كيف يكتبُ إيتالو كالفينو؟

ترجمة: لطفية الدليمي
 أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب.

أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب.

 

أية منزلة يمكن ان تكون للذهول في حياتك العملية ؟

الذهول؟! انا عقلاني دوما وكل ما أقوله أو أكتبه يخضع كلية لمعايير العقلانية والوضوح والمنطق. ما الذي تظنه في؟ هل تتوقع أن استحيل انسانا مسكونا بالبارانويا، عندما يتعلق الأمر بي في الكتابة فإنني أصير اعمى عندها، لو كنت أجبتك مثلا (نعم انا أنفعل كثيرا وأصاب بذهول عظيم اثناء الكتابة و اشعر بنشوة عظمى في هذا الفعل) فلا أعرف حقا كيف يمكن لي ان اكتب هكذا اشياء مجنونة ولكنت أنت نفسك رأيتني رجلا اخرق بلا أية معقولية مقبولة . ربما كان السؤال الأفضل الذي نبدأ به حوارنا هو كم أضع من نفسي فيما اكتبه؟ ولو كنت سألتني هذا لأجبتك: أضع رؤيتي المعقلنة وإرادتي وذائقتي وخلفيتي الثقافية ولكن بلا تحكم كامل بما افعل وربما جاز لنا ان نرى في هذا شكلا من أشكال العصاب او الذهول الذي يرافقني في الكتابة .

ما طبيعة أحلامك ؟ هل أنت مهتم بـ (يونغ) أكثر مما تفعل مع (فرويد)؟

ان إيضاح طبيعة احلامي لن يرضي محللا فرويديا أكثر مما يمكن أن يفعل مع نظيره اليونغي. أقرأ (فرويد) لأنني أراه كاتبا ممتازا وكتاباته اقرب الى المغامرات البوليسية المثيرة التي يمكن متابعتها بشغف عظيم، كما اقرأ ايضا لـ (يونغ) الذي يبدي اهتماما بمفردات في غاية الأهمية لأي كاتب مثل الرموز والأساطير مع انني لا أرى في (يونغ) كاتبا جيدا مثل (فرويد) لكنني مولع بالاثنين معا .

تتكرر مفاهيم (الحظ) و (الصدفة) كثيرا في أعمالك، و تتنقل من خلط أوراق لعبة (التاروت) الى التوزيع العشوائي لأوراق مسودات الكتابة. كيف يلعب مفهوم الصدفة دورا في تشكيل اعمالك ؟

كتابي الخاص بورق لعب (التاروت) والمعنون (قلعة المصائر المتقاطعة) هو الأكثر من بين كتبي الذي أجريت فيه حسابات و احتمالات و ما من شيء فيه ترك عرضة للصدفة. لا أعتقد أن الصدفة يمكن أن يكون لها ذلك الأثر البالغ في الأدب الذي أكتب .

كيف تكتب؟ أعني الإشارة الى تفاصيل الفعل الفيزيائي للكتابة ذاتها؟

أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب. أرى نفسي أبحث عن الكلمات عندما أتكلم وتلك ذات الصعوبة التي أعانيها عندما أكتب، ثم اقوم بعمل عدد من الإضافات والتعديلات. أكتب في العادة بحرف صغير لذا تمر علي لحظات أعجز فيها عن قراءة ما كتبت بنفسي، فألجأ الى عدسة مكبرة تعينني على قراءة ما سبق أن كتبته بخط يدي. أكتب في العادة أيضا بخطين مختلفين: الاول كبير الحجم ويحصل هذا عندما أكون واثقا كل الثقة مما اكتب، أما الثاني فصغير الحجم وهذه أستخدمها عندما أكون في حالة عقلية أقل وثوقية، وفيها يكون صعبا علي أنا ذاتي ان أفك شفرة ما كتبت. تمتلئ صفحاتي دوما بسطور ملغاة و تعديلات، وعندما أبدأ بطباعة مسودات مأخوذة عن نصوصي الأولية المليئة بالخربشات بعد فك تشفيرها أرى نفسي قد أنجزت نصًا مغايرا لما بدأت به وهو الآخر أجري عليه تعديلات لاحقا. أشعر بحسد هائل فعلا تجاه هؤلاء الكتاب الذين يمضون في الكتابة بلا تصحيحات وفك تشفير لما يكتبون.

هل تعمل يوميا أم في ساعات محددة و لأيام محددة؟

نظريا أود لو كان بإمكاني العمل كل يوم ولكن يحصل أنني أجد دوما لنفسي أي عذر ممكن لكي لا أبدا العمل صباحا اذ على الخروج وإتمام شراء بعض المشتريات والصحف، وكقاعدة يحصل دائما انني أستهلك كل صباحاتي في أعمالي الروتينية وأجلس للكتابة من بعد ظهر كل يوم. أنا في العادة كاتب نهاري ولكن لما كنت أضيع فترة الصباح من كل يوم دوما أمكن لي أن أصف نفسي كاتبا لفترة ما بعد الظهيرة كما يمكن لي احيانا ان اعمل ليلا ولكن لو فعلت سيكون صعبا علي ان أنام الليل لذا احاول تجنب هذا الامر على قدر ما استطيع.

هل تشرع في أعمالك ابتداء من حزمة أفكار صغيرة غير مترابطة أم من مفهوم واحد طاغ ثم تقوم لاحقا بالاشتغال عليه؟

أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

كتب (تورجينيف) مرة : ” أفضّل أن أملك القليل من العدة المعمارية التي أتعامل بها في هيكلة الرواية على امتلاك الكثير منها خشية ان يتداخل المعمار مع صدقية ما اكتب”. هل يمكنك ان تعلق على هذه الملاحظة بالإشارة الى ما تكتب؟

 يمكنني القول أن في السنوات العشر المنصرمة كان لمعمارية ما أكتب اهمية ربما يمكنني وصفها بانها مبالغ بها وكمثال على هذا عندما بدأت كتابة (مدن لامرئية) كانت لدي فكرة ضبابية عن هيكل ومعمارية النص ثم استحالت المعمارية شيئا فشيئا لتكون هي قلب الرواية وعقدتها في كتاب أعددته أصلا دون ان تكون له عقدة واضحة الملامح، ويمكننا قول الشيء ذاته بحق عملي الاخر ( (قلعة المصائر المتقاطعة) الهيكل المعماري أضحى متطابقا مع الرواية ذاتها، ومنذ ذلك الحين وأنا مسكون بالأهمية الطاغية لهيكل ومعمارية أي كتاب اكتب الى حد انني اصبحت مجنونا بها، و يصدق نفس الرأي مع كتابي الاخر (لو أن مسافرا في ليلة شتاء) الذي ما كان له ان يوجد اصلا لولا انني وضعت له هيكلا دقيقا ومصنوعا بحرفية عالية. أظن أنني نجحت في هذا الجهد وهو مبعث سعادة كبيرة لي ولكن لا بد من الاشارة إلى أن القارئ ليس معنيا بهذه التفاصيل أبدا فالمهم لديه هو الاستمتاع بقراءة اي كتاب باستقلالية كاملة عن الجهد الذي وضعته فيه .

أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

تعيش في مدن كثيرة و تتنقل في العادة بين روما وباريس وتورين ثم تعود بعدها الى هذا المنزل الساحلي قرب البحر حيث نجري هذا الحوار. هل ثمة من تأثير ما للمكان على ما تكتب؟

لا أظن ذلك . ربما كان لتجربة الحياة اليومية في مكان ما تأثير على ما اكتب ولكن ليس لأنني أقيم في هذا المكان او ذاك. أعمل في الوقت الحاضر على كتاب يرتبط الى حد ما بالمنزل الذي اقيم فيه هنا في توسكانيا حيث اعتدت أن امضي ايام الصيف لبضع سنوات خلت، لكن بإمكاني ان أمضي قدما في إتمام العمل لو انني أقمت في مكان اخر.

هل يمكنك ان تكتب في غرفة فندق؟

اعتدت القول أن غرفة الفندق هي مكان مثالي للكتابة لأنها في العادة هادئة ومجهولة العنوان فلا أكوام رسائل تتكدس أمامك تنتظر الاجابة عليها ولا مهمات اخرى بانتظارك سوى ان تجلس وتكتب، و مع أني ارى في غرفة الفندق مكانا مثاليا للكتابة لكن احتاج الى مكان خاص بي اقرب ما يكون الى مخبأ، ولو ان فكرة ما اختمرت في ذهني وكانت واضحة لي تماما فلدي دوما القدرة على كتابتها اينما كان حتى لو كنت في غرفة فندق.

هل تسافر في العادة مع دفاتر ملاحظاتك وأوراقك؟

نعم احمل معي في العادة ملاحظاتي و ملخصات لما اريد ان اكتب، و للسنوات العشر المنصرمة صرت مسكونا بفكرة ان احمل معي دوما ملخصات عن وقائع حياتي اينما رحلت.

كان والداك عالمين كما نعرف. أ لم يفكرا بأن يجعلا منك عالما؟

كان والدي عالما في تحسين المزروعات ووالدتي كانت عالمة نبات وكان كلاهما مغرمين بعالم الخضار والطبيعة والعلوم الطبيعية وكانا يعرفان منذ البدء بعدم ميلي الى اي من اختصاصاتهما أو اهتماماتهما مع اني في الواقع اشعر بأسف شديد اليوم لأنني لم أتمثل تجربتهما العلمية كفاية كما كان ينبغي، و ربما كان عزوفي عن اهتماماتهما العلمية يعود الى انهما كانا اكبر مني بكثير فوالدتي كانت في الاربعين عندما ولدت و والدي كان في الخمسين و لذا كانت بيننا هوة واسعة كما ترى .

متى بدأت تكتب؟

عندما كنت يافعا لم تكن لدي أية فكرة عما أريد ان أكونه. بدأت الكتابة مبكرا نوعا ما و لكن قبل ان أخوض في أية تجربة كتابية كان شغفي الاول في الرسم، فقد رسمت بضعة رسوم كاريكاتيرية لأصدقائي التلاميذ واساتذتي في المدرسة لكنها ظلت رسوما خيالية أنجزت بلا اي تدريب. عندما كنت صبيا سجلتني والدتي في مدرسة تدير برنامجا لتعليم الرسم بالمراسلة وكنت وقتها في الحادية عشرة عندما ظهر لي احد رسوماتي في مجلة كانت تنشرها مدرسة الرسم التي سجلت فيها وقد اشاروا فيها الى انني كنت تلميذهم الأصغر، واذكر أيضا انني كتبت بضعة اشعار في تلك المرحلة وعندما بلغت السادسة عشرة جربت كتابة بعض الاشياء للمسرح الذي كان شغفي الاول حينها ربما لان علاقتي بالعالم الخارجي وقتذاك كانت عبر المذياع فحسب والذي اعتدت سماع الكثير من النصوص المسرحية عبر اثيره.

من الكتاب الذين كان لهم اعظم الأثر في حياتك؟ أعني الكتاب الذين قرأتهم باعظم متعة متصورة؟

ثمة كتاب من الذين قرأتهم وأنا في سن الصبا مثل (ستيفنسون) لا زالوا يمثلون لي نماذج معتبرة في الطلاقة والدافع السردي والطاقة على العمل، و لا يزال كتاب مثل كيبلنغ وستيفنسون نماذجي المفضلة بين الكتاب وأضع بعدهم ستاندال.

متى تخليت عن الكتابة للمسرح؟

بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن في المسرح الايطالي نماذج واعدة في وقت كانت الرواية تشهد فيه انطلاقة متفجرة لذا عكفت على كتابة القصة ثم بدأت بعدها بكتابة الرواية وتلك محض آليات عقلية في كيفية التعبير عن ذاتك و أملك طريقتي في كتابة النثر وهي أقرب لما يفعله الشاعر عندما يكتب قصيدة ولست من ذلك النوع الذي يكتب روايات طويلة بل اضغط فكرة او تجربة ما في نص تركيبي قصير يقف في النهاية مع غيره من النصوص القصيرة لتكون في النهاية سلسلة .

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ. أرى مثلا ان كتاب (مدن لا مرئية ) يقع في منزلة بين الشعر و الرواية .

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ.

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ.

هل ترى ان شباب اليوم يمتلك سمات مختلفة عن تلك التي كانت لجيلكم ؟

يحصل بين الحين والآخر ان اغضب لدرجة الجنون بشأن الجيل الشاب ولكن لم يحصل ان ألقيت مواعظ في أي محفل شبابي لأنني لا أطيق الوعظ كما ان أحدا لن يستمع لي.

لا بد ان شيئا ما قد حصل بين جيلي وجيل الشباب محدثا انقطاعا في استمرارية التجربة وربما كان هذا بسبب افتقادنا الى نقاط التقاء مرجعية ولكن عليّ القول انني عندما كنت شابا لم القِ بالا أبدا لأي نقد او توبيخ لذا لا أجدني املك الحق في نقد او توبيخ الشباب اليوم .

هل الروائيون ملفقو أكاذيب؟ واذا لم تكن تراهم هكذا فعن أي نوع من الحقيقة يكتبون؟

الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة، وبالنسبة للروائي كما للمحلل النفسي ليس بالأمر المهم النظر فيما اذا كنت تقول صدقا او كذبا لأن الأكاذيب يمكن لها ان تكون ممتعة وبليغة وكاشفة، شأنها شأن أية حقيقة ندعي قولها بصدق.

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم، ففي عملي ( لو أن مسافرا في ليلة شتاء) على سبيل المثال، وهي رواية مؤسسة بالكامل على الفانتازيا، كان هدفي ان أتحدث عن حقيقة لم يكن بوسعي أن أرويها بأية طريقة أخرى.

هل ترى ان الكتاب يكتبون ما يتمكنون من كتابته ام ما ينبغي لهم كتابته ؟

الكتاب يكتبون في العادة ما يستطيعون، لأن لفعل الكتابة وظيفة تكون مؤثرة متى ما اتاح لها المرء أن تعبر عن عالمه الداخلي. يعاني الكاتب غالبا من محددات عديدة: محددات أدبية مثل عدد السطور في السوناتا الغنائية او قواعد التراجيديا الكلاسيكية وثمة محددات اجتماعية تستوجبها انشغالات دينية او اخلاقية او فلسفية أو سياسية و مع أن هذه المحددات لا يمكن فرضها مباشرة على الكاتب لكن لابد له من (فلترتها) عبر ذاته الجوانية.

هل كان لـ (جويس) أو غيره من الكتاب المحدثين من تأثير ما عليك ؟

المؤلف المفضل لي بين المحدثين هو كافكا والرواية المعاصرة المفضلة لي هي (اميركا ) .

تبدو اقرب الى الكتاب الذين يكتبون بالانكليزية: كونراد وجيمس وستيفنسون اكثر من الكتاب الذين يكتبون النثر الايطالي التقليدي. هل ترى الامر هكذا؟

لطالما رأيت نفسي مشدودا الى (جياكومو ليوباردي) فإضافة إلى أنه شاعر لامع فهو كاتب ممتاز ويكتب نثرا عظيما مفعما بالفكاهة والخيال و العمق .

الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة.

الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة.

 كيف رأيت العمل مع ناشرك الايطالي (اينودي)؟ هل عطل شيئا من قدرتك الابداعية؟

 إينودي ناشر متخصص في التاريخ والفلسفة واللغة والعلم و السوسيولوجيا والكلاسيكيات وتحتل الرواية مؤخرة قائمة منشوراته لذا فان العمل لدى اينودي كان بمثابة العيش في عالم موسوعي.

يبدو صراع الانسان مع العالم حوله وهو ويحاول ان يرى النظام وسط الفوضى ، ثيمة رئيسية في الكثير من اعمالك، أذكر هنا خاصة ما ورد في كتابك ( لو ان مسافرا في ليلة شتاء ) الذي يحاول قارئه ان يفكك أسرار الفصل الذي يلي كل فصل يقرؤه؟

الصراع بين الخيارات التي يفرضها العالم مع نزوع الانسان المتواصل والمسكون بفكرة ايجاد معنى ما في هذه الخيارات هو نموذج لما يتردد غالبا في كل ما اكتب.

تتقلب في كتاباتك بين نمطي الكتابة الواقعية و الفنتازيا. هل تهوى الاثنين بنفس القدر؟

عندما أكتب كتابا هو نتاج اشتغال كامل للكشف الشخصي أجد في نفسي لهفة وتوقا عظيمين لاستخدام لغة الحياة اليومية جنبا الى جنب مع نشاطاتي وأفكاري، ولكن عندما أكتب شيئا يميل الى الجانب السِيري وأرى نفسي مقيدا الى الخصوصيات الدقيقة للحياة اليومية حينها تكون لهفتي الى لغة ليست لها روابط واضحة مع جوانب كينونتي الذاتية وتكون اكثر قدرة في اداء الغرض المطلوب .

كيف استقبلت اعمالك في امريكا؟

مدن لامرئية ” هو عملي الذي حظي بأكثر المعجبين هناك رغم انه – ولدهشتي – ليس واحدا من كتبي السهلة، فهو ليس رواية بل مجموعة قصائد في قالب نثري . كتابي الاخر “حكايات فلكلورية ايطالية” كان قصة نجاح اخرى في امريكا بعد ان ظهرت ترجمته الانكليزية الكاملة عقب خمس و عشرين سنة من نشره بالايطالية. كان نجاح “مدن لامرئية” نخبويا أذ امتدحه محبو الادب والطبقة المثقفة بينما كان نجاح الحكايات اكثر جماهيرية. في الولايات المتحدة تبدو صورتي كاتبا للفنتازيا والحكايات .

هل ترى ان أوروبا قد تسيدتها الثقافتان البريطانية و الامريكية؟

لا. ليست لدي أية ردود أفعال شوفينية بخصوص هذه المسألة . ان معرفة الثقافات الاجنبية عنصر حيوي في أية ثقافة وارى أننا لا يمكن ان نرتوي من هذه المعرفة يوما ما، وينبغي لكل حضارة ان تبقي أبوابها مفتوحة لكل التأثيرات الثقافية اذا ما ارادت ان تحافظ على توقد شعلتها الابداعية. في ايطاليا كان المركب الحضاري الفاعل في الأغلب هو الأدب الفرنسي مع ان الأدب الامريكي ترك بصمته عليّ طوال حياتي. ادغار آلان بو كان واحدا من اهتماماتي المبكرة و علمني ما هي الرواية ثم اكتشفت لاحقا أن (هوثورن) أعظم منه، و في سنوات ارتقائي الادبي مبكرا في الاربعينات كان الادباء المهيمنون هم: همنغواي وفوكنر وفيتزجيرالد، وكان لنا في ايطاليا على الدوام ولع شديد بالأدب الأمريكي حتى ان مؤلفين أقل قامة من السابقين من أمثال سارويان وكالدويل كان ينظر لهم على انهم نماذج تصلح للاقتداء في الاسلوب رغم ظهور نابوكوف لاحقا الذي أكن له – و لا أزال – قدرا كبيرا من الاعجاب .

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم

 في الايام الحرجة الاولى بعد الحرب العالمية الثانية مكثت بشكل متواصل في ايطاليا و لم نر انعكاسا للأوضاع السياسية في رواياتك باستثناء روايتك القصيرة (المراقب) مع أنك كنت شخصا منغمسا في السياسة . ما تقول في هذا ؟

كنت في السنوات اللاحقة للحرب أرمي الى استيعاب معاني المعاناة والجروح البليغة التي أحدثتها في نفسي سنوات الحرب وبخاصة بعد الاحتلال الالماني لايطاليا، لذا انغمرت كشاب في العمل السياسي وانضممت الى الحزب الشيوعي الايطالي والذي أراه مختلفا عن كل الاحزاب الشيوعية في بلدان أخرى، ثم أدركت لاحقا وبصورة متعاظمة صعوبة تحقيق فكرة إقامة ديمقراطية حقيقية في ايطاليا باستخدام النموذج – أو لنقل الاسطورة – السوفيتي وقد نمت القطيعة داخلي حتى وجدتني اقطع كل صلاتي مع الشيوعية ومن بعدها السياسة، وكان هذا لحسن حظي فانا ارى اليوم اننا نرتكب خطا جسيما بوضع الأدب في مقام بعد السياسة، لان الاخيرة تفشل دوما في انجاز اهدافها في حين ان الأدب ينجح على الاقل في أنجاز شيء ما و مكن ان يكون له في المدى البعيد شيء من تاثير عملي. بتُّ أدرك الآن ان الأهداف الثمينة في الحياة لا يمكن إنجازها الا عبر صيرورات بطيئة للغاية .

 تنتمي لبلد كتب كل من كتابه الكبار للسينما أو حتى قام بإخراج فلم سينمائي بينما تبدو انت مقاوما لغواية السينما. لماذا وكيف هذا؟

في صباي كنت احد المولعين الكبار بالسينما ولكنني حرصت ان اكون متفرجا على الدوام ولم انجذب ابدا يوما ما لفكرة ان أغادر موقعي كمتفرج وانتقل الى الجانب الاخر من الشاشة . إن معرفة دقائق عمل السينما ستقتل حتما في داخلي ذلك الانبهار الطفولي الذي لطالما شعرت به تجاه السينما .

 هل اثقل الضجر حياتك و خيم عليها يوما ما ؟

نعم في طفولتي و هنا لا بد ان اشير الى أن الضجر الطفولي هو من طراز خاص لأنه ضجر مليء بالأحلام و هو في حقيقته عملية إسقاط لتبني مكان اخر او فكرة اخرى.

في الطفولة يتأسس الضجر على فعل التكرار وينطلق من استمرارية حال لا نتوقع معها اية دهشة. أعاني اليوم شيئا مختلفا عن الضجر: إنه الخوف من تكرار نفسي في عملي الأدبي وهذا يمثل لي على الدوام تحديا متواصلا كل يوم لذا ينبغي لي ان اجد شيئا يبدو جديدا تماما و يكون في ذات الوقت ابعد قليلا من المدى الذي تبلغه قدراتي التي اعرفها.

– المدى

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *