أمير تاج السّر: بعض الروايات تقتل كاتبها

الروائي السوداني أمير تاج السر

الروائي السوداني أمير تاج السر

حاورته إيمان الودعاني: 

• ما العوامل التي تحدد رضاك عن النص من عدمه؟ وإلى أين ينتهي النص في الحالتين؟

في الحقيقة أنا لا أخطط للنص مطلقا، بمعنى أنني حين تأتيني الفكرة، لا أرسم وقائع أو شخوصا سيتضمنهم النص في المستقبل، وإنما أكتب مباشرة الأفكار التي تتدفق في لحظة الكتابة، وربما أستمر بلا وعي كبير في كتابة فصول عدة قبل أن أعود لما كتبته وأراجعه، ثم أبدأ في الكتابة من جديد وهكذا.

بهذه الطريقة كتبت جميع رواياتي، وكنت راضيا عن معظمها، ليست لدي عوامل محددة تسبب الرضى وأخرى تسبب عدمه، ولكن الإحساس الداخلي، أي ربما أتقمص دور القارئ، وأحدد نقاطا ربما يحاسبني القارئ عليها، لكن في النهاية أخرج نصي للنشر بما له وما عليه، بمعنى أنني حتى لو أحسست بعدم الرضا التام، أطرح النص للقراءة. بالطبع هناك روايات في بداياتي كانت تحتاج لتدقيق أكثر، ورغم ذلك وجدت قارئها الذي أحبها.

• هل تشعر بأن نصوصك اختلفت خلال مسيرتك ككاتب؟ ما هي العوامل التي أدت إلى ذلك؟

نعم اختلفت كثيرا. كما هو معروف أنا قادم من الشعر، فقد كتبته منذ بداية تعرفي على الكتابة واستمررت سنوات أكتبه وأنشره إلى أن تحولت فجأة للرواية، وبالتالي كنت أكتب السرد كما أكتب الشعر، وكانت الدراما خافتة لدي، بالاستمرار والعمل الشاق، تخلصت من سيطرة الشعر التامة، وبقيت رائحته أوأنفاسه عالقة بكتابتي، وأظن أنني توصلت لأسلوبي الخاص منذ زمن وباتت روايتي التي أكتبها في كل وقت، تحمل طابعي. الكاتب بالطبع مثل العامل في أي مجال، يتحسن أداؤه بالتدريب المستمر، لن تجدي كاتبا ظل على حاله إلا إذا كان بلا موهبة ولا تصميم على إيجاد نفسه.

•هل لديك طقوس معينة للكتابة؟ ماهي؟

نعم، لدي طقوس بالتأكيد. أنا أكتب في مكان عام، ركن شبه منزو في فندق متوسط، أغشاه للكتابة كلما كنت متورطا فيها. أكتب النص بسرعة إن كانت فكرته متقدة في ذهني وقد تعودت على كتابة ألف كلمة في اليوم، في مدى أربع أو خمس ساعات، ويكون ذلك في الفترة الصباحية، ويكون عملي الرسمي كطبيب كله في المساء. أحيانا يزيد عدد الكلمات وأحيانا يقل، وقد اعتدت على الكتابة في هذا المكان وأصبح من الصعب أن أكتب في مكان آخر. أظن أن المسألة خاضعة لعوامل نفسية أكثر منها ضرورة من الضرورات. حين أنتهي من النص أعيد قراءته بحياد وربما أتدخل لتغيير مصير بعض الشخصيات أو ربما لا أتدخل على الإطلاق.

•ما الذي يدفعك للكتابة؟ ومن أين تستسقي افكارك؟

الموضوع ليس بيدي، ولو كان كذلك لتوقفت منذ مدة بسبب ما تفعله الكتابة فيّ من إرهاق وكآبة، وإهمال لواجباتي الأسرية إن كنت منشغلا بها. لذلك لا أستطيع توضيح ما يدفعني إليها، لن أقول لك إنني سأغير العالم بكتابتي، ولن أدعي إنها كتابة تستحق العناء، فقط كما أخبرتك، شيء ليس بيدي. أما أفكاري فأستقيها من كل شيء، من أشياء قد تبدو تافهة، ولكن عندي تصنع إيحاء لنص. ربما كلمة أسمعها أو حادث أشاهده، أو خبر أقرأه في صحيفة، وأحيانا حتى من الرسائل الطائشة التي ترد بريدي الإليكتروني.

• ما مدى تأثير الكتابة على هذا العالم؟ وتأثيرها على الإنسان بشكل أدق.

الكتابة في النهاية، جزء من نشاط الإنسان، يقوم به البعض نيابة عن الآخرين، ربما يتأثر بها البعض من الذين يقرأون، وربما لا يتأثر بها أحد على الإطلاق، خاصة في هذا الزمان الذي تراجعت فيه القراءة بشكل مؤسف. عموما وسط كل هذا هناك أعمال روائية تركت تأثيرا كبيرا لدى الناس مثل مئة عام من العزلة لماركيز، ومديح الخالة لماريو يوسا والحرب والسلام لتولستوي وغيرها.

• تُرجمت بعض أعمالك الي الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، ما الغرض من ترجمة الكاتب لأعماله؟ وكيف هي نظرتك تجاه كلماتك التي تغيرت بفعل الترجمة؟

الكاتب لا يترجم أعماله، وإنما هي نظرة مستشرقين لما يترجمونه ويحسنون الظن به حين يتلقاه القارئ الغربي. وأعمالي التي ترجمت كانت لحسن الحظ عند حسن الظن، بالنسبة للإنجليزية التي أعرفها، قرأت الترجمات وأقنعتني وبالنسبة للغات الأخرى، اكتفيت بالثقة فيمن ترجموها وأعتقد بأنهم ترجموها بنزاهة ومهارة لأن القارئ لديهم تحدث عنها بحب وذكر البعض أنهم يرونها كما لو كانت كتبت بلغاتهم.

• يلاحظ المتابع لك اختلاف الهوية بأنواعها في بعض رواياتك.. ما الفرق بين الكتابة من زاوية الهوية والظروف الخاصة بالكاتب و بين الكتابة من زاوية مختلفة تماما عنه؟

معظم أعمالي لا تخصني بأي شكل من الأشكال، ما أسميه رواية فهو رواية من الخيال وما أكتب عليه سيرة فهو سيرة لمحيط كنت فردا فيه، وقد حاول البعض الربط بيني وبين شخصية الروائي “أ.ت” في رواية “صائد اليرقات”، لكنها كانت شخصية مخترعة، ربما فيها شبه بي.

• بين بعض إصداراتك هناك فترة زمنية طويلة..ما السبب وراء ذلك؟

على العكس أنا أصدر كل عام كتابا.

• كروائي، هل الجهد المبذول في الكتابة يختلف بحسب الرواية؟ كيف؟

نعم، هناك رواية تقتل كاتبها، تلك التي تحتاج لأبحاث في التاريخ والجغرافيا وعادات الشعوب ولي منها مهر الصياح، وتوترات القبطي، ورعشات الجنوب، وهناك روايات معاصرة، يعمل فيها الخيال بشكل صرف وما يبذل فيها، هو ساعات الكتابة لا أكثر.

• ماذا تقول لكاتب انتهى للتو من نصه الأول؟

الصبر، إنه أهم مفصل ليحقق عبره الكاتب طموحه حتى يصنع بصمة.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *