غيش جين: أمارسُ الكتابة بدلا من ممارسة العيش

ترجمة: أحمد بن عايدة
كنت على وشك الاعتزال لأني شعرت بأن حياة الكتابة ليست بحياة، لأني شعرت بأني أمارس الكتابة بدلًا من ممارسة العيش.

كنت على وشك الاعتزال لأني شعرت بأن حياة الكتابة ليست بحياة، لأني شعرت بأني أمارس الكتابة بدلًا من ممارسة العيش.

ترجمة: أحمد بن عايدة 

في العام الماضي كدت أتخلّى عن الكتابة. كنت سوف أتخلّى عنها، رغم أني كنت أعمل على نحو جيد، رغم أن عملية الكتابة لا زالت تذهلني: المفاجآت اللانهائية للجمل، والشعور بالإمتلاء عند تجسّد الأفكار. كان لدي كتاب جديد أردت كتابته، الكتاب الذي أكتبه في الوقت الحالي، والذي كنت أعلم أنه سيكون مشروعا جيدا. وقد أدركت ما هو أكثر من ذلك، وهو أني لم أبلغ ذروتي بعد، وذلك أمر أظن بأني كنت أنتظره بشكل مريض. لقد أقسمت منذ مدة بألّا استمر إذا ما بلغت المرحلة التي أفضل ما يمكن فعله عند بلوغها، هو التوقف.

لم أبلغها بعد. ومع ذلك، كنت على وشك الاعتزال لأني شعرت بأن حياة الكتابة ليست بحياة، لأني شعرت بأني أمارس الكتابة بدلًا من ممارسة العيش.

ليس هناك وقت كافٍ للكتابة. إنه عالم موازي حيث الأيام أيضًا يمتد طولها، بشكل مزعج، إلى أربعة وعشرين ساعة. كل لحظة يقضيها الشخص في حياته الواقعية هي لحظة مهدورة من حياته الكتابية، والعكس صحيح.

أن تكتب، هو أن تفهم لماذا يكتب كيتس واصفًا العيش “تحت وطأة القيود الأبدية، يستحيل خلاصي سوى بالكتابة.” هو أن تعي نزوع كافكا إلى أن يُحبس داخل أعمق غرفة في القبو، حيث يزوّده بالطعام شخص خفيّ الهوية. هو أن تعرف لماذا وصفت أليس مونرو الفنان بأنه يملك وجه العدو. وهو أن تحسد فيليب روث، الذي، حسب ما يقال، حجز نفسه في كابينة في جبال البيركشيرز. يقال أنه ظل يكتب ويكتب، يكتب دون أي شيء يصرف انتباهه، يكتب وحسب.

مما يدعو الواقعيّ في داخلنا إلى التساؤل: أهذه حياة؟ هل بإمكاننا حقًا اعتبارها حياة؟ والمتحدث هنا هو عقلنا. غير أنه يوجد هناك شخص آخر في الداخل، شخصية الكاتب، يجيب بنعم. إن ذلك بديهي، وأن تخوض العالم ليس بالأمر السيء، بل إنه ضروري. مع ذلك فإن ثقل الحياة اليومي يأتي كعائق. البعض يظن أن كل شيء ينتهي إلى أن يكون عائقًا، ذلك، في الحقيقة، غير صحيح. لكن قبل كل شيء، إنه لمن المحتمل ألا يحظى المرء في حياته سوى بالعوائق، فلتسأل أي شخص يعمل في وظيفة حقيرة. لكن ذلك موضوع لمقال آخر.

أسمح لي بالقول أنه في عمر الخامسة والأربعين، بعتباري أم لأبناء صغار، أنني أحظى بحياة معظمها غير مادي، إنني بكل بساطة أعيش. الكتابة تنافس تلك الحياة، تنقّصها وتقصّرها. إنني أناضل كي لا استعجل الوقت الذي أقضيه مع أطفالي، أجاهد لأنسى نفسي بصحبتهم رغم أني لاحقًا أقوم بعصر كل دقيقة متبقية من اليوم. أقوم بالحسابات، أوازن، أدفع نفسي إلى الحافة. وذلك لكي أعود لأغمر نفسي تمامًا في العمل مرة أخرى، أرسم اليوم، مساراته، خياراته. أراوغ وأرواغ. أدّخر الساعات، وأشعر باليأس في الإزدحامات المرورية. والأسوأ من ذلك، أبقى أراقب ارتباطاتي. أمنح نفسي للآخرين بالقدر الذي يحتاجونه هم مني، بذلك القدر وحسب. وإني لأتساءل ما إن كانت الكتابة تستحق ثمن ذلك الأخير على وجه التحديد. تقول سينثيا أوزيك أن الفن أنانية. وقد وضعتنا ليندال جوردون وجهًا لوجه مع قسوة هينري جيمس وتي أس إليوت. واعتقدت أوزيك أن الفن يستحق ذلك. بينما صرّح فولكنر أن مسؤولية الكاتب الوحيدة هي تجاه فنه. وفي اعلان شهير له قال أنه لو اضطر لنهب والدته فلن يتردد في ذلك، وأن “قصيدة جون كيتس (نشيد إلى جرّة إغريقية) تعادل أي عدد من النساء.”

 كل لحظة يقضيها الشخص في حياته الواقعية هي لحظة مهدورة من حياته الكتابية، والعكس صحيح.

كل لحظة يقضيها الشخص في حياته الواقعية هي لحظة مهدورة من حياته الكتابية، والعكس صحيح.

ربما نتساءل اليوم إن كانت تعادل أي عدد من الشبان، لكننا لن نجيب على ذلك. فالسؤال الحقيقي هو: لو كان اقتراف فعلة بتلك القسوة ضروري ومبرر كما في حالة هينري جيمس، فهل سيكون مبررًا لنا جميعًا؟


أعلم أنني سأتخلّى بالفعل عن الكتابة لو أدى ذلك إلى تهديد مصائر الآخرين، يكفيني أني أتحسّر لمجرد تقصيري معهم أحيانًا، أو كون توفّري لهم بين كرّ وفرّ. مع ذلك، لستُ أدري ما هو الصواب. عندما يتحدث الناس عن كونهم عالقين بين عالمين فهم غالبًا يقصدون التفكك الثقافي من الناحية الجغرافية السياسية. ومع أن الكتّاب أيضًا عالقون بين عوالم، وأننا قد نعلن بوضوح عن انتمائنا، غير أن الروائيون خصوصًا لا يمكنهم التغافل عن مشكلة اخلاقية. في الحقيقة، المنتمين على الأرجح متفككين من الداخل بقدر المتجردين.



لقد كانت بلوتي بلوة ايمانية. يكفي أن الشائع عند بلوغ منتصف العمر هو الشعور بالموت يكتنفك. وقد لا يكون مفاجئًا أن تبدأ الكتابة بأن تبدو ممارسة لا طائل منها، محاولة مؤسفة لمنح حياتنا الهشة وزنًا ومعنى. تشككت بقيمة الكتابة شيئًا فشيئًا، وفي الوقت ذاته، ندمت على الثمن المدفوع لأجلها.

لقد حاولت هجرها لبضعة أشهر على أوجه مختلفة. صرت أزرع. اصبحت أتناول الغداء. بدأت أتحدث إلى موزّعي المنشورات. ساهمت في قضايا. ثرثرت مع مربّي الكلاب. تمتّعت برفقة أطفالي. صرتُ لأجلهم مثالًا للشجاعة أمام سرطانات بحر حية. صرت لأجلهم منفتحةً للأشياء الجديدة.

مع ذلك، وجدت الحياة دون عمل ميتة. بودي لو يمكنني القول أنني عدت للعمل لأن لدي مساهمة غير اعتيادية للعالم، أو لأني وجدت الكلمات التي ستوبّخ الموت. لكن في الحقيقة، عدت للكتابة لأن الحياة دون كلمات مملة. كان يبدو كما لو أن الرياح توقفت عن الهبوب. كان يبدو كما لو أن قام أحدهم بإلغاء اختراع الموسيقى—يا له من صمت. شعرت كما لو أني فقدت أحد حواسي.

لقد قضيت وقتًا مسليًا بحريتي من العمل. أحببت الشعور بأن لدي متسعًا لأشغره. أحببت الشعور بالإنفتاح للحظة الحاضرة. لكن شيئًا فشيئًا صارت اللحظة الحاضرة تنضح بوعي للأشياء المفقودة.

اشتقت إلى منطقة التاريخ. افتقدت تطوافي العوالم الكبيرة. اشتقت إلى شربكة اللغة. افتقدت ملازمتي للعمل. اشتقت إلى اكتشافي لما أفكّر به—أو بالأحرى، إلى رؤية الأفكار وهي تذوب أسفل القلم. اشتقت إلى تفسير الأشياء. اشتقت إلى تعقّب الحبكة. اشتقت إلى امتطائي الخيال، ليس للطيران نحو الغروب بل لإختراقه.

لكن فوق هذا كله، اشتقت إلى المنحى التي تؤدي إليه تجربتي في مواجهة نفسي بالتحديد—بشكل مبهج، ومزعج—كفرد. ولقد افتقدت تواصلي مع الموتى من الكتّاب. فكنت بالطبع لا زلت أقرأ، غير أني شعرت كما لو كنت جالسة في حفلة، بينما الجميع يرقص.

ذات ربيع مشيت بالقرب من بحيرة ورأيت جزيرة ثلجية. كانت فضية ومغمورة لدرجة تبدو كما لو أنها انعكاس غيمة، إلا أن الطيور كانت تغطيها. لقد كانت الطيور غائصة في المياء الباردة إلى مستوى كاحلها. تنظر في جميع الإتجاهات. وإنها لتبدو، رغم نظراتها المحدقة المنسجمة، تائهة. وكنت أرى مشهد الجزيرة هذا وأعجب به كل عام، غير أني عندما نظرت إليه هذه المرة، رأيت أنه زائل وفي الوقت ذاته، أبدي. رأيت أن تكوين الجزيرة يعتمد على الماء، الذي يبقى يدمره ويعيد خلقه من جديد.

لقد كان الماء والثلج متضادّين، وليس ذلك فحسب. فإن الماء يخرج من الثلج رغم كل شيء، والثلج من الماء. وحامل الثلج هو الماء. تربطهما ما قد يطلق عليه جيمز ألان ماكفيرسون علاقة معاضدة متضادة.

رأيت البحيرة، ومشيت حولها مرة أخرى، وعدت للعمل ذات يوم. كنت أجهد نفسي في العمل لدرجة أني نسيت جزيرة الثلج. كنت ببساطة أعيش، أعمل، أعيش، أعمل، مع عراقيل مزعجة لكني أحاول ألا أكون منزعجة كثيرًا. بإختصار، كنت أحاول موازنة العمل مع الحياة.

وفي يوم حصلت على الفرصة لسؤال جرايس بالي عن سر موازنتها للأمور. ليس هناك موازنة، قالت لي بشكل قاطع. ورغم أنها قالت ذلك في الصيف على طريق أوريجون، فقد رأيت بحيرتي الربيعية. وجزيرة الثلج تذوب من فوقها. وتظهر مرة أخرى، وتذوب، وتظهر. يا له من مشهد يبعث السلام. مشهد أكّد لي أبدية الجزيرة، وثبات النظام. ربما في الحياة الواقعية كان كذلك. غير أنه كتعبير مجازي إرشادي، كان محدودا وخادعا.

كان هناك نهر أوريجاني عظيم إلى جانب الطريق حيث مشيت مع صديقتي بالي. كان النهر يجأر ويجأر بطريقة لا يبدو إلا أن تكون أبدية. ليس بإمكانك السباحة في النهر، حتى في الصيف. لقد كان سريعًا جدًا، باردًا جدًا، وحشيًا جدًا، بلا رحمة، جارفًا، انهيار جبلي متواصل لا سبيل إلى تهدئته، لا يدركه الليل ولا النهار. وفي سبيل التخفيف من جبروته، كان هناك بركات ساحرة وغدران تطفح بالأزهار البرية. كذلك كان هناك جبال عالية قاحلة تلوّنها بشكل عجيب شجيرات صغيرة. وإنها لتعتبر جريمة عدم التجوّل مشيًا عبر تلك الجبال. عاهدت نفسي على التنزه في الصباح التالي. قمت بضبط المنبّه، وفي الصباح، ارتديت جزمتي، وجلست قبالة الكمبيوتر.

شرح لي صديقي عالم الرياضيات قبل فترة ليست بعيدة أن هناك مجموعة متكاملة من الفرضيات الرياضية القائمة بذاتها. إنها فرضيات لا تحتمل الدحض ولا الإثبات—وذلك ما يجعلها تقع خارج عالم الرياضيات الحتمي. سألت صديقي ما إن كانت تلك الفرضيات تقلقه. جاوب بالنفي. بل بالعكس، وجد أمرهم مدهش. يقول الكثير يعتقد بأن الرياضيات تتصف بمثالية أفلاطونية، تلك صفة يحبّها الجميع. وقد أحبّ ما أحبوه—تلك الصرامة العجيبة. غير أنه أحبّ أيضًا حقيقة أن الرياضيات، في مواضع معينة، فشلت. أحبَّ وجود المتناقضات، أشياء لا يمكن ترويضها. وفيما أنا أسمعه، كنت أهز رأسي بوجع الذي بدأ يدرك.

هل يمكنني تقدير التناقضات العميقة مثل صديقي؟ (قال هينري غرين أن الحياة في النهاية عبارة عن تعارض يتلو تعارض) أفي إمكاني، أنا أيضًا، قبول واعتناق الذي لا يحتمل الترويض؟ ربما يمكنني. ربما تمكّنت من ذلك بالفعل. ربما فكّرت، أن أكتب حول ذلك. 

نشرت في آراء. 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *