ١٩٦٩ سيكون عاماً مهما، أنه سيُحدِثُ تغييراً سياسياً حقيقياً أبعد من الإعلان عن حكومة جديدة. بالتالي، ريثما كنتُ في الطريق أشارك في الحملة الانتخابية من مارس إلى سبتمبر ١٩٦٩ – فترة طويلة – كتبتُ يومياتي. حدث لي الشيء نفسه في كلكتا. تطورت اليوميات التي كتبتُها حينها إلى مُدّ لسانَك.

الصحفية: كيف توفّق بين نشاطك السياسي وإنتاجك في مجالي الفنون البصرية والكتابة؟

غونتر غراس: لا يُعنى الكُتاب بحيواتهم الداخلية الفكرية فقط، بل بعملية الحياة اليومية أيضاً. الكتابة والرسم والنشاط السياسي ثلاثةُ مَسَاعٍ مستقلة بالنسبة لي؛ كلٌّ له كثافته الخاصة. تجدينني منسجماً مع ومنهمكاً في المجتمع الذي أعيش فيه بالذات. كتاباتي ورسمي على السواء كُلُّها مخلوطةٌ بالسياسة، سواء أردتُ لها أن تكون كذلك أم لا. لا أنطلقُ ومعي خُطة لإدخال السياسة فيما أكتب. بالأحرى، عندما أكشِطُ موضوعاً ما للمرة الثالثة أو الرابعة، أجدُ أموراً قد أَهملها التاريخ. وإذ كان أمراً غير واردٍ أن أكتب قصة تُعنى ببساطة وخصوصية بواقع سياسي ما، فإنني لا أجد سبباً لإغفال السياسة ولها على حياتنا سلطة هائلة حاسمة. إنها تتسرب إلى جميع جوانب الحياة بشكل أو بآخر.

الصحفية: إنك تدمج من الأنواع في عملك الشيء الكثير―تاريخٌ، وصْفاتٌ، شعرٌ غنائيٌ..

غونتر غراس: .. ورسوماتٌ وأشعارٌ وتحاورٌ واقتباساتٌ وخُطَبٌ ورسائل! في حال تناولي مفاهيم ملحمية أجد أنه من الضروري استخدام كل جوانب اللغة المتاحة، وأكثر أنواع التواصل اللغوي تعدداً. ولكن تَذَكَّري أنّ بعض كتبي ذا أسلوبٍ جْزل جداً – الأقصوصة القِط والفأر واللقاء في تيلكتي.

عندما أعمل على كتاب ذي طول ملحمي، تستمر عملية الكتابة طويلاً. إنجازُ المسوداتِ جميعاً يستغرق من أربع إلى خمس سنوات. ينتهي الكتابُ عندما أكون مُستَنزَفاً.

عندما أعمل على كتاب ذي طول ملحمي، تستمر عملية الكتابة طويلاً. إنجازُ المسوداتِ جميعاً يستغرق من أربع إلى خمس سنوات. ينتهي الكتابُ عندما أكون مُستَنزَفاً.

الصحفية: تعشيقُك الكلماتِ والأرسمِ بديع.

غونتر غراس: الرسمُ والكتابةُ المحتوياتُ الأوليةُ لأعمالي، لكنها ليس الوحيدة؛ إنني أنحتُ أيضاً عندما يكون لدي وقتٌ. أرى أن هناك علاقةُ أخذٍ وعطاءٍ بيّنةٍ بين الفن والكتابة. هذه العلاقة أقوى حيناً، وأضعف حيناً. غَدَت قوية جداً في بضع الأعوام الماضية. مُدّ لسانَك، التي تجري في كلكتا، مثالٌ على ذلك. ما كان لي أن أُوجِد ذلك الكتاب لوْمَا رسمتُ. الفقرُ العصيُّ على الاستيعاب في كلكتا يجرّ الزائر على الدوام إلى مواقف حيث اللغة مخنوقة― لا تَجِدين كلاماً. ساعدني الرسمُ لأجد مجدداً الكلام عندما كنت هناك.

الصحفية: نَصُّ القصائد في ذلك الكتاب لا يظهر في الطباعةِ فقط، بل في الخطِّ مُرَكَّباً على الأرسُمِ. هل المرادُ أن تُعَدّ الكلمات عناصرَ تصويريةٍ وجُزءاً من الأرسُم؟

غونتر غراس: بعضُ عناصرِ القصائد قد صيغت أو أُوحِيَت بواسطة الأرسُم. عند قدوم الكلماتِ أخيراً، رُحتُ أكتب على ما قد رسمتُ – النص والكتابة رُكِّب أحدهما على الآخر. إن تمكَّنتِ من قراءة الكلماتِ التي على الأرسُم، فذلك جيّد؛ هي هناك لتُقرأ. لكن الأرسم عموماً تحوي المسودات الأولى؛ ما كتبتُ باليد أولاً قبل أن أُجلِس نفسي أمام الآلة الكاتبة. كان إنتاجُ الكتاب هذا أمراً عسيراً، ولست متأكداً لماذا. قد يكون السبب الموضوع، كلكتا. رُحتُ إليها مرتين. المرة الأولى كانت قبل أن أبدأ مُدّ لسانَك بإحدى عشرة سنة. كانت أول مرة أتواجد فيها في الهند. قضيت بضعة أيامٍ فقط في كلكتا. كنتُ مذهولاً. كانت هناك، منذ البدء، الرغبة في العودة إليها، في المكوث لمدة أطول، في مشاهدة أشياء أكثر، في كتابة أشياء. خرجت في رحلات أخرى―إلى آسيا وأفريقيا―إلا أنني كلما رأيتُ أحياء الفقراء في هونج كونج أو مانيلا أو جاكرتا، تذكرتُ الوضع في كلكتا. ما من مكان آخر أعرفه تختلط فيه مشاكل العالم الأول بشكل صريح جداً بمشاكل العالم الثالث، في وضح النهار.

ثُمّ إذاً ذهبت إلى كلكتا ثانية، وفقدتُ قدرتي على استخدام اللغة. لم أستطع كتابةَ كلمةٍ واحدة. في هذا الطَّوْر صار الرسم مهمّاً. كان طريقة أخرى لالتقاط حقيقة كلكتا. بمساعدة الأرسُم كنت قادراً أخيراً على كتابة النثر من جديد―وذلك الجزء الأول من الكتاب، نوعٌ من المقال. بعد ذلك شرعتُ في العمل على الجزء الثالث، قصيدة طويلة من اثني عشر مقطع. إنها قصيدةُ مَدينة، عن كلكتا. إذا نظرتِ إلى النثر، والأرسُم، والقصيدة معا، سترين أنها تتناول كلكتا بطرق مرتبطة ولكن مستقلة. بينها تحاورٌ، وإن كانت بنية ثلاثتها مختلفةً جداً.

الصحفية: هل إحدى هذه البنى أهم من الآخرَين؟

غونتر غراس: يمكنني أن أجيب، عن نفسي فقط، بأن الشعر أهمّ شيء. ولادة رواية تكون بقصيدة. لن أقول إنه في النهاية أهمّ، لكنني لا أستغني عنه. أحتاجه كنقطة انطلاق.

الصحفية: نوعٌ فنّيٌّ أكثر فخامة من الأنواع الأخرى، ربما؟

غونتر غراس: لا، لا، لا! يقف النثرُ والشعرُ والرسمُ جنباً إلى جنب بشكل ديموقراطي جداً في عملي.

الصحفية: هل ثمّة ما هو جَسَدِيٌّ، حِسِّيٌّ، في فعل الرسم غائبٌ عن عملية الكتابة؟

غونتر غراس: نعم. الكتابة عملية مُجهِدةٌ مُجَرَّدةٌ بحق. وإذ تكونُ ممتعة، فإن اللذة مختلفةٌ تماماً عن لذة الرسم. في حالة الرسم أكون واعياً بِشِدَّةٍ بخلقِ شيء ما على ورقة. إنه فعلٌ حِسّيٌّ، وهو ما لا يمكنكِ أن تقوليه عن فعل الكتابة. في الحقيقة، كثيراً ما ألجأُ إلى الرسم لأُشفى من الكتابة.

الصحفية: لهذه الدرجةِ الكتابةُ كريهةٌ مؤلِمة؟

غونتر غراس: إنها كالنحتِ تقريباً. في النحت، عليكِ أن تعملي من كل الجهات. إن غيّرتِ شيئاً هنا، عليكِ أن تغيّري شيئاً آخر هناك. تغيّرين سطحاً واحداً.. فإذا التمثالُ شيءٌ! ثمّةُ موسيقى في ذلك. يمكن للشيء نفسه أن يحدث مع قطعةِ نصٍّ. قد أعمل لأيامٍ على المسودة الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو على جملة طويلة، أو على نقطةٍ واحدة فقط. أُحبُّ النُقَّطَ، كما تعلمين. أعمل وأعمل والأمرُ على ما يرام. كلُّ شيء موجود، ولكن ثمّة ما هو ثقيل. ثُم أجري قليلاً من التغييرات، التي لا أظن أنها مهمة جداً، فأجدها مُجدِية! هذا ما أفقه عن السعادة كيف تكون، شيء شبيه بالسعادة. تدوم لثانيتين أو ثلاثة. ثم أتطلّعُ إلى النقطة الأخرى، فإذا بها مَضَت.

الصحفية: إذا عُدنا إلى الشعر قليلاً، هل تختلف القصائد التي تكتبها كأجزاء من رواياتٍ بشكلٍ ما عن الأخرى المستقلة؟

غونتر غراس: لفترةٍ ما، كنتُ تقليدياً جداً بشأن كتابة الشعر. كنتُ أعتقد أنه عندما يكون بحوزتكِ عددٌ كافٍ من قصائدَ جيّدةٍ، عليكِ أن تخرجي للبحث عن ناشر، تُنتجي بعض الرَسْم، وتطبعي كتاباً. مِن ثمّ كان سيكون لديكِ ذلك الديوانُ الباهرُ، معزولاً إلى حد كبير، لمحبي الشعر فقط. ثم بدءاً من من يوميات حلزونة، بدأتُ أضمّ الشعر والنثر معاً في صفحات كتبي. هذا الشعر ذو جَرْسٍ مختلف. لا أجد أي سبب لفصل الشعر عن النثر، لا سيما ولدينا في العُرفِ الأدبي الألماني ذاك المزجُ البديع بين النوعين الأدبيين. صرتُ أَعنى أكثر فأكثر بوضع الشعر بين الفصول واستخدامه لتحديد بنية النثر. إلى جانب ذلك، هناك فرصة لمن يشعرون بأن “الشعر ثقيلٌ جداً عليّ” لأن يروا كيف أن للشعر أحياناً أن يكون أبسط بكثيرٍ وأسهل من النثر.

يقف النثرُ والشعرُ والرسمُ جنباً إلى جنب بشكل ديموقراطي جداً في عملي.

يقف النثرُ والشعرُ والرسمُ جنباً إلى جنب بشكل ديموقراطي جداً في عملي.

الصحفية: ما درجة خسارة القراء المتحدثين بالانجليزية عند قراءة كتبك باللغة الانجليزية؟

غونتر غراس: يصعب عليّ أن أجيب على ذلك – لستُ قارئاً يتحدث الانجليزية. لكنني أحاول أن أقدّم المساعدة بخصوص التراجم. عندما قمت بمراجعة مخطوطة السَّمَك المفلطح مع ناشري الألماني، طلبتُ عَقداً جديداً. إنه يشترط أنه حال انتهائي من نصٍ ما وقيام مُترجميَّ بدراسته، أنْ يقوم ناشري بتنسيق اجتماعٍ لنا جميعاً يدفع ثمنه. فعلنا ذلك أولاً مع السَّمَك المفلطح، ثم مع اللقاء في تيلكتي، ومع الفأرة أيضاً. أعتقد أنه مُجْدٍ جداً. يعرف المترجمون كل شيء عن كتبي ويطرحون أسئلة رائعة. يعرفون الكتب أكثر مما أعرفها. من شأن ذلك أن يكون غيرَ مستطابٍ بالنسبة لي، لأنهم يجدون عيوب الكتب أيضاً ويخبرونني عنها. يتبادل المترجمون الفرنسيون، الإيطاليون والأسبانيون الملاحظات في هذه الاجتماعات، وقد وجدوا أن تضافرهم يساعدهم جميعاً على إخراج الكتب بلغاتهم. إنني أفضِّلُ بالتأكيد الترجمات التي أقرؤها دون أن أعي أنني أقرأُ ترجمةً. في اللغة الألمانية نحن محظوظون بأن لدينا تراجم رائعة من الأدب الروسي. ترجمات تولستوي ودوستويفسكي مُحكمة―إنها حقاً جزء من الأدب الألماني. ترجماتُ شكسبير وتلك الخاصة بالكُتاب الرومانسيين مليئةٌ بالأخطاء، ولكنها أيضاً رائعة. الترجمات الأكثر جِدّة بها أخطاءٌ أقل، وقد لا تكون ذات خطأ، لكنها لا تُقارَن بتراجم فريدريش فون شليجل-لودفيغ تيك. الكتاب الأدبي، سواء كان شعراً أم نثراً، يحتاج إلى مترجم يستطيع أن يعيد خلق الكتاب في لغته. أحاول أن أشجع مترجميّ لفعل ذلك.

الصحفية: برأيك هل عانت روايتك Die Rättin بطريقةٍ ما في اللغة الانجليزية لأنه كان على العنوان أن يكون The Rat وبالتالي لم يبلّغ أنها أُنثى الفأر؟ لم يكن “The She-Rat” ليكون ذا تردد سليم في الآذان الأمريكية، و “Rattessa” مستحيل. الإشارة إلى أنوثة الفأرة تبدو مشوّقة، فيما أن كلمة rat الانجليزيةِ غيرَ المُحَدَّدَةِ الجنسية تستحضر الصور المبتَذَلة لتلك الوحوش القبيحة التي تجتاح قطاراتِ الأنفاق.

غونتر غراس: لم تكن لدينا هذه الكلمة في اللغة الألمانية أيضاً. أنا اخترعتُها. أُشجّع مترجميّ دوماً على الابتكار. أقول لهم، إن لم تكن هذه الكلمة موجودة في لغتكم، اخلقوها. في الحقيقة، هي بالنسبة لي ذات تردّدٍ حَسَنٍ؛ she-rat.

الصحفية: لِمَ الفُأر في الكتاب مؤنث؟ أذلك لأسباب شَبَقِيّةٍ أو نِسَويّةٍ أو سياسية؟

غونتر غراس: هو في السَّمَك المفلطح مذكّرٌ. لكنني، إذ أتقدم في السن، أجد أنني قد وهبتُ نفسي للنساءِ حقاً. لن أغيّر ذلك. لا يُحدِثُ فرقاً كونُها أنثى آدمية أو فأرة―she-rat. أتعلمين، تجيئني الأفكار. تجعلني أقفز وأرقص، ومن ثمّ أجد كلماتٍ وقَصَصاً، وأبدأُ بالكذب. مهمٌّ جداً أن تكذبي. لا معنى بالنسبة لي للكذب على رجلٍ―مجالسة رجل، والمشاركة في قول الأكاذيب―إلا بامرأة!

الصحفية: كثيرٌ من كتبك، مثل الفأرة، السَّمَك المفلطح، من يوميات حلزونة، أو سنوات الكلاب، يدور حول أحد الحيوانات. هل من سببٍ خاصٍّ لذلك؟

غونتر غراس: ربما. شعرتُ دوماً أننا نتكلم كثيراً عن البَشَر. إنّ هذا العالَم مزدحمٌ بالبَشَر، ولكن بالحيوانات، والطيور، والسمك، والحشرات أيضاً. إنها كانت هنا قبل أن كُنّا وسَتَظلُّ هنا إن أقبل اليومُ الذي لن يعود للبَشَرِ فيه وجودٌ. هناك فرقٌ واحدٌ بيننا: لدينا عِظامُ الديناصورات في متاحفنا، حيواناتٌ ضخامٌ قد عاشت ملايين السنين. وعندما ماتت، ماتت بشكلٍ نظيفٍ جداً. لا سُمَّ إطلاقاً. عظامُها نظيفةٌ جداً. يمكننا أن نراها. لن يحدث هذا مع البَشَر. عندما نموت ستكون هنالك نَفخةٌ مُخيفةٌ من سُّمٍ. يجب أن نتعلم أننا لسنا وَحْدنا على الأرض. تُلَقِّنُ التوراةُ درساً سيئاً عندما تقول أن للإنسانِ سُلطانٌ على السَّمَكِ، والماشيةِ، وكُلِّ ما يزحف. حاوَلْنا أن نسيطر على الأرض، بنتائج هزيلة.

الصحفية: هل تَعَلَّمتَ من النقدِ مَرَّةً؟

غونتر غراس: بالرغم من أنّني أميل إلى الاعتقادِ أنّي تلميذٌ جيّدٌ، إلا أنَّ النُّقَّاد غالباً ليسوا مُعَلِّمين أكفاء. مع ذلك كانت ثمّة فترةٍ، وأنا أشتاقُ إليها أحياناً، فيها تَعَلَّمتُ من النُّقاد. كانت فترةُ مجموعة رقم ٤٧. كنا نقرأُ جَهْراً المخطوطاتِ ونُناقشُها. هنالك تعلّمتُ أن أناقشَ نَصَّاً وآتي بأسبابٍ لآرائي، وليس فقط أن أقول، “أعجبني ذلك.” كان النقدُ يجيءُ عَفْويّاً. كان الكُتَّابُ يناقشون الصَّنعةَ، وكيف يُكتَبُ كِتابٌ، وأشياءَ من هذا القبيل. أمّا النُّقادُ، فكانت لهم توقعّاتهم الخاصة بالنسبة للكيفية التي كان على الكاتب أن يكتب بها. هذا المزيجُ من النُقّاد والكُتّاب كان بجُملته تجربةً جيّدةً لي، ودرساً. بل كانت الفترةُ تلك مُهِمّةً للأدب الألماني ما بعد الحرب عموماً. كان هناك تشوّشٌ كثيرٌ بعد الحرب، في الأوساط الأدبية خصوصاً، لأن الجيل الذي نشأ خلال الحرب – جيلي – كان إما غيرَ مُتعلّمٍ وإمّا قد عُلِّمَ بشكلٍ خاطئ. كانت اللغة ملوَّثة. الكُتّابُ المرموقون كانوا قد هاجروا. لا أحد كان يتوقع من الأدب الألماني شيئاً. منحَت اجتماعات مجموعة رقم ٤٧ السنوية لنا سياقاً استطاع الأدبُ الألماني أن يَطْلَعَ منه مُجَدَّداً. كثيرٌ من الكُتّابِ الألمانيين من جيلي كانوا موسومين بالمجموعة رقم ٤٧، وإن كان البعضُ لا يعتَرفُ به.

الصحفية: ماذا عن النقد المنشور في، لنَقُل، المجلات أو الجرائد أو الكُتُب؟ هل أثَّرَت فيك؟

غونتر غراس: لا. لكنني تعلمتُ من كُتّاب آخرين. كان لألفريد دبلن من التأثير عليَّ ما جَعَلَني أكتب مقالاً عنه معنوناً “عن أستاذي دبلن.” بإمكانكِ أن تتعلمي من دبلن من دون الوقوع في تقليده. كان، بالنسبة لي، أكثر أهمية من توماس مان. ليس لروايات دبلن التناسق، ليس لها النمط الكلاسيكي الخاص بروايات مان، والمجازفات التي قام بها كانت أكبر. كُتُبُه غنيّةٌ، طَلْقةٌ، مليئةٌ بالأفكار. يؤسفني أنه يُعرَفُ في أمريكا وألمانيا على السواء وقد حُصِرَ بـبرلين – الكسندر بلاتز. لكنني ما زلت أتعلم، وهناك الكثيرون الذين قد علّموني.

الصحفية: ماذا عن الكُتّاب الأمريكيين؟

غونتر غراس: ظَلّ مالفيلُ المفضّلَ لديّ. وقد استمتعتُ كثيراً بقراءة ويليام فوكنر، توماس وولف، وجون دوس باسوس. ما من أحد يكتب اليوم مثل دوس باسوس – في تصويره الملحميّ للجماهير. أشتاقُ للبُعد المَلحَميّ الذي كان موجوداً يوماً في الأدب الأمريكي؛ لقد غَدَا مُعَقْلَناً بزيادة.

الصحفية: ما رأيك في الإصدار السينمائي لِـطبل الصفيح؟

غونتر غراس: عمل شلوندورف فيلماً جيّداً، وإن لم يتّبع النمط الأدبي للكتاب. ربما كان ذلك ضرورياً، لأن منظور أوسكار – الذي يحكي عن قصته بالقفزِ مِراراً من فترة زمنية لأخرى – كان من شأنه أن يُنتِج فيلماً ذا تعقيدٍ شديد. قام شلوندورف بعملِ شيءٍ بسيطٍ للغاية. إنه يحكي القصةَ على خطٍّ واحد. هناك، حتماً، أجزاء كاملة قد حذفها شلوندورف من الإصدار السينمائي. إنني أفتقدُ بعضاً منها. وهناك جوانب للفيلم لا تعجبني كثيراً البتّة. إنّ المَشَاهد القصيرة في الكنيسة الكاثدرائية لا تعمل بشكل جيّد لأن شلوندورف لا يفهم عن الكاثوليكيةِ شيئاً. إنه بروتِستانْت ألماني حقاً، والكنسية الكاثدرائية في الفيلم تبدو ككنيسة بروتستانيّة حَدَثَ أن كان بها كرسي اعتراف. لكن هذه ليست سوى تفصيلٌ دقيقٌ. عموماً، وبمساعدة الصبي الصغير الذي مثّل أوسكار، أعتقد أنه فيلمٌ جيد.

الصحفية: لديك اهتمام خاص بما هو شنيع – يخطر في بالي بالأخص المشهد المشهور حيث تخرج ثعابين البحر مُلتفّةً من رأس الخيل في طبل الصفيح. أنّى يجيء ذلك؟

غونتر غراس: يجيء ذلك مني. لم أفهم أبداً لِمَ هذا المقطع، بطول ست صفحات، مُزعِجٌ لهذا الحد. إنه شيءٌ من واقعيةٍ خياليةٍ، كتبتُها كما أفعلُ عند كتابة أي تفصيل آخر. لكن الموت والجنسانية اللذين تثيرهما تلك الصورة قد وَلَّدَت اشمئزازاً هائلاً لدى الناس.

الصحفية: ماذا كان وقْعُ إعادةِ توحيدِ ألمانيا على الحياة الثقافية الألمانية؟

غونتر غراس: لم يستمع أحدٌ إلى الفنانين والكُتّاب الألمانيين الذين جَهَروا بالكلام ضدّها. أكثريّةُ المثقّفين لم يشاركوا في النقاش للأسف، لا أعلم ألِأسبابِ الكسل أم اللامبالاة. أعلن المستشار السابق، ويلي براندت، في مرحلة مبكرة، أن القطار الذاهب إلى الاتحاد الألماني قد غادر المحطة وليس باستطاعة أحد أن يوقفها. تولى الأمرَ حماسٌ جماهيريٌ غيرُ صادرٍ عن فكرٍ سليم. قد قُبِلَت تلك الاستعارةُ البلهاءُ على أنها الحقيقة؛ لقد ضَمِنَت ألّا يفكِّر أحدٌ كم سيضر ذلك الثقافةَ الألمانيةَ الشرقيةَ بشكل سيّء، بصرف النظر عن نظامهم الاقتصادي. لا، لا أرغب في ركوب قطارٍ غير ممكن التوجيه ولا يستجيب لإشارات الإنذار. لقد ظللتُ واقفاً على الرصيف.

الكتابة عملية مُجهِدةٌ مُجَرَّدةٌ بحق. وإذ تكونُ ممتعة، فإن اللذة مختلفةٌ تماماً عن لذة الرسم. في حالة الرسم أكون واعياً بِشِدَّةٍ بخلقِ شيء ما على ورقة. إنه فعلٌ حِسّيٌّ، وهو ما لا يمكنكِ أن تقوليه عن فعل الكتابة. في الحقيقة، كثيراً ما ألجأُ إلى الرسم لأُشفى من الكتابة.

الكتابة عملية مُجهِدةٌ مُجَرَّدةٌ بحق. وإذ تكونُ ممتعة، فإن اللذة مختلفةٌ تماماً عن لذة الرسم. في حالة الرسم أكون واعياً بِشِدَّةٍ بخلقِ شيء ما على ورقة. إنه فعلٌ حِسّيٌّ، وهو ما لا يمكنكِ أن تقوليه عن فعل الكتابة. في الحقيقة، كثيراً ما ألجأُ إلى الرسم لأُشفى من الكتابة.

الصحفية: ما ردُّ فعلك للنقد اللاذع الذي لاقَيتَهُ من قِبَل الصحافة الألمانية عن آرائك في إعادة التوحيد؟

غونتر غراس: أوه، لقد اعتدتُ ذلك! إنه لا يؤثر في موقفي. لقد نُفِّذَت إعادة التوحيد بأسلوبٍ مخالف لقانوننا الأساسي. كان من المفترض أن يُعَدَّ دستورٌ جديدٌ عندما تضافرت الولايات الألمانية المُقَسَّمة من جديد – دستورٌ ملائمٌ لمشاكل ألمانيا متّحدةٍ. ما حدث بدلا من ذلك أن كل ولايات ألمانيا الشرقية أُلحِقَت بألمانيا الغربية. فُعِل ذلك باستخدام ثغرةٍ نوعاً ما، بندٌ في الدستور كان يُقصَد به تمكين الولايات الألمانية المنفردة من أن تصبح جزءاً من ألمانيا الغربية. إنه أيضاً يمنح حق الجنسية الألمانية الغربية للألمان الأصليين، مثل المارِقِين من الشرق. إنها مشكلة حقيقة لأنه ليس كلُّ ما يتعلق بألمانيا الشرقية كان فاسداً، فقط الحكومة. والآن كلُّ ما هو شرق- ألماني – بما في ذلك مدارسهم، فنّهم، ثقافتهم – سيُرمى أو يُقمَع. لقد أصبح موصوماً؛ ذاك الجزء من الثقافة الألمانية بأكمله سيتلاشى.

الصحفية: توحيد ألمانيا هو ذاك النوع من الحدث التاريخي الذي تتناوله في كُتُبك مراراً. هل تسعى لتقديم سرد تاريخي “حقيقي” عندما تكتب عن مثل هذه الأوضاع؟ كيف تعمل التأريخات القصصية كأمثالِ ما تكتُب مُتَمِّمَاتٍ للتاريخ الذي نقرؤه في الكتب المدرسية والصُّحُف؟

غونتر غراس: التاريخ أكثر من الأخبار الإعلامية. عنيت خصوصاً بسَيْر الأحداث التاريخية في كتابين، اللقاء في تيلكتي، والسَّمَك المفلطح. تجِدين السَّمَك المفلطح قصةَ التطور التاريخي للتغذية البشرية. لا توجدُ بكثرةٍ موادٌ عن هذا الموضوع—إننا في الغالب نسمي تاريخاً فقط ما له شأنٌ بالحرب، السلام، الاضطهاد السياسي، أو سياسة الأحزاب. إنَّ عملية التغذية والتغذية البشرية مسألة محورية، مهمة بالأخص الآن، إذْ تمضي المجاعة والانفجار السكاني يداً بِيَد في العالم الثالث. عموماً، كان عليّ أن اخترع توثيق هذا التاريخ، فقررتُ أن أستخدم قصة على نمط قصص الحوريات على أنها الاستعارة التوجيهية. قصص الحوريات عموماً تقول الحقيقة، مُغَلِّفةً جوهرَ تجاربنا، وأحلامنا، وأمانينا، وشعورنا بالضياع في العالم. هي بهذا الشكل أكثر صحة من العديد من الحقائق.

الصحفية: ماذا عن شخصياتك؟

غونتر غراس: إن الشخصيات الأدبية، وخصوصاً البطل الذي عليه أن يُقِّلَّ كِتاباً، هي تركيباتٌ من عدة أشخاص مختلفين وأفكار وتجارب، جميعُها حُزِمَت سوّياً. كاتبةُ نثرٍ، عليكِ أن تخلقي، تخترعي شخصيات – بعضُها تحبينها وبعضها لا. بإمكانكِ أن تنجزي ذلك بنجاح فقط إن استطعتِ النفاذ في هؤلاء الأشخاص. إن لم أفهم مخلوقاتي من دواخلها، ستظل أشكالاً من ورق، لاأكثر.

الصحفية: إنها تعاود الظهور مراراً في كتب مختلفة؛ في بالي مجدداً تولا، السابيل، أوسكار، وجدته آنا، على سبيل المثال. لديّ انطباعٌ بأن هذه الشخصيات كلها أعضاء عالم خيالي أوسع قَد بدأتَ للتو توثّقه في رواياتك. هل تعتبرها ذات وجود مستقل؟

غونتر غراس: عندما أشرع في الكتابة أطوّر رسوماتٍ أوّلية لعدد من شخصيات مختلفة. كثيراً ما تبدأ تعيش هذه الشخصيات الخيالية حيواتها الخاصة إذْ أواصل عملي على الكتاب. على سبيل المثال، لم أخطط إطلاقاً لأنْ أعيد تقديم مستر ماتسرات في الفأرة كرَجُلٍ في الستين من عمره. لكنه عرَض نفسَه عليّ، ظَلَّ يسألني أن يُحتوى، قائلاً، ما زلتُ هنا؛ هذه قصتي أيضاً. أراد أن يَدخُل الكتاب. كثيراً ما وجدتُ أنّه على مدى السنين، يطالبني هؤلاء الأشخاص المُختَرَعين بأمور، ويناقضونني، وحتى يرفضون السماح باستخدامهم. على المرء أن ينتبه لهؤلاء الأشخاص بين حين وآخر. بالطبع، على المرء أيضاً أن يستمع إلى نفسه. إنه يتحول إلى مناقشة، مناقشة حميمة أحياناً. إنه تآزُرٌ.

الصحفية: لِمَ توجد تولا بوكريفكه في محور الكثير من كُتُبك؟

غونتر غراس: شخصيتها صعبة جداً ومليئة يالتناقضات. كنتُ متأثراً جداً عندما كتبتُ تلك الكُتب. لا أستطيع أن أشرحها. لو فعلتُ، لغَدَا هنالك شرحاً. أكره الشروح! أدعوكِ لتكوين صورتكِ الخاصة. يأتي الأطفال إلى المدرسة في ألمانيا وما يريدونه هو قراءة قصة جيدة أو كتابٍ فيه بَطَّةٌ ذات رأسٍ أحمر! ولكن ذلك غير مسموحٍ به. إنهم يُكَلَّفون بدلاً من ذلك بتفسير كل قصيدة، كل صفحة، باستكشاف ما يقول الشاعر. لا شأن لهذا بالفن. بإمكانكِ أن تشرحي شيئاً تِقْنِيّاً ووظيفتَه، ولكنّ احتمالاتِ صورةٍ أو قصيدةٍ أو روايةٍ كثيرةٌ جداً. كلُّ قارئ يخلُقُ قصيدةً ما مِن جديد. لهذا السبب أكره التفاسير والشروح. مع ذلك، أنا مسرورٌ جداً لأنكِ ما زلتِ على اتصالٍ بتولا بوكريفكه.

الصحفية: كثيراً ما تُحكَى كُتُبَكَ من منظورات متعددة. يتكلم أوسكار في طبل الصفيح من منظور الشخص الأول والشخص الثالث. في سنوات الكلاب، يتحول السرد من الشخص الثاني إلى الشخص الثالث، وهكذا. كيف يساعدك هذا الأسلوب في تقديم رؤيتك عن العالَم؟

غونتر غراس: على المرء أن يبحث دوماً عن زوايا جديدة. أوسكار ماتسرات، على سبيل المثال. قَزَمٌ – طفلٌ حتى في الرُشد – يجعله حجمُه وسلبيتُه أداةً مثاليةً لزوايا متعددة جداً. إنه يتوهّم الأُبّهة، وهذا ما يجعله يتحدث عن نفسه من منظور الشخص الثالث، تماماً كما يفعل الصِّبْيَةُ الصغار أحياناً. إنه جزء من تمجيده لذاته. إنه مثل ضمير نَحْنُ المَلَكي، وأن يُقال على طريقة ديغول، “أنا، ديغول..” هذه كلها وضعيَّاتٌ سَرديّةٌ تمنحُ مسافةً. هناك ثلاثُ زوايا في سنوات الكلاب، مع اختلاف دَور الكلب في كلّ منها. الكلبُ نُقطةُ انكسارٍ.

الصحفية: كيف تغيَّرَت اهتماماتُك وتطوَّرَ أسلوبُك على مدى امتهانِك الكتابة؟

غونتر غراس: أول ثلاثة كُتُب أساسية لي، طبل الصفيح، وسنوات الكلاب، والأقصوصة القِط والفأر، تمثِّل فترة زمنية واحدة – الستينات. إن التجربة الألمانية للحرب العالمية الثانية محورية لثَلاثةِ الكُتُب كُلّها، التي، مجموعةً، تكوِّن ثُلاثيّة داينتسينغ. شعرتُ بأنني مدفوعٌ إلى معالجة العهد النازي في كتاباتي في ذلك الوقت، إلى النظر إلى أسبابه وعواقبه. بعد بضع سنين، قمتُ بكتابة من يوميات حلزونة، وهي أيضاً تعالج الحرب، ولكنها كانت انصرافاً حقيقياً فيما يتعلق بأسلوبِ نثري وصيغته. تسير الأحداث في ثلاثة عهود مختلفة: الماضي (الحرب العالمية الثانية)، الحاضر (١٩٦٩ في ألمانيا، عندما شرعتُ في العمل على الكتاب)، والمستقبل (مُمَثَّلاً من قِبَل أولادي). كل هذه الفترات الزمنية مُبَلبَلٌ في رأسي وفي الكتاب. اكتشفتُ أن صِيَغ الأفعال التي تُدَرَّس في المرحلة الاعدادية—ماضي ومضارع ومستقبل—ليست سهلةً في الحياة الفعلية. كُلمَّا فكرتُ في المستقبل، وجدتُ معرفتي بالماضي والحاضرِ حاضرةً، تؤثِّرُ على ما أسميه المستقبل. والجُمَلُ التي قيلَت أمْس قد لا تكون بالفعل قد مَضَت وانتهى أمرُها—ربما هي سيكون لها مستقبلٌ. لسنا مقيَّدين بالتسلسل الزمني ذهنيَّاً—نَعي بالعديد من الأزمنة المختلفة معاً، كأنها واحدة. كاتبٌ، عليَّ أن أدرك تراكُبَ الأزمنةِ هذا وأن أكون قادراً على عرضِه. هذه المباحث الزمنيَّة قد غَدَت مهمة أكثر فأكثر في أعمالي.Kopfgeburten oder Die Deutschen sterben aus تُسرد بالفعل من داخل زمن جديدٍ، مُختَرَعٍ، أسمِّيه Vergegenkunft. إنها توليفةٌ من مفردات الماضي، المضارع، والأمر. في اللغة الألمانية، بإمكانكِ أن تربطي كلماتٍ معاً لتُشَكِّلي مُرَكَّباتٍ. تأتي Ver- من Vergangenheit،التي تعني “ماضي”؛ -gegen- من Gegenwart، التي تعني “حاضر”؛ و -kunft من Zukunft، الكلمة المستخدَمَة لِـ “المستقبل.” هذا الزمن الجديد، المختلط محوريٌّ أيضاً في السَّمَك المفلطح. إنَّ السارد في ذلك الكتاب قد تَجَسَّد مرة بعد مرة على مرّ الزمن، وتمنحُ سِيَرُهُ المختلفة المتعددة زوايا جديدةً، كلٌّ منها في الزمن الحاضر الخاص به. قدَّرتُ أنني بحاجة لشكلٍ جديد من أجل كتابة كتابٍ من زوايا عهودٍ مختلفة متعددة جداً، تنظر من الحاضر ومُتصلة بأشياء قادمة. لكن الرواية صيغة كتابية من الانفتاح بمكان بحيثُ وجَدتُ أنه يمكنني أن أبدّل الصيغ، من الشعر إلى النثر، بداخلها.

الصحفية: إنك تجمع السياسةَ المعاصرةَ وروايةً خياليةً عما حَلَّ بجماعة دانزيغ اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية في من يوميات حلزونة. هل كنت تعلم أن ما أنجزتَهُ من كتابة الخطب ومساندة المرشح الذي نفَّذتَه من أجل ويلي براندت في عام ١٩٦٩ سيصبح مادة لكتاب؟

غونتر غراس: ما كان لي من خيارٍ سوى الخروج إلى الحملة الانتخابية تلك، كتابٌ أو لا كتاب. مولودٌ في ١٩٢٧، في ألمانيا، كنت في الثانية عشر عندما بدأ الحربُ وفي السابعة عشر حين انتهى. إنني مُثْقَلٌ بالماضي الألماني هذا. لستُ في ذلك وحيداً؛ هناك كُتَّابٌ آخرون يشعرون بذلك. لو كنتُ كاتباً سُوَيْدِيَّاً أو سُوَيْسرِيَّاً لربما عَبَثْتُ أكثر، وأخبرتُ بعض النُكَتِ وما إلى ذلك. لم يكن ذلك ممكناً؛ بالنظر إلى خَلفيَّتي، لم أكن أملك أيَّ خيارٍ آخر. في الخمسينات والستينات، عهدُ أديناور، لم يستَطِب السياسيون الحديثَ عن الماضي، أو إن تحدثوا عنه، أظهروه كعهدٍ شيطانيٍّ في تاريخنا حيث غدرت الأباليسُ بالألمانيين التعساء العاجزين. أخبروا أكاذيباً دامية. كان مهماً جداً إخبارُ الجيل الذي يصغرهم كيف حدث ذلك في الحقيقة، أنَّهُ حدث في وضح النهار، وببطء شديد وبانتظامٍ. كان بإمكانِ أيِّ شخصٍ في ذلك الزمنِ أن ينظر ويرى ما كان يجري. من أفضل ما نحظى به بعد أربعين عاماً من الجمهورية الفيدرالية أننا نستطيع أن نتكلم عن العهد النازي. وأدبُ ما بعدَ الحربِ لعبَ دوراً هاماً في تمكين حدوث ذلك.

الصحفية: تبدأُ من يوميات حلزونة بِـ ، “أعزائي الأطفال.” هذه استمالةٌ للجيل الذي نشأ بعد الحربِ بأكمله، لكنك أيضاً تخاطب أولادك أنت.

غونتر غراس: أردتُ أن أشرح كيف حدثت خطيئةُ الإبادة الجماعية. أولادي، وقد وُلِدوا بعد الحرب، كان لهم أبٌ يخرجُ ليقوم بحملةٍ ويلقي خُطَباً في صباح الإثنين ولا يعود حتى السبت التالي. كانوا يسألون، “لِمَ تفعل ذلك، لِمَ أنت بعيدٌ عنا باستمرار؟” حاولتُ أن أجعل ذلك واضحاً بالنسبة لهم، ليس فقط شفهياً، بل فيما كتبتُ أيضاً. كان المُستشارُ الذي يشغل المنصب في ذلك الوقت، كورت جورج كيسنجر، نازيّاً خلال الحرب. بناء على ذلك لم أكن أقوم بحملة من أجل مستشارٍ ألمانيٍّ جديد فقط، بل ضد الماضي النازيِّ أيضاً. لم أَشَأْ أن أبقى فقط على أرقامٍ مجرَّدة—”كذا وكذا مِن اليهود كانوا قَد قُتِلوا.” سِتُّ ملايينَ رقمٌ لا يمكن فهمه. أردتُ أن يكون له وَقْعاً أكثرَ محسوسيةً. بالتالي، اخترتُ رابطاً لقصَّتي تاريخَ كنسيةِ دانزيغ، التي بقيَت في تلك المدينة لعصورٍ عديدةٍ حتى أُبيدَت خلالَ الحرب مِن قِبَل النازيِّين—الألمان. أردتُ أن أُوَثِّق حقيقةَ ما جرى هناك. أربُطُ هذا بالحاضر في المشهد الأخير من الكتاب؛ أكتبُ عن تحضيري لمحاضرةٍ على شرف عيد ميلاد ألبرخت دورر الثلاثمائة. هذا الفصل تأملٌّ كئيبٌ في نقش دورر، “السوداء” والتأثيرِ الذي قد أحدثه الاكتئابُ على تاريخ البشر. يُخَيَّلُ إليَّ أنَّ حالةً من الاكتئابِ على نطاق الثقافةِ ستكون السلوك الصحيح للألمانِ أن يتخذوه إزاء الهولوكوست. نادمةٌ أسوانةٌ، ستكون مُستنارةً بفعلِ تَبَصُّرٍ في أسباب الهولوكوست من شأنه أن يُنقلَ إلى أزمِنتنا دَرساً.

الصحفية: إنَّ التركيز على جانبٍ ما من البؤس في وضع العالَم الحالي والأهوال المُنتَظر وقوعها نمطيٌّ في الكثير جداً من كُتُبك. هل تعني أن تعطي درساً، أن تُحذِّر، أو أن تحثَّ قرائك على سلوكٍ ما؟

غونتر غراس: ببساطة، لا أريد أن أخدعهم. أريد أن أعرض الوضع الذي هم عليه، أو وضعاً قد يتطلعون إليه. الناسُ مُغِمُّون، ليس لأن كلَّ شيءٍ مهيبٍ ولكن لأننا البشر بمقدورنا أن نغيَّر الأشياء، ولكننا لا نفعل. مشاكلُنا مسببَّةٌ مِن قِبَلِنا، نحنُ نقررها، ويجدُرُ بنا أن نحلَّها.

الصحفية: فاعليتُك تمتدُّ إلى مسائل البيئة بالإضافة إلى المسائل السياسية، وقد أدرَجتَ ذلك في عملك.

غونتر غراس: لقد قمتُ بالكثير من الأسفار في البضعِ سنين الماضية، في ألمانيا وأماكن أخرى. لقد رأيتُ ورسمتُ عوالِمَ تموت، عوالِمَ مُسَمَّمة. نشرتُ كتابَ رسوماتٍ اسمه موت الغاب عن هكذا عالَمٍ، على الحدود بين جمهورية ألمانيا الفيدرالية وما كان آنذاك لا يزالُ يُعرَفُ بالجمهورية الديموقراطية الألمانية. هناك، متقدماً بكثير على التوحيد السياسي، ظهرَت إعادةُ توحيدٍ لألمانيا على شكل غاباتٍ تموت. هذا أيضاً صحيح بالنسبة للمنطقة الجبلية على حدود ألمانيا الغربية وتشيكوسلوفاكيا. إنه يبدو وكأنَّ مجزرةً قد حدثت. رسمتُ ما رأيتُ هناك. للأرسُمِ عناوينُ مختصَرَةٌ، حواملُ، معنيَّةٌ كتعليقٍ أكثر من أن تكون وصفاً، وهناك خاتمة. للرسم ثقلٌ موازٍ لِـ أو أعظم من ثقل الكتابة باحتوائه على هذا النوع من الموضوعات.

الصحفية: هل تؤمن أن للأدب قوة كافية لتسليط الضوء على الحقائق السياسية لعصرٍ ما؟ هل دخلت حيز التنفيذ السياسي لأنك، مواطناً، شعرتَ أنه بوسعك أن تفعل أكثر مما يمكنك فعله كاتباً؟

غونتر غراس: لا أعتقد أن السياسة ينبغي أن تُترك للأحزاب؛ ذاك سيكون خطِراً. هناك الكثيرُ جداً من الندوات والمؤتمرات فيما يتعلق بموضوع “هل يستطيع الأدب أن يغير العالَم!” أعتقدُ أن للأدب القوة الكافية لإحداث تغيير. كذا يفعلُ الفنُّ. نتيجةً للفن الحديث لقد غيرنا عاداتنا في النظر، بطُرُقٍ كُنا بالكادِ على وعيٍ بها. اختراعاتٌ من أمثالِ التعكيبية قد منحَتْنا قُوى إبصارٍ جديدةً. تقديمُ المونولوجِ الداخلي لجيمس جويس في عوليس قد أثَّر في صعوبة فهمنا للوجود. المسألةُ فقط أنّ التغييرات التي يمكن يحدثها الأدب ليست قابلة للقياس. إن التواصل بين كتابٍ وقارئه سِلمِيٌّ، غيرُ مُسَمَّى.

لأيِّ مدىً غيَّرت الكُتُبُ الناسَ؟ لا نَعلمُ الكثيرَ عن هذا. أستطيع فقط أن أجيب بأنَّ الكُتُب قد كانت مصيريَّةً لي. بعد الحرب، عندما كُنتُ شاباً، كان ذلك الكتاب الصغير لألبير كامو، أسطورة سيزيف، أحدَ العديدِ من الكُتُب ذات الأهمية بالنسبة لي. كان البطل الأسطوري المشهور الذي حُكِمَ عليه أن يُدحرِجَ حَجَراً لأعلى جَبَلٍ، حيث يعود يتدحرجُ للأسفلِ نحو القاع – شخصيةٌ على العادةِ مأساويَّةٌ – قد أُوِّل لي مُجَدَّداً سعيداً فيما قُسِمَ له. إنَّ فِعلَ تكرارِ دحرجةِ الحجرِ لأعلى الجبل،ِ المستمرَّ، البادي عقيماً، هو في الحقيقة فعلُ كينونتِه المَرْضِيُّ. كان سيحزن إنْ سَلَب أحدُهم الحَجَرَ منه. كان لذلك تأثيراً عظيماً عليَّ. لا أؤمن بهدفٍ نهائِيّ؛ لا أعتقد أن الحَجَرَ سيظل على قمة الجمل للأبد. يمكننا أن نرى هذه الأسطورةَ تصويراً إيجابيّاً للوضع البَشَرِيِّ، وإن كان مُعارِضاً لأيِّ شكلٍ للمثالية، بما فيها المثالية الألمانية، ولأي أيديولوجيا. كُلُّ أيديولوجيا غربية تَعِدُ هدفاً نهائياً—مجتمعاً سعيداً، عادلاً، أو سِلمِيّاً. لا أؤمن بذلك. نحنُ أشياء في تحوُّلٍ. قد يكون الواقعُ أنَّ الحَجَرَ يتدحرجُ مبتعداً عنَّا وينبغي أن يُدَحرَجَ للأعلى مُجَدَّداً، لكنَّ ذلك شيئاً علينا فعله؛ الحَجَرُ حَجَرُنا.

الصحفية: كيف تتصوَّرُ مستقبلَ البَشَرِ إذاً؟

غونتر غراس: سيكون هناك مُستقبَلاً طالما احْتِيجَ إلينا. ليس بوسعي أن أخبركِ الكثيرَ عن ذلك في كلمةٍ واحدة. لا أريد أن أقدِّم إجابة لهذا في كلمةٍ واحدة. كتبتُ كتاباً، الفأرة— “The She-Rat,” “Rattessa.” ماذا تريدين أكثرَ من ذلك؟ إنه إجابةٌ طويلةٌ لسؤالكِ.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *