آن بيتي: أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم

ترجمة: أمينة الحسن مراجعة: أحمد بن عايدة
لا يسعني فعل شيء حيال الناس الذين يعتقدون بأني نبيّة تنشر حكمتها على شكل قصص أدبية قصيرة تنشر في مجلة النيويوركر

لا يسعني فعل شيء حيال الناس الذين يعتقدون بأني نبيّة تنشر حكمتها على شكل قصص أدبية قصيرة تنشر في مجلة النيويوركر

أجرى اللقاء: كريستوفر كوكس

أجريت أول مقابلة مع آن بيتي عام ١٩٨٣. وقد كشفت محَاضِر تلك الجلسات عن كاتبة معتادة على الأضواء، ومرهقة من الإجابة على أسئلة الصحفيين. تقول آن بيتي “لا يسعني فعل شيء حيال الناس الذين يعتقدون بأني نبيّة تنشر حكمتها على شكل قصص أدبية قصيرة تنشر في مجلة النيويوركر.” ألصق جورج بلمبتون ملاحظة على تلك المقابلة وكتب عليها “سأتولّى أمرها بنفسي.” ثم أرسلت بيتي تعديلاتها الأخيرة إلى المحررة مونا سيمبسون، ولكن لسبب غير معروف لم يتم نشر اللقاء أبدًا. وبعض مما جاء في ذلك اللقاء حفز على إجراء اللقاء هذا.

تغير الكثير خلال السنوات الفاصلة بين ذلك اللقاء والآن. لم تزل آن بيتي تنشر القصص في النيويوركر ولكن أقل بكثير من السابق. وقد تلاشى الحديث حول (جيل بيتي) رغم أنها ما تزال تكتب قصص الخيال التي تصوّر فيها بشكل حاذق حياة أقرانها. ومزاجها الذي امتاز بحرارة الشباب ونفاد صبره، قد بات يتصف بجلال رقيق.

بعد قراءتي للقاء عام ١٩٨٣، كنت مستعدًا لحوار فاتر من نوعه عندما سافرت في الشتاء إلى كي ويست حيث تعيش مع زوجها لنكولن بيري (لديها أيضًا منزل بالقرب من جامعة فيرجينا حيت تقوم بتدريس الأدب والكتابة الإبداعية، ومنزل آخر في ماين.) وبالرغم من ذلك، استقبلاني آن وبيري في المطار كوالدين يرحبان بابنهما العائد من فترة دراسة. في مطعم، بعد بضعة ليال، ظن زوجان أننا عائلة تتناول العشاء خارج المنزل.

وقد أثبتت بيتي أنها بارعة كمضيفة ومرشدة سياحية لكي ويست. رغم أنها قضت الساعات في الإجابة على الأسئلة، إلا أنها دعتني لتناول الغداء والعشاء معها كل يوم، بل وتعيرني سيارتها للتجوّل في الجزيرة. وقد كانت سخية حتى في اللقاء ذاته: حين هدد نقاش دار حول دونالد بارثليم بأن يأخذ الكثير من وقتنا، قالت “يمكننا الحديث عنه إلى الأبد. فأنا أحبُّ هذا الرجل.”

كان هناك الكثير لتغطيته حول كتاباتها: قصصها في مجلة النيويوركر، حيث نشرت أول عمل لها عام ١٩٧٤، فيما كانت في السادسة والعشرون. أيضًا مجموعاتها القصصية، والتي تشمل التشوهات (١٩٧٦) -الأسرار والمفاجآت (١٩٧٨) -البيت المحترق (١٩٨٢) – التذكّر المكتمل (٢٠٠٠) ورواياتها، مشاهد من شتاء قارس (١٩٧٦) – الإدراك (١٩٨١) – تصوير الإرادة (١٩٨٩) – أنت الآخر (١٩٩٥) – ومنزل الطبيب في عام ٢٠٠٢.

استخدام آن بيتي في قصصها المبكّرة أسلوب الحوارات غير المؤثرة والوصف المجرّد، والذي ما فتئ أن أصبح اسلوبًا منتشرًا، بدا جديدًا ومستحدثًا للأدب الأمريكي آنذاك. كانت بارعة في تجسيد العلاقات، ونتائج الطلاق، والتحرر الجنسي، والتيه الشبابي، حتى أصبحت نموذجًا لجيل الستينات والسبعينات. وعلى مرّ السنوات تغير أسلوبها ليحتوي على نطاق واسع من الأصوات الراوية، والأوصاف المزدهرة. لكن حسها الساخر، وحميمية سردها، وتصويرها الحاذق، لا زالت بارزة في كتاباتها.

كريستوفر: هل تتذكرين لقاءك الأول في باريس ريفيو؟

آن: لا أملك ذاكرة جيدة. وقد حدث ذلك قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وحينها قمت بالكثير من اللقاءات.

كريستوفر: يبدو أن الصحفيين اعتبروك رسولة آنذاك؟

آن: نعم، لقد كنت في أوج شبابي. لذا، نوعًا ما، يمكنني أن أتفهّم -أن أتفهّم- لماذا كان يأمل الناس أن تكون لدي القدرة على فهم الأشخاص الذين بمثل عمري. لقد احتضنتني النيويوركر في ذلك الوقت، وكانت تنشر بشكل اسبوعي، مما أعطاني فرصة أكبر لكي أكون تحت الأضواء.

كريستوفر: أليس في الأمر ما هو أكثر من ذلك؟

آن: في أوّل مرة التقيت جون أبدايك قال لي “لقد قمت باكتشاف طريقة مختلفة تمامًا في كتابة القصة.” كنت مذهولة، ولم يكن ردي سوى “شكرًا لك” والآن أتمنى لو كنت قد سألته ماذا كان يعني تحديدًا بذلك.

حين بدأت الكتابة بشكل جدّي، لم يكن هناك كاتب قصص قصيرة وددت الاقتداء به. أُعجبت بالكثير منهم، ولكنني في كل الأحوال، لم أرغب في قولبة قصصي على طريقة الآخرين. أعتقد بأن الإيجاز، وانسيابية السرد المنثور، والنبرة، فاجأوا الكثير من القرّاء.

كريستوفر: والعديد منهم وجدوا أنفسهم في شخصياتك كذلك.

آن: لقد استغرق الأمر سنوات عديدة حتى استطعت إدراك أمر بسيط، وذلك أنه حينما تكتب أدب القصص فإنك تقوم بإثارة الأسئلة، والكثير يعتقد أنك تمارس حيلة معهم، وأنك، في الحقيقة، تملك إجابات الأسئلة تلك. يقرؤون أسئلتك، ولا يعرفون كيف يجيبون عليها بشكل صحيح. فيظنون أنهم متى التقوا بك شخصيًا ونظروا في عينيك، سوف يحصلون على الأجوبة.

في الواقع، ينعقد لساني عادةً في الجلسات النقاشية. أكون مسرورة للغاية بمعرفتي أنني سددت ضربة نحو عصب حساس. ولكن حين يتمادون قليلًا ويعتقدون أنني أمتلك مرهم لمعالجة العصب الذي ضربته، أو أنني عايشت الأمر شخصيًا، وأن ذلك يجعل بيننا صلة قرابة، كونهم عايشوا ذلك الأمر أيضًا – أدركُ حينها أن ما يوجد بيني وبين أولئك الأشخاص ليست صلة قرابة، بل هوّة.

كريستوفر: كان يدور حديث كثير آنذاك حول عالم بيتي، بل حتى: جيل بيتي.

آن: كان ذلك الأمر مصدرًا للفكاهة لي ولأصدقائي. لا أعتقد أي كاتب جاد يرغب بأن يُعتبر المتحدث الرسمي لجيله. قد لا يضرّ ذلك مبيعات كتبك، لكنه قد يؤثّر على نفسك، فحين تسمع شيئًا كهذا، تقول في نفسك: آه عظيم! لكنني في الواقع شخص متشكك. وفكرة “جيل بيتي” بأسرها لا أملك عليها أي نوع من السيطرة. لم يكن بمقدوري الإتيان بها، ولم أستطع أن أدفعها عني. كنت دائمًا أنظر للأمر من ناحية فلسفية.

كريستوفر: هل يمكنك وصف غرفة الكتابة الخاصة بك؟

آن: إنها إحدى غرف النوم في الدور الثاني، تطل على حقل وطريق ترابي. لم أقم بإعادة طلائها حين انتقلت إليها. مصبوغة بلون لزقة الجروح، ويعلوها سقف خشن مليء بالشقوق أنتظر سقوطه. توجد فيها أريكة تطوى للخارج إذا كنا بحاجة إلى أسرّة إضافية. وطاولة كبيرة قد اشتريتها عام ١٩٧٦ من فيرجينيا أستخدمها كمكتب، إنها سبورة مفقودة. هناك صور فوتوغرافية لي مع دونالد بارتلم وإليزابيث هاردويك حين كنا شبابًا. أستطيع العمل في غرف أخرى لكني لا أشعر بالخصوصية هناك. دومًا أسعدُ إذا حدث وكنت متواجدة هناك عندما أشعر بالإلهام أو أحتاج لأن أكتب مرغمةً.

 في أوّل مرة التقيت جون أبدايك قال لي "لقد قمت باكتشاف طريقة مختلفة تمامًا في كتابة القصة." كنت مذهولة، ولم يكن ردي سوى "شكرًا لك" والآن أتمنى لو كنت قد سألته ماذا كان يعني تحديدًا بذلك.

في أوّل مرة التقيت جون أبدايك قال لي “لقد قمت باكتشاف طريقة مختلفة تمامًا في كتابة القصة.” كنت مذهولة، ولم يكن ردي سوى “شكرًا لك” والآن أتمنى لو كنت قد سألته ماذا كان يعني تحديدًا بذلك.

كريستوفر: هل كنتِ تقرأين كثيرًا؟

آن: كنت دومًا أشعر بالذهول تجاه أصدقائي الذين كانوا يقرأون صامويل بيكيت فيما كنت اقرأ “ونْدر وومن” لم أفكّر كثيرًا بالكتب في تلك الأيام. سجلت في حصص الكتابة الإبداعية في المدرسة الثانوية وذلك لأنها مكّنتني من الهروب من حصص الرياضة.

لم أكن أرى أنني شخص غير اعتيادي، وحتى الآن، عندما التفت إلى الماضي، لم أكن كذلك. كنت عادية أكثر من العادي. لقد كانت حياتي غير واضحة، لم تحدث لي أشياء مثيرة، ولم أتعرض لمغامرات ساخرة في المدرسة. لم يكن هنالك شيء.

كريستوفر : متى بدأتِ الكتابة ؟

آن: كتبت بعض قصص الخيال في الجامعة، وبعض القصص الإبداعية غير الخيالية لمنشورات الطلبة، متأثرةً بتوم وولف، مما جعل صوتي يتطفّل على النص. وكتبت عمود باسم تي جي إيكلبيرغ في صحيفة الكلية. كنت مأخوذة برواية غاتسبي العظيم. لكن إن سألتني عن موضوع واحد كتبته حينها لا يمكنني التذكّر.

وفي الدراسات العليا بدأت أركز على القصص أكثر. كنت أدرس اللغة الإنجليزية لكني لم أكن جادة في ذلك. عشت مع مجموعة من الأشخاص، وكنت ذلك الشخص الذي يبقى مستيقظ طوال الوقت، المصاب بالأرق، الذي يكتب خلال الليل كله. كان الجو باردًا جدًا. وكان لدي ثلاث وسائد محشوة أضعها أمام المدفئة مباشرة وأجلس على الأرض، أمدد أسلاك الكهرباء، وأعمل على الآلة الكاتبة على أقرب مسافة ممكنة من مصدر الدفء.

كريستوفر: هل كنتِ تكتبين لشعورك بالملل؟

آن: ليس الملل فقط، بل لأني لم أكن طالبة مجتهدة. يمكنني عمل الأبحاث، غير أني لا أبرع في الانتهاء إلى استنتاجات ذكية. كنت أضيّع الوقت. لم أرغب بالحصول على وظيفة.

كانت الكتابة مجرد هواية. حقًا، كانت كذلك – أمرًا أقوم به في وقت فراغي. مع روايتي الأولى “مشاهد من شتاء قارس” كنت أملك مخطوطة من ثمانين صفحة، أعطيتها لصديقي دايفيد ويغيند خلال زيارته لي، فقال “ماذا عسى أن أفعل بهذا الشيء؟” ناولني إياها وقد كتب على الصفحة الأولى “الفصل الأول” وعلى الصفحة العشرين “الفصل الثاني” وهكذا حتى النهاية. فضحكت. كنت متزوجة من ديفيد جيتس آنذاك، وهو الذي عنونها. وجدت العنوان رائعًا، ولكنني لم أكن أعرف الاغنية. تلك التي وضعها في المسجلة.

لم أفكر أبدًا أن الكتابة ستكون عمل حياتي. بقيت في كلية الدراسات العليا، واستمريت في تعليم فصول السنة التحضيرية، واستمريت في تضييع الوقت. تمنيت الحصول على – يمكنك أن تسمّيها وظيفة، لكني سوف أسمّيها الحظ الجيّد. أيْ أني أردت الحظ الجيّد. ماذا يجب أن أفعل لأستجدي الحظ الجيّد؟

تلقيت رسالة رفض شخصية من النيويوركر لإحدى الأعمال الأولى التي قمت بإرسالها إليهم – أظنه كان العمل الأول. في الحقيقة، صديقي جي دي أوهارا أرسلها دون أن يخبرني. لقد كان محررًا عطوفًا ومشجعًا. شرح لي في ملاحظاته على قصصي الأولى التي أعطيتها إياه أكثر مما شرحته لطلابي خلال عامين. غير أنه فعل ذلك من خلال تعليقات هامشية ذكية للغاية. أخرج فرانسس كيرنان تلك القصة من كومة النفايات، وقد كان قارئًا في قسم الأدب القصصي. وأكبر محرري ذلك القسم، روجر أنجل، كتب لي وقال أن عليّ توجيه كل كتاباتي إليه في المستقبل. وقد فعلت ذلك. لكنهم رفضوا القصص السبعة عشر الأولى التي قمت بإرسالها.

كريستوفر: “هذه ليست هي، أرسلي المزيد.”؟

آن: ربما لا يكون قد ذكر “أرسلي المزيد” غير أنه بالتأكيد قال “هذه ليست هي” لكنني تحمست وكتبت المزيد.

كريستوفر: هل طلب منك أنجيل إعادة كتابة قصة، بدلًا من رفضها صراحةً؟

آن: كلا. فقوانين المجلة لا تقبل القصة التي تحتاج إلى مراجعات كثيرة. بعض المرات كان روجر يتساءل ما إن كان بالإمكان الاتفاق على تعديل بعض الأمور، ولكن كانت هناك أشياء صغيرة نسبيًا، كالاستغناء عن بضعة سطور من حوار، أو إضافة توضيحًا غير مباشرًا لسبب وقوع حدث ما. حينما أنظر إلى الوراء أدرك كم جعلتني تعديلاته أعي بعض من أساليبي الكتابية، نقاط قوّتي وضعفي.

كريستوفر: هل تعتقدين أن ثمة أمر مشترك يجمع قصصك المبكرة تلك؟

آن: أفترض أنه يوجد فيها بعض الأشياء المرتبطة بحياتي، وإني آمل أن تتجاوز تلك القصص ذلك القاسم المشترك. وهذا أمر يمكنك العثور عليه لدى أي كاتب آخر. أظن أن القصص المبكرة بمثابة لقطات متفرّقة أكثر من كونها صورة متكاملة. وقد كانت تلك القصص مليئة باهتماماتي الشخصية: الموسيقى، المزيد من الموسيقى، الكلاب، الثلوج، والحُفر في نيكسون.

كريستوفر: هل تعرفين كم قصة كتبتِ إجمالًا؟

آن: لم أقم بإحصائها أبدًا. هناك ثمانية وأربعين ضمن قصص النيويوركر، وبنفس العدد على الأقل في أماكن أخرى. ربما مئة وخمسة وعشرين. بالإضافة إلى العديد من القصص التي قمت بتمزيقها بعد السطر الأخير، أو بعد الوصول إلى منتصفها. ربما هناك ثلاثة قصص أمام كل قصة أنشرها.

كريستوفر: تمزّقين هذا الكم من القصص؟

آن: إني أملك نفَسا قصيرا. ودومًا أنتهي إلى التفكير بأن هذه ليست هي اللحظة التي أنتظرها، ولا بد أن قصة أخرى في طريقها لتتجلى.

كريستوفر: هل تعودين إلى أعمالك القديمة من باب التسلية؟

آن: كلا. لم يحدث أن جلست ذات مساء وقرأت شيئًا كتبته. في إحدى اللقاءات قبل عدة سنوات، ناقشني روجر روزنبلات، الصحفي، عن قصة طويلة لم أكن قد قرأتها بصوت عالٍ أبدًا، والتي حتى لم اطّلع عليها في أفضل فترة من العشر سنوات الأخيرة حيث كنت، على عكس الآن، أكتب قصصًا كثيرة خلال السنة. وكنت أعرف أحداث القصة بشكل عام، غير أني حقًا لم أستطع الإجابة على أسئلته، ومن ثم توقفنا وبدأنا بالضحك. وفي المرة الثالثة التي فشلت بالإجابة عليه، قال لي “هل قرأت يومًا لآن بيتي؟ إنها كاتبة جيدة جدًا.”

كريستوفر: هل تتأثرين بآراء الآخرين حول أعمالك؟

آن: عندما تكون القصص جديدة، فإني أتأثّر كثيرًا بردود فعل الناس تجاهها. ومع مرور الوقت يغدو التأثير أقل. لا أظن أن هناك من أقنعني بقصة رائعة فيما كانت هي لا تعجبني. سوف تحتاج للكثير من العناء في اقناعي أن محاولتي المبكرة “بيت القزم” مثلًا، هي أفضل قصصي.

لكني لم أحظى بالكثير من التعليقات على قصصي المبكرة، سوى من النيويوركر. ولقد كنت يافعة إلى حد أني اعتقدت أن تعليقات النيويوركر لا بد من أن تكون صحيحة. ما أن تحظى القصة على ذلك الختم الشرعي، لم أكن بحاجة لأرى ما إن كانت حقًا جيدة.

كريستوفر: ما الذي جعل الناس تمانع أعمالك؟

آن: ليست أعمالي فقط. في البداية، فات الكثير من الناس حقيقة أن دون بارتليم كان له طابع رومانسي، أو حتى أن روحه الفكاهية كانت سلسة. ورايموند كرافر، في بداياته، واجه صعوبة في نشر قصصه، حتى عندما جمعها في كتاب.

كريستوفر: هل تكتبين على الكمبيوتر؟

آن: نعم. أحمل اللابتوب من مكان إلى مكان إلى آخر. أول ما أقوم به حين أعود إلى جامعة فيرجينيا – حيث يستخدم آخرون مكتبي أثناء عدم تواجدي – هو حمل الكمبيوتر بحذر من على مكتبي ووضعه على الأرض. واستخدمه في وضع كومة المعاطف عليه. إني حتى لا أنظر ناحيته.

برغم ذلك، لا يمكنني الكتابة على مفاتيح اللابتوب. لا يمكنني وكفى. ولذلك أحمل معي لوحة المفاتيح البلاستيكية التي تكلّف عشرين دولار، أوصّلها، ومن ثم تبدو الكتابة كما هي على الآلة الكاتبة الحقيقية. لا يمكنني التحكم بفأرة اللابتوب كذلك. إن الأمر أشبه بالذي يمشي خارجًا من الحانة بعد أن شرب كثيرًا. إصبعي على السهم الصغير، لا أستطيع جعله فعل أي شيء. ولذا، فإني أيضًا أحمل فأرة احتياطية.

كريستوفر: هل حدث أن فقدتِ نصًا كتبته على الحاسوب؟

آن: نعم، فقدت مئة صفحة لعمل كنت أكتبه. للأبد. وهل يعني ذلك أني استدعيت متخصّصين في الحاسوب لمحاولة استعادة ما فقدته؟ نعم. كان لينكولن يحاول العمل على برنامج لاستعادة الملفات التي فقدتها. كان ذلك قبل ثلاث سنوات. كنت أدخل شيئًا في منتصف صفحة تسعة وتسعين في الساعة الثانية فجرًا عندما قفز النص في الشاشة بأكمله إلى الأعلى، ثم اكتشفت أن أمامي مساحة بيضاء صافية. وقد فعلت أغبى ما يمكن فعله، ضغطت على زر الحفظ. لستُ خبيرة في أمور الحاسوب، ولا أملك قدرة التعلّم. فلا حاجة لأن يخطر لأحدهم أن يتصل بي ويقول بأنه قادم إلي لكي يشرح لي لأربع ساعات استخدامات الكمبيوتر. لأنها ستكون مجرد أربع ساعات من الجحيم لكلينا.

كريستوفر: كم كلّفتك هذه الخسارة؟

آن: ما زلت أحاول استعادت نفسي. لم أعد الشخص ذاته.

كريستوفر: ما زلتِ تكتبين حتى وقت متأخر ليلًا؟

آن: كتابتي ليست محصورة ليلًا. ولكني أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم.

كريستوفر: هل ما زلت تنهين قصصك بنفس سرعتك السابقة؟

آن: كلا.

كريستوفر: كم من الوقت تستغرقين في كتابة الرواية؟

آن: أخذت رواية “الإدراك” سبعة أسابيع لتصبح مسودة نهائية. بينما “مشاهد من شتاء قارس” احتاجت لوقت أقل. لكنه كتاب مختلف جدًا. حوارات كثيرة، وقصير، وليس معقدًا. أما “الحب دائمًا” فكانت صياغته أعقد، فلذا تطلبت كتابته الصيف كله. ومؤخرًا، استحوذت رواية “بيت الطبيب” على أكبر جزء من السنة، مع استراحات متقطعة. وحظت رواية “أنت الآخر” على الكثير من الإخفاقات في بداياتها. وعندما عرفت أخيرًا كيف أكتبها، استغرق الأمر نحو السنة حتى تمكنت من تحويلها إلى مسودة. يمكنك أن تنسى بسهولة كم استغرقت من الوقت على كل كتاب. لأنك تبقى تنقّحها، أو أنك تظل تتلقى ملاحظات من صديقك، فتكتشف أنه لا بد من القيام بتلك التعديلات.

كتابتي ليست محصورة ليلًا. ولكني أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم.

كتابتي ليست محصورة ليلًا. ولكني أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم.

كريستوفر: ماذا عن القصص؟

آن: بشكل عام قصصي أصبحت أطول الآن. أحيانًا أكتب القصة في ثلاثة صفحات، ولكن غالبًا المخطوطة تصبح حوالي ثلاثين صفحة.

كريستوفر: من يطّلع على المسودة الخاصة بك؟

آن: بعد أن أنهي المسودة الثالثة أريها لنكولن. أسلّمها له ثم أجلس في الكرسي قبالته وأحدّق في وجهه فيما هو يقرأ. إذا بدت ملامح ذعر على وجهه، أسأله “ماذا هنالك؟” وإذا رأيته يضحك، اسأله “ما المضحك؟” أما الآن فقد أصبح متمرسًا، فيكون جوابه “نسيت إخبارك بأنه عليّ الذهاب للقاء فلان وفلان الآن. سوف أكون سعيدًا بقراءته غدًا في العاشرة صباحًا.” لقد تعلمّت ألّا أقرأ له بصوت عالي، وذلك لأنه سريعًا ما ينام. إنها آلية دفاع غريزية. وإني لشخص محظوظ كوني محاطة بأصدقاء هم أيضًا قرّاء متمرسون – أغلبهم كتابًا – والذين غالبًا ما يطلبون رؤية شيئًا أكتبه بعدما يبلغ مرحلة معينة.

نشرت في آراء. 

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , , . Bookmark the permalink.

One Response to آن بيتي: أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم

  1. hesham.binomar says:

    جميل جدا …. رائع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *