آن لاموت: تصميم الزمكان في النصّ الروائي

ترجمة: ريم الصالح

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول عبر قواعد المعلوم. لكنها لا تعمل إلا إذا كان لها صدى في قلب الكاتب

أحياناً، قد يكون من المفيد أن تترك شخصياتك لتتجمع وتحتشد من دونك، أن تُحضّر لأدوارها وتدعها ترتجل حواراتها، بينما تمهّد أنت الطريق لظهورها.

تخيّل نفسك مصمماً لنسخة مسرحية أو نسخة فيلم من القصة التي تعمل عليها، سوف تساعدك معرفة كيف ستبدو تلك “الغرفة أو المكتب أو السفينة أو المرعى” عندما تحدث الأحداث. تريد أن تعرفها وتشعر بها، بحرارتها وألوانها، كما لو أن شخصياتك ليسوا سوى إعلانات تمشي على قدمين لمن يكون هو أو هي، فكل غرفة هي عبارة عن معرض صغير لقيمة شاغليه وطبيعة شخصياتهم. كل غرفة، هي عبارة عن ذاكرة. كل غرفة تعطينا طبقات من المعلومات حول ماضينا وحاضرنا ومن نكون، حول مقدساتنا ونزواتنا، آمالنا وأحزاننا، محاولاتنا لاثبات وجودنا وأننا على أحسن تقدير بخير.

يمكنك أن ترى عبر غرفنا كم نحتاج الضوء، وكم مصباحاً وشمعةً ونافذة ضوء لدينا. يمكنك أن ترى كيف نحاول أن نمسح على تعبنا عبر محافظتنا على هذه الأشياء مفعمةً بالضوء. المزيج الموجود في غرفنا مؤثرٌ للغاية؛ الفوضى والشقوق على الجدار تناقض مدى الكآبة والانكسار في حياتنا، بينما الصور والقليل من الأشياء النادرة تظهر فخرنا بلحظاتنا المشرقة والنادرة. كما أشارت المصورة كاثرين واغنر بأن هذه الغرف هي أطلال المستقبل.

يمكنك الآن أن تجلس على كرسي مكتبك وتحاول أن تتخيل المشهد الذي ستدخل عليه شخصياتك بعد لحظات. لربما كانوا أغنياء وأنت لست كذلك، بالطبع أنت لن تتكلم عن مرارتك حول ذلك. قد تحتاج إلى الاتصال بأحد أصدقاءك أو معارفك من تراه على قدر من الغنى وتطلب منه بلباقة أن يساعدك في تصميم منزل قديم عاش به أحد النبلاء. قولي “بلباقة” لا أقصد منه إلا أنك ستحصل على أفضل المعلومات إذا تجنبت ذكر مصاعب الحياة، وأن منزلك يبدو أقرب لقطعة أرض قاحلة مع كل يوم، وأنك قد تحتاج إلى أن ترسل كلبك للنوم لأنك لا تملك ما تطعمه. يمكنك فحسب أن تقول “أنا أعمل على جزء من كتابي حيث نلتقي للمرة الأولى بعائلة غنية جداً ومهذبة، وكنت أتساءل إن كان بإمكاني استعارة رؤيتك حول أنواع السجاد والأغطية والإضاءات والتحف التي ستكون موجودة في المكان. على سبيل المثال، لنبدأ بغرفة المعيشة. هل يمكنك أن تصف غرفة معيشة جميلة وفاخرة للغاية بأكبر قدر من التفاصيل؟”. عندها يمكنك أن تسأل صديقك عن الروائح التي يمكنه أن يتذكرها، في غرفة المعيشة وفي المطبخ، وكيف كانت الإضاءة في أركان المكان، وكيف بدت الغرف باختلافاتها، وكيف كان شعوره بالصمت في أجزاءها. أو على نفس المنوال، يمكنك أن تسأل شخصاً نشأ على الفقر أن يشرح لك بالتفاصيل عن منزله القديم، وعن المطبخ وغرف النوم، وحتى عن الأريكة في الفناء الخلفي.

قبل سنوات كنت أعمل على رواية حول امرأة تزرع، امرأة أحبت الزراعة والحدائق حقيقة. أنا لا أحب أن أزرع رغم ذلك فإنني أحب أن أرى حدائق الآخرين، وأحب أن أقطف الأزهار. لديّ العديد من الزهور البلاستيكية عالية الجودة والمزروعة في فناء منزلي، كم هي جميلة المنظر وتبعث في ذهني العديد من القصائد.

اعتاد أصدقائي على إعطائي أوعية نباتات وأشجار وما يحدث لها لاحقاً فظيع حقاً لأن أذكره هنا. في نهاية المطاف كانت تبدو هذه النباتات كما لو كنت أسقيها بمبيدات سامة. كنت أخبرهم جميعاً بأنني لا أصلح للاهتمام بالنباتات وكانوا يقررون بأنني لم ألتقِ بعد بالنبتة المختارة، وبأنهم سيكونون ذلك الشخص الذي سيحررني وسيدع نور الله ينير بصيرتي وما إلى ذلك، ثم كانوا يجلبون لي نباتات صغيرة للتدرب عليها وكنت أحاول بجهد كبير أن أسقيها وأبقيها تحت أشعة الشمس أو بعيدة عنها، حسب ما هو مكتوب في بطاقتها المرفقة، وآخذها في جولات صغيرة حول المنزل، وفي غضون شهر يمكنك أن تسمع تقريباً انهيار الكلوروفيل، شيء يشبه الذعر ربما. يمكنك بعدها أن تراها تمسك بحلقها الصغير، تراقبك بعينيها الصغيرتين بنظراتٍ تلهث بالاتهام. حسناً، من يحتاج إلى هذا كله؟ أعني أن لدي أعباء تكفيني في الواقع.

في الحقيقة استطعت أن أبقي تلك النبتة الفظيعة على قيد الحياة لعدة أشهر، يا إلهي كم كان إصيصها ضخماً. لا أدري حتى ماذا كانت، ولكنها كانت بطول ثلاثة أقدام تقريباً قبل أن تضعف، وخضراء لدرجة أن تكون غير حقيقية. لقد عملت على أن أسقيها وأقطع أوراقها الميتة وكيف كان جزائي منها؟ بأن تصبح مثل هوارد هيوز في أيامه الأخيرة. خسرت كل هذا الوزن ثم توقفت عن النمو. بدأت أعتقد بأنها ستحتاج مني صناديق من القفازات المطاطية، وعلباً من المحارم الورقية قريباً لتغطية غذائها. أعطيتها الماء وأشعة الشمس وغذاءً نباتياً مكلفاً، ما الذي كان يجب أن أصنعه أكثر من ذلك؟ إحضار طبيب نفسي؟ أخيراً، رجعت إلى عقلي وأخذت النتبة خارجاً ووضعتها عند ركن المنزل حيث لا أضطر إلى النظر إليها. قد يظن أحدهم بأنها بدأت تزهر حالاً. لكن ذلك لم يحدث، لقد ماتت.

لذلك، فإنه غني عن القول بأنه عندما جاء الأمر لتصميم حديقة لشخصية روايتي الأساسية لم أكن لأتوجه إلى سبر أعماق تجربتي الشخصية مع الزراعة. لكنني علمت فحسب، دون أن أقدر على شرح هذه المرحلة بأن تلك الشخصية كانت تزرع. أحب أن أرى الناس في الحدائق، أحب التأمل بالجلوس لوحدي في الحديقة، أحب كل المجاز الذي تعبر عنه الحديقة. الحديقة هي واحدة من إثنان هما أعظم مجاز البشرية، المجاز الآخر هو النهر بالطبع.

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول وفق قواعد المعلوم

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول عبر قواعد المعلوم. لكنها لا تعمل إلا إذا كان لها صدى في قلب الكاتب. لذلك شعرت هنا ببعض النقص، أن أكون مُحبة لمجاز الحدائق، راغبة بالعمل عليه، ولكني لا أحب الزراعة. لم أعرف من أين أبدأ، ولكني أعرف بأن الحديقة لم تبدأ مجازاً، لكنها بدأت باعتبارها جنة. ثم بعد ذلك أصبحت تعبر عن الحياة والجمال والتغير في الكائنات الحية.

الحديقة أن تسعى لأن تطعم أطفالك، أن توفر الطعام لأهلك. إنها جزء من محرك إقليمي عاجل والذي يمكننا على أحسن تقدير أن نخططه للحيوانات في تخزينها للطعام. إنها آلية العرض التنافسية كأن يكون لديك جائزة الثور، هذا الطمع تجاه أفضل حبات الطماطم، وأجمل أزهار الشاي الإنجليزي؛ هو كله بغرض الفوز، بغرض تزويد المجتمع بالأشياء الفائقة، وبغرض إثبات أنك بذائقة وقيم رفيعة وأنك تعمل بجهد كبير. ويالها من راحة رائعة عندما تعرف بين الحين والآخر من هو عدوك، لأنك عندما تكون في الحديقة يصبح العدو كل شيء، حشرات النباتات والطقس والوقت. وهكذا تقوم بإفراغ جل نفسك فيها، تهتم كثيراً وترى عن قرب ميلاد النباتات الجديدة وكل هذا النمو والجمال والخطورة والنجاح، ثم سيموت كل شيء في النهاية أليس كذلك؟ لكنك تستمر في فعل ذلك على أية حال. ياله من مجاز عظيم! إنني أحب ذلك حقاً! أردت حديقة في كتابي بشدة! أخيراً، أخيراً قررت أن أتصل بمشتل للنباتات.

استطعت الوصول إلى رجل لطيف جداً شرحت له ما أريد فعله وإن كان بمقدرته مساعدتي في تصميم حديقة خيالية لشخص يعيش في منطقة نورث باي بفناء خلفي واسع. قررنا أن نبدأ العمل بأن نرى كيف سيكون شكل هذه الحديقة في الصيف ثم سيقوم هو بمساعدتي في ملاحظة تغيرات الحديقة مع مرور الأشهر وتعاقب الفصول.

سألني: “هل تريدين بعض أشجار الفاكهة؟” ثم قضينا النصف ساعة اللاحقة نصمم حديقة خيالية تمتلئ بالأشجار والورود من كل الأنواع. أخبرته بأنني أرى في خيالي شبكاً أبيض في مكان ما في الحديقة وسألته أي أنواع النباتات المتسلقة يمكن أن نضعها هنا. فاقترح أن نزرع البازلاء. ثم أضفنا بعض الخضار، ورقعة من الأرض زرعناها بالفراولة البرية، فكان لي حديقتي. صارت عادتي الجديدة أن أتصل به كل بضعة أشهر لأسأله “كيف هو حال شجرة التفاح الآن؟” و ربما “هل هناك أية فاكهة؟ أو أوراق؟ وما الذي يجب علي أن أفعله لأعتني بأرض الورود الآن؟”. بدأت أيضاً بزيارة حدائق الآخرين، أسألهم عن أنواع النباتات الموجودة عندهم وكيف يعتنون بها. كانوا يقولون أموراً مضحكة أو عبقرية للغاية فكنت أقتبس ما يقولونه. اشتريت كذلك كتاباً في فن الزراعة ليمكنني دراسة الورود والأشجار والكروم، إلى هذا الحد وصدقاً بالله؛ الناس الذين قرأوا روايتي اعتقدوا أنني أحب الزراعة. أحيانا قد يأتون إلي طالبين أن نذهب للتسوق معا وشراء النباتات كما لو كنا مزارعين يتشاركان الاهتمام نفسه، حتى أخبرهم بأنني كتبت كل ذلك بمساعدة الكثير من أصدقائي والأشخاص المزارعين من حولي الذين يعرفون في هذه الأمور أكثر مني.

كانوا يسألونني بشك:”أنتِ لا تحبين أن تمارسي الزراعة؟” فكنت أهز رأسي نفياً دون أن أقول أن ما أحبه هو قطف الأزهار لأن ذلك يبدو عنيفاً جداً ووقحاً، تماماً كجواب سلفادور دالي عندما سُإل أي الحيوانات أحب إليه؛ فأجاب شرائح السمك.

وخلال السنوات الماضية كلها سألت العديد من الأشخاص في شتى المجالات ليساعدونني في إعداد تصاميمي، فكنت أسألهم كيف سيبدو شكل العالم في أحد المناطق الأمريكية أو القرى الأفريقية، أو داخل سيارة معينة تحت المطر، أو المشردين عندما كانوا يصلون إلى المدينة عبر القطار. ثم أحاول أن أتخيل الأمر كفيلم سينمائي لهذا المشهد بأكبر قدر من التفاصيل. أحياناً تغدو الصور أكثر وضوحاً عندما أغلق عيني، وأحياناً أخرى أطيل التحديق في المسافة أمامي، كقطة.

This entry was posted in كيف تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *