شريف صالح: بالكتابة أتحرّر من طريقة تفكيري النمطية

لا أبحث من وراء الكتابة عن شيء محدد، فهي متعة تستنفد نفسها، تتبدد وتتجدد من نص إلى آخر

لا أبحث من وراء الكتابة عن شيء محدد، فهي متعة تستنفد نفسها، تتبدد وتتجدد من نص إلى آخر

حاوره زيد الفضلي

• لماذا تكتب؟

ـ لأنني فشلت في إجادة أي عمل آخر.. للرغبة في الحكي.. لمتعة الذهاب بعيداً عبر الخيال.. خلق كائنات وقصص، أمر مدهش يعوض إحباطات الحياة، والشعور العبثي بالفناء.. كذلك اللعب باللغة، ومعها، فتنة أتحرر فيها من لغتي الخاصة، وطريقة تفكيري النمطية، ومشاكلي العادية، وأتقمص لغة بشر آخرين وطرق تفكيرهم. لا أزعم أن لدي رسالة محددة، سياسية أو أخلاقية، أرغب في توصيلها إلى القارئ.. فقط لدي تلك الرغبة المركبة، للحكي واللعب بالكلمات ورسم وتقويض عوالم. أليست الكتابة سلطة مدهشة بها مسحة إلهية؟ فكيف أستطيع أن أقاومها؟ حتى لو لم يوجد قارئ واحد للنص، فهذا لا يحول دون المتعة الذاتية خلال عملية تخليق النص واستحضاره على بياض الصفحة، لذلك تسعدني الكتابة أكثر مما تسعدني الأنشطة الاجتماعية الموازية، والمترتبة عليها مثل ثناء القارئ والجوائز والندوات وحفلات التوقيع.

• متى اكتشفت رغبتك في أن تصبح كاتباً؟

ـ بطريقة ما، المرء يبدأ (ويظل) قارئاً قبل أي شيء آخر.. وفي بيئة ريفية بسيطة مليئة بالعفاريت والأساطير والشقاء الإنساني، لا يتاح الكتاب بسهولة، لكن الوجود نفسه مترع بالحكايات بدءاً من مصطبة القش التي تستلقي عليها جدتي بهية (إحدى زوجات جدي) والتي كان لها قدرة درامية على رواية الأساطير، بعينيها الواسعتين الكحيلتين وبياض وجهها وضفائرها المنسوجة من خيط فضي وخيط أسود. كانت تحكي لي وحدي. ثم توسع مدار الحكاية مع الراديو رفيق أمي، بكل حكاياته الشعبية الغنائية والدرامية في برامج وأوبريتات زكريا الحجاوي وخضرة محمد خضر، و”أغرب القضايا” وغيرها.. وصولاً إلى قيام عمي الأكبر بخطوة جريئة تمثلت في إدخال التلفزيون إلى بيتنا أواخر السبعينيات. وهكذا كان الوجود القروي المحدود جداً يتسع ويتضاعف أمامي مئات المرات بظهور المزيد من الوسائط مثل مفاجآت سارة.. هنا أدركت أن ثمة عالم آخر لا حدود له، يتجاوز خريطة قرية يمكن السير فيها من أولها إلى آخرها خلال دقائق معدودة. هذه الدهشة إزاء اتساع الوجود وحكاياته، جعلتني ببساطة شديد أنصت إلى الحكايات، وأحياناً أتقمص دور “الجدة بهية” ذاتها كي أروي لأصدقائي، أو نحاول تجسيد الحكاية في لعبة “أكشن”.. كانت لدي هذه القدرة أن أُجلِس رفاق الحارة للاستماع إلى حكاية، أنا نفسي لا أعرف تفاصيلها، لكن يكفي أن أجهز سطراً أولياً مشوقاً. تقريباً وجدتني أعيد كتابة بعض أفلام الأبيض والأسود، وألخصها في “دفتر” كنت أقوم بتجميعه من الأوراق البيضاء المتبقية في كراريس المدرسة، كنت أرسلها إلى مطبعة على الضفة الأخرى من نهر النيل، لكي تعود إليّ دفتراً مغلفاً صالحاً لضم حكاياتي الأولى. وجاءت اللحظة الحاسمة عندما أشادت الجدة بهية بأن قصتي أفضل من قصة ابنة عمي التي تكبرني بثلاث سنوات.. شعرت حينها أنني خلقت لرواية الحكايات.. صدفة غريبة ربما، أن أجد نفسي كاتباً في بيئة فلاحين لا يوجد بها كتاب واحد ولا مكتبة أزعم أنني ورثتها وقرأت كل ما فيها.. ورغم أنني جربت فيما بعد كتابة ما أعتبره شعراً أو مسرحاً.. لكن، مع الوقت، اكتشفت، أنني أفضل أن أبقى حكّاء. لذلك اكتفيت ـ غالباً ـ بالقصة القصيرة، فهي على وجازتها توفر لي المتعتين الأساسيتين: أن أحكي.. وأن ألاعب اللغة وتلاعبني.

• هل وجدت ما بحثت عنه من خلال الكتابة؟

ـ لا أبحث من وراء الكتابة عن شيء محدد، فهي متعة تستنفد نفسها، تتبدد وتتجدد من نص إلى آخر.. وربما هي متعة لاكتشاف الذات، واكتشاف الوجود كله، بطريقة حرة.. بعيداً عن سطوة التقاليد وإكراهات العام والمتفق عليه.. تكتشف العالم بكامل إرادتك وحريتك.. كما تشعر به.. كما تراه.. كما تتمناه.. المهم أنها رحلة اكتشاف ممتعة في ذاتيتها وخصوصيتها، بأوهامها وقصورها ونبلها، وكثيراً ما تكون أكثر صدقاً وإصالة من كل ما هو “رسمي” ومتعارف عليه، وحاصل على ختم الجودة، ودمغة الصواب.

• هل تفضل الكتابة بالقلم أم من خلال الحاسب الآلي، وهل ترى أن لهذا الأمر تأثيرا معينا على الكاتب أو هي مسالة تعود فقط؟

ـ بحكم أن الكتابة لعب ـ بالنسبة لي ـ كانت لي علاقة حميمة مع القلم ومساحة البياض، وتغيير هيكل النص إلى ما لانهاية.. كان ذلك مرهقاً، ومكلفاً في المسودات و”الورق”.. ويستغرق ساعات.. عدا عن فقد بعض المسودات، أو التخلص من الأفضل والإبقاء على الأقل جودة.. إلى أن جاء “الكيبورد” و”ذاكرة الكمبيوتر” ليوفرا لي مجالاً رحباً للعب، دون أن أضطر للتخلي عن أي مسودة، وضبط عملية اللعب، بالقدرة المدهشة على فك وتركيب هيكل النص أكثر من مرة. لنقل إنني الآن ألعب، بطريقة آلية سلسلة، بدلاً من الطريقة اليدوية المرهقة.

• هل تضع خطة معينة تسير عليها وتلتزم بها بدقة في حالة الكتابة، أم أنك تعتمد على لحظة الخلق ذاتها وماتقودك اليه بالتالي؟

ـ هناك خطة، أفرزتها التجربة ذاتها، بمعنى أنني لا أدعي الوعي المسبق بها.. بل هي خلقت نفسها بنفسها، فعادة قد أمر بتجربة شعورية قاسية أو أجد نفسي شاهداً على منظر مؤثر، أول ألتقي شخصية تهمس لي: “اكتبني”.. أذكر أن أول قصة كتبتها وبها قدر قليل من النضج في المرحلة الثانوية، كتبتها تحت تأثير ضرب والدي لشقيقي الأوسط، والأكثر شقاوة.. تخيلت فيها شقيقي يخرج من البيت مطروداً تحت مطر الشتاء وكان عنوانها “وبالت عليه السماء”.. أذكر أيضاً أن أمينة المكتبة في المدرسة كانت مبهورة بالعنوان الذي جعل المطر بولاً، أليس الخيال مرحاً؟! منذ تلك الواقعة، انتبهت إلى أهمية تدوين كل ما أمر به إذا أثار فيّ شعوراً ما، أفضل تدوينه مباشرة بكل عفويته وطزاجته، وعدم تأجيل ذلك مهما كلف الأمر، حتى لو حكمت عليه لاحقاً بأنه لا يصلح لأي شيء.

• هل تقوم بالتعديل على ماتكتب وهل ترى هذه العملية ضرورية بالنسبة للكاتب ؟

ـ عادة أترك “المسودة” الأولى تبرد انفعالياً، وأعود إليها بعد وقت غير محدد لأبدأ مرحلة العمل الجمالي الواعي عليها، والذي قد يستغرق مسودة ثانية فقط، وقد يتواصل عبر عشر مسودات متتالية، حتى أرضى عن كل كلمة فيها. أعلم أنها طريقة سيئة ومرهقة.. وقد أقرر بعدها إعدام النص، أو أشعر بالهزيمة وأنني فقدت طزاجة المسودة الأولى.. لكنني لا أستطيع تغييرها، وأصبحت متعتي تكمن في لعبة تجريب أكبر عدد ممكن من المسودات. ومازلت أومن بمقولة قرأتها قديماً فحواها أن النص الذي لا يجهد صاحبه نفسه في كتابته عشر مرات على الأقل، لا يتوقع أن يقرأه القارئ لمرة واحدة فقط.

• يهيئ بعض الكتاب أجواء معينة عندما يريدون الكتابة، هل تؤمن بهذا الأمر وهل لديك أجواء معينة تلجأ إليها عند البدء في الكتابة؟

ـ في العادة لا يتطلب الأمر أكثر من موسيقى هادئة والليل وإضاءة جيدة، ثم الصمت التام لأنني قد أنتبه مفزوعاً على أي صوت.. وبسبب معاناة الأرق، أحاول منذ عامين تغيير هذا النظام إلى الكتابة صباحاً، لكن التجربة مازالت غير مريحة لي، وأجدني أحن إلى السهر حتى الفجر وسط سكون الليل وانسياب الموسيقى.

• اقتصرت أعمالك على كتابة القصة القصيرة والمسرحية والنقد، هل تفكر في ولوج عالم الرواية؟

ـ الكتابة هي الكتابة، بغض النظر عن الصيغة التي تتجلى فيها.. حاولت بالطبع كتابة رواية ولدي عشرات الأفكار المدونة.. لا أعرف أين تكمن المشكلة؟.. هل الخوف ألا أحقق ما يرضي طموحي كما حدث مع كتابة القصة القصيرة؟ تلائمت نفسياً مع جمالية القصة القصيرة إلى درجة أنني لا أتحمل الآن قراءة رواية تزيد عن مائتي صفحة، وأشعر بالروايات مليئة بالثرثرة ومطبات اللغة.. بلاشك هناك قدر من الزيف في تشييد عالم هائل ومتماسك. يقابله ولع غامض لخوض تلك التجربة، بكل شكوكي فيها.. وبالفعل أمضيت أكثر من ثلاث سنوات في كتابة مسودة رواية عن عالم الفيس بوك، ولاقت استحسان من قرأها من الأصدقاء.. لكنني لم أشعر بالرغبة في الدفع بها إلى ناشر، فوضعتها في “الدرج” وعدت إلى كتابة قصص قصيرة في اتجاه مختلف قليلاً عما أصدرته. لا أنكر أن جزءاً من الأزمة، يكمن في احتياج الرواية إلى تفرغ متصل ويومي، ومعايشة، وهو ما لا يتناسب مع فوضى حياتي حالياً.. كما تتطلب الرواية في رأي، ألا تكون مستهلكاً في الكتابة الصحفية التي تبدد أي حماس في كتابة أخرى.. فإذا كنت أقضي يومياً ساعتين أو أكثر في موضوع صحفي، فهذا يعني أنني لن أتحمس لاستهلاك ثلاث ساعات أخرى في كتابة رواية. وأضيف سبب أخير، أنني أعتبر الرواية بمثابة نظرية ما في المعرفة والجمال، وليست مجرد حكاية، وبالتالي هي تتطلب “خبرة” عالية بالحياة وما وراءها، ووعي فلسفي بالتجربة التي يشتغل عليها الكاتب، وربما لا أمتلك هذه “الخبرة” حالياً.. بهذا المعنى لا أظن أن معظم ما تقذف به المطابع تحت لافتة “رواية”، هو جدير بمسمى “رواية”!

• هل تؤمن بالتخصص في عالم الكتابة، كأن يتخصص كاتب في مجال أدبي واحد؟

ـ التخصص قرار واع، واحترافي، وقد يناسب الدرس الأكاديمي.. لكن مثلما يعزف الموسيقي على مقامات شتى، يستطيع الكاتب أن يجرب ذاته عبر صيغ إبداعية مختلفة.. وإن كانت قناعتي أن موهبته الأساسية ستتجلى ـ في نهاية الأمر ـ في مجال ما، أكثر من غيره.. يوسف إدريس مثلاً كان كاتب مقال مميز، ومسرحي عظيم، ولديه روايات لا بأس بها.. لكن تجليه الأعظم يبقى في القصة القصيرة. المسألة فقط ليست اختياراً واعياً، ولا تأتي بالإكراه… بل بتراكم التجربة، وأثر المُنتَج على القراء.

• كم صفحة تكتب في اليوم وهل هناك قاعدة معينة بهذا الشأن؟ـ

لا توجد قاعدة.. ربما في المتوسط عشر صفحات أو أقل قليلاً.. في حال كانت مسودة أولى.. وأحياناً تمر أيام طويلة ولا أكتب سطراً.. أنا كائن مخلص ل “مزاجي” وأحتاج إلى نشوة ما.. حتى لو شعرت بالرغبة في “الخربشة” وكانت قواي منهكة بفضل العمل والأعباء الحياتية.. أفضل الهرب من الكتابة، فهي فعل مزاجي يتطلب الاحتشاد واستحضار كافة الحواس والمزاج والنشوة والموسيقى والهدوء والطاقة الجسدية.

• أي عمل من أعمالك الأقرب لنفسك ولماذا؟

ـ كل عمل كانت له متعته في لحظتها وإلا لما نشرته.. لكن بعد الانصراف عنه، أغلق بابه وأسلمه للقارئ يلهو به كيفما شاء، مادحاً أو قادحاً.. أستطيع علىالأرجح أن أشير أكثر إلى نصوص بعينها أحبها أكثر من غيرها في مجموعاتي الأربع مثل: “لوكا”، “جر الخيط”، “شعر غجري تتطاير منه الحجارة”، “شاب هندي وفتاة صينية”، “خطيئة الكعب”، “سيدة الدانوب الأزرق”، “يد فاطمة”، “فتاة أوباما”، “الغواية الأولى”، “عصر السنجة”، و”وراء البياض”. أشعر بقرب هذه النصوص مني، أكثر من غيرها.

• كيف ترى شخصيات اعمالك وهل تجد صعوبة في التعامل معها؟

ـ عادة لا ألتقط الشخصية كما هي في الواقع وأعيد تسجيلها، بل أحاول تركيبها بمزاجي من أكثر من شخصية أعرفها في الواقع، وتكمن المشكلة الأساسية في الإمساك بروح وملامح محددة للشخصية، حتى لو لم أعلن تفاصيلها في النص، فالمهم أن أظل واعياً بهذه الملامح طيلة عملية الكتابة، وهو خيط واه وسرابي وخادع. هنا فائدة تكرار المسودات لأنها تعينيني في عملية الوعي بالشخصية واستبصار تاريخها ومأزق وجودها.

• بمن تأثر في بداياتك؟

ـ رحم الله البدايات.. كنت حراً وكنت “دودة قراية” أقرأ لافتات الأطباء وأصوب أخطاءها.. والصحف و”قراطيس اللب”.. كل شيء.. الوجود كله كان تحت مجهر القراءة، بدهشة وحماس.. قبل أن أتلمس الطريق بمزيد من الفوضى والعشوائية والمزاجية.. قصص لإدريس ونجيب محفوظ وعبد الحكيم قاسم وأصلان وتولستوي وهيمنغواي وديستوفسكي وكازنتزاكيس وإيفو اندريتش ومسرحيات توفيق الحكيم والمنفلوطي ومذكرات وسير مشاهير.. الآن مازلت أقرأ بنفس العشوائية والمزاجية.. لكن بدهشة وحماس أقل.. ويبدو أن للقراءات الأولى ـ الصدفوية ـ تأثيرها المدهش في تكوين الذائقة وأسلوب الكتابة، وكأنها تلتصق ببصمتنا إلى الأبد.

• هل تقيم وزناً لأراء النقاد في كتبك؟

ـ الناقد قارئ آخر.. هو مرآتي.. من قد يراني أفضل مما أرى نفسي.. من يكتشف دروباً لا أعرفها في نصي.. حتى لو كان تعليق الناقد غير مفيد على نص نشر بالفعل وانتهت تجربته.. لكنه يعطيني استبصاراً ومفاتيح شيطانية لاستيلاد نص لم يأت بعد.

• ما رأيك في الكتاب الشباب من الجيل الحالي، وماذا تقول إذا طلبت منك أن توجه نصيحة لهم؟

ـ ببساطة، في كل الأجيال دائما هناك كتابة جيدة وأخرى غير جيدة.. ولا أميل لمقام الناصح، فحتى الشباب الأصغر مني سناً قد يفيدونني هم أكثر مما أفيدهم.. المهم لي ولأي كاتب، أن يمتلك صوته الخاص وفقاً لحكمة نيتشوية تقول “كن رجلاً ولا تتبع خطواتي” وقد عدلتها قليلاً، بما يُرضي النسويين.. “كن نفسك ولا تتبع خطواتي”.. وأقول لنفسي قبل غيري: اقرأ ما يحلو لك، واكتب ما يحلو لك.. لا تفرط في حريتك التامة، ولا تقلد مشية غيرك.

• تعتقد أن مهنة الكتابة صعبة؟

ـ بالتأكيد صعبة، خصوصاً في مجتمع عربي لا يقدر الكاتب ولا يحترم الكتاب.. نحن فئة مستبعدة ومهمشة ومهشمة، ونتعلق بأهداب أعمال أخرى كي نستطيع البقاء على قيد الحياة.. هل هناك صعوبة أكثر من ذلك؟ وفي كل مرحلة يواجه الكاتب صعوبات وجودية شرسة قد تدفع البعض للاعتزال أو الانتحار.

• هل تفضل اتباع أسلوب واحد في كتابة أعمالك أم تفضل التجديد؟

ـ كل كتاب لي هو تجربة ولعبة أحاول فيها تجديد إحساسي ودهشتي بالكتابة. ولنقل إن الكاتب عادة يعيش متأرجحاً ما بين بصمته المتكررة ورغبته في التمرد والتجريب.

• برأيك ماهي المعايير التي يجب تقييم الكاتب على أساسها؟

ـ لا أرتاح لأسئلة القيمة، فحتى لو كنت أعرف مثل هذه “المعايير” فهي لن تساعدني في كتابة النص الأفضل. هناك شيء غامض، ملتبس، ومنفلت، في عملية الكتابة، ولا يقاس بمسطرة. ثمة من يجترح قيمة أصيلة ومتفردة، لكننا نحاربها لأنها لا تتماشى مع “تقاليد النوع”، وثمة من يعيد تعبئة “تقاليد النوع” دون ذلك النفَس الأصيل المتفرد، ويحظى بالشهرة والنجاح وقوائم المبيعات.. الأمر بالغ التعقيد! هناك مواهب لا خلاف عليها، مثل شكسبير أو دانتي أو الجاحظ.. ومواهب تنال أكبر من حجمها.. ومواهب تنال أقل.. والأمر ذاته بالنسبة للنصوص.. دائماً وأبداً ثمة صراع ما بين “القيمة الفنية” و”سطوة الكيتش”، وكل قارئ يحاول أن “يُمعير” النص، اقتراباً أو ابتعاداً، عن هذين الطرفين. هل الأفضل للكاتب أن يتأرجح في الوسط، أو يتطرف باتجاه أحدهما؟ كلها رهانات يصعب حسمها. الأكيد أن “الكيتش” يستجيب لرواج اللحظة، و”القيمة” تتجدد عبر الزمن، وتتشهى قارئاً لم يولد بعد.

• هل تعتقد أن الكتابة الأدبية قادرة على تغيير المجتمعات؟

ـ لما لا؟! بعض الكتابات والفنون عموماً غيرت قوانين ومجتمعات وأشعلت ثورات.. لكن في المجمل هذا التغيير يكون “غير مباشر” وبطيئ، وربما يصعب رصده.. الإبداع في رأيي لا يقلد الواقع، بل الواقع هو الذي يقلده ولو ببطء.. مثلما تقلد المراهقات تسريحة نادية لطفي أو فساتين مارلين مونرو.. أعتقد أننا لا نستطيع أن نعي وجودنا كله إلا عبر الثقافة، وليس وعياً مباشراً من خلال واقع خام.. وهنا ميزة وعبقرية الإبداع، عن ظواهر أخرى كالعلم والدين، لأنه وحده من يضع هذا الوعي في قالب جمالي.. وتلك فتنته الآسرة، ويكفي فقط أن نقرأ انفعالات أسرة تشاهد فيلماً عاطفياً مثل “تايتانيك”، وانفعالات الأسرة ذاتها لو كانت تشاهد وثائقياً عن “خريطة الجينات”!

• كيف تشعر في هذه اللحظة؟

ـ ممتن للكتابة.. امتنان عميق، ليس بما صدر لي ولا لحصولي على جوائز.. بل لتلك المتعة التي وفرتها لي والتي قد تفوق كل متع الدنيا الأخرى.. ولأنها أيضاً جعلتني أشعر بوجودي على نحو مختلف.. ولولاها ربما انتحرت وفقدت قدرتي على التوازن مع عالم ضاج بالقبح والبؤس والعبث.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *