خورخي لويس بورخيس: استلهام الحكمة من خلال أكثر مقابلاته صراحة

ترجمة: عبدالله التويجري مراجعة: بثينة العيسى
كي أصل إلى هذه المرحلة من الكتابة المرتبة واللائقة، كان علي أن أبلغ السبعين من عمري.

كي أصل إلى هذه المرحلة من الكتابة المرتبة واللائقة، كان علي أن أبلغ السبعين من عمري.

بقلم: ماريا بوبوفا

خورخي لويس بورخيس هو أكثر الكتاب اللاتينيين المؤثرين والمحتفى بهم في القرن العشرين، لإرثه الأدبي دويٌّ عالٍ كما هو دائما، وينضح بأصداء فلسفية بعيدة الوصول.

في ١٩٧٢، عندما كان بورخيس في سبعينياته وقد اكتمل عماه، أتاه شاب أرجنتيني حاذق وجاد، باحث في الأدب في الثلاثين من عمره، برسائل حملت اسم فيرناندو سورينتونتو، وجلس مع الكاتب المحبوب لسبعة أيام خلال فترة الظهيرة في غرفة صغيرة معزولة في المكتبة الوطنية وسجل محادثاتهم – محادثات غير متكلفة، بدردشة غير رسمية، خالية من أي التزام مزعج بتنسيق جامد- في شريط تسجيل. نشرت في ١٩٧٤ بعنوان سبعة حوارات مع بورخيس. الحوارات ممتدة من الأدب إلى السياسة إلى كل شيء، لم يكن بالإمكان توزيعها تجارياً إلا بعد خلع ايزابيل بيرون في 1976 بسبب تعليقات الكاتب الصريحة والمعادية لسياستها خلال حواراته مع سورنتينو.

المجموعة الحالية من المقابلات السبعة هي حكمة بورخيس في الكتابة، وقد تم جمعها في طبعه أنيقة لكتاب (نصائح مشاهير الكتاب حول الحرفة).

لماذا هو مسمّمٌ للكاتب أن يتخيّل قارئاً مثالياً، [1] يقول بورخيس:  تصريحٌ سخيف. كيف يمكن للشخص أن يكتب بشكل أفضل أو أسوأ بسبب تفكيره بمن سيقرأ له؟

عن العثور على غاية المرء، والثقة بدفقات الحدس، والتناغم بين القراءة والكتابة، يقول بورخيس: من قبل أن أشرع في كتابة سطرٍ واحد، كنت أعلم بطريقةٍ غامضة وقاطعة بأنه الأدب كان قدري. ما لم أدركه في البداية هو أنه كما قدّر لي أن أكون قارئا، فقد قدّر لي أن أكون كاتبا. وأنا لا أعتقد بأن أحدهما أهم من الآخر.

عن الأدب بصفته مدخلاً للإنسانية، قال بورخيس: أؤمن بالأدب النفسي، وأعتقد بأن جميع أنواع الأدب هي نفسية أصلاً.

وما قاله حول ضرورة عدم الخطأ بالاعتقاد بأن الكاتب المجهول أقل إبداعًا، ولماذا تجسد القصص الخرافية الشكل الأفضل للفن القصصي: في السنة الواحدة قد يستمع الشخص الى أربع أو خمس نكات جيدة جدًا، وذلك بالتحديد لأنه قد تم الاشتغال عليها. إنه من الخطأ الظن بأنها حكايات بلا قيمة لأن صاحبها مجهول. بل بالعكس، أظن بأن الحكايات الخرافية والأساطير والنكات التي يسمعها الشخص شفهيا في العموم جيدة، لأنها انتقلت من فم الى آخر. لقد تمت تعريتها من جميع الزوائد والشوائب غير المهمة. وبذلك يكون باستطاعتنا القول بأن الحكايات الشعبية هي منتجات مصقولة أكثر من قصيدة لدونيي أو جونجورو أو لوغونز. مثلا، في الحالة الثانية فإن النص قد تمت مراجعته من قبل شخص واحد، وفي الحالة الأولى من قبل المئات.

ما قاله بورخيس عن ضرورة ألا تضيع في الحركات الأدبية: ” لم أعد مؤمنا بالمدارس الأدبية، أنا أؤمن بالفرد”

وما قاله عن امتياز الكتابة عن التاريخ: أعتقد بأن علي الكاتب ألا يسعى للموضوع المعاصر، أو الطوبوغرافية المحددة جدًا، لأن الناس ستجد أخطاء تنتقده عليها. وإن لم يجدوا فهم سيبحثون عنها، وعندما يبحثون عنها سوف يجدونها. لذلك، أفضّل لقصصي أن تُروى في أماكن غير محددة وفي سنوات ماضية.

يجب أن يحكم على الكاتب دائما من خلال أفضل صفحاته

يجب أن يحكم على الكاتب دائما من خلال أفضل صفحاته

ما قاله بورخيس عن موهبة شكسبير الاستثنائية، وترديد تأملات فرجينيا وولف الخالدة عن الحرفة، وعن حدود الترجمة: أعتقد بأن شكسبير من بين جميع الكتاب هو محترف كلمات. فأنا -مثلا -أجده أقرب إلى جويس منه إلى أي من الروائيين العظام، حيث الشخصية هي أهم شيء. ولهذا أنا أشكك في إمكانية ترجمة شكسبير، لأن الجانب الأهم والأثمن بالنسبة إليه هو الجانب اللفظي، أتساءل إلى أي مدى يمكن ترجمته.

عن الشعر الحر ولماذا هو أصعب من الشعر المقفى[2]، يقول بورخيس: إنني أجد صعوبة في كتابة الشعر الحر، لأنه غير ممكن دون أن يكون هناك دافعٌ داخلي. بالمقابل، فإن استخدام الوزن والقافية هو أمر يتعلق بالصبر. فعند كتابة السطر الأول أنت ملزم بإكمالهِ على نفس القافية، عدد القوافي ليس نهائيا، فعدد القوافي التي يمكن استخدامها – بلا تعارض – محدود.. وعليه، فأنا إذا أردت فبركة أمر، سأكتب سوناتا، ولكنني لن أستطيع فبركة قصيدة حرة.

في ملامسةٍ لتساؤل إيتالو كالفينو عما يجعل الكتاب خالدا، يقول بورخيس: الكتاب الخالد سيكون بذات الروعة والامتياز سواء نشر قبل مئة سنة، أو بعد مئة سنة. كتاب لا يمكن تعريفه إلا بكماله.

لماذا البحث الصريح عن البريستيج يلتف حول كرامة الأدب؟ وكيف يقوم الضغط التجاري بتحويل الأدب إلى سلعة. يقول بورخيس: من الممكن اعتبار الأدب كسلعة تجارية في زمننا الحالي أكثر من أي وقت مضى بسبب مؤثرات حالية. الناس تحكي الآن عن الكتب الأكثر مبيعا. إني أتذكر زمنا مضى عندما كنت أكتب، لم يحدث أن فكرنا بنجاح أو فشل الكتاب. ما يسمى نجاحا اليوم لم يكن موجودا في ذلك الوقت، و”الفشل” كأن يؤخذ من المسلمات. كلٌ يكتبُ لنفسه، أو ربما كما قال ستيفنسن: كنا نكتب لمجموعة صغيره من الأصحاب. بالمقابل فإن الكاتب الآن يفكر في المبيعات. أعرف بأن هناك كتاب يعلنون بأن طبعتهم الخامسة، السادسة أو السابعة قد نشرت، وبأن مدخولهم النقدي كذا وكذا. كل هذا كان سيظهر سخيفا عندما كنت شابا. كان سيظهر فظيعًا! في زمني سوف يظن الناس بأن الكاتب الذي يعلن عن هذه إيراداته من الكتب يقول ضمنيا: (أعلم بأن ما أكتبه سيء، ولكنني أكتبه لأعيل أسرتي). ولهذا فأنا أنظر إلى هذا السلوك كشكلٍ من أشكال التواضع، أو الحماقة الجليّة.

في أن تثق بحدسك، وببوصلتك الداخلية في الأدب أو الحياة، يقول بورخيس: أؤمن بأنه متى ما أخطأ أحدٌ ما، فهو يعلم بأنه أخطأ. ولكنه يفعل ذلك على أي حال. أعتقد بأنه ليس هنالك من يفكر بأن سلوكه مثالي. وذلك ينطبق على الكتابة الأدبية.

عن الكتابة والتعمير، يقول بورخيس: كي أصل إلى هذه المرحلة من الكتابة المرتبة واللائقة، كان علي أن أبلغ السبعين من عمري.

فيما يخص نصيحة أبيهِ حول (متى لا تقبل النصيحة) قال بورخيس: أبي أعطاني هذه النصيحة: أن أكتب بكثرة، وأن أشكك بكثرة، وألا أتسرع في الطباعة. ولذلك فإن أول كتاب لي تم نشره هو في الحقيقة كتابي الثالث. قال لي أبي بأن أي كتاب أقوم بكتابته وأحكم عليه بأنه غير صالح للنشر فإنه سيدفع تكاليف طباعته، ولكن كل رجل مسئول عن نفسه، وعليّ ألا أسأل النصيحة من أي شخص.

عن القيمة الأدبية للعمل، قال بورخيس: يجب أن يُحكم على الكاتب دائما من خلال أفضل صفحاته.

عن النفور من الرواية. يعتقد بورخس بأن شكل الرواية سوف يموت في النهاية وبأن القصة القصيرة سوف تطغى عليه، يقول بورخيس: “لم أفكر بأن أكتب الروايات، أعتقد بأني إذا بدأت بكتابة الرواية فسوف أصل إلى نتيجة بأن هذا جنون مطلق ولن تصبح لي القدرة بإكمالها. إنه عذر على الأرجح مبني على أحلام ناتجة من كسلي. الميزة الأساسية التي أراها في القصة القصيرة هي أنها تؤخذ في نظرة واحدة. بالمقابل فإن الرواية تحتاج إلى جلسات عدة بشكل ملحوظ. وهناك حقيقة أن أي عمل يتكون من ثلاثمائة صفحة يعتمد على الحشو في صفحات هي مجرد وشائج بين بعضها البعض. في المقابل، في القصة القصيرة يمكن أن يصبح كل شيء مهماً، أو على درجة من الأهمية، أو – يمكن القول بأنه – يظهر بأنه مهم. أعتقد بأن هناك قصصٌ لكيبلنغ أو كونراد تتمتع بكثافة الرواية. وهي ليست بالقصيرة.

عندما يرد سورنتينو على مزاعم بورخيس عن الكسل بالرغم من إنتاجه الأدبي الغزير. يردّ عليه الكاتب ببذخ مؤكداً بأن الإنتاج الإبداعي لا يجب أن يكون عملاً، وبالتبعية فإن الكسل هو عدم العمل، وبأن أفضل طريقة لتجنب العمل هي أن تكسب عيشك من شيء تحبه: “عمل الكاتب هو نتاج الخمول، كما ترى فإن عمل الكاتب يعتمد بشكل أساسي على تعطيل الذهن من الأشياء، في التفكير بأشياء أخرى. في أحلام اليقظة، وعدم الاستعجال بالذهاب الى النوم لتخيل شيء ما، بعد ذلك تأتي الكتابة الفعلية وهذه هي مهنته. أنا لا أظن بأنهما عملان يتنافسان مع بعضهما. على العموم، أعتقد بأن المرء إذا كتب عملا جيدا نسبيا فإنه لا يشعر بأنه عملٌ شاق: بل إنه ليشعر بنوع من المتعة. نوع من المتعة لا يعني بأن سيلغي استخدام ذكائه، مثله مثل لعب الشطرنج التي لا يلغي العقل متعتها. أنا من أشد المعجبين بلعبه الشطرنج وأتمنى بأن أتعلمها لأني سيئ جدا فيها.

في الجزء الأخير من المقابلة، بورخيس يعرض رأيه في مقوله هـ. ب. لوف كرافت ونصيحته للكتاب الواعدين ويشارك بشيء من حكمته: أريد أن أنصح هذا الكاتب الشاب المتخيّل بأن يقوم بدراسة الكلاسكيات في الأدب، دعه لا يحاول بأن يكون حديثا لأنه أصلاً حديث. دعه لا يحاول بأن يكون صاحب عصر مختلف، أو يكون كاتبا كلاسيكيا، لأنه بلا شك لا يمكنه أن يصبح كذلك. خاصة بأنه بشكل لا يمكن إصلاحه كاتب شاب من القرن العشرين

كلمات بورخيس الوداعية التي تعكس رأيه في الإبداع، الشيخوخة، الأصل، والتراث: أؤمن بأنه لا يجب على المرء أن يفقد الأمل بعد الخمسين. إلى جانب ذلك، فإن المرء لا يتعلم إلا عن طريق الضربات الصعبة. أليس كذلك؟ أعتقد بأنني ارتكبت جميع الأخطاء الكتابية الممكنة، وأن هذه الحقيقة هي التي ستجعلني ناجحا يوما ما..

الصورة التي سأخلفها بعد مماتي – لقد قلنا بأن هذا جزء من عمل الشاعر، وربما الاكثر أهمية- لا أعرف تحديداً كيف ستكون، لا أعرف إذا كان سينظر لي بتساهل، باختلاف، أو بعداء. الأكيد بأن هذه الصورة لا تعنيني مطلقا الآن. المهم بالنسبة لي ليس ما كتبته بل ما أكتبه وما سوف أكتبه. وأعتقد بأن هذا شعور كل كاتب. ألفونسوا ريايس قال: الواحد منا ينشر ما كتبه كي يتجنب أن تضيع حياته في تصحيح ما كتبه. الواحد منا ينشر ما كتبه لكي يتركه خلف ظهره، ينشره لينساه.

لم أعد مؤمنا بالمدارس الأدبية، أنا أؤمن بالفرد

لم أعد مؤمنا بالمدارس الأدبية، أنا أؤمن بالفرد

سبع حوارات مع خورخي لويس بورخس هي كنز من البصيرة في كلّيتها، إنها سحر آسر يلخصه بورخس في هذه المقدمة المكتوبة في يوليو 13 ,1972: من المفارقات، بأن الحوارات التي تأخذ مكانها بين الكاتب والصحفي تشبه جلسة من التأمل الداخلي، أكثر منها جلسة من الأسئلة والأجوبة. بالنسبة لمن يجري المقابلة، قد تكون عملاً روتينياً لا يخلو تماما من التعب والملل، أما للمحاوَر فهي تشبه المغامرة، حيث يكمنُ المخبوء والغير متنبأ به في الانتظار. فرناندو سورنتينو يعرف أعمالي- دعنا نستعمل هذا المصطلح- أفضل بكثير مما أعرفها. وذلك يرجع للحقيقة الواضحة وهي بأنني كتبتها مرة واحدة وهو قرأها عدة مرات، حقيقة تجعلها له أكثر مما هي لي. وفيما أنا أملي هذه السطور، فأنا لا أتمنى بأن أقلل من فطنته الكريمة، فكم من الأماسي قضينا نتكلم وجه لوجه. أرشدني فيها وكأن أسئلته غير مقصودة ليصل الى الجواب الحتمي الذي فاجأني، والذي بلا شك قد أعدّه مسبقا. فرناندو سورنتينو في كلمة، هو أحد أكرم مستثمريّ. أريد أن أفيد من كتابتي هذه الصفحة لأقول له بأنني ممتن لك، وصداقتنا الأكيدة التي لن تمحوها السنين.


[1]  كما تصيغها جويس كارول أوتس بأناقة، وبشكل يتحدى جزم مايكل لويس بأن الوعي بوجود جمهورٍ يصنع “ضغوطات غير مرئية ” على الكاتب.

[2] –  بورخيس هنا يجسد موعظة بوكوفيسكي الشعرية بأن الشي الوحيد الذي يستحق الكتابة هو الشي الذي يخرج من روحك كالصاروخ

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

One Response to خورخي لويس بورخيس: استلهام الحكمة من خلال أكثر مقابلاته صراحة

  1. Saud says:

    ممكن اسم الكتاب(نصائح مشاهير الكتاب حول الحرفة) بالانجليزي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *