لين تيلمان: ماذا تقول حين يسألك الناس لماذا تكتب أو تصنع فناً؟

ترجمة: منال غيلان
لا أحد يسلحك لتصبح فناناً أو كاتباً، غالباً يثنونك عن ذلك.

لا أحد يسلحك لتصبح فناناً أو كاتباً، غالباً يثنونك عن ذلك.

 

ما الذي يُجبر الكُتاب على الكتابة، إلى السير للمكتب يوماً بعد يوم تحت تنويم ذاتي إختياري من روتينهم الصارم؟ 

أرجع جورج أورويل ذلك لأربعة دوافع عالمية، وماري جيتسكيل عدّدت ستة أسباب. أما جون ديديون فهي ترى أنه كالوصول لعقلها الخاص. بالنسبة لديفيد فوستر والاس، كان عن المتعة. مايكل لويس ينسب ذلك إلى الأوهام الذاتية اللازمة للإبداع. جوي ويليامز وجد فيه مهرباً من الظلام إلى النور. بالنسبة لتشارلز بوكوفسكي، فهو ينبع من الروح مثل صخرة. إيتالو كالفينو وجد في الكتابة الراحة بالإنتماء لمؤسسة جماعية. لسوزان اورليان، الكتابة تأتي من حب غير قابل للتغيير. ومع ذلك يبقى ذلك الإحساس المقلق بأن أي إجابة هي مُصنعّة، وأنه أفرط جراء مداولات الوعي الذاتي أو نزوات مزاج عابرة، بمعنى أنه لا أحد يعرف تماماً.

إعتماداً على لين تيلمان، واحدة من أكثر السبّاقات الشرسات للأفكار الجديدة في زمننا، لمعالجة هذا الجانب وبدقة عميقة في إحدى مقالاتها من كتاب “تسعة وعشرون مقالاً رائعاً فيم ستفعله لين تيلمان؟” (المكتبة العامة) – وهو مجموعة من التأملات القصيرة في الفن والأدب، والتي تغطي كل شيء من نيويورك لكافكا للصمت المدوي لجون كيج. 

في هذا المقال تحديداً، بعنوان “حاول مرة أخرى”، تيلمان تسرد سؤالاً وصلها – سؤال شائع إلى حد ما – بعد إنتهاء حدث في برنامج الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك. 

كاتب طموح سألها أن تنقل لهم الشيء المهم الوحيد الذي تعلمته من مهنة الكتابة حتى الآن. هذا التكرار الدائم في ذات السؤال القديم لماذا يكتب الكتاب. تجيب تيلمان: 

“لا أحد يسلحك لتصبح فناناً أو كاتباً – غالباً يثنونك عن ذلك – والمتطوعون الذين يتحسّرون على العربة التي اختاروها يبدون مخادعين. الفنانون البصريون غالباً ما يطلبون لتفسير اختياراتهم والدفاع عن مواقعهم. قليل من المهن الأخرى عدا الإقتصاد، السياسة والجريمة تستلزم هذا التفسير. الكتاب والفنانون قد يسألون أنفسهم لماذا يصنعون الفن أو يكتبون، والكثير منهم يشعرون باللاجدوى من الوظائف المختارة ذاتياً، ولكن جميع التفنيدات والأجوبة لأسئلتهم الوجودية ترتكز على الإيمان بالفن أو الأدب. بل ستختبر الإيمان ذات نفسه”.

تيلمان تستحضر القول المأثور لاحقاً للشهير صموئيل بيكيت – “حاول مرى أخرى. إفشل مرى أخرى. إفشل بشكل أفضل” – تتحدث عن قيمة الفشل في العمل الإبداعي

“‬الكوميدي عليه التخلص من النكات السيئة، أو سيكون كوميدياً سيئاً، على الرغم من أن الإخفاقات قد تدفعه للعمل، بما أنهم في قلب المتعة. الكوميديا لا توجد بدون فشل، خاصة تلك المتعلقة بالناس الآخرين.  

الكتاب قد ينشرون مقولات والفنانون يصنعون أشياء مملة، وبعض هذا العمل قد يُحتفل به ككتابة أو فن جيدين. البعض يكتب المزيد والمزيد من الكتب، على أمل أن يكون جيداً يوماً ما، غالباً يحفرون حفرة أعمق للوقوع فيها. النجاح بحد ذاته قد يكون حفرة، طالما، وهذا ما يقال، أنه يولد النجاح، لذلك قد تدين الفنان بفعل الشيء نفسه للأبد”.  

لا تتوقع أن نشر عملك سيجعلك سعيداً.

لا تتوقع أن نشر عملك سيجعلك سعيداً.

وتعود مرة أخرى لمحور الحديث: 

“‬عن السؤال حول أفضل درس بالنسبة لي للكتّاب الأصغر سناً، أجبت : “لا تتوقع أن نشر عملك سيجعلك سعيداً” ولم أذكر حتمية الرفض، الحظ، المال، المحسوبية، إلخ. قبل ظهور روايتي الأولى، كنت معتقدة بسذاجة أن النشر من شأنه أن يعوض عن كل شيء سيء.  

في تلك الأيام السابقة للنشر، كتابتي كانت لي، كنت قارئتها الوحيدة، ويمكنني التصديق بأنها كانت بلا خطيئة. في عشاء مع صديق فنان لي، أخبرته بأنني لم أكن أعرف أن الفنانين يدينون لأحد بإجابة، أو ما هي مسؤولية الكتاب تجاه قرائه، إن كانت هناك واحدة.  

تبقى أخلاقيات هذه العلاقات الغريبة ملغزة. قد لا تهم مفاهيم الخدمة للمجال، في حال لم يكن الدليل في حلوى البودنغ.

على أي حال، الكتاب والفنانين لا يتم التصويت لهم من قبل ناخبين، رغم أن المؤسسات – بما فيها الجامعية، المعارض الفنية، الناشرون، المجلات الفنية والنقاد – تقوم بالتصويت ولكن بطريقة غير شفافة، وغير ديموقراطية.  إنه يصر على عدم وجود جمهور للفن، ولكن هؤلاءالذين يطرحون ملاحظاتهم عليه عامة يفترضون أنهم منفصلون عنه.  العمل مع الكلمات والصور يربط الفنانين والكتاب بعالم لم يصنعوه، والذي قد يساهمون فيه وقد لا يفعلون”.

في نهاية المطاف، تيلمان لا تقدم لنا الإجابة بل الطريقة، الإستراتيجية لتناول السؤال – حيث اقترضته من تكتيك البريطانيين للتجنب اللبق، والذي كانت تتعجب منه خلال وقت عيشها في لندن:   ‫

“‬لم أكن أفهم استخدام البريطانيين لجملة “لا أمانع” للمعنى “نعم”، “لا”، “ربما”. يبدو أن العبارة تعطي المجال للمفاوضات بين الناس، وإن كان. “أنا لا أمانع”، رأيت، بأنها فتحت الباب للتخاطب بحيث يمكن لأي الطرفين المغادرة، بدون إحراج. ولكن من الصعب إستخدامها بالنسبة للأجانب، لأنه جزء من الرقص البريطاني الذي يتعلمون خطواته الخفية منذ الصغر. البريطانيون أيضاً يتجنبون الإجابة على الأسئلة المباشرة. أحياناً أحببت ذلك، كانت عادة غير أمريكية البتة، والآن أفعل ذلك أحياناً في نيويورك، حيث يتوقع الناس الإجابات. أقوم بتغيير الموضوع أو أتظاهر بعدم سماعي للسؤال، وأشاهد المفاجأة أو الإستياء الذي يظهر على الوجوه. إنه تحرر من فضول الآخرين، حرية لم أتوقعها يوماً. إنني أوصي بذلك مع التحفظات التي ستختلف من شخص لآخر، والتي يمكن تمييزها من خلال التجربة والخطأ”. 

This entry was posted in لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *