ديفيد بالداتشي: لماذا أكتب؟

ترجمة: هند الدخيل الله مراجعة: بثينة العيسى

لو كانت الكتابة جريمة، لكنت الآن في السجن.

لو كانت الكتابة جريمة، لكنت الآن في السجن، لا يمكن ألا أكتب، فالكتابة قهرية.

عندما تأخذ الجمل والقصة في التدفق، تكون الكتابة أفضل من أي مخدر، فهي لا تجعلك تشعر بالرضا عن نفسك وحسب، بل تشعرك بالرضا عن كل شيء.

يمكن أن تكون الأمور بالعكس أيضًا، فعندما تحذف الصفحات، صفحة بعد صفحة، لأنك لا تستطيع أن تكتب الشخصيات بشكل ناجح، بينما تواجه المواعيد النهائية لتسليم مشروعك الكتابي، فهذا ليس بالشيء المبهج أبدًا. ولكن، الجلوس هناك لكي تخلق قصة وتحبكها – تصبح الكتابة أروع مهنة في العالم، فأنا أتقاضى المال لأحلم أحلام اليقظة.

قرأتُ كثيراً في طفولتي. كنت أتخيل عوالمَ طوال الوقت، عوالم صغيرة أفقدُ نفسي في داخلها. قصصتُ قصصي على أي شخصٍ يريد أن يسمعها، وعلى كثيرٍ ممن لم يريدوا ذلك. في النهاية أعطتني أمي دفترًا بصفحاتٍ فارغة، كانت تحاول إسكاتي – متمنية القليل من السلام والهدوء – وطلبت مني أن أشرع في تدوين قصصي. لقد علقتُ في الكتابة.

عندما يكون لديك قليلٌ من المخيلة والرغبة في استخدام الكلمات لرواية القصص فإن الكتابة تتخذ حياة لنفسها. عندما أكون في الخارج لا يمكنني مقاومة إقحام الآخرين فيما أكتبه. ليس لديهم فكرة عن ذلك. سيخافون حتى الموت إذا علموا بأنني أنزل إلى الشارع وأتبادل معهم إطلاق النار.

عندما أخرج للتحدث مع طلاب المدارس، أخبرهم “جميعكم مبدعون بشكل مذهل سواء كنتم تعلمون ذلك أم لا. إن التقدم بالعمر هو ما ينتزع الإبداع منكم، ولكن إذا لم تفقدوا هذا الشيء، سيكون بإمكانكم أن تذهبوا بمخيلتكم إلى أماكن كثيرة وغير مسبوقة”

لن أتمكن من كتابة رواية كـ ” خيار صوفي”، ولن أكتب كتاباً يربح جائزة بوليتزر. لا أعتقد أن هذا ما أفعله أو أن مواهبي تكمن هنا. إن الروايات التي تحوز على جوائز كهذه تتسم بالعمق. للغة والقصة فيها نسبة متساوية من القوة. في رواية مثل “خيار صوفي” يمكنك وضع جملة تمتد إلى ست عشرة سطراً لا تجد بها من علامات الترقيم سوى الفواصل. هنا يكمن الجمال.

هل يمكنني قضاء خمسة أعوام من عمري في كتابة كتاب بدلاً من كتابة “رواية تجارية” في سبعة أو ثمانية أو عشرة أشهر؟ لست متأكداً مما إذا كنت أمتلك الخلفية أو الموهبة لفعل ذلك. فالأشخاص الذين يكتبون الأدب القصصي منظمون أكثر. إنهم يقضون أعواماً وأعواماً كثيرة من حياتهم على مشروع واحد. إنهم قادرون على الاستفادة من كل شيء يملكونه في هذه القصة الواحدة.

قضيت ثلاثة أعوام على “السلطة المطلقة” عندما كنت أعمل بدوام كامل. إنها ليست برواية أدبية نهائياً. حاولت تطوير الشخصيات بقدر المستطاع ولكنها بالتأكيد مدفوعة بالحبكة. بالنسبة لي، القراء يريدون التحوّلات والانعطافات.

اتحاد العمال الأمريكيين ضد كونغرس المنظمات الصناعية

يقتلني هذا التمييز ما بين الروايات الأدبية والتجارية، فهو أشبه بتقسيم الاتحاد إلى اثنين. مثل تقسيم الوحدة بين اتحاد العمال الأمريكيين وكونغرس المنظمات الصناعية. ومن سيشجع هذا الانقسام؟ الشركات الكبرى.

حضرت فعاليات كتابية في جميع أنحاء البلاد وقابلت الكثير من الروائيين الأدبيين الرائعين والذين يرحبون بالكتاب التجاريين مثلي بكل رحابة صدر. وكأن أحدهم يقول لي: “مرحباً يا رفيقي!”. ولكنني من جهة أخرى وجدت الكثير من العدائية. فالجانب التجاري يشكو: “أنا أكتب كتباً بجودة كتبك ولكنني لا أفوز بأية جوائز”. والجانب الأدبي يشكو: “أنا أكتب كتباً أفضل من كتبك ولكني لا أبيع أياً منها.”

سأل أحدهم جون أبدايك مرة: “لماذا لا تكتب رواية غموض؟” فأجابه: “لأنني لست ذكيًا بما فيه الكفاية.” وهذا شخص كَتَبَ روايات عبقرية وفاز بجائزتي بوليتزر ولكنه يمتلك مجموعة مختلفة من المهارات. الأمر نفسه يحدث معي، فلن يكون بإمكاني أبدا أن أكتب “اهرب يا أرنب”. كتابة روايات الغموض تتطلب التخطيط والحبكة. كما لو كنت تضع قنبلة في الصفحة الرابعة ولا تنفجر إلا في الصفحة الأربعة مائة. حتى الكتاب السيء يتطلب بعضاً من الموهبة والعمل لتأليفه.

الجميع يعتقد بأنه يستطيع كتابة رواية. إنهم يعرفون بأنهم لا يستطيعون لعب كرة السلة لأنهم لا يملكون الطول أو القدرة الرياضية. ولكن يعتقد الناس بأن الأمر هكذا: “عندي عقل وعندي حاسوب محمول، إلى أي حدٍ سيكون الأمر صعبا؟”. أولئك الذين يحاولون الكتابة سيعرفون بأنها عمل صعب جدًا.

المحامون هم رواة القصص

كتبت أفضل رواياتي عندما كنت محامياً.

أتعلم من يفوز في المحكمة؟ الموكل الذي يمثله محامي يروي قصصاً أفضل من المحامي الآخر. عندما تقوم بإجراءات دعوى قضائية لا يمكنك تغيير الوقائع. يمكنك فقط إعادة ترتيبها لجعل القصة أفضل لتدعم موقف موكلك وذلك بالتأكيد على أشياء معينة والتقليل من أهمية الأخرى. فتقوم بالتأكد من أن الحقائق التي تريد للناس تصديقها هي الأكثر إقناعاً. والحقائق التي تؤذي قضيتك تتخلّص منها إما عن طريق تبريرها أو إخفاءها. هكذا تروى القصة.

يعمل المحامون لساعات طويلة ويقومون ببيع حياتهم مقابل زيادات أنصاف الساعات. كان جدول كتابتي ثابتاً حتى توقفتُ أخيرا عن عمل المحاماة في عام 1995م. طوال عشرة أعوام، كنت أكتب منذ العاشرة مساءاً وحتى الثانية بعد منتصف الليل، لستة أيام في الأسبوع، هذا وحشيٌّ نعم، ولكن يجب عليك استغلال الوقت حيثما وجدته. لم يكن ذلك صعباً، فبعد يوم عمل تجتمع في رأسي الكثير من القصص التي لا أستطيع الانتظار حتى أعود للمنزل وأكتبها.

كاتب جائع: ليس خياراً

كان انجذابي لكتابة القصص القصيرة طبيعياً حيث أنني ترعرعت في الجنوب، المكان الذي يضم عددا من كاتبي القصص القصيرة الجيدين، مثل فلانيري أوكونر وترومان كابوتي ويودورا ويلتي ولي سميث. بدأت في محاولة نشر قصصي القصيرة أثناء المرحلة الثانوية، واستمريت بفعل ذلك أثناء دراستي الجامعية. خلال تلك الفترة قمت بجمع الكثير من رسائل الرفض.

وجدت نفسي حينها مدفوعا لشراء كتاب عن كيفية كتابة النصوص ونجحتُ في الحصول على وكيل لأعمالي، وهو الشيء الذي لم يكن فعله سهلاً نظراً لكوني قادم من فيرجينيا. في عام ١٩٩١، عندما كنت أتقاضى مائتي دولار في الساعة كمحامي، تمكنت من كتابة نص أعجب الجميع في هوليوود. قال وكيلي بأنه سيجني المبيعات الهائلة. وقام بمهاتفتي في منتصف الليل وقال لي بأن وارنر برذرز رفضته، الأمر الذي جعل جميع الاستديوهات تتوقع وجود مشكلة في النص، ولذلك قاموا برفضه أيضاً.

كانت تلك ضربة قاضية. فقد كان هناك ضجيج كبير بشأن نصي، وقد صدّقته. في ذلك الوقت كنت قد أمضيت جزءا كبيرا من حياتي في الكتابة. ليس الأمر أنني ظننتُ بأنني سأكسب عيشي من الكتابة، فحتى عندما تقوم بنشر قصة قصيرة، أكثر ما يعطونه لك هو نسخ مجانية من المجلة، وهذا لا يساعد حسابي البنكي كثيرًا.

حينما ولد طفلي الأول في عام ١٩٩٣ أيقنتُ بأن دربَ الكاتب الجائع لن ينفع معي، فأنا الآن المعيل وفي حال لم أستطع كسب المال من الكتابة فسيكون عليّ أن أكسب عيشي من كوني محامياً. فكرت بأنني “لن أصل وسأكون أحد أولئك الكتاب الذين يكتبون للمتعة ولا ينشر عملهم أبداً”. ولكن هذا لم يعن بأنني كنت سأتوقف عن الكتابة.

انتهزت الفرصة الأفضل

قمت بدراسة صناعة الكتب وقرأت الكثير من الروايات المثيرة والبوليسية لأعرف ما الذي سأواجهه. كنت أعلم بحاجتي لوكيل أعمال ولذلك بدأت في متابعة أخبار الروائيين المبتدئين الذين قاموا بتوقيع عقود كبيرة لنشر كتبهم. وقمت بعدها بالذهاب إلى المكتبة لقراءة صفحات الشكر لتلك الكتب لأعرف من الوكيل.

حصلت على سبعة أسماء لوكلاء بهذه الطريقة. ثم كتبت رسالة قصيرة لكل منهم: “سيدي/سيدتي، أنا محامٍ في دي سي، وقد كتبت رواية سياسية مثيرة، وأضمن لك بأنك بمجرد قراءة الصفحة الأولى لن تستطيع تركها حتى تنتهي منها. تحياتي، ديفيد بالدتشي.” توقعت أن نصفهم سيقرأ النص فقط ليثبت بأنني خاطئ.

كنت أتمنى أن أحصل على رد من واحدٍ منهم فقط، ولكنهم جميعهم قاموا بالرد علي. ذهبت إلى نيويورك وقمت بلقائهم. وكان الوكيل الذي حصلت عليه هو نفسه وكيلي اليوم.

راجعت المخطوط لعدة أيام وبعدها في ليلة إثنين قام وكيلي بإرسال النص لعدد من الناشرين. وفي صباح الثلاثاء، كنت جالساً في مكتب المحاماة الخاص بي واتصل بي وكيلي وقال: “مرحباً، في حال استطعت بيع هذا النص هل سيمكنك ترك عملك والكتابة بدوام كامل؟”

قلت: “حسناً، لقد كنت أنتظر أن أفعل ذلك منذ ستة عشرة عاماً. لذا، نعم، سيكون ذلك جميلا” فقال: “هيه! جيّد، لأنني بعت الكتاب.”

قام رئيس وارنر بوكس في ذلك الوقت بقراءته تلك الليلة وأرسلَ عرضًا لا يقاوم: دفعة مقدمة بملايين الدولارات لكتاب واحد. كانت صفقة جيدة جداً للناشر، ولي أيضًا.

طفل يدعى كتاب

كان شعوري يفوق الوصف.
يجب أن تعلموا أنه لم يكن أحد يعلم بكتابتي طوال تلك السنين سوى زوجتي ووالدي وأخي وأختي. هاتفت وزوجتي أصدقاءنا وأبلغناهم بأنّ لدينا شيئاً مهماً لنخبرهم به. اعتقدوا بأننا سننجب طفلاً آخر وقلت: “في الواقع، نحن سننجب طفلاً آخر ولكنني أنا من سينجبه فهو يدعى كتاب.”

الرفض كان كل ما عرفته حتى تلك اللحظة، ولذا تمسكت بوظيفتي طوال تلك السنة. وفي النهاية جلست مع زوجتي وقلت: “هذا ما كنت أعمل له طوال حياتي وأريد أن انتهز فرصتي.” فاتفقنا أن أستقيل من المحاماة وفي حال لم ينجح الكتاب أعود لممارسة القانون. كان انتظار الكتاب متلفاً للأعصاب. كنت أعلم أن حياتي ستنتهي في حال لم يباع الكتاب مع مقدم عظيم كهذا.

قد يبدو هذا مبتذلاً، ولكن اليوم الذي رأيت فيه كتابي على رف مكتبة بوردرز في مركز التجارة العالمي هو اليوم الذي أحسست فيه بأنني نجحتُ ككاتب. توقفت بعد ذلك اليوم عن انتظار الناشرين ليقولوا: “بدا لنا رأي آخر ويجب عليك إعادة المال”. وأيقنت حينها بأن مهنتي ككاتب قد نجحت.

خائف حتى الموت في كل مرة

في كل مرة أبدأ مشروعا جديداً، أجلس مرتعبًا حتى الموت من احتمالية عدم قدرتي على استجلاب السحر مرة أخرى.

أنت لن تريد أبداً أن تكون على سرير العمليات بوجود جرّاح يستخدم يده اليمنى بمهارة ويقول: “اليوم سأجرّب القيام بالعملية بيدي اليسرى.” ولكن الكتابة هكذا. الطريقة الوحيدة لكي تتطور هي أن تقوم بتجربة عمل الأشياء بطريقة مختلفة كل مرة. فأنت ككاتب لست مقيداً بأدوات ميكانيكية أو تكنولوجيا أو أي شيء آخر. يمكنك اللعب وهذا مرعب.

ويليام غولدمان، الذي كتب سيناريو “السلطة المطلقة”، أعطاني نصيحة جيدة جداً: “أكتب كل شيء كما لو كان أول شيء كتبته في حياتك. فاليوم الذي تعتقد فيه بأنك تعرف كيف تفعل ذلك هو اليوم الذي تنتهي فيه حياتك ككاتب”. كان محقاً. عندما تصبح الكتابة وظيفة لي – حينما أبدأ بالتفكير بأنني أفضّل لعب التنس وأقوم بأخذ طرق مختصرة وأكتب هذه المرة مثل المرة السابقة – سأتوقف عنها.

أحيانا أحسد نفسي قبل عشرين عاماً. عندما كنت أجلس في قوقعتي بلا طرقٍ على بابي، وأكتب قصصاً من غير أن أكون قلقاً من الجولات الكتابية والمال والرحلات الخارجية. ولكنني أحاول في كل يوم أن أقابل شاشتي وأتجاهل العالم التجاري في الخارج. كما لو أنني أقوم بهذا مجانا، للمتعة الخالصة لسرد القصص، كما كنت أفعل في السنوات الستة عشرة الماضية.

حكمة ديفيد بالدتشي للكتاب

– مهما كان النوع الأدبي الذي تكتبه، تآلف مع كل ما يستجد فيه. الشيء الذي أثار القارئ قبل عشرة سنين ليس نفسه بالضرورة ما يثيره اليوم. أنظر إلى المنافسين.

– سواء كنت تكتب رواية أو رسالة لوكيل محتمل: الأقصر هو الأفضل. تذكر ما قاله أبراهام لنكولن مقتبساً عن باسكال: “آسف لأنني كتبت رسالة طويلة فإنني لم أجد الوقت لأكتب واحدة أقصر.”

– النشر مقلوب رأسا على عقب. أن تنشر أعمالك بنفسك اليوم أسهل بكثير مما كان عليه الأمر في الماضي. انشر على الانترنت، أو حسب الطلب، ولكن أيا كان ما تفعله، إذا أردت أن تشارك قصتك، أنشرها.

– “أكتب لقرائك” هو تعبير ملطف لـ “أكتب ما تعتقد أن الناس ستقوم بشرائه”. لا تقع في هذا الخطأ! أكتب للشخص الذي تعرفه جيداً، اكتب لنفسك.

This entry was posted in لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *