آن لاموت: نصائح في كتابةِ الحبكة الروائية

ترجمة: موسى بهمن
أقول، لا تقلق حيال الحبكة. اقلق حيال الشخصيات

أقول، لا تقلق حيال الحبكة. اقلق حيال الشخصيات

ترجمة: موسى بهمن

الحبكة هي الحكاية الرئيسة لكتابك أو قصتك القصيرة. إذا كنت ترغب بشيء أطول، نقاش عبقري حول الحبكة، فإن (إدوارد مورغان فوستر) و(جون قاردنر) قد كتبا كثيراً عنها. حيث يناقشونها الحبكة بشكل مشرق وحكيم جداً ليتركونك تعوي كالذئب.

أرغب بإضافة بعض الأفكار هنا، أمور كنت أمررها لطلابي. خاصة عندما أراهم تائهين ومُشَتَّتين.

خذوا الحبكة من الشخوص الفاعلين. إذا انصبَّ تركيزك على مَن هُم في روايتك، إذا جلست وكتبت عن شخصين تعرفهما، فسوف تزداد معرفتك بهما يوماً بعد يوم. سيقفز شيء ما على السطح. لا يجب على الشخصيات خدمة حركتك التي تحلم بها، مثل جنود الشطرنج. أي حبكة تُقيِّدُ بها شخوصك سوف تسمى: حبكة.

أقول، لا تقلق حيال الحبكة. اقلق حيال الشخصيات. دع أفعالهم وأقوالهم تكشف حقيقتهم، ثم توغَّل في حيوٰاتهم، واستمر باستجواب نفسك، والآن ماذا سيحدث؟ تطوّر العلاقات يخلق الحبكة.

تصرِّح (فلانيري كورنر) في السر والعلانية، وفي أعمالها الأدبية، كيف أن نتاج بداياتها الأدبية يعود لامرأة تسكن آخر الحيّ. وتختم هذه السيدة قصصها بقول: “حكاياتهم، للتو انتهت، ولَكم من أفعال البشر أظْهَرَتْ.”

هذه هي الحبكة: الفعل الذي سيقوم به الناس في نهاية المطاف. على الرغم من تحذير الجميع لهم، الكل ينصحهم بالجلوس في صمت مطبق، وممارسة تمارين التنفس، أو الاتصال بالمعالج النفسي، أو أن ينشغلوا بالأكل حتى تمر رغبتهم بفعل ذلك الشيء بسلام.

لذا ركّز على الشخصية.

تطوّر العلاقات يخلق الحبكة.

تطوّر العلاقات يخلق الحبكة.

الأحداث في كتب (ويليام فولكنر) على سبيل المثال، تصدر من طبيعة الشخصيات. حتى إن كانت شخوصه ليست من النوع الذي ترغب في قضاء الوقت معها، لكنها تستحوذ على انتباهنا لأننا نصدّقها ونؤمن بوجودها. لأن أفعالهم حقيقية نسبة لأطباعهم.

نقرأ (فولكنر) بسبب الجمال في تكويناته المروّعة، جمال الكتابة. ونقرؤه لمعرفة الحياة من وجهة نظره، والتي تعبّر عنها شخصياته. جُلَّ ما يمكنك أن تعطينا إياه، رؤيتك لماهية الحياة. لا يمكنك إعطاؤنا مخططات لغواصة ما. الحياة ليست غواصه، ولا فيها مخططات.

اكتشف أكثر ما تهتم به كل شخصية. فعندها سوف تجد الركائز / الدعائم لتشييد روايتك. ابحث عن طريقة تربط بها اكتشافاتك هذه، ثم أطلق شخصياتك للسعي. كلٌ باتجاه اهتمامه، أو الدفاع عنه. حينها تستطيع نقلهم من الوضع الجيد إلى السيء، والعودة مجدداً. أو من السيء إلى الجيد، أو من الضياع إلى الأمان. لكن أولاً، لابد من وجود الدعائم -كما أوضحنا في بداية هذه الفقرة- وإلا لن يتعايش معك القرّاء ولن ينتقلوا إلى الصفحات التالية.

هذا هو الأسلوب الذي نجح معي: أجلس صباحاً وأعيد قراءة ما كتبته في اليوم السابق، ثم أحدّق في ورقة فارغة أو خارجة نحو الفضاء، أتخيّل شخصياتي، وأسلّم نفسي لرؤيتهم في آحلام اليقظة. يبدأ عرض الفيلم في رأسي، نابضاً بالأحاسيس. أمعن فيه بحالة من النشوة، حتى تثب الكلمات في رأسي لتكوّن جملة. بعد ذلك أقوم بالعمل العبوديّ وهو تسجيل الجُمل. لأنني أنا من يضغط على الآلة الطابعة، وأنا المسؤولة أيضاً عن حمل المشكاة عندما يقوم الطفل بالحفر والتنقيب. ما الذي يبحث عنه الطفل؟ المواد الخام. تفاصيل، أدلّة، صور، ابتكار، أفكار طازجة، استشعار وفهم البشر. بالمناسبة، حامل المشكاة لا يعرف ما الذي يبحث عنه الطفل في معظم الأحيان، لكنه يميّز الذهب عندما يراه.

كتب جون جاردنر ذات مرة “إن الكاتب يخلق الحلم حتى يدعو القارئَ إليه، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً.” دائماً ما آمر طلابي بكتابة هذه الجملة “على الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً”. لأنه شيء مصيري بلا شك.

خارج الفصل، لا يمكنك الجلوس بجانب القرّاء حتى تشرح لهم الأمور الصغيرة التي أهملتها أثناء الكتابة. أو إضافة تفاصيل على الأحداث لجعلها أكثر أهمية وصدقاً. على المادة أن تؤدي عملها بطريقتها الخاصة، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً.

استذكر أحلامك الليلية، كيف تتداخل فيها المشاهد بسلاسة. فغالباً ما تعبر من صورة لأخرى ببساطة، وذلك لأن الأحداث مباشرة، فورية وحتمية. ببساطة، عليك أن ترغب في معرفة ما الذي سوف يحصل لاحقاً، وهذا بالضبط ما تريد أن يشعر به القرّاء.

إذا طلبت من ثلاثين طالباً كتابة قصة حول زوجان قرّرا الطلاق، لكن شيئاً غير متوقع حصل فجأة. سوف يقدمون ثلاثين حكاية غريبة ومختلفة. لأن لكل منهم شخصية وتاريخ مختلفان عن الآخر.

إن الكاتب يخلق الحلم حتى يدعو القارئَ إليه، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً

إن الكاتب يخلق الحلم حتى يدعو القارئَ إليه، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً

كل كاتب ينتج تصوراً من زاويته في كيفية رؤيته للحياة وأهميتها. بعض قصصهم ستكون متشائمة، وبعضها حزينة، وأخرى ملئى بالأمل. وبعضها عميقة وذات إيقاع بطيء، أو قد تكون مفعمة بالدراما / المأساة. المأساة طريقة للحفاظ على انتباه القارئ. الصيغة الأساسية للمأساة هي الإعداد، البناء، الحسم. تماماً كما النكتة.

الإعداد يخبرنا ما هي اللعبة. البناء هو القيام بجميع التحركات، إلى الأمام، حيث تستخرج اللحم بأكمله من الديك الرومي. الحسم يجيب على السؤال، لماذا جميعنا هنا على كل حال؟ ما الذي كنت تحاول تقديمه؟ المأساة يجب أن تتقدم إلى الأمام والأعلى، وإلا أصبحت مقاعد الجمهور عصية وغير مريحة. لذا، في الحقيقة، سيكون الجمهور -تحديداً- ضائق، محبَط وغير سعيد. يجب أن تكون هناك تحركات.

أنت بحاجة لتحريك شخوصك إلى الأمام. تخيّل تحريكهم على بركة من الزنابق، إذا كانت كل زنبقة جميلة، مكتوبة بعناية، القارئ سيبقى معك وأنت تمضي إلى الجهة الأخرى من البركة. يحتاجون فقط القليل من الربط، مثل الإيقاع، النغمة أو المزاج.

الآن، يمكنك استخدام المؤثرات والخدع لتحريك الأمور إلى الأمام ومساعدتنا لنتذكر من تكون كل الشخصيات -أعط هذا سيجار، وأعط تلك عينان ناعستان صغيرتان- لكن إذا كنت تتصنّع ذلك، فسوف يتضح لنا هذا. إذا افتعلت شيئاً مصطنعاً لدفع الحبكة إلى الامام، إذا، على سبيل المثال، أخذت شخصيات لا تفهمها وأعطيتها انفعالات لا تشعر أنت بها فقط لكي تساعد في تطور الحبكة، فعلى الأرجح لن تفلت بفعلتك هذه. سوف يتوقف القارئ عن الثقة بك وقد يصبح مرّاً وسريع الامتعاض. هذه أسوأ الاحتمالات التي تصيب القارئ. عليك معرفة أننا نحن، قرّاؤك، أذكياء ونبيهين، لذا سوف نقبض عليك إذا حاولت التصنّع.

قرأت فقرة جميلة من لقاء مع مؤلفة رواية فاصوليا مصر، (كارولين شوتي) تناقش فيها عملية إعادة الكتابة: “في أغلب الأحيان أشعر بأن كتابتي أشبه بعشرين صندوق من الزينة لعيد الميلاد. لكن بلا شجرة. سوف تسألون أنفسكم، أين ستضعون هذه العلب؟ حسناً! ها هي! حصلتم على شجرة، لكنها تحجب عنكم الرؤية. يجب عليكم الآن قصّها وتشذيبها بواسطة ملعقة.”

هكذا وصلت إلى حبكاتي مرات عديدة. قد أحصل على كل هذه المصابيح المتلألئة، جميعها بلا وسيلة لتعليقها. لكن علي البقاء مع الشخصيات، الاهتمام بما يحتاجونه، محاولة التعرف عليهم أكثر وأكثر، أستيقظ كل صباح لأعمل بأقصى استطاعتي، وبطريقة ما، غامضة، أرغب بالعودة لمعرفة قصصهم. مراراً وتكراراً أشعر وكأن شخوصي يعرفون انفسهم، وما الذي يحصل لهم، أين كانوا وإلى أين سوف يمضون، وما الذي يبرعون في القيام به. لكنهم بحاجتي لأكتب لهم ذلك لأن خطوطهم رديئة.

ببساطة، عليك أن ترغب في معرفة ما الذي سوف يحصل لاحقاً، وهذا بالضبط ما تريد أن يشعر به القرّاء.

ببساطة، عليك أن ترغب في معرفة ما الذي سوف يحصل لاحقاً، وهذا بالضبط ما تريد أن يشعر به القرّاء.

يزعم بعض الكتّاب معرفتهم المسبقة بالذروة قبل اقترابهم منها. الذروة هي قمة الحدث، غالباً ما تسبق النهاية، تجتمع فيها كل الأنغام التي عزفتها حتى الآن على وتر رئيسي، حيث يتغيّر عمق شخصية واحدة على الأقل. إذا لم يتغير أحد، فما المغزى من قصتك؟ في الذروة، يجب أن يكون هنالك قتل أو شفاء أو سيطرة. قد يكون قتل حقيقي، جريمة، قتل روح أو شيء ما رهيب في نفس أحدهم. لكن مهما حدث، فنحن بحاجة للإحساس بأنه مصير لا مفر منه.

عند الحصول على حس الحتمية هذا، سوف تتكشف لك ذروة روايتك ببطء مع مرور الوقت. قد تظن بأنك تعرف كيف قد تكون هذه اللحظة -فمن المنطقي الهدف لشيء- لكنني أفضّل أن لا تعطي هذه اللحظة أهمية كبيرة. بدلاً من ذلك، ركّز على كيان شخوصك وكيف يشعر أحدهم ازاء للآخر، ماذا يقولون، كيف هي روائحهم، ممن يهابون.

دع البشر يتبعون الموسيقا التي يسمعونها، واجعلها تأخذهم إلى حيث هي ذاهبة. عندها سوف تكتشف، -عندما تقترب كفاية من ربط ذلك بالافتتاحية كما لو كانت مشهداً خلاباً لعيد الفصح- بأن هنالك شيء ما في رؤوس شخصياتك أكثر وضوحاً وإيصالاً للمعنى الذي كنت ترغب بإيصاله من خلالهم. لذا اطمح لكن ليس بشدة، وعندما ترى الذروة تتشكل أمامك أخيراً، تستطيع العدو باتجاهها.

أخيراً: سمعت أن (أليس آدم) تعطي محاضرة حول القصة القصيرة ذات مرة، أحد الأمور التي جعلت جمهورها من الطلبة الكتّاب متحمس جداً، وأصبحت أعطيه لطلابي منذ ذلك الحين، عندما قالت بأنها تستخدم”وصفة” أحياناً لكتابة القصة القصيرة، تدعى هذه الوصفة ABDCE;

A. Action. فعل
B. Background. خلفية
D. Development. تطور
C. Climax. ذروة
E. Ending. نهاية

بدايتك بفعل قهري كفاية لجذبنا للقصة، تجعلنا نرغب بمعرفة المزيد. الخلفية هي المكان الذي نرى ونعرف من خلاله من يكون هؤلاء الناس، كيف أصبحوا مع بعضهم البعض، ما الذي كان يحصل قبل افتتاحية القصة. ثم تطوّر هؤلاء الناس، لنعرف أكثر ما يهتمون به.

الحبكة / المأساة، الأفعال، التوتر. سوف تنمو من ذلك. أنت تحركهم للأمام حتى يجتمع كل شيء في الذروة، حيث تكون الأمور صعبة للشخصيات الرئيسية، مختلفة بطريقة حقيقية. وعندها هناك تكون النهاية. ما الذي نشعر به حيال هذه الشخصيات الآن؟ حصلوا على ماذا عند مغادرتهم، ماذا حصل؟ وما الذي يعنيه هذا؟

هذه الوصفة طريقة رائعة للبداية من خلالها. وتبدو مناسبة أخيراً للقفز في الماء. ربما تتخبط قليلاً، لكنك قفزت على الأقل. حينها ستبدأ بفعل أي حركة يدين تستطيع تذكرها، وستجد هذا الإحساس بالخوف في داخلك، مثل صعوبة هذا الأمر وكيف أن المسافة بعيدة للوصول، لكنك مازالت هناك، أنت تطفو، وأنت تتحرك.

* نشرت في آراء.

* المصدر: Bird By Bird

This entry was posted in كيف تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *