آن لاموت: العقبة ضد إلهام الكاتب

ترجمة: حمد عبود مراجعة: بثينة العيسى
إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

 

أريد أن أذكر هنا محطة الراديو (KFKD) أو كما تسمىK-FUCKED ، حيث أنها على الأغلب العقبة المهولة الوحيدة التي تقف في وجه الإصغاء للإلهام لدى الكُتّاب.

أعدكم بعدها بأنني لن أذكرها مرة أخرى.

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

سيخرج من السماعة الموجودة في أذنك الداخلية اليمنى تدفقٌ غير منتهٍ من الـتضخيم النفسي، تلاوة لخصوصية المرء المميزة، وكيف يمكن أن يكون هذا الشخص منفتحًا وموهوبًا متألقا وعارفاً مظلومًا ومتواضعا جدًا.

ما سيخرج من السماعة اليسرى سيكون أغانٍ مقفاه عن كراهية الذات، القوائم التي تحتوي على كل الأشياء التي لا يستطيع المرء فعلها بشكل جيد، كل الأخطاء التي فعلها المرء اليوم وعبر حياة كاملة، الشك واليقين بأن كل شيء سيلمسه المرء سيتحول إلى بذاءة، هذا الشخص الذي لا يعرف كيف يقيم علاقات جيدة، المزيف بكل شكل ممكن، غير القادر على الحب بدون أنانية، ذلك الشخص ليس عنده أية موهبة أو رؤية عميقة، وهكذا وهكذا إلخ..

كأنك تستمع إلى تدفقٍ موسيقى “الهيفي ميتل” عبر السماعات بينما تحاول أن تنجز عملك، يجب عليك أن تهدِّئ من صخب الأشياء في رأسكَ لتتمكن من الاستماع إلى الشخصيات، فتجعلهم يقودون حكايتك.

الطريقة الأمثل لتهدأ، بعيدًا عن مزيج جلسات العلاج النفسي وحبوب البروزاك وعملية الجراحة الدقيقة في الفُصيص المخّي، هو أنْ تلاحظ أولاً بأن محطة الراديو مازالت تبث.

محطة الراديو العاطلة (KFKD) تبثُ كل صباح عندما أجلس على مكتبي، لذا أجلس للحظةٍ ثم أتلو صلاة صغيرة: ” أرجوك، ساعدني لأتنحّى عن الطريق حتى أكتبَ الأشياء التي تريد أن تُكتب”.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها. عدد غير محدود من الأشياء يمكن أن تفي بالغرض الذي تريده، المذبح على سبيل المثال، أو الشموع الخاصة بالنذور، البخور. قربانٌ لحيوان صغير، خصوصا أن المحكمة العليا جعلتْ التضحيات أمرا قانونيا في وقتنا الحالي. (اقتطعتُ العنوان الرئيسي في اليوم الذي صدر فيه الخبر وألصقته فوق صحن الماء الخاص بالقطة). الطقوس علامة جيدة على أنّ عقلك الباطن بدأ يعمل.

حريٌّ بك أيضا أن تأخذ بعين الاعتبار محاولتك في التنفس، وهو أمرٌ لا أتذكره غالبا. ولا أحبذُ عادة أن أتواجد حول أناس يتحدثون عن التنفس البطيء الواعي؛ أبدأ في القلق من أن يلي ذلك نقاشٌ طويل عن العلاج بالروائح. ولكن أولئك الذين يتنفسون ببطء واعٍ هم بصدد إنجاز شيء ما، لأنك إذا حاولت أن تلاحق تنفسك فستصل إلى حالة من الصمت النسبي.

إذن، تجلس للعمل في التاسعة صباحا، وتقوم بصلاتك أو بخورك أو أيًا كان، ثمّ تتنفس للحظة، وتحاول أن تركز على مكان تواجد شخصياتك، لتكتشف بأن عقلك قد بدأ بالتجوال قليلاً. بطبيعة الحال، قد تجد نفسك تتساءل عما يفعله كاتبٌ رديءٌ تعرفه، ولماذا يبلي أحسن منك، وكيف سيكون الأمر لو ظهرت في برنامج ديفيد ليترمان، وإن كان سيسخر منك أو يضحك على كل مزاحك ويجعلك صديقه المقرب الجديد. وعما يجدر بك أكله على الغداء، وكيف يبدو الأمر لشعرك لو اشتعلت فيه النار، أو كيف سيبدو الأمر لشخصٍ ما، شخص مثل ناقدٍ أو نحوه، إذا غرز جسمًا حادًا في عينك. لا تقلق، برفقٍ أعد عقلك إلى عملك.

لنقل بأن بطلك يجلس برفقة ابنه تحت شجرة سرو بمنحدرتلٍ لونه يشبه لون الأسد. يستذكرُ، بصوتٍ عامرٍ بالأسى، لحظات النشوة القليلة في حياته. كل ما ستفعله هو أنك سترافقه لتستمع إليه، وربما لتكتشف كيف كانت بعض تلك اللحظات.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها.

بعد دقيقة، ستبدأ برؤية رجلك في الحديقة الخلفية المعشبة لأحدهم، يلعب كرة الطاولة، ليس منذ مدة طويلة، مع “هيبي” أكثر شبابًا. إنهما لا يتنافسان، بل يضربان الكرة سويًّا وحسب، وتبدأ أنتَ بالتقاط ذلك على الورق. بعد جملتينِ سوف تبدأ بالقلقِ من انهيارٍ ماليّ كامل. كيف يبدو الأمر لو عشت في سيارة؟ في تلك اللحظة تتصل بك أمك، لتخبرك فرحةً بأن أمرًا رائعا قد حدث لشخصٍ كان لئيمًا معك في الصفّ الثامن. تنهي المكالمة، ويبدو عقلك مثل عقلِ ضفدعٍ قام العلماء بإغراقه في الكافيين. قد تحتاج دقيقة أخرى لتعود بتفكيرك إلى لحظة الرجل في الحديقة الخلفية المعشبة. أغلق عينيك، تنفس، ابدأ من جديد.

أنا أعتذر، أتمنى لو كانت هناك طريقة أدق وأذكى للقيام بذلك، ولكن يبدو أنه الحل الوحيد، صدقني أنا أكره الحلول الطبيعية، وهي غالبًا الملجأ الأخير بالنسبة لي. منذ ليليتين حضرتُ لأعلِّم صفي بألمٍ في الصدر والحلق، من النوع الذي تشعر معه بأنك مصابٌ بسرطان القصبات الهوائية، صادف ذلك وجود طبيبين عندي في الصف، أحدهما حاول طمأنتي بأن الاحتمال الأكبر هو ألا أكون مصابا بسرطان القصبات الهوائية، وأنَ سحابة منتصف الخريف الفيروسية قد هبطت، وأن الكثير من الناس يعانون من أعراضٍ مشابهة. الطبيب الآخر نصحَ بأن أشرب ماءً ساخنًا جدًا.

“ماء ساخن؟” قلتُ، “ماء ساخن؟ يجدر بي أن أكون في البيت موصّلة بحقنة الإيبديورال، أتجرع شراب كودين للسعال، وأنتَ تصفُ لي الماء الساخن؟”. هددته بعدها بأن أخفّضَ من درجته (بالطبع هذه ليست ورشة عمل بدرجات، لذلك مال طلابي لفتل عيونهم في المكان عندما هددتهم). في وقت الاستراحة أحضر لي ذلك الطبيب كوبا من الماء المغلي مثل الذي نستخدمه لكوب الشاي ولكن من دون كيس الشاي وشربته، حنجرتي وصدري توقفا عن إيلامي بعد عشرين ثانية.

كرهتُ ذلك.

ومع ذلك، التنفسُ بهدوء يساعد على الوصول إلى ذلك المكان، حيث تعمل قلوب شخصياتك، والأشياء التي يقولها الناس في الشوارع، تصبح مسموعة فوق صوت محطة الراديو العاطلة. عندما تكون في تلك الوضعية ستعرف. أجاهدُ نفسي بشكل كبير لكيلا أستخدم كلمة تناغم هنا. إذن، دعني أقصّ عليك قصة سريعة.

في الصيف الماضي استقبلتُ مكالمة هاتفية من منتج في مدينة نيويورك، أراد مني أن أسافر بواسطة الطيارة شرقا بعد يومين وأن أبيت الليلة لأشارك في برنامج حواري تلفزيوني ثم أطير عائدةً إلى مدينتي. فكّرتُ طويلاً، ومليًّا، فيما إذا كان يجدر بي الذهاب. استغرق الأمر ثلاثين ثانية تقريبًا.

بالطبع أردت الذهاب، لكن كان عليّ أن أقوم بترتيبات من أجل ابني سام ليبيت عند جديه، واحتجتُ لحجز رحلة عودة لتوصلني في الوقت المناسب لأعطي المحاضرة لورشة العمل التي أشرف عليها في الليلة التالية، والرحلة الوحيدة التي ستفي بالغرض كانت مرتبطة بالتوقف في مطار مدينة دالاس فورت وورث. توقف الطائرة في مطار دالاس هو شيء لم أكن صدقا متصالح معه. لذا شاركت كل هذا مع المنتج، ثمّ خرجتُ إلى اجتماع لجنة في كنيسة.

كنتُ حالة من الفوضى، من السماعة اليمنى، كانت قناة الراديو المعطلة تعزف بروفات برنامج تلفزيوني، وظهورات متتالية لـ ديف وأرسينيو. من السماعة اليسرى، كان هناك برنامج يستقبل اتصالات عن حوادث الطائرات، رافقها وصف لما يحدث للجسدِ عند الاصطدام.

وصلتُ إلى الكنيسة ولم تكن اللجنة قد اجتمعت بعد، و لكن أربعة من كبار الكنيسة –كانوا نساء بالمجمل- ثلاث نساء من أفارقة أمريكا و واحدة بيضاء. كنّ يعقدن جلسة صلاة، كنّ يصلّين للأطفال المشرّدين.

“هل نستطيع أن نناقش مشكلتي الشخصية للحظة؟ ” سألت. أومأن برؤوسهن، فأخبرتهن كل شيء عن مخاوفي المتعلقة بالطيران، وكم عدد الأجزاء المتحرّكة في تلك الرحلة الذاهبة شرقا. أومأن برؤوسهن مجددًا. بدا أنهن مؤمنات بأنه بين يسوع المسيح ووكالة السفر، يمكنُ للأمور أن تُحل. تنهّدتُ. كان اجتماعي يبدأ في غرفةٍ أخرى، لذا جررتُ نفسي خارجا. كان عقلي محاصرًا بصورٍ من البرنامج الحواري، سقوط الطائرة، والرجل المجنون ببندقية في مطار دالاس. كنتُ أعاني من بعض المشاكل في التركيز. انتهى الاجتماع، وفي طريقي إلى الخارج، لفت نظري كتاب صغير للصلوات. حملته و دسسته في حقيبتي.. فكرتُ بأنه يمكنني إلقاء نظرة عليه خلال العشاء وثمّ إعادته في الأحد القادم. طوال الطريق إلى مفصل شارع الهامبرغر، قلقتُ قلقتُ أن يصيبني حادث سيارة وأنْ يُكتشف الكتاب بحوزتي. سيعرفُ منقذيَّ بأنني قد فقدتُ عقلي أخيرا، وبأنني صرتُ أحد أولئك المتعصبين الذين يعتقدون بأن العالم سوف ينتهي غدا بعد الغداء مباشرة. وصلت إلى المطعم بسلام، وعندما جلست أخرجت الكتاب الصغير ، فتحته قبل أن أخرجه من الحقيبة لكيلا يظهر الغلاف، و كأنه أكثر كتب الجنس بذاءة مثل “المؤخرات الكبيرة الجميلة” أو شيء من هذا القبيل.

بدأتُ القراءة، وفي إحدى الصفحات عثرت على هذا المقطع الجميل: “تيّارُ الخليج سوف يتدفق عبرَ قصبة إذا كانت القصبة متوازية مع تيّار الخليج، وليست متقاطعة معه.”

لتلخيص القصة الطويلة، طرتُ إلى نيويورك وكل شيء مضى على يرام. لم يكن علي التوقف في مطار دالاس وعدت إلى بيتي في الوقت المناسب لأعلم صفّي. لذا دائما ما أروي لطلابي الآن قصة تيّار الخليج: ما تعنيه لنا القصة نحن الكتاب، هو أن نضع أنفسنا بشكل متوازٍ مع نهر القصة، نهر عقلنا الباطن، مع الذاكرة والحساسية، مع حيوات شخصياتنا، وعندها سوف يتدفق السرد من خلالنا، ونكون نحن القصبة.

عندما تبث محطة الراديو العاطلة، نكون بموضع متقاطع مع النهر. لذا نحتاج أن نجلس هناك ونتنفس، نهدئ من أنفسنا، نرفع أكمامنا ونبدأ من جديد.

This entry was posted in نصائح الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *